أعلنت منظمة الصحة العالمية أن تفشي فيروس الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية يمثل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا.
ويُعد هذا التفشي الأخير تحديًا خاصًا؛ لأنه ناجم عن سلالة نادرة من الإيبولا لا يتوافر لها لقاح معتمد، كما أن بؤرة التفشي تقع في منطقة تعاني من النزاع المسلح.
حول هذه الأزمة التي تقلق العالم، تنقل “قراءات إفريقية” تقريرًا أعدته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، يتناول أسباب القلق الدولي من التفشي الأخير لفيروس الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والعوامل التي تجعل احتواءه أكثر تعقيدًا مقارنة بالتفشيات السابقة.
ما هو فيروس الإيبولا وما أعراضه؟
الإيبولا مرض نادر لكنه قاتل، يسببه فيروس، وعادةً ما تصيب فيروسات الإيبولا الحيوانات، وخاصة خفافيش الفاكهة، إلا أن التفشيات بين البشر قد تبدأ أحيانًا عندما يتناول الناس حيوانات مصابة أو يتعاملون معها.
وتستغرق فترة ظهور الأعراض ما بين يومين و21 يومًا بعد الإصابة، وتظهر الأعراض بشكل مفاجئ، وتبدأ بطريقة تشبه الإنفلونزا أو الملاريا، مع الحمى والصداع والإرهاق.
ومع تطور المرض، تظهر أعراض القيء والإسهال، وقد يؤدي إلى فشل في الأعضاء، كما يعاني بعض المرضى -وليس جميعهم- من نزيف داخلي وخارجي.
وينتقل الفيروس من شخص إلى آخر عبر ملامسة سوائل الجسم المصابة، مثل الدم أو القيء.
وكانت تفشيات الإيبولا في السابق محدودة وصغيرة ومحصورة في المناطق الريفية النائية، غير أن التوسع العمراني يدفع أعدادًا أكبر من السكان إلى الاقتراب من البيئات الطبيعية الحاضنة للفيروس، ما يزيد من خطر انتقاله.

لماذا يختلف هذا التفشي عن غيره؟ وهل يوجد لقاح؟
ينجم هذا التفشي عن سلالة بونديبوغيو (Bundibugyo) النادرة من فيروس الإيبولا، والتي لم تُرصد منذ أكثر من عقد.
وسُمّيت السلالة نسبة إلى منطقة في أوغندا اكتُشفت فيها للمرة الأولى، ولم تتسبب سوى في تفشيين سابقين فقط، عامي 2007 و2012.
وأظهرت إحدى الدراسات أن هذه السلالة تسببت في وفاة نحو ثلث المصابين بها، وهي نسبة أقل بكثير من سلالتي زائير (66.6%) والسودان (48.5%) الأكثر شيوعًا.
وكانت اختبارات الدم الأولية للكشف عن الإيبولا في المناطق المتضررة قد جاءت سلبية، لأنها صُممت لرصد السلالات الأكثر انتشارًا من المرض.
ولا يوجد حتى الآن لقاح معتمد ضد سلالة بونديبوغيو، لكن يجري تطوير لقاحات تجريبية، بينما من المحتمل أن يوفر اللقاح المستخدم ضد سلالة زائير قدرًا من الحماية.
كما لا توجد أدوية تستهدف هذه السلالة تحديدًا، ما يجعل علاجها أكثر صعوبة.
اقرأ أيضًا: الصحة العالمية تُعلن عن تسارع الاستجابة لوباء الإيبولا في الكونغو الديمقراطية
وقد أوصت منظمة الصحة العالمية بتقييم عقار أوبيلديسيفير (Obeldesivir) المضاد للفيروسات -والذي طُوّر خلال جائحة (كورونا) كوفيد 19- وفق بروتوكولات صارمة، لمعرفة مدى فعاليته في منع الأشخاص المخالطين لمرضى الإيبولا من الإصابة بالمرض.
ويزيد من تعقيد الوضع أن التفشي يحدث في منطقة نزاع، حيث نزح نحو ربع مليون شخص من منازلهم، كما يعبر السكان حدودًا سهلة الاختراق إلى الدول المجاورة.
وقالت تريش نيوبورت من منظمة أطباء بلا حدود، التي تشارك بشكل مكثف في جهود مكافحة التفشي، لـ”بي بي سي” إن السيطرة على الأراضي تتغير باستمرار بين الجماعات المسلحة المختلفة، ما يجعل من الصعب على فرق الاستجابة الطارئة الوصول ببساطة إلى بؤر انتشار الإيبولا.
وأضافت أن سوء الطرق يمثل مشكلة إضافية، إذ إن رحلة بطول 90 كيلومترًا من مدينة بونيا إلى مونغبالو، وهي إحدى بلدتي تعدين الذهب اللتين سجلتا معظم الإصابات، تستغرق أكثر من ثلاث ساعات.
ومع ذلك، فإن إعلان منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا لا يعني أن العالم يقف أمام المراحل الأولى من جائحة شبيهة بكوفيد-19، إذ إن خطر انتشار الإيبولا خارج وسط وشرق إفريقيا يظل محدودًا للغاية.

كيف بدأ تفشي الإيبولا الحالي؟
كانت أول حالة معروفة لممرضة ظهرت عليها الأعراض في 24 أبريل، ما يعني أن الفيروس كان ينتشر دون اكتشاف لأسابيع.
وتوفيت الممرضة في مدينة بونيا، عاصمة إقليم إيتوري شرقي الكونغو الديمقراطية، بحسب وزير الصحة الكونغولي صامويل روجيه كامبا.
ثم نُقل جثمان الضحية إلى مدينة مونغبالو.
وقال كامبا إن أحد أسباب الانتشار السريع للفيروس تمثل في عدد الأشخاص الذين تعرضوا للجثمان أثناء مراسم الجنازة.
وأبلغت المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC) هيئة الإذاعة البريطانية أن الجنازات تمثل مصدر قلق خاص، لأنها ساهمت أيضًا في نشر المرض خلال تفشيات سابقة.
وأوضح مدير المراكز الإفريقية، جان كاسيا، أن حملات التوعية الصحية العامة توفر معلومات حول كيفية التعامل مع الجنازات، وأهمية النظافة والصرف الصحي، فضلاً عن توفير إجراءات الحماية للعاملين في القطاع الصحي.
وأشار وزير الصحة الكونغولي كامبا إلى حدوث تأخر في الإبلاغ عن حالات الإيبولا؛ لأن بعض المجتمعات المصابة كانت تعتقد أن المرض ناجم عن “السحر” أو “مرض غامض”، ما دفع المرضى إلى اللجوء إلى مراكز الصلاة والمعالجين التقليديين بدلاً من المستشفيات.

كم عدد حالات الإيبولا المُسجلة وأين تتركز؟
قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس إنه “يشعر بقلق بالغ إزاء حجم الوباء وسرعة انتشاره”.
وأمس الخميس، أعلنت المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض تسجيل 381 إصابة مؤكدة و62 وفاة مؤكدة بسبب الفيروس في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وتُعد هذه الأرقام أقل من تلك الواردة في تقارير سابقة؛ لأن الإحصاءات القديمة كانت تشمل حالات مشتبهًا بها تبين لاحقًا أن نتائج فحوصاتها سلبية.
ويشمل عدد الوفيات خمسة من العاملين الصحيين الذين وصفتهم وزارة الصحة الكونغولية بـ”الشجعان”، كما تعافى حتى الآن ستة أشخاص من الإيبولا، من بينهم أربع ممرضات احتُفل بخروجهن من المستشفى في مراسم خاصة، ويُعد إقليم إيتوري بؤرة التفشي الرئيسية.
وفي أوغندا المجاورة، أكدت السلطات حتى الآن وفاة شخص واحد بالإيبولا، كان قد سافر من الكونغو الديمقراطية إلى العاصمة كمبالا.
كما أكدت السلطات الأوغندية تسجيل 16 إصابة، مع خروج شخصين من المستشفى بعد تعافيهما.
وأصيب الطبيب الأمريكي بيتر ستافورد بالفيروس بعد معالجته مرضى في مستشفى نيانكوندي بمدينة بونيا، حيث يعمل منذ عام 2023.
وقد أشارت هذه الاكتشافات إلى انتقال التفشي خارج بؤرته الأساسية في إيتوري.

ماذا تفعل الكونغو الديمقراطية لمواجهة التفشي الحالي؟
أنشأت الحكومة الكونغولية مختبرًا في مدينة مونغبالو، إحدى مراكز التفشي في إيتوري، قادرًا على فحص عينات الدم للكشف عن سلالة بونديبوغيو من الإيبولا.
وبات بالإمكان الآن إصدار النتائج خلال 24 ساعة، ما أنهى التأخيرات السابقة.
كما جرى توسيع أنظمة المراقبة الصحية، وتتبع المخالطين، والبنية التحتية العلاجية، بما في ذلك إنشاء مراكز متخصصة في عدد من المدن المتضررة، وفقًا لوزير الصحة.
وخصصت منظمة الصحة العالمية 3.9 ملايين دولار لمكافحة التفشي، بينما أعلنت المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض ميزانية قدرها 319 مليون دولار.
كما تعهد رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا بتقديم 5 ملايين دولار كتمويل أولي لدعم خطة الوكالة.

كيف رد متمردو الكونغو على أحدث تفشٍ للإيبولا؟
أعلنت تحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو وحركة 23 مارس) AFC-M23 أنه بصدد إنشاء فريق استجابة خاص بالإيبولا لمنع انتشار المرض في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وفي 17 مايو، قال المتحدث باسم التحالف لورانس كانيوكا إنه “فعّل فورًا” آليات الاستجابة بالتعاون مع الخدمات الصحية والمرافق الطبية المحلية.
ولم تصرح الحكومة أو المتمردون بشكل واضح عما إذا كانوا مستعدين للعمل معًا لمواجهة التفشي.
ومع ذلك، تم تأكيد حالة إصابة في مدينة غوما، عاصمة إقليم كيفو الشمالية، من قبل الهيئة الحكومية المعروفة باسم المعهد الوطني للبحوث الطبية الحيوية (INRB).
وقالت كايتلين برادي، المديرة القُطرية للمجلس الدنماركي للاجئين، والتي كانت في غوما للتحضير لاستجابة منظمتها، إنها أُبلغت من قبل المتمردين بأنهم يستخدمون آليات تتبع المخالطين وجميع الإجراءات المناسبة لاحتواء الفيروس.
وأضافت لبرنامج Newsday في هيئة الإذاعة البريطانية أن “الكثير من مسؤولي الصحة والعاملين في الرعاية الصحية بقوا في مواقعهم واستمروا في العمل” بعد سيطرة المتمردين على المدينة، ما يعني أن “القدرة على الاستجابة ما زالت قائمة”.

ماذا تفعل رواندا والدول المجاورة الأخرى؟
أغلقت رواندا حدودها مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينما علّقت أوغندا مؤقتًا الرحلات الجوية والحافلات وجميع وسائل النقل العام العابرة للحدود مع الكونغو الديمقراطية.
كما دعت السلطات الأوغندية السكان إلى تجنب العناق والمصافحة.
وأرجأ الرئيس يوري موسيفيني أيضًا مراسم الحج الخاصة بـ”يوم الشهداء”، وهو عيد مسيحي يُقام سنويًا في 3 يونيو ويستقطب عادة آلاف المواطنين الكونغوليين.
كما تعمل عدة دول إفريقية أخرى على تشديد إجراءات الفحص على الحدود وتعزيز قدرات مرافقها الصحية.
وحذرت المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض من أن دولاً أخرى في القارة معرضة لخطر انتشار التفشي، وهي: أنغولا، وبوروندي، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وإثيوبيا، وكينيا، ورواندا، وجنوب السودان، وتنزانيا، وزامبيا.
نقلاً عن:
أحدث المقالات:









































