د. بدوي رياض عبد السميع
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد – كلية الدراسات الإفريقية العليا – جامعة القاهرة
مقدمة:
فرضت عوامل التاريخ والجغرافيا معاً أن تكون إفريقيا أبرز القارات التي كانت، ولا تزال، ميداناً لممارسة وإدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وعندما تلاقت عوامل التاريخ والجغرافيا بشكلٍ صحيح في إطار حرب أكتوبر 1973م طُردت إسرائيل من القارة، لكن مع إبرام المعاهدة المصرية الإسرائيلية، في مارس عام 1979م، أصبحت القارة ميداناً لتناقضٍ بين خطَّين لا يلتقيان: خط التسوية بين مصر وإسرائيل من ناحية، وخط الصراع العربي الإسرائيلي من ناحيةٍ أخرى.
ولعل ما يجري على الساحة الفلسطينية يجعلنا نتساءل عن الموقف الإفريقي من أمّ القضايا المصيرية في الشرق الأوسط، وهي الصراع «العربي – الإسرائيلي»، الذي يُعدّ واحداً من الموضوعات المهمة التي جمعت بين العرب والأفارقة، فقد عانى العرب في فلسطين المحتلة من نظامٍ عنصريٍ استقى خبرته وتجربته من النظام العنصري في جنوب إفريقيا، إلى حدّ تفوق تلامذة المدرسة العنصرية في فلسطين المحتلة على أساتذتهم في الجنوب الإفريقي، ومن ثَمّ وقع الأفارقة والعرب ضحية لنظامٍ عنصري جمع بين تل أبيب وبريتوريا.
وإذا كانت معظم الدول العربية لم يكن لها علاقات دبلوماسية مع النظم العنصرية في روديسيا (اسم زيمبابوي قبل التحرير) وجنوب إفريقيا؛ فإن معظم الدول الإفريقية قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع النظام العنصري في فلسطين المحتلة إبّان حرب أكتوبر عام 1973م، وقد استجابت إفريقيا لدعوة المقاطعة العربية لإسرائيل مع اندلاع الجولة العربية الرابعة من الصراع العربي الإسرائيلي عام 1973م، واستمرت كذلك حتى عقدت مصر اتفاقات كامب ديفيد عام 1978م، ووقّعت معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979م، ومن ثَمّ انتفت الأسباب التي قطعت الدول الإفريقية من أجلها علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وبدأت من بعد ذلك في إعادة العلاقات معها.
وبناءً عليه؛ تحاول هذه الورقة أن تجيب عن سؤالٍ رئيسٍ؛ مفاده:
كيف تعاطى الموقف الإفريقي مع الصراع العربي الإسرائيلي منذ قطع العلاقات عام 1973م حتى توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979م، والتحول إلى تطبيع العلاقات الإفريقية الإسرائيلية؟.
ونحاول أن نجيب عن هذا السؤال من خلال المحاور الآتية:
– الرؤية الإفريقية للصراع العربي الإسرائيلي قبل عام 1967م.
– منظمة الوحدة الإفريقية والتحول في النظرة الإفريقية للصراع العربي الإسرائيلي.
– المقاطعة الإفريقية لإسرائيل منذ حرب أكتوبر عام 1973م.
– اتفاقات كامب ديفيد وعودة العلاقات الإسرائيلية الإفريقية.
– الاتفاقيات الإسرائيلية مع الفلسطينيين والأردن وأثرها في الموقف الإفريقي.
– موقف الاتحاد الإفريقي من الصراع العربي الإسرائيلي.
أولاً: الرؤية الإفريقية للصراع العربي الإسرائيلي قبل عام 1967م:
حين تبلور الصراع «العربي – الإسرائيلي»، غداة قيام إسرائيل على أشلاء فلسطين عام 1948م، كان الأفارقة- كالعرب- على أبواب عصر التحرر من قوى الاستعمار التقليدي، وقد جاء ذلك مواكباً لتحولات كبرى؛ كانت تتجه بالنظام الدولي نحو «القطبية الثنائية» بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي؛ وهو ما كان يعني أن «الصراع العربي الإسرائيلي» و«قضية فلسطين» جاءا معاكسَين لاتجاه حركة التاريخ، عربياً وإفريقياً، وقد تأثر انشغال الأفارقة بالصراع ورؤيتهم له بهذا المناخ[1].
ومن ثَمّ لم يبدأ منظور الدول الإفريقية للقضية الفلسطينية من نقطةٍ واحدة أو مرحلةٍ واحدة، بل تراوَحَ تبايُن المنظور الإفريقي الخاص بكل دولة أو بكل مجموعة من الدول تجاه القضية؛ ذلك لأن الدول الإفريقية لم تعاصر القضية منذ بدايتها، كذلك فإن علاقة الدول الإفريقية بالقضية الفلسطينية بدأت في الأمم المتحدة قبل أن تبدأ في منظمة الوحدة الإفريقية، وبالتالي تأثرت بالمفهوم الذي طُرحت به في المنظمة الدولية باعتبارها قضية لاجئين[2].
فلم يُنظر إلى الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره مشكلة إفريقية قبل الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967م؛ على الرغم من الجهود التي بذلتها الجمهورية العربية المتحدة (مصر). كان هذا- جزئياً- بسبب حقيقة أن الدول الإفريقية جنوب الصحراء لم تشترك في المشكلات غير الإفريقية، وبدلاً من أن يتحيزوا في النزاع؛ اختاروا أن يكونوا أصدقاء لكلا الجانبين[3].
ففي يونيو 1960م؛ انعقد المؤتمر الثاني للدول الإفريقية المستقلة في أديس أبابا بإثيوبيا، وتبنّى قراراً دعَا كل دول القارة إلى: قطع العلاقات الدبلوماسية مع جنوب إفريقيا أو الامتناع عن تأسيسها، وإغلاق موانيها في وجه سفنها ومنعها من دخول موانيهم، ورفض امتياز الهبوط والطيران لطائراتها، ومقاطعة كل بضائعها. وقد دعَا المؤتمر أيضاً الدول العربية إلى محاولة إقناع شركات البترول بعدم بيع النفط العربي إلى جنوب إفريقيا، ورفض الامتيازات أو التنازلات للدول التي عملت ذلك[4].
وفي مؤتمر الدار البيضاء (كازابلانكا) عام 1961م؛ دعَا الرئيس جمال عبد الناصر إلى جبهة متحدة ضد الإمبريالية، ولدعم القضية الفلسطينية. وقد صدّقت مجموعة كازابلانكا على قرار أشار «بامتعاض» إلى حقيقة أن «إسرائيل» دائماً «منحازة للإمبرياليين» في المسائل الحيوية لإفريقيا، كما أدان المؤتمر إسرائيل باعتبارها «أداة في خدمة الإمبريالية والاستعمار الجديد»، ليس فقط في الشرق الأوسط بل أيضاً في إفريقيا وآسيا، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تُدين فيها مجموعة من الدول الإفريقية إسرائيل رسمياً[5].
وعندما قامت منظمة الوحدة الإفريقية، في عام 1963م، كانت العلاقات بين إسرائيل وإفريقيا قد وصلت إلى درجةٍ من القوة؛ جعلت المنظمة تتردد في مناقشة قضية الصراع العربي الإسرائيلي أو الاهتمام بها[6]. وبالتالي، في قمة منظمة الوحدة الإفريقية في القاهرة عام 1964م، قررت الدول العربية الإفريقية في المنظمة ألَّا تضغط باتجاه قرار رسمي ضد إسرائيل، وبدلاً من ذلك ساووا بين إسرائيل وجنوب إفريقيا، وبين دور منظمة التحرير الفلسطينية وحركات التحرير الإفريقية، لاستدعاء وإحياء الضمير الإفريقي، لكن ذلك قوبل بالصمت من قِبَل المشاركين الإفريقيين، ولم تأتِ كلمة دعم من إفريقيا آنذاك[7].
وقد كشفت قمم منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963م و1964م أن مسألة «إسرائيل-فلسطين» كانت مسألة حسّاسة، ويمكن أن تقسّم المنظمةَ بسهولة على أساس اللون والدين والثقافة. لكن الدبلوماسية الماهرة من جانب الدول العربية في منظمة الوحدة الإفريقية، والحوادث الدولية غير المتوقعة، غيّرت عقول رؤساء الدول الإفريقية. ومنذ تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية؛ كان الانشغال الرئيسي للدول العربية داخلها هو أن يوجهوا الأفارقة إلى تبنّي وجهة نظرهم بشأن الصراع العربي-الإسرائيلي، ولعل هذا ما حدَا بمصر والجزائر وليبيا أن يقدّموا الدعم المالي والتدريب لحركات التحرير الإفريقية، وكانت الإستراتيجية العربية لكسب الأفارقة هي مساواة القضية الفلسطينية بمحنة الشعوب التي ترزح تحت الهيمنة العنصرية في جنوبي إفريقيا، ولعل هذا ما دفع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة إلى الشكوى من أن الأعضاء الإفريقيين في منظمة الوحدة الإفريقية بدوا فاترين في مسألة دعم العرب في شمال إفريقيا في قتال إسرائيل، بينما كانت الأخيرة مدعومة من النظم العنصرية في جنوبي إفريقيا[8].
أما على المستوى الشعبي، خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، فإن الموقف الإفريقي كان مؤيداً للقضية الفلسطينية بشكلٍ صريح وواضح، وقد تجلى ذلك في مؤتمرات تضامن الشعوب الأفروآسيوية المنعقدة خلال الفترة من عام 1957 إلى عام 1965م، وكذلك مؤتمرات الشعوب الإفريقية التي عُقدت في أكرا وتونس والقاهرة خلال الفترة الزمنية نفسها، فقد بحثت هذه الاجتماعات قضايا النضال والتحرر الوطني في القارتين الإفريقية والآسيوية، وقررت تقديم الدعم والمساعدة اللازمة لها، وكان طبيعياً أن يكون من بينها القضية الفلسطينية[9].
وخلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967م؛ كانت هناك تغيّرات ملحوظة في جانب بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء[10].
وثمة ملاحظة مهمة في هذا المقام، وهي أن كل الدول المرتبطة بجنوب إفريقيا اقتصادياً في إفريقيا جنوب الصحراء قد دعمت إسرائيل، بينما دعمت الدول الراديكالية والمعتدلة الجانب العربي. وربما ساهم في هذه الصحوة ملاحظة الأفارقة للصلات العضوية بين إسرائيل والنظم العنصرية في جنوب القارة، وإدراك حجم الدعم الإسرائيلي للحركات الانفصالية داخل القارة[11]، وبالتالي جعلت حرب عام 1967م الدول الإفريقية ترى أن احتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء المصرية يشكّلُ عدواناً على الأرض الإفريقية، ونظر الإفريقيون في النهاية إلى إسرائيل باعتبارها دولة غربية، وأدركوا أن «الصهيونية»، كقومية خاصة، ليس لها دور تلعبه في تحرير إفريقيا[12].
ثانياً: منظمة الوحدة الإفريقية والتحول في النظرة الإفريقية للصراع العربي الإسرائيلي:
أدركت منظمة الوحدة الإفريقية منذ عدوان يونيو 1967م الطبيعة الاستعمارية للعدوان الإسرائيلي، كما أدركت أن استنكار هذا العدوان لا يكفي وحده لمساعدة الشعوب التي اصطدمت به وناضلت من أجل إنهائه. ومن هنا برز اتجاهها لكشف عدم شرعية هذا النظام وتهديده بالمقاطعة الشاملة والجماعية، وقررت المنظمة نقل المعركة إلى الأمم المتحدة من أجل كشف طبيعة هذا العدوان من جهة، وكشف عدم شرعية النظم العنصرية والصهيونية من جهةٍ أخرى. وليس صدفةً أن اقترنت بداية الحملة لكشف إسرائيل وعزلها بحملةٍ مماثلة على جنوب إفريقيا، ورفض الجمعية العامة للأمم المتحدة قبول أوراق اعتماد ممثلها في ذلك العام، لعدم شرعية النظام الذي يمثله[13].
وابتداءً من عام 1970م؛ كان هناك اهتمامٌ متزايد بشكلٍ عام من جانب منظمة الوحدة الإفريقية فيما يتعلق بمسألة جنوب إفريقيا وعلاقتها بالكيان الصهيوني، فقد ظهر هذا الاهتمام المتزايد عندما رُفض بشكلٍ مدوٍّ اقتراح الرئيس هوفييه بونييه Houphouet Boigny، رئيس ساحل العاج Ivory Coast، للحوار مع جنوب إفريقيا في منظمة الوحدة الإفريقية، وقد جلب هذا الاقتراح كثيراً من النقد من القادة الأفارقة الذين كان يُنظر إليهم كقادة معتدلين[14]. وفي نهاية عام 1970م مرّر مؤتمر منظمة الوحدة الإفريقية قراراً بإدانة الحوار باعتباره «مناورة من قِبَل جنوب إفريقيا وحلفائها لتقسيم إفريقيا، وتشويش الرأي العام العالمي، وتخفيف العزلة والمقاطعة الدولية على جنوب إفريقيا، والحصول على قبولٍ للوضع الراهن في جنوب إفريقيا[15].
وفي عام 1971م؛ رفضت منظمة الوحدة الإفريقية عرض إسرائيل مساعدة مالية للجنة التحرير بالمنظمة، بسبب تقارير عن الصلات المتزايدة بين جنوب إفريقيا والبرتغال وإسرائيل. واعتبرت حركات التحرير في جنوب إفريقيا أنه يهدف إلى التسلل إلى إفريقيا وحملها على تأييد الصهيونية العالمية، واقترحوا تقديم تلك المساعدة للمنظمات الفدائية الفلسطينية. وكان السبب الرسمي الذي قدّمته منظمة الوحدة الإفريقية لرفض العرض؛ هو أن ذلك التمويل قد جاء من «دولة إمبريالية واستعمار جديد»[16].
وعندما اندلعت الحرب الرابعة في الشرق الأوسط، في أكتوبر عام 1973م، كانت منظمة الوحدة الإفريقية غير قادرة على الاستجابة بشكلٍ فوري؛ لأنه لا مجلس وزرائها ولا جمعية رؤساء الدول والحكومات كانت في حالة انعقاد، وكانت هناك إشاراتٌ مبكرة على الدعم القاري والإقليمي للقضية العربية، وقد دعت المنظمة إلى جلسة استثنائية لمجلس الوزراء في أديس أبابا في 19-21 نوفمبر 1973م، ولاحظ وزراء الخارجية أن الشرق الأوسط تورط مرّةً أخرى في الحرب التي أثارتها السياسات التوسعية الإسرائيلية. وخلُص الممثلون الذين حضروا اجتماع المنظمة إلى أن حرب عام 1973م كشفت التواطؤ العلني بين الاستعمار البرتغالي، والنظم العنصرية، والصهيونية. بل لاحظوا أكثر أن «التواطؤ العسكري العلني بين الولايات المتحدة، والبرتغال، وجنوب إفريقيا وروديسيا وإسرائيل، أثناء حرب الشرق الأوسط، أكد تبرير انشغال الدول الإفريقية والعربية أكثر، وقوّت حاجتهم لكفاح مشترك». وقد أرادت منظمة الوحدة الإفريقية تقوية الوحدة العربية-الإفريقية بالتوصية بالعقوبات البترولية ضد النظم البيضاء الحاكمة لجنوبي إفريقيا، بالإضافة إلى إسرائيل. كما أعلن العرب أيضاً إنشاء بنك التنمية لمساعدة الأفارقة، برأس مال أوّليّ قدره 190 مليون دولار[17].
لقد أثار العدوان الإسرائيلي عام 1973م السخط والاستنكار لدى الرأي العام الإفريقي، وأعربت حكومات الدول المستقلة ومنظمة الوحدة الإفريقية عن تضامنها التام مع النضال العادل الذي كانت تخوضه الشعوب العربية من أجل تحرير الأراضي العربية المحتلة. وقد تُرجم هذا الموقف إلى إجراءات قطع جماعي اتخذتها الدول الإفريقية ضد إسرائيل، باعتبارها الدولة التي تعرقل بسياساتها العدوانية إحراز السلام في الشرق الأوسط. وحينئذ لم يعد لإسرائيل تمثيل دبلوماسي في القارة الإفريقية؛ سوى علاقاتها مع الأنظمة العنصرية في جنوبي القارة وبعض الدويلات الصغيرة التي تدور في فلكها[18].
وبناءً على ما سبق؛ يمكن القول إن الدول الإفريقية كانت متناقضة حول الموقف العربي في الشرق الأوسط، وعلى العكس من ذلك: أظهروا إجماعاً- تقريباً- على الصراع مع الأنظمة البيضاء في جنوبي إفريقيا. وبعبارةٍ أخرى: كانت الدول الإفريقية منقسمةً في مواقفها تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، لكنها اتحدت على الحاجة لعزل ومواجهة جنوب إفريقيا. فقط في عام 1973م امتدت «السياسة الخارجية الإفريقية» لتشمل: الدعم للصراع العربي مع إسرائيل والمواجهة في جنوبي إفريقيا، بالإضافة إلى التعاون الحذر مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية EEC[19].
وربما كان هذا التحول في موقف منظمة الوحدة الإفريقية بسبب ضغط الدول العربية في المنظمة في الربط بين الكيان الصهيوني والنظم العنصرية في جنوبي إفريقيا، فخلال مؤتمر منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا عام 1973م حثّ الرئيس الجزائري هواري بومدين الدول الإفريقية على تعديل موقفها تجاه صراع الشرق الأوسط، وأن تكون أكثر تعاطفاً مع العرب. وفي حديثه في المؤتمر، قال: «من غير المعقول أن يكون لمنظمة الوحدة الإفريقية موقفاً موحّداً تجاه جنوب إفريقيا والبرتغال وروديسيا، وتكون منقسمةً حول الصهيونية»[20].
ويبدو أن المنظمات الإفريقية، في تبنّي القرارات التي تلوم إسرائيل، كانت تعكس سياسات الحكومات المختلفة التي شاركت جميعها إسرائيل في وقت اجتماع مجلس الوزراء في نوفمبر 1973م، وبالتالي كانت النظرة الإفريقية الجديدة لإسرائيل لها تأثيرها أيضاً على الأمم المتحدة والهيئات والأجهزة المرتبطة بها[21].
هناك جانبان آخران للدبلوماسية العربية التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار؛ فقد ذكر الدبلوماسيون العرب الإفريقيون أن المعركة ضد العدوان الإسرائيلي في الشمال لها علاقةٌ وثيقة بالكفاح ضد حكومات الأقلية البيضاء في الجنوب، ومن ثَمّ لكي تضمن الدعم العربي الكامل لدعوة تحرير القارة من العنصريين؛ يجب أن تكون إفريقيا السوداء راغبةً في الاستجابة بشكلٍ إيجابي لنداء ودعوة العرب للدعم ضد العدوان الإسرائيلي[22].
وقد استجابت منظمة الوحدة الإفريقية إلى دعوة الجزائر لعقد اجتماع طارئ في 19 نوفمبر 1973م لاتخاذ الخطوات الكفيلة لدعم الموقف العربي ضد الكيان الصهيوني. وقد أكد مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية، في دورته غير العادية التي انعقدت بأديس أبابا، أهمية التضامن والتعاون بين الدول العربية والإفريقية من أجل تحرير أراضيها تحريراً كاملاً، وأعلن، من بين أمورٍ أخرى، أن التواطؤ بين بريتوريا ولشبونة وتل أبيب يشكّل تهديداً لأمن القارة الإفريقية[23].
لقد كان من أبرز إنجازات حرب أكتوبر 1973م، على مستوى الإطار الإفريقي للعلاقة بين جنوب إفريقيا وإسرائيل:
أولاً: أنها كشفت العلاقة المصيرية بين إسرائيل والأنظمة العنصرية في القارة، مثل: جنوب إفريقيا، والبرتغال (كانت تحكم موزمبيق حينها)، وروديسيا. ولذلك لم يعد من الممكن فصل موقف إسرائيل أو جنوب إفريقيا، أو غيرها من نظم الاستعمار الجديد والعنصرية والصهيونية، عن المصالح الإمبريالية العالمية.
ثانياً: أن صور التضامن على مستوى مجموعة عدم الانحياز أو الأسرة الإفريقية لم تقف عند حدّ التأييد المعنوي، خاصةً وقد جاءت البيانات السياسية في المؤتمرات موحية بالموقف الحقيقي لهذه التجمعات.
وقد أُقرّ مبدأ «الكفاح المسلح» كوسيلة لمواجهة الاستعمار في كل مواثيق منظمة الوحدة الإفريقية، كما أُقرّ مبدأ «العقاب الجماعي والمقاطعة»، بل أُقرّت أشكال تنظيم التأييد المادي في شكل «لجنة تحرير المستعمرات».
وقد أكد مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في الجزائر أهمية تجسيد التعاون العربي الإفريقي في جميع الميادين، كما أعلن تأييده للدول الإفريقية تأييداً كاملاً في نضالها ضد الأنظمة العنصرية والاستعمار الجديد، وتأكيداً لهذا التضامن قرر مؤتمر القمة العربي قطع جميع العلاقات الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية وغيرها مع جنوب إفريقيا والبرتغال وروديسيا، وتطبيق حظرٍ تام لتصدير البترول العربي إلى هذه الأقاليم الثلاثة[24].
كانت الفرضية الرئيسية هي أن القطع الجماعي للعلاقات من قِبَل دول إفريقيا السوداء سيحقق العزلة الدولية لإسرائيل. وخلال قرارات الأمم المتحدة المختلفة كانت جنوب إفريقيا والبرتغال وروديسيا قد أُدينت لممارساتها العرقية، وبالتالي كانت قد عُزلت من المجموعة الدولية. كما أن التحول الجماعي لدول إفريقيا السوداء عن إسرائيل؛ تم النظر إليه كنصر للدبلوماسية العربية التي أرادت عزل إسرائيل أكثر.
هذا التحول- على أية حال- أعطى إسرائيل سبباً لتجديد الهجمات الدبلوماسية على الجبهات الأخرى. كانت جنوب إفريقيا والبرتغال بين قلة من الأصدقاء لإسرائيل أثناء حرب أكتوبر، وبالتالي لم يكن مفاجئةً أن تستجيب إسرائيل للمفاتحات والملاطفات من قِبَل جنوب إفريقيا، وعيّنت أول سفير لها بعد خمسة عشر عاماً من الجمود[25]، وقد أعلنت حكومة إسرائيل بياناً قالت فيه: «نعارض التمييز العنصري كمسألة اتهام داخلي عميق، لكننا نشعر أن إسرائيل يجب أن يكون لها علاقات دبلوماسية مع كل دول العالم». فهل «دُفعت» إسرائيل- بسبب هروب دول إفريقيا السوداء عنها- إلى عناق حكومات الأقلية البيضاء لجنوبي إفريقيا، أو أنه كان مجرد إعلان للسياسة التي اتبعتها سرّاً في الماضي؟؟.
وقد أعربت قمة منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1974م عن سرورها بالمقاطعة النفطية التي كانت قد فُرضت ضد أعدائها التقليديين (البرتغال، وجنوب إفريقيا، وروديسيا). وقد لاحظ بعض المراقبين أن المقاطعة البترولية لجنوب إفريقيا قد أوقفت كليّاً اقتصاديات تلك الدول الإفريقية التي اعتمدت على مواني جنوب إفريقيا لاستلام بترولها[26].
ويمكن القول إن أحد البنود الرئيسية للتحالف العربي-الإفريقي، داخل منظمة الوحدة الإفريقية، كان دائماً الإدراك الضمني أن الدعم الإفريقي للقضية الفلسطينية يبادله الدعم العربي لكفاح التحرير في جنوبي إفريقيا. أضف إلى ذلك: أن الدول العربية الغنية بالبترول (سواء داخل منظمة الوحدة الإفريقية أو خارجها) كان لديها التزامات تطويرية معيّنة في إفريقيا. كما أن الدول العربية المنتجة للبترول داخل منظمة الوحدة الإفريقية؛ كانت تشعر أن لديها التزامات بمساعدة الحركات الوطنية الجنوب إفريقية التي كانت تحارب ضد نظم جنوبي إفريقيا، وبالتالي كانت مسألة الدعم بارزةً في عدة قمم عربية إفريقية عُقدت. وشكاوى قصور مثل هذه المساعدة؛ كانت من بين العوامل وراء الحملة الصامتة لاستئناف العلاقات مع إسرائيل من جانب بعض الدول الإفريقية[27].
وقد اتخذ مجلس رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية القرار رقم 77 (د-12)، في دورته العادية الثانية عشرة المعقودة في كامبالا في الفترة (28 يوليو-1 أغسطس) عام 1975م، والذي رأى أن النظام العنصري الحاكم في فلسطين المحتلة والنظامين العنصريين الحاكمين في زيمبابوي وجنوب إفريقيا نُظمٌ ترجع إلى أصلٍ استعماري مشترك، وتشكّل كياناً كلياً، ولها هيكل عنصري واحد، وترتبط ارتباطاً عضوياً في سياستها الرامية إلى إهدار كرامة الإنسان وحُرمته[28].
وعندما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 1975م أن «الصهيونية» شكلٌ من أشكال العنصرية والتمييز العنصري[29]، أي مساواتها في الواقع بالأبارتهيد في جنوب إفريقيا، فقد تم تبنّي هذا القرار بدعمٍ من أكثر الدول الإفريقية السوداء. وقد أبرز هذا القرار التغيير بشكلٍ مثير في موقف هذه الدول تجاه إسرائيل، التي كانت علاقاتها وديةً معهم في التجارة والمعونة والعلاقات الدبلوماسية قبل عام 1967م، وفي أكثر الحالات قبل عام 1973م. كان التصويت يعكس حقيقة أن الحرب العربية الإسرائيلية لعام 1973م، بإدخالها لسياسة النفط في العلاقات الدولية، قد جلبت تغييرات دائمة في الاقتصاد العالمي وإعادة اصطفاف الطلب الدولي، وكان التأثير على القارة الإفريقية عميقاً[30].
ومن ثَمّ، بعد عام 1973م، كانت منظمة الوحدة الإفريقية تعمل ضد التفرقة العنصرية والصهيونية معاً، مقتنعةً أن الصراع في أطراف القارة كان يتضمن «الأنظمة العنصرية لجنوبي إفريقيا والنوايا التوسعية العدوانية لإسرائيل، والتي تُعتبر جزءاً من سياسة منسقةٍ في محاولةٍ للتطويق والسيطرة على كامل القارة»[31]. وعندما قام رئيس الوزراء الجنوب إفريقي جون فورستر، الذي أيد ألمانيا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، بزيارة رسمية لإسرائيل عام 1976م، أدانت منظمة الوحدة الإفريقية الزيارة كما أدانتها جامعة الدول العربية[32].
ثالثاً: المقاطعة الإفريقية لإسرائيل منذ حرب أكتوبر عام 1973م:
نتيجةً لحرب أكتوبر عام 1973م؛ انهارت سياسة إسرائيل الإفريقية؛ حيث أبقت إسرائيل على علاقتها فقط مع بعض الدول القليلة التي كانت تدور في فلك جنوب إفريقيا، والبرتغال[33]. وحول تفكك العلاقات الإفريقية-الإسرائيلية وانقطاعها؛ قالت صحيفة دافار الإسرائيلية: «بعد أن فقدت إسرائيل رؤوس الجسور التي كانت لديها في القارة الإفريقية؛ استوجب الأمر توثيق التقارب مع جمهورية جنوب إفريقيا»[34].
ويُلاحظ أن الدول العربية كانت تدعم حركات التحرير في جنوبي إفريقيا لسنواتٍ قبل أن تعترف الدول الإفريقية بالفلسطينيين كشعبٍ له شكوى، فقد قامت الجزائر، وليبيا، ومصر، أعضاء مجموعة الدار البيضاء الراديكالية والتقدمية، بالعديد من الإعلانات والقرارات لتأكيد الدعم العربي لتحرير الأفارقة من نِير حكم الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا، ودعوا إلى استمرار العزلة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية لجنوب إفريقيا[35].
كما أن الدول الإفريقية في الأمم المتحدة ساندت الموقف العربي حول الحقوق الثابتة للشعب العربي في فلسطين، بما في ذلك حق الاستقلال الوطني. وقد تم تبنّي هذا الأمر كقرار للجمعية العامة رقم 3236 في 22 نوفمبر 1974م، هذا القرار وضع القضية الفلسطينية في الاتجاه العام للاهتمام الدولي، ومنح منظمة التحرير الفلسطينية صفة مراقب ودعاها للمشاركة، كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، في أعمال الجمعية العامة[36].
ولكن الأهم من ذلك، كما رددت الصحف الإسرائيلية، هو أن مؤتمر القمة الإفريقي- الذي عُقد في موريشيوس يوليو 1976م- قد حمل مفارقتين هامتين:
الأولى: أنه عندما عُرضت على المؤتمر توصية بضرورة قطع جميع العلاقات بين الدول الإفريقية وجنوب إفريقيا؛ أعلنت 15 دولةً إفريقية على لسان رؤساء وفودها أنها ترتبط مع جنوب إفريقيا بشبكة من الروابط الاقتصادية والمالية والفنية المهمة، وأن قطع هذه الروابط يُعتبر– مع غياب سياسة تعويض فعّالة– عمل ينطوي على كارثة محققة لهذه الدول.
الثانية: اتخذ المؤتمر بالفعل توصية وجّهها للدول العربية المنتجة للبترول بصفة خاصة، ينبهها إلى أهمية وضرورة «قطع» بترولها عن جنوب إفريقيا. وقد أشار «أنزوا كانجي»، السكرتير الإداري لمنظمة الوحدة الإفريقية، في تقريره الذي قدّمه إلى مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية في دورته الثامنة غير العادية، والتي عُقدت بعد حرب أكتوبر 1973م، إلى أنه «قد حان الوقت لقيام الأخوة العرب باستخدام الحظر البترولي ضد جنوب إفريقيا»[37].
لقد استفاد العرب من العلاقات الإسرائيلية-الجنوب إفريقية في حملتهم المعادية لإسرائيل في إفريقيا، وفي محاولتهم الحصول على الدعم لقضيتهم، فقد نجحت الدول العربية في استغلال الشعور المعادي لجنوب إفريقيا بين العديد من الدول الإفريقية باقتراح أن إسرائيل وجنوب إفريقيا مرتبطتان بصلات اقتصادية، وعسكرية، وثقافية، ودبلوماسية. فهما يساعدان بعضهما بعضاً مادياً وأدبياً، ولهما غرض مشترك في الكفاح في الشرق الأوسط، حيث أرسلت جنوب إفريقيا الأسلحة والطائرات العسكرية والأموال لمساعدة الإسرائيليين ضد العرب أثناء حربي: 1967م و1973م على التوالي[38].
ولم يستغل العرب فقط مسألة المساعدة العسكرية الجنوب إفريقية لإسرائيل؛ بل ناشدت دعايتهم أيضاً الحساسية الإفريقية بربط مشكلة الشرق الأوسط بقضية التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا. فعلى سبيل المثال، في قمة منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1973م، أعلن الرئيس الجزائري هواري بومدين، عندما قدّم التماساً انفعالياً للدول الإفريقية لقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل كعمل ملموس للوحدة الإفريقية، أن «إفريقيا لا تستطيع اتخاذ موقف موحد نحو الاستعمار في جنوب إفريقيا، وموقف مختلف بالكامل نحو الاستعمار الصهيوني في الشرق الأوسط. وأكد أن مشكلة الشرق الأوسط يجب أن تكون جزءاً من الكفاح الإفريقي ضد الاستعمار، والإمبريالية، والصهيونية في أجزاء مختلفة من القارة». وعلى الرغم من أن إسرائيل قد أنكرت تلقّي أية مساعدة عسكرية ثابتة من جنوب إفريقيا؛ فإن تصريح وزير دفاع جنوب إفريقيا، بوثا Mr. P. W. Botha، «أن جنوب إفريقيا قد أعطت دعماً أخلاقياً ومادياً لإسرائيل في حرب الشرق الأوسط كوسائل لإظهار عطف الجمهورية»، كان له تأثير على موقف بعض الدول الإفريقية نحو إسرائيل[39].
وقد قطعت العديد من الدول الإفريقية علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بعد حرب عام 1973م، وتعهدت الدول العربية بمساعدة أعضاء منظمة الوحدة الإفريقية في تصميمهم للحصول على حكم الأغلبية للإفريقيين في زيمبابوي وناميبيا، وللقضاء على التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا[40].
لقد أظهر الأفارقة رغبةً كبيرة لدعم الجانب العربي في صراعهم مع إسرائيل كإشارة لاستيائهم من السياسات الإسرائيلية نحو جنوب إفريقيا، وأيضاً بسبب توقعاتهم للتضامن العربي مع إفريقيا فيما يتعلق بمسألة جنوب إفريقيا، هذا التضامن عُرض في قمة الجزائر لرؤساء الدول العربية 26-28 نوفمبر عام 1973م، حيث لم يستجيبوا فقط لطلب منظمة الوحدة الإفريقية لفرض المقاطعة النفطية على جنوب إفريقيا وروديسيا؛ بل قرروا أيضاً أن كل العلاقات الأخرى الثقافية والاقتصادية والدبلوماسية مع جنوب إفريقيا يجب أن تقطعها الدول العربية التي لم تقم بذلك حتى ذلك الوقت[41].
وقد استُعمل التحالف العربي-الإفريقي أكثر في الأمم المتحدة في عام 1974م، حيث تم تمرير قرارات عديدة ضد إسرائيل، فبمساعدة الدول الإفريقية تم طرد إسرائيل من منظمة اليونسكو في ذلك العام، وتم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني. وفي ذروة ذلك مُنحت منظمة التحرير الفلسطينية صفة مراقب، مع استياء إسرائيل والعالم الغربي. وفي قرارٍ آخر مثير؛ لُفظت جمهورية جنوب إفريقيا من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 نوفمبر 1974م[42].
وقد أثارت سوريا مسألة «الصهيونية» في خضم النقاش المتوتر حول التمييز العنصري، متهمةً التعاون المتسارع بين إسرائيل وجنوب إفريقيا. وأخبر الممثل السوري «رياض سياج» المجلس الاقتصادي الاجتماعي: أن العلاقات بين الأنظمة العنصرية لبريتوريا وتل أبيب قد أثبتت أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر عام 1975م، الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، كان مُبَرَّراً. ورأى العديد من الدبلوماسيين الهجوم السوري على إسرائيل وجنوب إفريقيا بدايةً لدافع جديد من قِبَل الحكومات العربية الراديكالية لإعلان الصهيونية كنظام للتمييز العنصري ضد الفلسطينيين. وقد دعت العراق وليبيا وسوريا إلى حملة جديدة ضد الصهيونية في الأمم المتحدة أثناء مؤتمر وزراء الخارجية العرب والأفارقة في داكار بالسنغال[43].
وقد اقترن بالدعم الإفريقي المهم لقرار الأمم المتحدة المدعوم عربياً، الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، تزايد الصفقات السياسية والاقتصادية بين تل أبيب وبريتوريا، فقد زادت إسرائيل وجنوب إفريقيا حجم تجارتهما إلى حدٍّ كبير، وتعاونا على نطاقٍ واسع في النشاطات العلمية والعسكرية، للتغلب على عزلتهم المتبادلة ولضمان بقائهم، وأصبحت «الصهيونية» و«الأبارتهيد» مترادفَين بشكل تدريجي في الدعاية العربية-الإفريقية المشتركة، فعلى سبيل المثال: أُدين نظام الأقلية العنصرية لجنوب إفريقيا وإسرائيل بشكل جماعي في مؤتمر القمة العربي الإفريقي في القاهرة عام 1977م[44]، حيث صدر البيان الآتي:
«يدين رؤساء الدول والحكومات العربية والإفريقية الاعتداءات العسكرية المستمرة، وكل الأشكال الاقتصادية والسياسية التي تمارسها الإمبريالية من خلال الأنظمة العنصرية في جنوب إفريقيا وروديسيا وحلفائهم ضد الدول المستقلة: أنجولا، بتسوانا، ليسوتو، موزمبيق، زامبيا، لزعزعة الاستقرار السياسي لحكوماتهم وتقويض جهودهم لتحقيق التنمية الاقتصادية. ويَعتبر مؤتمر القمة هذه الاعتداءات موجهةً ضد العالم العربي والإفريقي، وأنها تشكل تهديداً للسلم الدولي. ويستنكر المؤتمر أيضاً الأعمال المماثلة من قِبَل إسرائيل ضد مصر والأردن ولبنان وسوريا. إن رؤساء الدول والحكومات العربية والإفريقية قد قرروا أن بلادهم يجب أن توسّع وتزيد دعمها المادي، وأي نوعٍ آخر من المساعدة الضرورية، لتمكين هذه البلدان من التقوية والدفاع عن استقلالها. كما أن المؤتمر يدين السلطات الإسرائيلية لاستمرارها في تغيير الظروف الديموغرافية والجغرافية في الأراضي العربية المحتلة، وانتهاكها للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة، ويطالب بأن تتوقف إسرائيل عن تبنّي مثل هذه الإجراءات»[45].
مما تقدم؛ يتبين لنا نجاح الدول العربية في الجمع بين العنصريتَين: البيضاء في جنوب إفريقيا والصهيونية في فلسطين المحتلة، في دعايتهم لحصار النظامين العنصريين في الشرق الأوسط وإفريقيا. ومن ثَمّ: ألَا يكون هناك قاعدة لتحالف سياسي طويل المدى بين العرب والأفارقة؟
رابعاً: اتفاقات كامب ديفيد وعودة العلاقات الإسرائيلية الإفريقية:
كان إعلان الرئيس محمد أنور السادات أنه مستعد للذهاب إلى أي مكان بحثاً عن السلام، والذهاب إلى القدس، إيذاناً بتغيير جذري لسياسات المنطقة وتمهيد الطريق للسلام بين مصر وإسرائيل، وهو الأمر الذي انعكس سلباً على موقف الأفارقة من الصراع العربي الإسرائيلي[46].
فقد فتحت اتفاقات كامب ديفيد عام 1978م، ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في العام التالي، الطريق أمام مرحلة جديدة من العلاقات الإسرائيلية-الإفريقية. وعلى الرغم من أن الغالبية الساحقة من الدول الإفريقية قد استجابت عام 1973م للدعوة لقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، إلا أنها لم تكن جميعها ملتزمةً على قدم المساواة بالقضية العربية، وأعرب الكثيرون عن أسفهم لعملهم، وحرصوا على عودة الخبراء الإسرائيليين وبرامج المساعدة التقنية. وفي المقام الأول؛ كانت مسألة التضامن مع مصر، وهي دولة إفريقية احتلت أراضيها قوة أجنبية، هي التفسيرات التي وضعتها الدول الإفريقية في وقت المقاطعة لإسرائيل. وبالتالي فإن قرار السادات بالذهاب إلى القدس وتحقيق السلام مع إسرائيل؛ قد أزال أحد العوامل الرئيسية وراء النكسة السياسية التي مُنيت بها إسرائيل في إفريقيا[47].
وبتوقيع معاهدة السلام؛ ارتفعت أصواتٌ في أنحاء القارة محتجةً بأن المقاطعة الدبلوماسية لإسرائيل لم يعد لها ما يبررها، وسرعان ما تبع ذلك تكهناتٌ بأن العديد من الدول الإفريقية تستعد لعودة العلاقات الدبلوماسية. وكانت إسرائيل، من جانبها، حريصةً على الاستفادة من معاهدة السلام والهروب من عزلتها الدبلوماسية، وفي هذا المسعى المتجدد للشركاء الدبلوماسيين اعتُبر دور إفريقيا، كما كان الحال في ستينيات القرن العشرين، أمراً محورياً. وفي تطور مثير للسخرية من الأحداث؛ أصبح الطريق إلى إفريقيا مفتوحاً هذه المرّة عبر القاهرة[48].
وقد نال تحرك السادات الجريء في الذهاب إلى القدس إعجاب العالم، وأُشيد به كرجل دولة، ومُنح جائزه نوبل للسلام مع مناحيم بيجن. وقد انضم القادة الأفارقة إلى هذا المديح للسادات، وأصدرت زائير بياناً أشادت فيه بالسادات لسعيه لتحقيق السلام، وأرسل الرئيس تولبرت رئيس ليبيريا برقيةً وصف فيها السادات بأنه «رجل دولة فريد من نوعه»، وأشاد بشجاعته وتمنّى له النجاح في زيارته. كما بعث هوفيه-بوانيه رئيس ساحل العاج رسالة دعم إلى السادات، وعرض خدماته إذا لزم الأمر. وفي البرلمان الكيني؛ أشاد بعض أعضائه بالرئيس السادات لبدئه حواراً مع إسرائيل، وأيدهم النائب العام الكيني الذي اعتبر المحادثات المباشرة بين الجانبين الطريقة العملية الوحيدة لحل النزاع. وصرّح ممثل نيجيريا لدى الأمم المتحدة في الجمعية العامة: أنه ينبغي دعم أي خطوة في اتجاه السلام. وأعربت ردود الفعل الصحفية في مختلف أنحاء إفريقيا عن مشاعر مماثلة، وأشادت الصحافة السنغالية بالزيارة بوصفها «خطوة كبيرة إلى الأمام»، وقد أشادت صحيفة التايمز الزامبية وصحافة ساحل العاج وكينيا بشجاعة السادات في القيام بهذه الزيارة[49].
وبطريقة مماثلة؛ قوبل توقيع اتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام بالحماس في جميع أنحاء إفريقيا، وانعكست هذه الاستجابة الإيجابية في الصحافة الإفريقية أكثر منها في أية بيانات رسمية. وأيد العديد من القادة الأفارقة التحرك نحو السلام بين مصر وإسرائيل، وأرسل العديد منهم برقيات إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن لكي يقوم بالتوقيع على اتفاقات كامب ديفيد. ومع ذلك؛ كانوا مترددين في الإدلاء بأي تعليق رسمي حتى لا يقعوا في نزاع قد تشنه الدول العربية بشأن هذه المسألة. وبينما امتنع العديد من القادة الأفارقة عن الإشادة علناً بالتوقيع على الاتفاقات؛ لم يكن هناك إدانة في إفريقيا سواء لمصر أو لمعاهده السلام[50].
أما الدول القليلة التي أعربت عن معارضتها؛ فقد كانت متحالفةً مع الاتحاد السوفييتي، أو كانت محكومة بأنظمة ماركسية، مثل أنجولا وبنين والكونغو برازافيل وإثيوبيا. وتجلى وجود دعم قوي لمبادرة السادات في نجاح الوفود المصرية؛ التي أُرسلت إلى مختلف الدول الإفريقية للحصول على تأييدها لها. وأعلن السفير أحمد صدقي، لدى عودته من زيارة إلى غرب إفريقيا في نهاية عام 1978م، أنه حصل على دعم كامل لجهود السادات في السلام من غانا وساحل العاج وليبيريا ونيجيريا وسيراليون وتوجو[51].
وقد أغضبت مبادرة السادات وعملية السلام مع إسرائيل العالم العربي، وكانوا يعارضون بمرارةٍ كل مرحلة من مراحل تحركات السلام الثنائية، وتم التنديد بالسادات كخائن للقضية العربية، وفُرضت عقوبات على مصر، وشملت هذه العمليات انسحاب جميع السفراء العرب من القاهرة، وقطع العلاقات السياسية والدبلوماسية، ووقف المساعدات الاقتصادية لمصر، علاوةً على ذلك؛ تم تعليق عضوية مصر في جامعه الدول العربية ونقل مقرها من القاهرة إلى تونس. وقد كانت المؤتمرات الإفريقية أحد المنابر التي خاض فيها العرب حملتهم ضد السادات؛ إذ أرادوا أن تُدين منظمة الوحدة الإفريقية مبادرة السادات للسلام، وتمارس الضغط على مصر بالطريقة نفسها التي استُخدمت بها المنظمة في السابق لطرد إسرائيل من القارة الإفريقية[52].
وكان مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية، الذي اجتمع في طرابلس بعد ثلاثة أشهر من زيارة السادات للقدس، أول فرصة للعرب لإثارة هذه المسألة في منتدى إفريقي، وقد افتُتح الاجتماع بهجوم شرس على مصر من قِبَل الليبيين، الأمر الذي أدى إلى انسحاب الوفد المصري. ولم يتضمن القرار المتعلق بالشرق الأوسط، الذي اعتُمد في نهاية الاجتماع، أية إدانة صريحه لقرار السادات بالذهاب إلى القدس[53]، بيد أنه كان يتضمن هجوماً مستتراً على مصر، وفي حين أكد الوزراء من جديدٍ القرارات السابقة بشأن الشرق الأوسط؛ أضاف الاجتماع بنداً أعرب عن تأييد منظمة الوحدة الإفريقية الكامل لدول المواجهة العربية[54].
وكان دعم الأفارقة للدول العربية، التي كانت معارضةً تماماً لمبادرة السادات، نكسة للدبلوماسية المصرية. وفي الاجتماع التالي لمجلس الوزراء، الذي عُقد بعد خمسة أشهر في الخرطوم، لم يجد التعبير عن التضامن مع دول المواجهة، والمعارضة الضمنية لموقف مصر، مكاناً في أيٍّ من القرارين المتعلقين بالشرق الأوسط، وقد عكس هذا الإغفال بلا شك التأثير القوي في اجتماع مصر والسودان، الذي كان داعماً للسادات في مناقشاته مع إسرائيل. وكانت صياغة القرارين المتعلقين بالشرق الأوسط والمشكلة الفلسطينية تتسق مع القرارات التي صدرت في الاجتماعات السابقة لمنظمة الوحدة الإفريقية. وعلى هذا النحو؛ كان الأفارقة ينتقدون إسرائيل واحتلالها المستمر للأراضي العربية، وأكدوا من جديد دعمهم لمنظمة التحرير الفلسطينية وإقامة دولة فلسطين، غير أن أيّاً من القرارين لم يشر إلى زيارة السادات ولا إلى المفاوضات الجارية بين إسرائيل ومصر[55].
وبتوقيع معاهده السلام في مارس 1979م؛ واجه الأعضاء العرب في منظمة الوحدة الإفريقية تحدياً مزدوجاً:
أولاً: حاولوا عزل مصر داخل المنظمة.
وثانياً: سعوا إلى ضمان محافظة الدول الإفريقية على مقاطعتها الدبلوماسية لإسرائيل.
وقد جاء الاختبار الأول في اجتماعات مجلس وزراء ورؤساء دول منظمة الوحدة الإفريقية في ليبريا في بداية يوليو، وقد انخرطت كل من مصر والدول العربية في ضغوط دبلوماسية مكثفة في الأسابيع التي سبقت القمة، وأرسلت مصر عدة وفود إلى الدول الإفريقية لالتماس الدعم لموقفها[56].
وفي البداية؛ كانت الجزائر وليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية تعتزم الضغط على مصر؛ إما لطردها من منظمة الوحدة الإفريقية أو تعليق عضويتها فيها، غير أن الرد على هذا الاقتراح من الأفارقة كان سلبياً؛ إلى درجة أن الفكرة أُسقطت حتى قبل انعقاد الاجتماع في مونروفيا، وبدلاً من ذلك ركزت الدول العربية الرافضة جهودها في مونروفيا في محاولةٍ للحصول على قرار يتضمن إدانة صريحة لاتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام[57].
وبالنسبة لمصر؛ كان هدفها الرئيس ذا شقين:
أولاً: منع أية إدانة لمعاهده السلام.
وثانياً: ضمان الهزيمة الساحقة لأية دعوة محتملة خلال الاجتماع لطردها من منظمة الوحدة الإفريقية.
وهيمن الصراع في الشرق الأوسط على مداولات مجلس الوزراء المنعقد في مونروفيا، حيث أُعدّ جدول أعمال مؤتمر القمة لرؤساء الدول[58].
وكان التكتيك المصري في هذا الاجتماع هو فصل المسألة المتعلقة بدعم القضية الفلسطينية عن مسألة السلام في الشرق الأوسط. وفيما يتعلق بالمسألة الأولى، قدّم المصريون دعمهم لمطلب إقامة دولة فلسطينية مستقلة وإدانة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي المحتلة من الضفة الغربية وقطاع غزة. وبناءً على ذلك؛ لم تعترض مصر على القرار المتعلق بالمشكلة الفلسطينية، الذي صاغه الرافضون وعكس قرارات منظمة الوحدة الإفريقية السابقة بشأن هذه القضية. أما في المناقشات حول الوضع في الشرق الأوسط؛ فقد نجحت مصر في منع أية إشارة صريحة إلى اتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام. وكان القرار الأقرب، الذي اعتمده لاحقاً رؤساء الدول، قد تضمن إدانة صريحة لمصر، وهو إدراج جزء في الديباجة ينتقد أية اتفاقات جزئية ومعاهدات منفصلة[59].
وقد انعكس الموقف العام للدول الإفريقية تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط في تصريحات الرئيس الليبيري وليام تولبرت؛ حيث أشاد في خطابه الافتتاحي أمام القمة بتوقيع معاهده السلام بين مصر وإسرائيل، وأعلن «أنه إدراكاً منه للنوايا الحسنة للجانبين، لا يسعنا إلا أن نقدّر مبادرة السلام التي قامت بها مصر وإسرائيل»[60].
وكان هناك بعض القلق في العديد من الدول الإفريقية بشأن مبادرة السادات للسلام، وانقسمت الدول الإفريقية بشكلٍ عام على أُسس أيديولوجية بشأن معارضة أو دعم الفصيل المهيمن ضد السادات في العالم العربي، ولم يعارض بعض القادة الأفارقة بشكل أساسي عملية السلام؛ ولكنهم لم يكونوا راضين عن الطريقة التي أدار بها السادات المفاوضات مع إسرائيل، وغضب الكثيرون من أن السادات لم يستشرهم قبل الذهاب إلى القدس، وأعربوا أيضاً عن خيبة أملهم لعدم ربط قضية الفلسطينيين بالحالة في الجنوب الإفريقي على نحو ما دعت إليه قرارات منظمة الوحدة الإفريقية، وعلى وجه الخصوص؛ أعربوا عن اعتقادهم بأنه كان يتعين على السادات أن يطلب من إسرائيل تقليص صلاتها الاقتصادية والعسكرية مع جنوب إفريقيا[61].
وبالتالي؛ بتوقيع اتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية بدأ الأفارقة في إعادة تقييم سياساتهم تجاه إسرائيل، وهكذا؛ كانت زائير التي كانت أول من أعلن عن قطع العلاقات مع إسرائيل في أكتوبر 1973م؛ هي ذاتها أول من قام بإعادة علاقاتها مع إسرائيل في عام 1982م[62]، تلتها ليبيريا في عام 1984م، وستة بلدان إفريقية أخرى في عام 1986م[63]. ونتيجةً لذلك لم يتم عقد القمة الإفريقية الآسيوية الثانية، التي كان من المقرر عقدها عام 1980م.
ومن ناحيةٍ أخرى؛ بدأت إسرائيل تستعيد ركائزها الضائعة في إفريقيا، ففي عام 1980-1981م كانت التجارة جاريةً مع اثني عشر بلداً إفريقيا، وارتفعت الواردات الإسرائيلية من إفريقيا من 30 مليون دولار عام 1970م إلى 135.7 مليون دولار عام 1980م، واستمرت واشنطن وباريس في ممارسة الضغط على حلفائهما الأفارقة للاعتراف بإسرائيل، غير أن الموقف الأساسي لمنظمة الوحدة الإفريقية بشأن القضية الفلسطينية، والأراضي المحتلة، ووضع القدس كمدينة دولية، لم يتغير[64].
أضف إلى ذلك: أن الدول والمؤسسات العربية أحجمت عن تقديم التزامات محددة بشأن المساعدات الاقتصادية، وكانت بطيئةً في تقديم التعهدات التي قطعتها على نفسها، ويشير التقرير المتعلق بتقديم المساعدات العربية لإفريقيا إلى أنه بلغ 4 بلايين دولار في الفترة 1973م- ونهاية عام 1979م[65]، ومع ذلك لم تسدّ الدول العربية، وبخاصة النفطية، الفراغ الذي تركته إسرائيل. وقد حاولت إسرائيل الاستفادة إلى أقصى مدًى ممكن، سواء لاستعادة العلاقات مع الدول الإفريقية، أو لعرقلة حسم الصراع العربي الإسرائيلي.
خامساً: الاتفاقيات الإسرائيلية مع الفلسطينيين والأردن وأثرها في الموقف الإفريقي:
سرّعت اتفاقية أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين عام 1993م، واتفاقية السلام مع الأردن عام 1994م، من معدل استئناف علاقات الدول الإفريقية مع إسرائيل، فقد رأت بعض الدول الإفريقية في عودة العلاقات مع إسرائيل وسيلة من أجل الحصول على المساعدات الأمريكية؛ من حيث الاعتقاد بأن لإسرائيل ويهود الولايات المتحدة تأثيراً كبيراً على الإدارة الأمريكية. ولم تحاول إسرائيل تبديد هذا الاعتقاد، بل عضدته في بعض الحالات، مثل حالة عودة العلاقات مع زائير، وقد أظهرت الولايات المتحدة بالفعل مساندةً لإسرائيل وعملت لصالحها في بعض الدول الإفريقية من أجل عودة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل[66].
وبالتالي؛ يعُتبر مؤتمر مدريد للسلام، واتفاق أوسلو، واتفاق وادي عربة، من أهم أسباب عودة العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، فقد تمكنت إسرائيل بعدها من استعادة علاقاتها مع معظم الدول الإفريقية، وهو ما ساعدها على تخطي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي تمّ اتخاذه عام 1975م، واعتبرت بموجبه «الصهيونية» شكلاً من أشكال العنصرية. ومنذ عام 2001م شهدت العلاقات الإسرائيلية الإفريقية- على المستوى الرسمي- تقارباً ملحوظاً في صورة نشاط سياسي واقتصادي ودبلوماسي[67]، ويمكن اختصار حالة عودة العلاقات بين دول الاتحاد الإفريقي وإسرائيل في الجدول (1) الآتي:

ويمكن القول إنه، وباستثناء بعض الدول التي أعادت علاقاتها مع إسرائيل مثل كينيا عام 1988م وإفريقيا الوسطى وإثيوبيا عام 1989م، ظلت الدول الإفريقية ملتزمة بالمقاطعة الدبلوماسية لإسرائيل، على الأقل على المستوى الرسمي، وكذلك على المستوى الجماعي الذي عبّرت عنه منظمة الوحدة الإفريقية، ولم يكن لإسرائيل تمثيل دبلوماسي إلا في 10 دول إفريقية، 5 منها على مستوى السفراء، و5 على مستوى مكاتب لرعاية المصالح[68].
سادساً: موقف الاتحاد الإفريقي من الصراع العربي الإسرائيلي:
على الرغم من أن إسرائيل كانت عضواً مراقباً في منظمة الوحدة الإفريقية؛ فإنها خسرت هذا الموقع مع حلول الاتحاد الإفريقي بديلاً عن منظمة الوحدة الإفريقية، ورغم التحديات التي يواجهها الاتحاد الإفريقي؛ فإن قراراته استمرت في دعم القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنشاء دولة مستقلة، وحث الدول الأعضاء على دعم القضية في المحافل الدولية، والتنديد بأعمال العنف الإسرائيلي والحصار الدائم والمخططات الاستيطانية، وتُرجم هذا الدعم بمنح فلسطين صفة عضو مراقب في الاتحاد الإفريقي في مايو 2013م[69].
وقد شكّلت التغيرات الداخلية في القارة ومحيطها الإقليمي دافعاً للتوغل الإسرائيلي في إفريقيا، ورغم أن القضية الفلسطينية ظلت حاضرةً في خطابات وبيانات قمم الاتحاد الإفريقي؛ فإن إسرائيل كانت تتوسع بثباتٍ في إفريقيا وتنسج علاقات جديدة مع دولها[70].
ففي عام 2016م؛ زار بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي أربعة من دول حوض النيل على رأسها إثيوبيا، ومنذ ذلك الوقت استقبلت تل أبيب تسعة من الرؤساء الأفارقة. ليس هذا فحسب فقد خطب نتنياهو- باعتباره أول زعيم غير إفريقي- أمام قمة الجماعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس( بمونروفيا في يونيو 2017م، ما دفعه للتباهي بأن إسرائيل عادت إلى إفريقيا. وربما كان من المقرر أن يتم تدشين هذه العودة رسمياً في قمة «إسرائيل-إفريقيا» الأولى، التي كان من المقرر عقدها في توجو في أكتوبر 2017م، والتي وجهت فيها الدعوة لجميع الدول الإفريقية بما فيها العربية[71]، الأمر الذي أثّر في مسيرة المواقف النضالية الإفريقية المؤيدة للقضية الفلسطينية.
وبالتالي، شهدت مواقف الدول الأعضاء تغييرات في دعم القضية الفلسطينية في المحافل الدولية بشكل مباشر وغير مباشر، فشهدت الكتلة التصويتية للدول الإفريقية في الأمم المتحدة تحولات لصالح إسرائيل، وباتت العديد من الدول تتنقل بين مؤازرة إسرائيل أو الغياب عن قراراتٍ في صالح القضية الفلسطينية.
وقد تُوّجت الجهود الإسرائيلية بإعلان الاتحاد الإفريقي قبول تل أبيب بصفة «عضو مراقب» في الاتحاد، بعد 19 عاماً من مطالبتها؛ حيث حصلت في يونيو 2021م على صفة عضو مراقب بالاتحاد الإفريقي، والذي يتعارض تماماً مع القيم والمبادئ والأهداف المنصوص عليها في القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، وهو ما اعتبره وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد «تصحيحاً لوضع شاذ» استمر لنحو عقدين، واستعادة لموقع إسرائيل في المؤسسة الإفريقية المركزية بعد أن كانت قد خسرته مع تحول منظمة الوحدة إلى اتحاد[72]. ورغم عدم تحقق هذا المطلب، إذ تقود جنوب إفريقيا والجزائر جهوداً لتعطيل قرار اعتماد تل أبيب عضواً مراقباً بالاتحاد؛ فإنه كشف عن مباركة دول إفريقية لهذا المسعى.
وقد كانت هذه الفترة نقطة بداية حقيقية لانفتاح إسرائيل على الدول الإفريقية، وتعزيز تلك العلاقات في مجالات التجارة والاقتصاد والأمن والسياسة، فبعدما أعادت الدول التي هي جوهر الصراع العربي الإسرائيلي علاقاتها بإسرائيل، لم يعد لدى الدول الإفريقية سبب إلا أن تُعيد النظر في أولوياتها، وتسعى وراء تحقيق مصالحها، خاصةً أنها رأت في إسرائيل نموذجاً يُحتذى به، ناهيك عن إقناع إسرائيل للدول الإفريقية بأنها نموذج حي للقضاء على الإرهاب، وتقديم نفسها كخبير في هذه المجالات[73].
الخاتمة:
بينت الدراسة أن الصراع العربي الإسرائيلي لم يُنظر إليه باعتباره مشكلة إفريقية قبل الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967م، على الرغم من الجهود التي بذلتها مصر لإقناع الدول الإفريقية بأن الاعتداء عليها هو اعتداء على الأرض الإفريقية، وربما كان هذا بسبب حقيقة أن الدول الإفريقية جنوب الصحراء لم تشترك في المشكلات غير الإفريقية، وبدلاً من أن يتحيزوا في النزاع اختاروا أن يكونوا أصدقاء لكلا الجانبَين.
كما بينت أن مصر، ومعها الدول العربية في منظمة الوحدة الإفريقية، قد نجحت في المساواة والجمع بين إسرائيل وجنوب إفريقيا، وبين دور منظمة التحرير الفلسطينية وحركات التحرير الإفريقية، لاستدعاء وإحياء الضمير الإفريقي. وخلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967م، كانت هناك تغيرات ملحوظة في جانب بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء؛ جعلت حرب عام 1967م الدول الإفريقية ترى أن احتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء المصرية يشكّل عدواناً على الأرض الإفريقية. ونظر الإفريقيون في النهاية إلى إسرائيل باعتبارها دولة غربية، وأدركوا أن الصهيونية، كقومية خاصة، ليس لها دورٌ تلعبه في تحرير إفريقيا.
قطعت الدول الإفريقية علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل إبّان حرب أكتوبر عام 1973م، استجابةً للدعوة إلى مقاطعتها بعد احتلال شبه جزيرة سيناء المصرية، كما أكدت الدراسة أن اتفاقات كامب ديفيد عام 1978م ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979م قد فتحت الطريق أمام مرحلة جديدة من العلاقات الإسرائيلية-الإفريقية، فعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها مصر والدول العربية؛ فقد أدت اتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ضمن عوامل أخرى، إلى عودة العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، وبالتالي إذا كانت إسرائيل قد دخلت إفريقيا في المرة الأولى عن طريق أكرا في غانا؛ فقد عادت هذه المرّة عن طريق القاهرة.
………………………………………………
قائمة المصادر والمراجع:
أولاً: الوثائق:
– قرار رقم 3379 (الدورة 30) بتاريخ 10 نوفمبر 1975، الإقرار بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، المجلد الثاني (1975-1981)، الطبعة الأولى، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1994.
– Abdul Hadi, Mahdi (ed.): Documents on Palestine, Vol. I, II and III, Palestine Academic Society for the Study of International Affairs (PASSIA), Jerusalem, 2007.
– Legum, Colin (ed. and others): Africa Contemporary Record, Annual Survey and Documents 1976-1977, Vol. 9, Rex Collings, London, 1977.
– Legum, Colin: Africa Contemporary Record, Annual Survey and Documents 1971-1972, Vol. 4, Rex Collings, London, 1972.
– Legum, Colin: Africa, the Arabs and the Middle East, in: Africa Contemporary Record, 1973-1974, London, 1974.
– Organization of African Unity, Assembly of Heads of State and Government, Resolutions AHG/RES. 76-77 (XII), 12th Ordinary Session, Kampala, 28 July-1 August 1975.
– Year Book of the United Nations, 1975, Vol. 29, Office of Public Information, United Nations, New York, 1978.
ثانياً: المراجع العربية والمعربة:
– آريه عوديد: إسرائيل وإفريقيا- العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، ترجمة عمرو زكريا خليل، الطبعة الأولى، المؤسسة المصرية للتسويق والتوزيع (إمدكو)، القاهرة، 2014م، ص365.
– حمدي عبد الرحمن: جدلية الأخلاق والسياسة-المواقف الإفريقية من القضية الفلسطينية، مجلة آراء، ع 123، سبتمبر 2017م.
– عبد الملك عودة: الدول الإفريقية والقضايا العربية، في: محمود خيري عيسى (محرر): العلاقات العربية الإفريقية، دراسة تحليلية في أبعادها المختلفة، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1978م.
– عواطف عبد الرحمن، وحلمي شعراوي: إسرائيل وإفريقيا (1948-1985م)، الطبعة الثانية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1985م.
– مجدي حماد: إسرائيل وإفريقيا، دراسة في إدارة الصراع الدولي، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1986م.
ثالثاً: المراجع الأجنبية:
– Gitelson, Aurelia Susan: Israel’s African Setback in Perspective, Jerusalem Papers on Peace Problem, the Leonard Davis Institute for International Relations, the Hebrew University of Jerusalem, Jerusalem, 1974.
– Hersh, Seymour M.: The Samson Option, Israel’s Nuclear Arsenal and American Foreign Policy, Random House, New York, 1991.
– Levey, Zach: Israel in Africa 1956-1976, Martinus Nijhoff Publishers, Boston, 2012.
– Peters, Joel: Israel and Africa, the problematic friendship, British academic press, London, 1992.
رابعاً: الدوريات العربية:
– التكامل الاستراتيجى بين إسرائيل وجنوب إفريقيا، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 114، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1981م.
– جلنار النمس: منظمة الوحدة الإفريقية والنزاع العربي-الإسرائيلي، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 103، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1980م.
– محمد خالد الأزعر: إفريقيا وتسوية الصراع الإسرائيلي-العربي من لجنة الحكماء إلى خلوة الكاب الغربي، شؤون عربية، العدد 124، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، القاهرة، 2005م.
– هند المحلي سلطان: تداعيات قبول إسرائيل كعضو مراقب في الاتحاد الإفريقي على القضية الفلسطينية، مجلة شؤون فلسطينية، ع 283، 284، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، 2021م.
– وفيق أبو حسين: التكامل الاستراتيجى بين إسرائيل وجنوب إفريقيا، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 114، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1981م.
خامساً: الدوريات الأجنبية:
– Abegunrin, Olayiwola: The Arabs and the Southern African Problem, International Affairs, Vol. 60, No. 1 (Winter, 1983-1984).
– Azevedo, Mario J.: The Organization of African Unity and Afro-Arab Cooperation, Africa Today, Vol. 35, No. 3/4, The OAU at 25: The Quest for Unity, Self-Determination and Human Rights (3rd Qtr. – 4th Qtr., 1988).
– Azevedo, Mario J.: The Organization of African Unity and Afro-Arab Cooperation, Africa Today, Vol. 35, No. 3/4, The OAU at 25: The Quest for Unity, Self-Determination and Human Rights, 1988.
– Bishku, Michael B.: South Africa and the Middle East, Middle East Policy, Vol. XVII, No. 3, 2010.
– Brooke, James: Israelis Gaining Ground in Restoring Africa Ties, Special to the New York Times, Jul. 27, 1987.
– Grose, Peter: Arabs Assail West and Israel at U. N., Denounce Military Assistance to South Africa as Aid to its «Criminal Policies», Special to the New York Times, New York Times, Nov. 3, 1976.
– Hofmann, Paul: Zionism Attacked in the U. N. again, Syria Charges South Africa and Israel Collaborate, Special to the New York Times, New York Times, April 28, 1976.
– Levey, Zach: Israel’s Strategy in Africa, 1961-67, International Journal of Middle East Studies, Vol. 36, No. 1, Feb. 2004.
– Miller, Jake C.: African-Israeli Relations: Impact on Continental Unity, Middle East Journal, Vol. 29, No. 4 (Autumn, 1975).
– Shaw, Timothy M.: Oil, Israel and the OAU: An Introduction to the Political Economy of Energy in Southern Africa, Africa Today, Vol. 23, No. 1, South Africa and the World, Jan. – Mar., 1976.
– Wai, Dunstan M.: African-Arab Relations: Interdependence or Misplaced Optimism? The Journal of Modern African Studies, Vol. 21, No. 2 (Jun., 1983).
سادساً: الرسائل الجامعية العربية:
– أحمد باسم بارود: منظمة التحرير الفلسطينية والدول الإفريقية جنوب الصحراء (1964-1988)، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، 2005م.
– بدوى رياض عبد السميع: العلاقات بين جمهورية جنوب إفريقيا وإسرائيل 1948-1976، رسالة دكتوراه غير منشورة، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، 2015م.
سابعاً: الرسائل الجامعية الأجنبية:
– Abegunrin, Olayiwola: The Arabs and the Southern African Problem, International Affairs, Vol. 60, No.1 (Winter, 1983-1984).
– Aladejare, Taiwo Adebanji: the Evolution of African Attitudes to the Arab-Israeli Conflict, 1967-1973, a thesis submitted to the Faculty of Graduate Studies, the degree of Master of Arts, the University of Manitoba, Canada, 1980.
– Isijola, Olugboyega: Nigeria and the Arab-Israeli Conflict, an Analysis of the Domestic and External Determinants of Foreign Policy Change under the Military Government, 1966-1978, thesis submitted to the Graduate School of Public and International Affairs in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree of Ph. D., University of Pittsburgh, Pennsylvania, 1979.
[1] محمد خالد الأزعر: إفريقيا وتسوية الصراع الإسرائيلي-العربي من لجنة الحكماء إلى خلوة الكاب الغربي، شؤون عربية، العدد 124، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، القاهرة، 2005م، ص215.
[2] أحمد باسم بارود: منظمة التحرير الفلسطينية والدول الإفريقية جنوب الصحراء (1964-1988م)، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، 2005م، ص ص (3-4).
[3] Aladejare, Taiwo Adebanji: the Evolution of African Attitudes to the Arab-Israeli Conflict, 1967-1973, a thesis submitted to the Faculty of Graduate Studies, the degree of Master of Arts, the University of Manitoba, Canada, 1980, p.17.
[4] Bishku, Michael B.: South Africa and the Middle East, Middle East Policy, Vol. XVII, No.3, 2010, p.159.
[5] Azevedo, Mario J.: The Organization of African Unity and Afro-Arab Cooperation, Africa Today, Vol. 35, No. 3/4, The OAU at 25: The Quest for Unity, Self-Determination and Human Rights (3rd Qtr. – 4th Qtr., 1988), p.69.
[6] جلنار النمس: منظمة الوحدة الإفريقية والنزاع العربي-الإسرائيلي، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 103، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1980م، ص95.
[7] Gitelson, Aurelia Susan: Gitelson, Aurelia Susan: Israel’s African Setback in Perspective, Jerusalem Papers on Peace Problem, the Leonard Davis Institute for International Relations, the Hebrew University of Jerusalem, Jerusalem, 1974, p.13.
[8] Azevedo, Mario J.: Op. Cit., p.70.
كانت العقبة الرئيسية الوحيدة، في الارتباط الوثيق بين منظمة الوحدة الإفريقية والدول العربية، هي الحملة الناجحة التي شنتها إسرائيل في إفريقيا، فقد قبلت أكثر الدول الإفريقية إسرائيل كدولة واقعية وشرعية، كما أن العديد من الدول الإفريقية حديثة الاستقلال (29 دولة في عام 1967م)، والتي أسرعت إسرائيل بالاعتراف بها، أقامت معها علاقات دبلوماسية وتلقت المساعدة من إسرائيل. أضف إلى ذلك الزعماء الإفريقيين، بما في ذلك نكروما ونيريري، الذين أُعجبوا بإسرائيل لنجاحها الاقتصادي ولم يروها ملائمة لصورة المستعمر الجديد. ولعل قوة الوضع الإسرائيلي في إفريقيا بيّنتها حقيقة أنه حتى عام 1967م لم يتم تبنّي أي قرار رئيسي ضد إسرائيل مقترح في قمم منظمة الوحدة الإفريقية من قِبَل الدول العربية. انظر:
– Azevedo, Mario J.: Op. Cit., pp.70-71.
[9] حمدي عبد الرحمن حسن: المواقف الإفريقية من القضية الفلسطينية… الدوافع والمسارات، قراءات إفريقية، العدد 14، أكتوبر- ديسمبر 2012، ص92.
[10] Aladejare, Taiwo Adebanji: Op. Cit., p.18.
[11] محمد خالد الأزعر: مرجع سابق، ص218.
[12] Levey, Zach: Israel’s Strategy in Africa, 1961-67, International Journal of Middle East Studies, Vol.36, No.1, Feb. 2004, p.72.
[13] عواطف عبد الرحمن، وحلمي شعراوي: إسرائيل وإفريقيا (1948-1985م)، الطبعة الثانية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1985، ص (132، 133).
[14] على سبيل المثال، قادة معتدلون مثل الإمبراطور هيلاسلاسي والجنرال النيجيري Cowon، عارضوا اقتراح رئيس ساحل العاج بالحوار مع جنوب إفريقيا.
[15] Legum, Colin: Africa Contemporary Record, Annual Survey and Documents 1971-1972, Vol. 4, Rex Collings, London, 1972, p. A 85.
[16] جلنار النمس: مرجع سابق، ص97،Aladejare, Taiwo Adebanji: Op. Cit., p.90.
[17] Miller, Jake C.: African-Israeli Relations: Impact on Continental Unity, Middle East Journal, Vol.29, No.4 (Autumn, 1975), p.399; Gitelson, Aurelia Susan: Op. Cit., p.18.
[18] عواطف عبد الرحمن وحلمي شعراوي: مرجع سابق، ص132.
[19] Shaw, Timothy M.: Oil, Israel and the OAU: An Introduction to the Political Economy of Energy in Southern Africa, Africa Today, Vol.23, No.1, South Africa and the World, Jan. – Mar., 1976, p.18, 19.
[20] Brooke, James: Israelis Gaining Ground in Restoring Africa Ties, Special to the New York Times, Jul. 27, 1987, p.A2; Aladejare, Taiwo Adebanji: Op. Cit., p.118.
[21] Miller, Jake C.: Op. Cit., p.400.
[22] Ibid, p.404.
[23] عواطف عبد الرحمن وحلمي شعراوي: مرجع سابق، ص133.
[24] عواطف عبد الرحمن وحلمى شعراوى: مرجع سابق، ص (133، 134).
[25] Miller, Jake C.: Op. Cit., p.406.
[26] Miller, Jake C.: Op. Cit., p.406, 408.
[27] Abegunrin, Olayiwola: The Arabs and the Southern African Problem, International Affairs, Vol. 60, No. 1 (Winter, 1983-1984), pp.100-101.
[28] Year Book of the United Nations, 1975, Vol.29, Office of Public Information, United Nations, New York, 1978, p.591; Organization of African Unity, Assembly of Heads of State and Government, Resolutions AHG/RES. 76-77 (XII), 12th Ordinary Session, Kampala, 28 July-1 August 1975, in: Abdul Hadi, Mahdi (ed.): Documents on Palestine, Vol. I, II and III, Palestine Academic Society for the Study of International Affairs (PASSIA), Jerusalem, 2007, Vol.III, pp.54-57.
[29] قرار رقم 3379 (الدورة 30) بتاريخ 10 نوفمبر 1975م، الإقرار بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، المجلد الثاني (1975-1981م)، الطبعة الأولى، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1994، ص9.
[30] Shaw, Timothy M.: Op. Cit., p.15.
[31] Ibid, p.23.
[32] Legum, Colin (ed. and others): Africa Contemporary Record, Annual Survey and Documents 1976-1977, Vol. 9, Rex Collings, London, 1977, p. B 854; Hersh, Seymour M.: The Samson Option, Israel’s Nuclear Arsenal and American Foreign Policy, Random House, New York, 1991, Seymour M.: Op. Cit., p.265.
[33] U. N. Doc. A/984, S/11554, Hellyer, Peter: Israel and South Africa, Development of Relations 1967-1974, English Annex, 7 November 1974, p.26.
ولمزيد من التفاصيل حول قطع الدول الإفريقية لعلاقاتها مع إسرائيل بعد حرب أكتوبر 1973م، انظر:
Levey, Zach: Israel in Africa 1956-1976, Martinus Nijhoff Publishers, Boston, 2012, pp.157-174.
[34] وفيق أبو حسين: التكامل الاستراتيجي بين إسرائيل وجنوب إفريقيا، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 114، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1981م، ص75.
[35] Abegunrin, Olayiwola: Op. Cit., p.105.
[36] Ibid, Op. Cit., p.100, 103.
[37] مجدي حماد: إسرائيل وإفريقيا، دراسة في إدارة الصراع الدولي، الطبعة الأولى، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1986م، ص83.
[38] Grose, Peter: Arabs Assail West and Israel at U. N., Denounce Military Assistance to South Africa as Aid to its “Criminal Policies”, Special to the New York Times, New York Times, Nov. 3, 1976, p.9.
ولمزيد من التفاصيل حول العلاقات بين جنوب إفريقيا وإسرائيل ودور جنوب إفريقيا في الحروب العربية الإسرائيلية، انظر:
– بدوي رياض عبد السميع: العلاقات بين جمهورية جنوب إفريقيا وإسرائيل 1948-1976م، رسالة دكتوراه غير منشورة، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، 2015م.
[39] Isijola, Olugboyega: Nigeria and the Arab-Israeli Conflict, an Analysis of the Domestic and External Determinants of Foreign Policy Change under the Military Government, 1966-1978, thesis submitted to the Graduate School of Public and International Affairs in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree of Ph. D., University of Pittsburgh, Pennsylvania, 1979, p.232, 233.
[40] Wai, Dunstan M.: African-Arab Relations: Interdependence or Misplaced Optimism? The Journal of Modern African Studies, Vol.21, No.2 (Jun., 1983), p.195.
[41] Legum, Colin: Africa, the Arabs and the Middle East, in: Africa Contemporary Record, 1973-1974, London, 1974, p.11, Isijola, Olugboyega: Op. Cit., p.236.
[42] Aladejare, Taiwo Adebanji: Op. Cit., p.62.
[43] Hofmann, Paul: Zionism Attacked in the U. N. again, Syria Charges South Africa and Israel Collaborate, Special to the New York Times, New York Times, April 28, 1976, p.15.
[44] Wai, Dunstan M.: Op. Cit., p.196.
[45] Ibid.
[46] وقّعت مصر وإسرائيل اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر 1978م، والتي مهدت السبيل للتوقيع على معاهدة سلام كاملة في 29 مارس 1979م، وفي بداية عام 1980م أقامت مصر وإسرائيل علاقات دبلوماسية وتم تبادل السفراء.
[47] Azevedo, Mario J.: The Organization of African Unity and Afro-Arab Cooperation, Africa Today, Vol.35, No.3/4, The OAU at 25: The Quest for Unity, Self-Determination and Human Rights, 1988), p.75.
[48] Peters, Joel: Israel and Africa, the problematic friendship, British academic press, London, 1992, p.85.
[49] Ibid, p.86.
[50] Peters, Joel: Op. Cit., p.86.
[51] Ibid.
[52] Ibid, p.87.
[53] Azevedo, Mario J.: Op. Cit., p.75.
[54] Peters, Joel: Op. Cit., p.87.
[55] Peters, Joel: Op. Cit., p.87.
[56] Ibid, p.88.
[57] Wai, Dunstan M.: Op. Cit., p.197.
[58] Peters, Joel: Op. Cit., p.88.
[59] Peters, Joel: Op. Cit., p.88.
[60] Ibid, p.89.
[61] Ibid.
[62] كانت زائير في حاجةٍ ماسّة للمساعدات العسكرية الإسرائيلية حينها، خاصةً في ميدان تدريب الجيوش، فارتبطت بمعاهدة عسكرية تنص على قيام إسرائيل بإعادة بناء الجيش الزائيري، وإيفاد مستشارين عسكريين إليها لتدريب سلاح البحرية. انظر: محمود الفطاطة: إسرائيل وإفريقيا- مسارات العلاقة واستراتيجية المواجهة، قضايا إسرائيلية، عدد 73، (د.ت)، ص106.
[63] Azevedo, Mario J.: Op. Cit., p.75.
[64] Azevedo, Mario J.: Op. Cit., p.76.
[65] Johnson, Willard R.: Africans and Arabs: Collaboration without Co-operation, Change without Challenge, International Journal, Vol. 35, No. 4, Africa’s Prospects, (Aut., 1980), p.788.
[66] آريه عوديد: إسرائيل وإفريقيا- العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، ترجمة عمرو زكريا خليل، الطبعة الأولى، المؤسسة المصرية للتسويق والتوزيع (إمدكو)، القاهرة، 2014م، ص365.
وحول تواريخ عودة العلاقات الدبلوماسية الإفريقية وإقامة العلاقات مع إسرائيل، انظر: المرجع السابق نفسه، ص ص (407-408).
[67] محمود فطاطة: مرجع سابق، ص107.
[68] المرجع نفسه، ص106.
[69] هند المحلي سلطان: تداعيات قبول إسرائيل كعضو مراقب في الاتحاد الإفريقي على القضية الفلسطينية، مجلة شؤون فلسطينية، ع 283، 284، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، 2021م، ص177.
[70] هند المحلي سلطان: مرجع سابق، ص177.
[71] حمدي عبد الرحمن: جدلية الأخلاق والسياسة-المواقف الإفريقية من القضية الفلسطينية، مجلة آراء، ع 123، سبتمبر 2017م، ص59.
تقرر إلغاء القمة، حيث بررت تل أبيب ذلك بتصاعد الأحداث التي تشهدها المنطقة وعدم الاستقرار الذي تشهده الدولة المضيفة، فيما رجّحت التقديرات أن السبب يعود للضغوط التي مارستها السلطة الفلسطينية والعديد من الدول العربية.
[72] هند المحلي سلطان: مرجع سابق، ص178.
[73] محمود فطاطة: مرجع سابق، ص102.
المصدر: مجلة قراءات إفريقية، العدد: 59, يناير 2024











































