بقلم: مامادو فاي Mamadou Faye
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– استضافت نيروبي لأول مرة قمة «إفريقيا إلى الأمام» Africa Forward، قادها الرئيس الفرنسي ماكرون مع 30 زعيماً إفريقيّاً، في تحوُّل جيوإستراتيجي.
– اختيار كينيا (ناطقة بالإنجليزية، خارج التراث الفرنسي) إشارة لتجاوز اللغات الرسمية «فرصة تاريخية لصوت إفريقي موحد».
– يركز الرئيس الكيني على: السلم والأمن أولاً، ثم شراكات اقتصادية مع فرنسا والعالم.
– يعكس انعقاد القمة في كينيا «رغبة فرنسية ملحّة في توسيع آفاقها الإفريقية».
– يؤكد ماكرون دور الفرنسية كـ«لغة تبادل ووحدة»، قادرة على عبور التنوع اللغوي الإفريقي وتعزيز التواصل بين شعوب القارة.
– أمام التوترات الدبلوماسية المتفاقمة مع دول إفريقية عديدة، ولا سيما أعضاء تحالف دول الساحل، تسعى فرنسا إلى إعادة صياغة علاقاتها بالقارة.
– أمام تراجع نفوذها السياسي في الدول الفرنكوفونية، تركز فرنسا الآن على البعد الاقتصادي لتعزيز حضورها.
* * *
في خطوةٍ ترمز إلى تحوُّل جيوإستراتيجي ملحوظ، استضافت العاصمة الكينية نيروبي، للمرة الأولى في تاريخها، قمة «إفريقيا إلى الأمام» Africa Forward، التي تجمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنحو ثلاثين زعيماً إفريقيّاً. ويأتي هذا الاستحقاق الدبلوماسي في سياقٍ تشهد فيه منطقة الساحل تقلّبات جيوسياسية عميقة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النفوذ الفرنسي في القارة السمراء.
لماذا اختيار كينيا؟:
يُعتبر اختيار كينيا، البلد الناطق بالإنجليزية وغير المرتبط بالتراث الاستعماري الفرنسي، بمثابة إشارة سياسية واضحة. فقد أكد وزير الخارجية الكيني، موساليا مودافادي، في تصريحاتٍ لـ«بي بي سي» أن انعقاد القمة في بلد غير ناطقٍ بالفرنسية «يرسل رسالة قوية مفادها أن التزاماتنا لا يجب أن تمليها اللغات الرسمية»، معتبراً أن هذا اللقاء يُمثل «فرصة تاريخية لإفريقيا لتتحدث بصوت موحّد».
وقد شدد الوزير الكيني على أن المحادثات تتركز حول محورين إستراتيجيين رئيسيين: السلم والأمن، في المرتبة الأولى، ثم تطوير الشراكات الاقتصادية بين إفريقيا وفرنسا والمجتمع الدولي على نطاقٍ أوسع.
ويرى المحلل السياسي والباحث في مركز «واثي» للدراسات، جيل يابي، أن هذه القمة تعكس «تطوراً جوهرياً» في العلاقات الفرنسية الإفريقية. ويُضيف «الرمزية هنا قوية للغاية؛ فللمرة الأولى، يُعقد هذا اللقاء التقليدي بين الرئيس الفرنسي ونظرائه الأفارقة في دولة ناطقة بالإنجليزية، بعيداً عن الذاكرة الاستعمارية الفرنسية».
غير أن يابي يرى في هذا التحول ما قد يعكس «نوعاً من التباعد» بين باريس والعديد من الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية، رغم تباين المشهد من بلدٍ لآخر. ففي حين تشهد العلاقات مع دول الساحل، وعلى وجه التحديد: مالي وبوركينا فاسو والنيجر، توتراً حاداً أو حتى قطيعة دبلوماسية، تظل الروابط السياسية والاقتصادية قوية في مناطق أخرى من غرب ووسط القارة.
على الرغم من هذه التباينات؛ يعتبر يابي أن انعقاد القمة في كينيا يعكس «رغبة فرنسية ملحّة في توسيع آفاقها الإفريقية»، مشيراً إلى أن «باريس تسعى من الآن فصاعداً إلى مخاطبة القارة بأكملها، عبر استكشاف شراكات جديدة وآفاق اقتصادية غير مسبوقة».
فرنسا تعيد تصنيف دبلوماسيتها تجاه إفريقيا وسط توترات متصاعدة:
أمام التوترات الدبلوماسية المتفاقمة مع دول إفريقية عديدة، ولا سيما أعضاء تحالف دول الساحل، تسعى فرنسا إلى إعادة صياغة علاقاتها بالقارة. يهدف النهج الجديد إلى كسر الإرث الاستعماري لـ«إفريقيا الفرنسية»، متجاوزاً الحدود اللغوية التقليدية التي حددت تفاعلات باريس مع المنطقة لعقود.
يبرز هذا التحول بوضوح في قمة «إفريقيا إلى الأمام» الجديدة، التي عُقدت لأول مرّة في دولة ناطقة بالإنجليزية. من برج العرب قرب الإسكندرية، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون، قبل توجهه إلى نيروبي: «لقد أردنا دائماً إعادة فرنسا إلى الساحة: إفريقيا الفرنسية وإفريقيا الفرنكوفونية»، وأوضح أن اختيار اسم القمة وموقعها في نيروبي يعكس تحولاً جذرياً، مشيراً إلى «قارة تضم ألف لغة».
مع ذلك، يؤكد ماكرون على دور الفرنسية كـ«لغة تبادل ووحدة»، قادرة على تجاوز التنوع اللغوي الإفريقي وتعزيز التواصل بين شعوب القارة. في نيروبي، رحب مسؤولون كينيون بهذا التوجه؛ فقد وصف موساليا مودافادي، وزير الخارجية الكيني، القمة بأنها «فرصة لكينيا وفرنسا لتجاوز الحواجز اللغوية المصطنعة» مضيفاً: «لقد صنّفنا الدول طويلاً بناءً على الإنجليزية أو الفرنسية أو البرتغالية، لكن هذه التصنيفات تعيق الاندماج الإفريقي الحقيقي».
الشراكة الاقتصادية كمحرك إستراتيجي:
أمام تراجع نفوذها السياسي في الدول الفرنكوفونية، تركز فرنسا الآن على البُعد الاقتصادي لتعزيز حضورها. الهدف: استكشاف أسواق ناشئة، بناء شراكات إستراتيجية، وترسيخ جذورها في الاقتصادات الأكثر حيوية بإفريقيا.
في نيروبي، دارت النقاشات حول قطاعات واعدة مثل الاقتصاد الأزرق، الموارد الطبيعية، والصناعات التحويلية عالية القيمة. يرى مودافادي أن الوقت حان لاستغلال هذه المجالات المهملة سابقاً. أما المحلل جيل يابي، فيُشير إلى براغماتية هذا التحول: «منذ سنوات، تفوقت دولٌ مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا كشركاء تجاريين لفرنسا على بعض الدول الناطقة بالفرنسية، حتى ساحل العاج رغم حجم اقتصادها».
يُظهر يابي أن «إفريقيا إلى الأمام» يعكس توترات مع مستعمرات سابقة، لكنه تكيف إستراتيجي مع الواقع الاقتصادي الجديد. «فرنسا تتصرف كأي دولة تدافع عن مصالحها»، مضيفاً أن مؤسساتها حددت نيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا كأسواق ديناميكية للشركات الفرنسية. ولا يقتصر الأمر على الأسواق؛ فالموارد الطبيعية تبقى محورية، مع مشاركة شركات فرنسية كبرى في مشاريع الطاقة والتعدين في المناطق الناطقة بالإنجليزية والبرتغالية، كموزمبيق وأوغندا.
في النهاية، يصف يابي هذا التموضع بـ«الواقعية الإستراتيجية»، حيث تسعى فرنسا، على غرار أوروبا بأكملها، لحماية مصالحها أمام المنافسة العالمية المتزايدة، خاصةً من اللاعبين الآسيويين الذين يعززون نفوذهم الاقتصادي والدبلوماسي في القارة.
ما الذي كان متوقعاً من هذه القمة؟:
بحضور أكثر من 30 رئيس دولة إفريقي، إلى جانب كبار رجال الأعمال الأفارقة والفرنسيين، بما في ذلك الملياردير النيجيري أليكو دانغوتي، تتعدى قمة «إفريقيا إلى الأمام» الإطار الدبلوماسي التقليدي. يرى العديد من المراقبين أنها فرصة ذهبية لإطلاق شراكات اقتصادية وسياسية جديدة عبر القارة.
يؤكد المحلل جيل يابي أن جوهر القمة يكمن في التبادلات التي تتيحها، مؤكداً أن «هذه اللقاءات تمنح القادة الأفارقة فرصة للحوار، ليس فقط مع الرئيس الفرنسي، بل بين بعضهم البعض»، مضيفاً أن هذا «يمكن أن يعزز الروابط بين الدول الناطقة بالفرنسية والإنجليزية». وفي شرق إفريقيا تحديداً، تجذب الدينامية الاقتصادية شركات فرنسية تبحث عن مصادر نمو جديدة.
لكن يابي يدعو الدول الإفريقية إلى استغلال هذه الفرصة لتعزيز الروابط الاقتصادية الإفريقية البينية. ويأسف لتركيز هذه المؤتمرات على السلطات السياسية والمجموعات الدولية الكبرى، قائلاً: «القادة الأفارقة لا يربطون دائماً شركاتهم الصغيرة والمتوسطة والكبيرة بهذه اللقاءات، رغم إمكانية فتح أبواب الأسواق الإفريقية الأخرى أمامهم».
تتجاوز القمة الخطابات الرسمية لتصبح فضاءً واسعاً للتواصل التجاري. يرى رجال أعمال فرنسيون ومستثمرون كينيون وفاعلون اقتصاديون من أنحاء إفريقيا فيها فرصة لإقامة اتصالات وبناء شراكات دائمة. يلخص يابي: «المتوقع بشكل خاص هو علاقات ملموسة، روابط عمل، وتعاون مستمر».
وكان من المتوقع أيضاً أن تشهد القمة إعلانات سياسية بارزة. وقد تكون هذه إحدى المنابر الإفريقية الأخيرة لإيمانويل ماكرون في ولايته الرئاسية، حيث يدافع عن إرثه مع القارة، خاصةً في قضايا الذاكرة، إعادة الأعمال الثقافية الإفريقية، والمبادرات المتعلقة بالإرث الاستعماري، بحسب يابي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
https://www.bbc.com/afrique/articles/c78k4148995o











































