بقلم: بريال سينغ Priyal Singh
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– من دون تنسيق جماعي بين الدول الإفريقية، سيصعب تحقيق فعالية المبادرة الهادفة إلى خفض الحواجز الجمركية الصينية.
– إعفاء بكين جميع الدول الإفريقية من الرسوم الجمركية اعتباراً من 1 مايو (باستثناء إسواتيني)، وحظي القرار بترحيب واسع.
– الإعلان جاء بينما تستخدم واشنطن التعريفات لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد ومواجهة المنافسين؛ الصين تُقدّم نفسها بديلاً تجارياً موثوقاً.
– رغم أن أثر الإعفاء قد يظهر على المدى الطويل، فهو أساساً رسالة جيوستراتيجية تعزز صورة بكين شريكاً مفضلاً لإفريقيا مقابل سياسات التعريفات الأمريكية.
– أبرز الآثار المحتملة للسياسة سيطال قطاعات زراعية حساسة لتقلبات الأسعار.
– قد يتيح الإعفاء من الرسوم الجمركية نوافذ تصديرية لبلدان مثل إثيوبيا وكينيا، مما يساهم في تنويع محدود لقائمة صادرات القارة.
– وفقاً لترودي هارتزنبرغ، مديرة مركز القانون التجاري بجنوب إفريقيا، فإن الإعفاء وحده لا يكفي؛ المكاسب مرتبطة بقدرة القطاع الزراعي على المنافسة.
– العائق البنيوي قائم: صادرات إفريقيا إلى الصين مواد خام مقابل واردات سلع مصنعة، والإعفاء لا يكسر هذا الاختلال.
* * *
من دون تنسيق جماعي بين الدول الإفريقية، لن يتحقق الإنجاز الذي يأمل فيه الكثيرون من تخفيض الحواجز الجمركية الصينية. قرار بكين بإعفاء جميع الدول الإفريقية من الرسوم الجمركية اعتباراً من الأول من مايو (باستثناء إسواتيني لغياب العلاقات الدبلوماسية) لقي ترحيباً واسعاً عبر القارة. وفي وقتٍ تتصاعد فيه الحمائية وتتعثر سلاسل التجارة العالمية، تبدو المبادرة الصينية فرصةً نادرة لتعزيز النفاذ إلى أسواق أكبر.
لكنّ الصورة الكاملة أكثر تعقيداً، فمصلحة الصين الإستراتيجية بعيدة المدى قد تعمل على ترسيخ أنماط التجارة الحالية بدلاً من قلبها. وتوقيت الإعلان يوظف في المقابل سياقاً تختبر فيه واشنطن استعمال التعريفات الجمركية كأداة لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد ومواجهة المنافسين، بل أيضاً لإبراز نفوذها الاقتصادي لدى حلفائها. مقابل هذه المواجهة، تُقدّم الصين نفسها كشريك تجاري يُعتمد عليه. وبالنسبة إلى صانعي السياسات في إفريقيا، الذين تكبّدوا خسائر جراء صدمات الرسوم الأمريكية، يحمل ذلك أهمية عملية: الوصول إلى أسواق متوقعة وقائمة على قواعد صار أقل سهولة.
ورغم ذلك؛ فمن غير المرجح أن يُفضي الإعلان الصيني فوراً إلى تحوُّل جذري في هيكل التجارة بين إفريقيا والصين، أو إلى تسريع عملية تنويع الصادرات والتصنيع التي تطمح إليها معظم العواصم الإفريقية. فقبل الأول من مايو، كانت نسبة تقارب 70% من صادرات القارة إلى الصين معفاةً من الرسوم، وبعض التحليلات تشير إلى أن تركيبة صادرات الدول الأشد فقراً، المرتكزة بكثافة على المواد الخام، تقلل من قدرة هذه السياسة على إحداث تغيير ملموس في المرحلة الراهنة.
مصالح بكين الإستراتيجية طويلة الأمد قد تعزز الديناميكيات التجارية:
تشير تحليلات حديثة إلى أن أثر الإعفاء الجمركي على صادرات جنوب إفريقيا سيكون متواضعاً، وقد لا يتجاوز نحو 1.3% من قاعدة تجارتها في سيناريو متفائل؛ وما يُستعاد على الأرجح هو تحويل تدفقات تجارية أكثر من إيجاد طلب جديد ملحوظ. ومع أن ثمار الإعفاء قد تتبلور أكثر على المدى الطويل، فإن القرار يخدم في المقام الأول إشارة جيوستراتيجية أوسع، فهو يعزز صورة بكين كشريك متميز لإفريقيا في مقابل سياسات الضغوط والتعريفة التي تبنتها إدارة ترامب في ولايتها الثانية، وما لذلك من انعكاسات على التوقعات والولاءات والتحالفات الإقليمية.
لكنّ هذا الإعفاء ليس مُهيّأً لتغيير جذري في خريطة المنتفعين والمتضررين داخل القارة؛ بل يميل إلى ترسيخ الوضع القائم. أكبر المصدرين الأفارقة إلى الصين، كأنغولا (نفط)، جمهورية الكونغو الديمقراطية (نحاس وكوبالت)، زامبيا (نحاس)، وجنوب إفريقيا (معادن ومنتجات زراعية)، متكاملون بعمق في سلاسل التوريد الصينية. وهم يستفيدون من اقتصاديات الحجم، وشبكات لوجستية راسخة، وعلاقات تجارية طويلة الأمد مع مشتريات صينية؛ وإلغاء التعريفات يعزز تنافسيتهم ويُوطِّد مواقعهم في السوق حتى لو كان التأثير الإضافي محدوداً.
وأوضحُ أثرٍ محتمل للسياسة سيكون على قطاعات زراعية حساسة لتقلبات الأسعار؛ فمنتجات مثل بذور السمسم والبن والأفوكادو قد تشهد تحركاً في الطلب حين تطرأ فروقات طفيفة في التكلفة، لأن قرارات الشراء في هذه الأسواق تتأثر بشدّة بتقلبات الأسعار واللوائح التجارية.
تشكل المواد الخام والمنتجات النهائية الجزء الأكبر من التجارة بين إفريقيا والصين:
قد يتيح إعفاء التعريفات الجمركية نوافذ تصديرية لبلدان مثل إثيوبيا وكينيا، مما قد يسهم في تنويع متواضع لقائمة صادرات القارة. ومع ذلك، كما تشير ترودي هارتزنبرغ، المديرة التنفيذية لمركز القانون التجاري في جنوب إفريقيا TRALAC، فإن ميزة الإعفاء وحدها لن تكفي لإحداث قفزة كبيرة؛ فالمكاسب المحتملة تظل مرهونةً بقدرة الصناعات الزراعية على المنافسة في ظل بيئة تجارية أكثر تعقيداً.
ستظل الإجراءات الصحية والحواجز التقنية عوامل حاسمة لضمان حضورٍ فعّال في الأسواق، ولذلك فإن مذكرات التفاهم التي تعالج متطلبات SPS، ومعايير سلاسل القيمة لمنتجات مثل العنب الطازج والفواكه الأساسية والتفاح والأفوكادو، ستبقى جوهريةً للتبادل التجاري المربح.
والعائق البنيوي الأكبر لا يزال قائماً، حيث تُهيمن على التجارة بين إفريقيا والصين صادرات المواد الخام مقابل واردات سلع تامة الصنع، على الرغم من المبادرات الأخيرة لتعزيز الاستثمار والتصنيع محلياً. لذا؛ فإن الإعفاء من الرسوم، بمفرده، لا يكسر هذا الاختلال المستمر.
للتحول نحو سلاسل قيمة محلية أكثر عمقاً، وصادرات زراعية وصناعية ذات قيمة مضافة أعلى، تبرز حاجةٌ ملحّة إلى استثمارات مُكمِّلة في البنية التحتية، وسياسات صناعية طموحة، وتطوير رأس المال البشري. كما يتطلب خلق شروط تجارية عادلة مزيداً من التنسيق بين الدول الإفريقية واتفاقات مع الصين لمعالجة العوامل الهيكلية، وتشمل هذه العوامل دورات الطلب على السلع الأولية، وتمويل البنى التحتية، والاستثمار الأجنبي، والخدمات اللوجستية، واندماج الشركات في سلاسل القيمة.
ويتوافق مع هذا المنظور تعليق ديفيد لوك، الأستاذ المشارك والمدير الإستراتيجي في معهد فيروز لالجي لإفريقيا LSE، الذي يشير إلى أن «عدم التماثل الاقتصادي بين الصين والدول الإفريقية، المنعكس في الفائض التجاري الكبير للصين، يجعل الوصول إلى الأسواق بدون رسوم جمركية ودون معاملة بالمثل قراراً منطقياً من وجهة نظر بكين».
يتمثل التحدي أيضاً في استغلال هذه الفرصة بطريقة إستراتيجية:
من أجل أن تُحدث إعفاءات التعريفات أثراً تحويلياً حقيقياً في الاقتصادات الإفريقية، ينبغي أن ترافقها استثمارات صينية موجهة نحو القطاعات الإنتاجية، مثل التصنيع والإنتاج الزراعي وسلاسل القيمة الزراعية. من وجهة نظر بكين، فإن منطق منح الوصول إلى الأسواق بلا رسوم له مبررات واضحة: أولاً؛ يعزّز موقع الصين كشريك اقتصادي أساسي للقارة، ويعمّق روابطها المؤسسية التي تُبنى عبر آليات مثل منتدى التعاون الصيني-الإفريقي، ويقوّي التأثير الجيوسياسي لبكين في وقتٍ تتراجع فيه بعض الروابط التقليدية الأخرى.
ثانياً؛ تخدم هذه السياسة تأمين سلاسل الإمداد بالموارد الأساسية. مع احتدام المنافسة الدولية، يصبح ضمان نفاذ مستقر إلى معادن مثل الكوبالت والليثيوم والنحاس أولوية إستراتيجية؛ وإفريقيا، بصفتها مصدراً لجزء كبير من هذه الموارد، تحتل مركزاً محورياً في حسابات بكين، ولا تُعدّ السياسة التجارية سوى إحدى أدوات تأمين ذلك.
ثالثاً؛ يفتح التكامل التجاري أفقاً جديداً للمصالح الصينية في المصب: فكلما ازداد اندماج الاقتصادات الإفريقية مع السوق الصينية، تقلّ الحاجة إلى استيراد مُدخلات بعيدة، وتزداد جدارة الاستثمار في البنى التحتية اللوجستية والمجمعات الصناعية المحلية. يتماشى هذا التوجّه مع امتداد مبادرة «الحزام والطريق»، التي تنحو نحو دعم المجمعات الصناعية والمناطق الاقتصادية الخاصة والإنتاج ذي القيمة المضافة في إفريقيا.
ومع ذلك، يضع هذا الارتباط المتصاعد أمام صانعي السياسات الأفارقة أسئلةً حاسمة: ما الشروط التي يجب قبولها، ولأي غاية؟ فمن دون سياسات صناعية واضحة تسعى لتنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز القيمة المضافة المحلية؛ قد يُكرّس الإعفاء من الرسوم دور القارة كمورد أوّلي فحسب.
لذلك؛ لا يكفي انتهاز فرصة النفاذ إلى السوق الصينية بمفردها، بل يجب أيضاً توجيهها إستراتيجياً عبر حُزم دعم تستهدف القطاعات ذات القيمة المضافة، واستثمارات في قدرات التجهيز والتصنيع، ومفاوضات تقنية للتقريب بين المعايير واللوائح بهدف تسهيل تصدير منتجات أكثر تعقيداً. كما يلزم إدراك موقع هذه الخطوة داخل مسرح التنافس الجيوسياسي المتسع بين واشنطن وبكين، حيث يتواصل تحوّل موازين القوة الاقتصادية العالمية نحو الشرق.
ــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:











































