إعلان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) تعيين الحكم الصومالي عمر عرتن، لإدارة مباراة نهائي كأس السوبر الأوروبي 2026 أعاد تسليط الضوء على واحدة من أكثر القصص إثارة في عالم الساحرة المستديرة خلال العام الجاري.
فبعد ساعات من استبعاده من المشاركة في نهائيات كأس العالم 2026 إثر منعه من دخول الولايات المتحدة، وجد الحكم الصومالي نفسه في واجهة الأحداث الرياضية الدولية، لكن هذه المرة عبر بوابة “السوبر الأوروبي”، المباراة التي تعد واحدة من أهم المباريات العالمية، والتي من المقرر أن تجمع بين فريقي باريس سان جيرمان الفرنسي وأستون فيلا الإنجليزي، على مسرح الأحلام في مدينة سالزبورغ النمساوية.
وجاء قرار “يويفا” ليمنح عمر عرتن فرصة جديدة للظهور على المسرح الكروي العالمي، كما أعاد القرار الاعتبار، معنويًا على الأقل، إلى حكم نجح خلال سنوات قليلة في شق طريقه نحو قمة التحكيم الإفريقي والدولي قبل أن تتوقف رحلته إلى كأس العالم في اللحظات الأخيرة.
من هو الحكم الصومالي عمر عرتن؟
خلال السنوات الأخيرة، نجح عمر عبدالقادر عرتن في بناء مسيرة استثنائية جعلته أحد أبرز الحكام الأفارقة على الساحة الدولية.
ويبلغ عرتن من العمر 34 عامًا، وقد انضم إلى القائمة الدولية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عام 2018، قبل أن يلفت الأنظار بفضل شخصيته الهادئة وقدرته على إدارة المباريات الكبرى تحت الضغط.
وتدرج الحكم الصومالي في مختلف المسابقات القارية حتى أصبح من الأسماء المعروفة في بطولات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، حيث أدار مباريات حاسمة في دوري أبطال إفريقيا وكأس الأمم الإفريقية، قبل أن يتوج بجائزة أفضل حكم إفريقي لعام 2025.
وشكل اختياره ضمن قائمة حكام كأس العالم 2026 لحظة تاريخية بالنسبة للصومال؛ إذ أصبح أول حكم صومالي يصل إلى هذا المستوى في تاريخ اللعبة، وهو إنجاز اكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى التحديات الأمنية والسياسية التي عانت منها البلاد خلال العقود الماضية.
ورأت الأوساط الرياضية الصومالية أن وصول عمر عرتن الحكم الصومالي إلى قائمة حكام المونديال لم يكن نجاحًا شخصيًا فحسب، بل كان تعبيرًا عن قدرة البلاد على إنتاج كفاءات قادرة على المنافسة عالميًا رغم الظروف الصعبة.
🚨🇸🇴 UEFA announce Omar Artan to referee UEFA Super Cup between PSG and Aston Villa in August after being denied access to the USA. pic.twitter.com/VplQElbG0R
— Fabrizio Romano (@FabrizioRomano) June 11, 2026
حلم المونديال الذي توقف عند الحدود
عندما أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم قائمة الحكام الذين سيديرون مباريات كأس العالم 2026، كان اسم عمر عرتن حاضرًا بين 52 حكمًا وقع عليهم الاختيار للمشاركة في الحدث الكروي الأكبر عالميًا.
واعتبر كثير من الصوماليين أن وجود حكم من بلادهم في البطولة يمثل إنجازًا وطنيًا يعكس صورة مختلفة عن الدولة التي ارتبط اسمها طويلًا بالنزاعات والأزمات الإنسانية.
لكن، مع وصوله إلى الولايات المتحدة استعدادًا للمشاركة في البطولة المونديالية، فوجئ بعدم السماح له بدخول البلاد، لتبدأ أزمة تحولت سريعًا إلى قضية إعلامية وسياسية تجاوزت حدود المستطيل الأخضر.
وأثار القرار الأمريكي موجة تساؤلات واسعة، خصوصًا أن الحكم الصومالي كان قد اجتاز جميع المراحل الفنية المطلوبة للمشاركة في البطولة، كما أن اختياره جاء بناءً على تقييمات فنية أجرتها لجان التحكيم التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم.
وبينما كانت المنتخبات تستعد لخوض المنافسات، وجد عمر عرتن نفسه خارج البطولة التي عمل سنوات من أجل الوصول إليها.
لماذا حرمت أمريكا عمر عرتن من كأس العالم؟
بحسب ما أعلنته السلطات الأمريكية، فإن قرار عدم السماح لعرتن بدخول البلاد استند إلى معلومات تتعلق بارتباطه بأشخاص يشتبه في انتمائهم إلى منظمة مصنفة ضمن الجماعات المحظورة.
غير أن السلطات لم تقدم تفاصيل إضافية تدعم هذه المزاعم، ما فتح الباب أمام انتقادات واسعة من شخصيات رياضية وإعلامية داخل إفريقيا وخارجها.
وأعادت القضية إلى الواجهة النقاش المتعلق بتأثير السياسات الأمنية والهجرة على البطولات الرياضية الدولية، خاصة عندما تكون هذه البطولات ذات طبيعة عالمية يفترض أن تمثل مختلف الشعوب والثقافات.
كما سلطت الضوء على التحديات التي قد يواجهها الرياضيون القادمون من دول تعاني ظروفًا سياسية أو أمنية معقدة، حتى عندما يحققون أعلى مستويات النجاح المهني.
في السياق؛ وجد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” نفسه في موقف حرج بعد تصاعد الجدل حول استبعاد عمر عرتن الحكم الصومالي من البطولة.
وفي أول تعليق رسمي، وصف رئيس الاتحاد الدولي جياني إنفانتينو ما حدث بأنه “مؤسف”، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الفيفا لا تملك صلاحية التدخل في قرارات الدول المتعلقة بمنح التأشيرات أو السماح بدخول أراضيها.
وعكست تصريحات إنفانتينو حجم المأزق الذي واجهته المؤسسة الدولية؛ فمن جهة أرادت الدفاع عن مبدأ عالمية البطولة، ومن جهة أخرى وجدت نفسها أمام قرارات سيادية لا تملك القدرة على تجاوزها.
ورغم أن التصريحات لم تغير شيئًا من واقع استبعاد الحكم الصومالي، فإنها كشفت حجم الإحراج الذي سببته القضية للاتحاد الدولي، خاصة مع اتساع دائرة الانتقادات الموجهة إلى طريقة التعامل معها.
تضامن دولي مع عرتن تجاوز حدود الصومال
خلال أيام إن لك تكن ساعات، لم تبقِ أزمة الحكم الصومالي محصورة داخل بلاه، فقد تحولت إلى قضية حظيت باهتمام شخصيات رياضية ودولية عديدة رأت فيما حدث مثالاً على التداخل المتزايد بين الرياضة والسياسة.
وكان من أبرز المتضامنين مع عرتن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الذي أكد أن الحكم الصومالي حقق إنجازًا تاريخيًا بوصوله إلى قائمة حكام كأس العالم، وأن هذا الإنجاز لا يمكن أن يمحوه قرار إداري أو إجراء حدودي.
وشدد تيدروس على أن عمر عرتن أصبح مصدر إلهام لجيل كامل من الشباب الصومالي والإفريقي، معتبرًا أن نجاحه المهني يظل قائمًا بغض النظر عن عدم مشاركته في البطولة.
كما انضم عدد من اللاعبين السابقين والمحللين الرياضيين إلى حملة التضامن، معتبرين أن كرة القدم ينبغي أن تبقى مساحة مفتوحة للجدارة والاستحقاق بعيدًا عن الاعتبارات السياسية.
ودعمًا لعرتن، قال نجم الكرة الفرنسية تييري عنري إنه في حال كانت الولايات المتحدة تدّعي أن الحكم الصومالي مرتبط بـ”إرهابيين” فإن ذلك يطرح تساؤلات حول كيفية تعيينه لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا، مشيرًا إلى أن الفيفا “تفعل كل ما بوسعها لإرضاء الولايات المتحدة”، وأن إدخال السياسة في كرة القدم أمر خاطئ.
هنري شدد على أن “كأس العالم من المفترض أن يمثل عالم كرة القدم بأكمله، كل القارات وكل الدول والثقافات، وهذا ما يجعلها بطولة مميزة”، مضيفًا أن “كرة القدم لديها ما يكفي من المنافسات داخل الملعب، ولا نحتاج إلى منافسات سياسية خارج الملعب أيضًا.”
استقبال الأبطال في مقديشو
عندما عاد عمر عرتن إلى العاصمة مقديشو بعد استبعاده من كأس العالم، لم يكن الاستقبال الذي حظي به استقبال شخص خسر فرصة مهنية، بل استقبال بطل قومي.
فقد احتشد آلاف الصوماليين في المطار وفي الملعب الوطني للتعبير عن تضامنهم معه، ورفعوا الأعلام الوطنية ورددوا الهتافات الداعمة له.
وأظهرت المشاهد حجم التعاطف الشعبي الذي حظي به الحكم الصومالي، كما عكست شعورًا عامًا بأن ما حدث له لم يكن قضية شخصية فقط، بل مسألة تمس صورة البلاد ومكانتها.
Mogadishu Stadium erupts as thousands gather to celebrate Africa’s Best Referee, Omar Abdulkadir Artan. Reframing the global controversy, the crowd showed that true recognition comes from home. Artan stated: “I thank the Somali people for standing by me and sharing their… pic.twitter.com/0r5Lwlwosc
— SONNA (@SONNALIVE) June 10, 2026
وخلال حديثه للصحفيين، أكد عرتن أنه لا يشعر بالإحباط، وأنه سيواصل العمل من أجل العودة إلى كأس العالم في نسخة 2030، مضيفًا أن ما حدث لن يمنعه من مواصلة تطوير مسيرته المهنية.
كما لم يقتصر التضامن على الشارع الصومالي، بل امتد إلى أعلى مستويات الدولة، فقد استقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود الحكم عمر عرتن في القصر الرئاسي، مشيدًا بما حققه من إنجازات جعلت اسم الصومال حاضرًا في أكبر المحافل الرياضية العالمية.
وبدورها، أعلنت وزارة الخارجية الصومالية أنها تتابع القضية مع الجهات المعنية، مؤكدة أهمية احترام حقوق المواطنين الصوماليين والحفاظ على كرامتهم.
واعتبر مسؤولون صوماليون أن القضية تجاوزت شخص عمر عرتن، وأصبحت مرتبطة بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص في المنافسات الرياضية الدولية.
لماذا اختاره يويفا؟
وسط هذه الأجواء، جاء إعلان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم تعيين عمر عرتن الحكم الصومالي لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي.
ورغم أن القرار جاء ضمن إطار التعاون المتزايد بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي لكرة القدم، فإن توقيته منح الخطوة أبعادًا رمزية كبيرة.
فالسوبر الأوروبي يعد من أبرز مباريات الموسم الكروي في القارة الأوروبية، ويجمع بين بطلي دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي أمام جمهور عالمي واسع.
وبالنسبة لعرتن، فإن إدارة هذه المباراة تمثل اعترافًا جديدًا بمكانته الدولية وقدراته التحكيمية، خصوصًا أنها تأتي بعد فترة قصيرة من استبعاده من الحدث الكروي الأكبر في العالم.
كما تعكس الخطوة ثقة المؤسسات الكروية الكبرى في كفاءته المهنية في إدارة مباريات كرة القدم، بعيدًا عن الجدل السياسي الذي أحاط بقضيته.
وقد أشاد رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم باتريس موتسيبي بمسيرة الحكم الصومالي، معتبرًا أنه أصبح مصدر فخر للقارة بأكملها.
Top African referee Omar Artan to officiate 2026 UEFA Super Cup after being unable to participate
— CAF Media (@CAF_Media) June 11, 2026
in FIFA World Cup 2026
Artan has been on the FIFA international list since 2018 and was named CAF Men’s Referee of the Year in 2025https://t.co/zPhWxRdpLl
كما أكد أن وصوله إلى هذا المستوى يعكس التطور الذي يشهده التحكيم الإفريقي خلال السنوات الأخيرة، وقدرته على المنافسة في أعلى المستويات العالمية.
في الأخير، ربما خسر عمر عرتن فرصة إدارة مباريات كأس العالم 2026، لكنه خرج من الأزمة بصورة مختلفة تمامًا عما كان عليه قبلها؛ فبدلاً من أن يُعرف بوصفه حكمًا مُنع من دخول الولايات المتحدة، أصبح رمزًا للإصرار والنجاح في نظر كثيرين داخل إفريقيا وخارجها.
وحين يطلق صافرة بداية مباراة كأس السوبر الأوروبي في مسرح سالزبورغ، لن يكون مجرد حكم يدير مواجهة بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا، بل سيكون عنوانًا لقصة بدأت بحلم مونديالي أقصته أمريكا عند بواباتها، ليكمل طريق المجد نحو أحد أكبر ملاعب أوروبا.











































