عادت إشكالية “مقعد إفريقيا الدائم” وملف إصلاح مجلس الأمن الدولي إلى صدارة النقاشات الدولية مجددًا، مدفوعةً بتصاعد الأزمات العالمية من جهة، وتنامي مطالب دول الجنوب بإعادة هيكلة مؤسسات الحوكمة العالمية من جهة أخرى.
وفي قلب هذا الجدل، بدت القارة الإفريقية بوصفها أحد أبرز الأطراف المطالبة بتصحيح ما تصفه بـ”الاختلال البنيوي” في النظام الدولي، والمتمثل في استمرار استبعادها من العضوية الدائمة داخل مجلس الأمن، رغم أنها تضم 54 دولة تمثل نحو 28% من عضوية الأمم المتحدة، ويتركز على أراضيها جزء كبير من الملفات المدرجة على جدول أعمال المجلس.
وقد تجدد الزخم السياسي والدبلوماسي لهذا الملف خلال الاجتماع الوزاري الخاص بإصلاح مجلس الأمن، الذي عُقد على هامش القمة الإفريقية الفرنسية في نيروبي يومي 12 و13 مايو الجاري، حيث شدّد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، على أن “إفريقيا لا تطلب معروفًا، بل تطالب بتصحيح ظلم تاريخي”.
يوسف أكد تمسك القارة بموقفها الموحد القائم على “توافق إزولويني” و”إعلان سرت”، اللذين يطالبان بمنح إفريقيا مقعدين دائمين يتمتعان بكامل الصلاحيات، بما في ذلك حق النقض (الفيتو)، إلى جانب خمسة مقاعد غير دائمة.
ولم تأتِ هذه المطالب في فراغ سياسي؛ بل تتزامن مع تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، تتجسد في تراجع الهيمنة الغربية التقليدية، وصعود خطاب “الجنوب العالمي”، واتساع تكتلات مثل “بريكس”، التي باتت تدفع بشكل متزايد نحو إصلاح المؤسسات الدولية بما يعكس التوازنات الجديدة للقوة والنفوذ.
كما أن عجز مجلس الأمن عن التعامل بفعالية مع أزمات كبرى مثل الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب على غزة، والتوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، أعاد طرح سؤال الشرعية والتمثيل داخل المجلس بصورة أكثر إلحاحًا.
لكن رغم هذا الزخم، لا يزال الطريق نحو “المقعد الإفريقي الدائم” محفوفًا بتعقيدات قانونية وسياسية كبيرة؛ تبدأ من شروط تعديل ميثاق الأمم المتحدة، ولا تنتهي عند التنافس غير المعلن بين القوى الإفريقية الكبرى -مثل مصر، وجنوب إفريقيا، ونيجيريا، وإثيوبيا- حول أحقية تمثيل القارة في حال تحقق الإصلاح.
في هذا السياق، يسعى هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية في إشكالية “المقعد الإفريقي الدائم” داخل مجلس الأمن، عبر تفكيك دوافع الإصلاح، واستعراض المسارات الإفريقية الداعمة له، وتحليل مواقف القوى الكبرى، والوقوف على أبرز العقبات والفرص التي قد تجعل من اللحظة الدولية الراهنة نافذة تاريخية محتملة لكسر الجمود الممتد منذ عقود.
إشكالية “المقعد الإفريقي الدائم”
أولاً: ماذا يعني إصلاح مجلس الأمن؟
يُعد إصلاح مجلس الأمن أحد أكثر ملفات الإصلاح المؤسسي تعقيدًا داخل منظومة الأمم المتحدة؛ نظرًا لارتباطه المباشر بإعادة توزيع النفوذ داخل النظام الدولي نفسه.
فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، صُمّم مجلس الأمن ليكون الجهاز التنفيذي الأعلى المسؤول عن حفظ السلم والأمن الدوليين، وتم منح خمس دول فقط عضوية دائمة داخله، وهي: الولايات المتحدة، وروسيا (وريثة الاتحاد السوفيتي)، والصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة، مع امتياز خاص يتمثل في حق النقض (الفيتو).
أما بقية أعضاء المجلس، وعددهم عشرة، فيُنتخبون لفترات مؤقتة مدتها عامان دون أن يتمتعوا بامتيازات العضوية الدائمة.
ومنذ التعديل الوحيد الذي أجري عام 1965، والذي رفع عدد أعضاء المجلس من 11 إلى 15 عضوًا، لم يطرأ أي تغيير جوهري على تركيبته أو آليات اتخاذ القرار فيه.
جوهر الإصلاح.. التمثيل والفعالية
عندما يُطرح مفهوم “إصلاح مجلس الأمن”، فإنه يشير عادة إلى محورين رئيسيين:
- توسيع عضوية المجلس
ويشمل ذلك زيادة عدد الأعضاء الدائمين وغير الدائمين؛ بهدف جعل المجلس أكثر تمثيلاً للواقع الدولي الراهن، خصوصًا مع صعود قوى جديدة وازدياد عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من 51 دولة عند التأسيس إلى 193 دولة اليوم.
- إعادة النظر في نظام الفيتو
إذ يُعد حق النقض أكثر أدوات المجلس إثارة للجدل، لأنه يسمح لأي عضو دائم بإفشال أي قرار مهما كان حجم التأييد الدولي له؛ وقد أدى هذا الامتياز مرارًا إلى شلل المجلس وعجزه عن اتخاذ قرارات حاسمة في أزمات كبرى.
لماذا أصبح الإصلاح أكثر إلحاحًا الآن؟
لم يكن الجدل حول إصلاح مجلس الأمن جديدًا، لكنه اكتسب زخمًا متزايدًا خلال العقد الأخير؛ لعدة أسباب:
- تصاعد الانتقادات لبنية المجلس الحالية
تتعرض تركيبة المجلس لانتقادات متزايدة باعتبارها انعكاسًا لموازين قوى تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا لعالم القرن الحادي والعشرين، فدول مثل ألمانيا، والهند، والبرازيل، واليابان، إلى جانب إفريقيا، ترى أن النظام الحالي لا يعكس التغيرات الاقتصادية والديمغرافية والجيوسياسية التي شهدها العالم.
وقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن ذلك بوضوح حين قال إن مجلس الأمن “لا يزال يعكس موازين القوى لعام 1945، وهو أمر لم يعد مقبولا”.

- عجز المجلس عن التعامل مع الأزمات الدولية
كشفت أزمات السنوات الأخيرة حدود فعالية المجلس، خاصة عندما تكون إحدى القوى الكبرى طرفًا مباشرًا في النزاع؛ ففي الحرب الروسية الأوكرانية، استخدمت روسيا حق النقض لتعطيل قرارات تدين تدخلها العسكري، بينما عرقلت الولايات المتحدة مرارًا مشاريع قرارات تتعلق بالحرب على غزة.
كما أظهرت التوترات الإقليمية الأخيرة، بما في ذلك الحرب الإيرانية، أن المجلس عاجز في كثير من الأحيان عن تجاوز الحسابات الجيوسياسية الضيقة للدول الخمس الكبرى.
- صعود خطاب “إصلاح الحوكمة العالمية”
أصبح إصلاح مجلس الأمن جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بإصلاح النظام الدولي ككل، بما يشمل مؤسسات مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، حيث تطالب دول الجنوب بتمثيل أكثر عدالة في صنع القرار العالمي.
هذا الخطاب يكتسب زخمه من اتساع الهوة بين بنية المؤسسات الدولية القديمة والواقع العالمي الجديد، الذي يتسم بتعددية قطبية متزايدة.
ثانيًا: إشكالية إصلاح مجلس الأمن.. لماذا يستعصي التغيير؟
رغم الإجماع المتزايد على ضرورة الإصلاح، فإن ترجمة هذا التوافق إلى خطوات عملية لا تزال شديدة الصعوبة، بسبب تداخل اعتبارات قانونية وسياسية ومصلحية.
- صعوبة تعديل ميثاق الأمم المتحدة
أي تعديل في تركيبة مجلس الأمن يتطلب تعديلاً رسميًا لميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يستوجب:
- موافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة (أي 129 دولة من أصل 193).
- تصديق جميع الدول الخمس دائمة العضوية.
وهذا يعني عمليًا أن أي دولة من الدول الكبرى تستطيع تعطيل الإصلاح إذا رأت أنه يهدد نفوذها أو يعيد توزيع الامتيازات داخل المجلس.
- معضلة “الفيتو”
يُعد حق النقض العقدة الأكثر حساسية في ملف الإصلاح، فمن جهة، ترى إفريقيا أن منحها مقاعد دائمة دون فيتو سيكرّس نوعًا من “العضوية الدائمة من الدرجة الثانية”، وهو ما يتعارض مع مطلب المساواة.
لكن من جهة أخرى، تبدو الدول الخمس الكبرى غير مستعدة لتوسيع هذا الامتياز أو تقاسم سلطته مع أعضاء جدد.
- غياب توافق عالمي على نموذج الإصلاح
إلى جانب الموقف الإفريقي، توجد مقترحات متعددة ومتنافسة:
- مجموعة G4 (ألمانيا، اليابان، الهند، البرازيل) تطالب بمقاعد دائمة جديدة.
- مجموعة الاتحاد من أجل التوافق (UfC)، بقيادة دول مثل إيطاليا وباكستان، ترفض إضافة أعضاء دائمين جدد وتفضّل فقط زيادة المقاعد غير الدائمة.
هذا التباين يمنع تشكّل أغلبية واضحة داخل الجمعية العامة حول صيغة إصلاح واحدة.
- الانتقال نحو تعددية قطبية دون توافق سياسي
صحيح أن العالم يتحول تدريجيًا نحو نظام أكثر تعددية، لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة استعداد القوى الكبرى لإعادة تقاسم السلطة داخل المؤسسات الدولية.
فبينما تدعم قوى مثل الصين وروسيا -نظريًا- زيادة التمثيل الإفريقي، فإن مواقفها غالبًا ما تبقى في إطار الدعم الخطابي، دون التزام واضح بخطوات عملية قد تفرض تعديلاً حقيقيًا في بنية المجلس.

ثالثًا: ماذا تريد إفريقيا من إصلاح مجلس الأمن؟
لم يعد مطلب التمثيل الإفريقي الدائم داخل مجلس الأمن مجرد شعار سياسي أو مطلب دبلوماسي عابر، بل أصبح جزءًا من مشروع إفريقي أوسع لإعادة تعريف موقع القارة داخل النظام الدولي.
ومنذ مطلع الألفية الثالثة، عملت الدول الإفريقية، عبر مؤسسات الاتحاد الإفريقي، على بناء موقف تفاوضي موحد يقوم على فكرة مركزية مفادها أن استبعاد القارة من العضوية الدائمة في مجلس الأمن يمثل “ظلمًا تاريخيًا” يجب تصحيحه، لا مجرد خلل إداري يمكن تجاوزه.
وتستند هذه الرؤية إلى أن إفريقيا تمثل أكثر من ربع عضوية الأمم المتحدة، وتُعد محورًا رئيسيًا لعدد كبير من عمليات حفظ السلام وقرارات مجلس الأمن، لكنها تبقى القارة الوحيدة التي لا تملك صوتًا دائمًا داخل الهيئة الدولية الأعلى المسؤولة عن السلم والأمن.
ضمن هذا السياق، تطورت أربعة مسارات رئيسية تعبّر عن المطالب الإفريقية وتحدد أدوات تحركها: توافق إزولويني، إعلان سرت، لجنة العشرة الإفريقية، والدعم المتصاعد من تكتل بريكس.
- “توافق إزولويني”: الوثيقة المرجعية للمطلب الإفريقي
يمثل “توافق إزولويني” (Ezulwini Consensus)، الذي اعتمده الاتحاد الإفريقي عام 2005 خلال اجتماع استثنائي في مملكة إسواتيني (سوازيلاند سابقًا)، حجر الأساس في الموقف الإفريقي المشترك بشأن إصلاح مجلس الأمن.
وجاء هذا التوافق استجابةً لتصاعد النقاشات الدولية آنذاك بشأن توسيع مجلس الأمن، ولإدراك القادة الأفارقة أن غياب موقف موحد سيضعف قدرتهم على التأثير في مسار الإصلاح.
المطالب الأساسية لـ”إزولويني”
حدد التوافق الإفريقي مطالب رئيسية:
- منح إفريقيا مقعدين دائمين في مجلس الأمن.
تمتع هذين المقعدين بجميع امتيازات العضوية الدائمة الحالية، بما في ذلك حق النقض (الفيتو)، طالما بقي هذا الحق قائمًا.
- الحصول على خمسة مقاعد غير دائمة إضافية للقارة.
وبذلك، لا يطالب الأفارقة فقط بالتمثيل الرمزي، بل بالمساواة الكاملة مع القوى الخمس الحالية.
لماذا هذا الإصرار على الفيتو؟
ترى الدول الإفريقية أن القبول بعضوية دائمة دون حق النقض سيؤدي إلى خلق طبقة جديدة من “الأعضاء الدائمين من الدرجة الثانية”، وهو ما يتناقض مع جوهر الإصلاح نفسه.
ويستند هذا الموقف إلى منطق مزدوج:
منطق أخلاقي؛ لأن القارة كانت غائبة قسرًا عن لحظة تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 بسبب الاستعمار، ومن ثم فإن أي إصلاح يجب أن يعالج هذا الظلم بصورة كاملة، ومنطق عملي؛ لأن القضايا الإفريقية تمثل نسبة كبيرة من جدول أعمال مجلس الأمن، وبالتالي يجب أن تمتلك إفريقيا أدوات تأثير حقيقية في القرارات المتعلقة بها.
نجاحات وحدود “إزولويني”
نجح التوافق في تحقيق إنجاز مهم: توحيد الخطاب الإفريقي حول قضية إصلاح مجلس الأمن، ومنع القوى الدولية من استغلال الانقسامات الداخلية، لكنه تعمد، في الوقت نفسه، تأجيل السؤال الأكثر حساسية: من سيمثل إفريقيا؟
ولم يُحدَّد أي اسم للدول التي ستشغل المقاعد الدائمة المحتملة، رغم أن دولاً مثل مصر، وجنوب إفريقيا، ونيجيريا، ترى نفسها مرشحة طبيعية لهذا الدور، وقد ساعد هذا الغموض في الحفاظ على الوحدة، لكنه زرع أيضًا بذور أزمة مستقبلية تتعلق بأحقية التمثيل.
2. إعلان سرت: تثبيت الموقف الإفريقي وتدويله
بعد أشهر قليلة من اعتماد “توافق إزولويني”، أقر القادة الأفارقة “إعلان سرت” خلال قمة الاتحاد الإفريقي في مدينة سرت الليبية عام 2005، ليمنح الموقف الإفريقي غطاءً سياسيًا رسميًا على أعلى مستوى.
وقد أعاد الإعلان التأكيد على المطالب ذاتها:
- مقعدان دائمًا لإفريقيا مع حق النقض.
- خمسة مقاعد غير دائمة.
- إصلاح شامل لمجلس الأمن في إطار “تصحيح الظلم التاريخي”.
لماذا يُعد إعلان سرت مهمًا؟
تكمن أهمية الإعلان في أنه نقل القضية من مستوى التوافق الفني بين وزراء الخارجية إلى مستوى الالتزام السياسي الجماعي لرؤساء الدول والحكومات.
كما ساهم في تحويل مطلب الإصلاح إلى جزء من الخطاب الإفريقي الأوسع حول:
- إنهاء إرث التهميش الاستعماري.
- تعزيز العدالة الدولية.
- إعادة التوازن إلى مؤسسات الحوكمة العالمية.
وقد عاد هذا الإعلان إلى الواجهة مؤخرًا خلال قمة نيروبي 2026، حيث جدّد القادة الأفارقة تمسكهم به باعتباره أحد المرجعيات الرسمية لأي تفاوض مستقبلي بشأن الإصلاح.
- لجنة العشرة الإفريقية (C10): الذراع الدبلوماسية للمطلب الإفريقي
لتحويل الموقف السياسي إلى تحرك عملي، أنشأ الاتحاد الإفريقي “لجنة العشرة” (C10)، وهي مجموعة تمثل مختلف الأقاليم الإفريقية، ومكلفة بقيادة الجهود الدبلوماسية المتعلقة بإصلاح مجلس الأمن.
تتولى اللجنة مهام رئيسية:
- الدفاع عن “الموقف الإفريقي المشترك” داخل الأمم المتحدة.
- التنسيق مع التكتلات الدولية الأخرى الداعمة للإصلاح.
- بناء تحالفات مع الدول الكبرى والمنظمات متعددة الأطراف.
وتعتمد اللجنة خطابًا واضحًا: إفريقيا لا تطلب امتيازًا جديدًا، بل استعادة حق مسلوب، ويستند هذا الخطاب إلى ثلاث حقائق رئيسية:
- إفريقيا تمثل 54 دولة داخل الأمم المتحدة، أي نحو 28% من العضوية.
- القارة محور أساسي لعمل مجلس الأمن، سواء في النزاعات أو عمليات حفظ السلام.
- لا توجد أي دولة إفريقية دائمة العضوية، رغم مرور أكثر من 80 عامًا على تأسيس الأمم المتحدة.
وقد أكد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، هذا المعنى بوضوح خلال اجتماع نيروبي حين قال: “إفريقيا لا تطلب معروفًا، بل تطالب بتصحيح ظلم تاريخي.”
محدودية الإنجاز حتى الآن
رغم الجهود المتواصلة، لم تتمكن اللجنة من تحقيق اختراق عملي حتى الآن، لكنها نجحت في:
- إبقاء ملف الإصلاح حيًا داخل الأمم المتحدة.
- كسب دعم متزايد من قوى كبرى.
- ترسيخ فكرة أن أي إصلاح لا يمكن أن يتم دون معالجة قضية التمثيل الإفريقي.
4. تكتل “بريكس”: فرصة جديدة أم ساحة خلاف إضافية؟
في السنوات الأخيرة، برز تكتل بريكس بوصفه أحد أبرز الداعمين لإصلاح الحوكمة العالمية، بما في ذلك إصلاح مجلس الأمن، وقد اكتسب هذا الدعم أهمية خاصة بعد توسع المجموعة عام 2024 بانضمام دول إفريقية جديدة مثل مصر وإثيوبيا، إلى جانب العضو الإفريقي الأصلي جنوب إفريقيا.
وأكد إعلان قمة بريكس الـ15 في جوهانسبرج عام 2023 دعم الإصلاح الشامل للأمم المتحدة، بما في ذلك:
- جعل مجلس الأمن أكثر ديمقراطية وتمثيلاً.
- زيادة تمثيل الدول النامية.
- دعم التطلعات المشروعة للدول الإفريقية.
كما كرّر إعلان قازان 2024 التأكيد على الاعتراف بالتطلعات الإفريقية، مع الإشارة الصريحة إلى “توافق إزولويني” و”إعلان سرت”.
لماذا يشكل دعم بريكس فرصة مهمة؟
لأن المجموعة تضم:
- دولتين دائمتي العضوية في مجلس الأمن (الصين وروسيا).
- دولتين تسعيان إلى العضوية الدائمة (الهند والبرازيل).
- ثلاث دول إفريقية مؤثرة (جنوب إفريقيا، مصر، إثيوبيا).
وهذا يمنح إفريقيا منصة تفاوضية جديدة داخل كتلة تسعى لإعادة تشكيل النظام الدولي.
لكن؛ من يمثل إفريقيا داخل “بريكس” نفسها؟
رغم هذا الدعم، برزت داخل بريكس مشكلة جديدة تعكس الانقسام الإفريقي الكامن.
ففي عام 2024، رفضت مصر وإثيوبيا دعم صيغة تُفهم على أنها تمنح جنوب إفريقيا أفضلية بوصفها الممثل الإفريقي الطبيعي داخل مجلس الأمن، حسب تقارير، أشارت إلى أن وزير الخارجية البرازيلي ماورو فييرا صرح بأن المجموعة تعمل على تجاوز هذه الخلافات.
رابعًا: مقعد إفريقيا الدائم.. موقف القوى الكبرى
رغم اتساع التأييد الدولي لفكرة منح إفريقيا تمثيلاً دائمًا، فإن مواقف القوى الكبرى تكشف عن فجوة واضحة بين الدعم الخطابي والالتزام العملي.
الولايات المتحدة
أعلنت الولايات المتحدة دعمها لتوسيع مجلس الأمن، بما يشمل منح إفريقيا مقاعد دائمة.
لكن هذا الدعم غالبًا ما يأتي مشروطًا بعدم توسيع حق النقض، ما يعني تأييد عضوية دائمة دون فيتو.
فرنسا
تُعد فرنسا من أكثر الدول الأوروبية دعمًا للمطلب الإفريقي.
وقد أكد الرئيس إيمانويل ماكرون خلال قمة نيروبي أن غياب إفريقيا عن العضوية الدائمة “لم يعد منطقيًا”.
لكن باريس، مثل واشنطن، لا تؤيد توسيع امتياز الفيتو.
الصين وروسيا
تتبنيان خطابًا داعمًا بقوة لزيادة التمثيل الإفريقي، خاصة ضمن سياق دعم “الجنوب العالمي”.
لكن بكين وموسكو لم تقدما التزامًا واضحًا بشأن منح الأعضاء الجدد حق النقض، وهو ما يثير شكوكًا حول مدى استعدادهما الفعلي لتقاسم النفوذ.
أوروبا
تدعم دول أوروبية عديدة الإصلاح من حيث المبدأ، لكن أولوياتها غالبًا ما تتركز على دعم مطالب دول مثل ألمانيا، أكثر من التركيز على التمثيل الإفريقي.

خامسًا: العقبات القانونية والسياسية أمام الإصلاح
لماذا لا يزال “المقعد الإفريقي الدائم” بعيد المنال؟
رغم اتساع التأييد الدولي -ولو على المستوى الخطابي- لمطلب منح إفريقيا تمثيلاً دائمًا داخل مجلس الأمن، فإن الطريق إلى تحقيق هذا الهدف لا يزال محفوفًا بعقبات قانونية وسياسية معقدة، بعضها مرتبط ببنية الأمم المتحدة نفسها، وبعضها الآخر نابع من التنافس الدولي والإفريقي على حد سواء.
وفي الواقع، لا تكمن المعضلة الأساسية في الاعتراف بمشروعية المطالب الإفريقية؛ إذ إن معظم الأطراف الدولية باتت تقرّ بأن غياب إفريقيا عن العضوية الدائمة يمثل خللاً واضحًا في بنية النظام الدولي.
بل إن الإشكالية الحقيقية تتمثل في كيفية ترجمة هذا الاعتراف إلى إصلاح مؤسسي فعلي، وهو ما يصطدم بجملة من التحديات المتداخلة.
1. عقدة التوافق القاري: من يمثل إفريقيا؟
ربما تمثل هذه العقبة التحدي السياسي الأكثر حساسية، والأقل إعلانًا، داخل الملف الإفريقي نفسه.
فعلى الرغم من نجاح “توافق إزولويني” و”إعلان سرت” في توحيد الخطاب الإفريقي حول مبدأ المطالبة بمقعدين دائمين، فإنهما تجنبا عمدًا الإجابة عن السؤال الأصعب: أي الدول ستشغل هذين المقعدين؟
هذا الغموض كان مفيدًا في البداية للحفاظ على وحدة الموقف، لكنه مع مرور الوقت تحول إلى نقطة ضعف استراتيجية.
أبرز المرشحين وسباق الظل الإفريقي
توجد أربع دول تُطرح عادة بوصفها الأوفر حظًا لتمثيل القارة:
مصر
تتمتع بثقل دبلوماسي وتاريخي كبير، وتُعد من أوائل الدول الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن دورها التقليدي في القضايا الإقليمية والدولية.
جنوب إفريقيا
تُعد القوة الاقتصادية والسياسية الأبرز في الجنوب الإفريقي، والعضو الإفريقي الأكثر حضورًا في تكتل بريكس.
نيجيريا
أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان، وتمتلك ثقلاً اقتصاديًا وعسكريًا متزايدًا في غرب القارة.
إثيوبيا
مقر الاتحاد الإفريقي، وتحظى بأهمية رمزية وسياسية خاصة داخل الدبلوماسية الإفريقية.
ورغم غياب إعلان رسمي عن تنافس مباشر، فإن المؤشرات الأخيرة -خصوصًا داخل بريكس- تكشف عن سباق ظلّ إفريقي حول أحقية التمثيل.
فرفض مصر وإثيوبيا دعم أي صيغة قد تُفهم على أنها تمنح جنوب إفريقيا موقع “الممثل الطبيعي” للقارة داخل مجلس الأمن يعكس بوضوح أن معركة المقعد لم تعد فقط مع القوى الكبرى، بل أيضًا داخل البيت الإفريقي نفسه.
غياب آلية اختيار واضحة
حتى الآن، لم يضع الاتحاد الإفريقي أي معايير رسمية أو آلية ملزمة لاختيار ممثليه المحتملين، سواء عبر التصويت بين الدول الأعضاء، أو التناوب الإقليمي، أو اعتماد معايير موضوعية مثل الاقتصاد، والمساهمة في حفظ السلام، والخبرة الدبلوماسية.
هذا الفراغ المؤسسي يمنح القوى الخارجية ذريعة للتشكيك في جاهزية إفريقيا للاستفادة من الإصلاح، ويُضعف من قوة خطابها التفاوضي.
2. شروط تعديل ميثاق الأمم المتحدة
حتى لو نجحت إفريقيا في تجاوز خلافاتها الداخلية، فإن العقبة القانونية الأهم تبقى في آلية تعديل ميثاق الأمم المتحدة نفسه.
وفق المادة 108 من الميثاق، يتطلب أي تعديل يتعلق بمجلس الأمن، موافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة (أي 129 دولة من أصل 193)، ثم تصديق جميع الدول الخمس دائمة العضوية.
وهذا يعني عمليًا أن أي دولة من الدول الخمس الكبرى تستطيع تعطيل الإصلاح منفردة، حتى لو أيدته غالبية المجتمع الدولي.
لماذا يشكل هذا شرطًا شبه تعجيزي؟
لأن إصلاح مجلس الأمن لا يتعلق فقط بإضافة أعضاء جدد، بل بإعادة توزيع النفوذ داخل أعلى مؤسسة أمنية دولية.
ومن غير الواقعي افتراض أن القوى الكبرى ستتخلى بسهولة عن امتيازاتها أو توافق على تقليص تفوقها الرمزي والسياسي.
3. معضلة “الفيتو”: العدالة مقابل الواقعية
يُعد حق النقض (الفيتو) أكثر القضايا تعقيدًا في ملف الإصلاح، وتصر إفريقيا، استنادًا إلى “توافق إزولويني”، على أن أي عضوية دائمة جديدة يجب أن تتضمن الحق الكامل في استخدام الفيتو، طالما استمر هذا الامتياز قائمًا للأعضاء الحاليين.
من الناحية المبدئية، يبدو هذا المطلب منطقيًا؛ إذ إن منح إفريقيا مقاعد دائمة بلا فيتو سيؤدي إلى:
- تكريس عدم المساواة.
- خلق فئة جديدة من “الأعضاء الدائمين من الدرجة الثانية”.
لكن من الناحية العملية، يبدو هذا الشرط من أصعب العقبات، لأن:
- الولايات المتحدة لا ترغب في تقليص وزنها النسبي داخل المجلس.
- الصين وروسيا تستخدمان الفيتو بصورة متزايدة كأداة استراتيجية.
- فرنسا والمملكة المتحدة تدعمان التمثيل الإفريقي، لكنهما ترفضان توسيع نطاق الفيتو.
هل يمكن القبول بحل مرحلي؟
برزت في السنوات الأخيرة مقترحات تدعو إلى منح إفريقيا عضوية دائمة دون فيتو في المرحلة الأولى، مع إمكانية مراجعة الملف لاحقًا.
لكن هذا الطرح يثير تحفظات إفريقية قوية، خشية أن يتحول “المؤقت” إلى دائم، وأن تُرسَّخ بنية جديدة للتمييز داخل المجلس.
4. غياب توافق عالمي على نموذج الإصلاح
لا تقتصر الانقسامات على إفريقيا وحدها؛ بل تشمل أيضًا بقية الأطراف الدولية.
هناك ثلاثة اتجاهات رئيسية:
مجموعة G4وتضم ألمانيا واليابان والهند والبرازيل، وتطالب هذه الدول بالحصول على مقاعد دائمة، مع دعم تمثيل إفريقيا.
مجموعة “الاتحاد من أجل التوافق” (UfC) تقودها دول مثل إيطاليا وباكستان، وترفض إضافة أعضاء دائمين جدد، وتقترح فقط زيادة المقاعد غير الدائمة.
القوى الكبرى
تدعم الإصلاح نظريًا، لكنها تختلف بشأن عدد الأعضاء الجدد، وحق النقض، وهوية الدول المرشحة.
هذا التشظي يجعل من الصعب بناء أغلبية واضحة حول نموذج إصلاح واحد.
سادسًا: هل تمثل اللحظة الدولية الحالية فرصة تاريخية لإفريقيا؟
رغم العقبات الكبيرة، هناك مؤشرات قوية تدفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن إفريقيا قد تكون أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق اختراق تاريخي.
1. تراجع الهيمنة الغربية التقليدية
يشهد العالم تحولاً تدريجيًا من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث تتراجع قدرة الغرب على احتكار القرار الدولي.
هذا التحول يفتح المجال أمام قوى الجنوب، بما فيها إفريقيا، للمطالبة بإعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسات الدولية.
2. الدعم الغربي لمقعد إفريقي
للمرة الأولى، أعلنت قوى غربية كبرى دعمًا صريحًا للتمثيل الإفريقي.
3. توسع بريكس وصعود “الجنوب العالمي”
يمنح توسع بريكس إفريقيا منصة إضافية للضغط.
فالمجموعة تقدم نفسها باعتبارها بديلاً أكثر تمثيلًا للنظام الدولي القائم، وتربط بين إصلاح مجلس الأمن وإصلاح الحوكمة العالمية بشكل عام.
4. الأهمية الجيوسياسية المتزايدة لإفريقيا
لم تعد إفريقيا مجرد “موضوع” للنقاش الدولي، بل أصبحت لاعبًا استراتيجيًا مهمًا بسبب:
- المعادن الحيوية اللازمة للتحول الطاقي.
- النمو السكاني الكبير.
- الأسواق الناشئة.
- الموقع الجغرافي الاستراتيجي.
- التنافس الدولي المتزايد عليها.
كل ذلك يعزز من قدرتها التفاوضية.
ختامًا: بعد أكثر من عقدين على اعتماد “توافق إزولويني”، لم تحصل إفريقيا بعد على المقعد الذي تطالب به، لكن المعركة نفسها غيّرت موقع القارة داخل النظام الدولي، لكنّ إفريقيا نجحت تحويل قضية التمثيل إلى قضية عدالة دولية، وفرضت نفسها طرفًا فاعلاً في نقاش إصلاح الأمم المتحدة، كما كسبت دعمًا متزايدًا من قوى دولية مختلفة.
لكن النجاح النهائي سيعتمد على أربعة مسارات واضحة، أبرزها الحفاظ على الوحدة الإفريقية؛ لأن الانقسام الداخلي هو أكبر هدية يمكن أن تُمنح لمعارضي الإصلاح، وضرورة حسم سؤال التمثيل؛ فالعالم لن ينتظر إلى الأبد كي تحدد إفريقيا من يتحدث باسمها.
علاوة على المرونة التكتيكية دون التفريط بالمبدأ؛ عبر الموازنة بين المطالبة بالعدالة وقبول الحلول المرحلية إذا لزم الأمر، والحاجة إلى بناء تحالفات دولية ذكية؛ لتحويل الدعم الخطابي إلى ضغط سياسي فعلي.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تمثل اللحظة الدولية الراهنة فرصة تاريخية لكسر الجمود، أم أن “المقعد الإفريقي الدائم” سيظل أملاً معلّقًا في الهواء؟
ما يبدو مؤكدًا هو أن إفريقيا لم تعد تقبل موقع المتفرج، وأن صوتها -الذي كان مهمشًا عند تأسيس الأمم المتحدة عام 1945- أصبح اليوم من المستحيل تجاهله.









































