بسمة سعد
باحثة متخصصة في الأمن الإقليمي والشأن الإفريقي
في خطوة هي الأولى في تاريخ الجزائر منذ مشاركتها إلى جانب مصر في حرب أكتوبر 1973، أصدر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في 26 أكتوبر 2026، قرارًا بإرسال وحدات من الجيش إلى النيجر “من أجل ضمان حماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة الجزائرية النيجرية”؛ بناء على طلب السلطات النيجرية، وفق بيان الرئاسة الجزائرية.
جاء القرار عقب حصوله على موافقة ثلثي أعضاء مجلسي البرلمان الجزائري على نشر قوات في النيجر، والتي من المتوقع نشرها في منطقة ماداما شمال البلاد قرب الحدود الليبية، وهو ما يدفع للتساؤل بشأن؛ دوافع اتجاه الجزائر لنشر وحدات عسكرية في النيجر؟
انطلاقاً مما سبق، يهدف المقال لمناقشة أنماط الدوافع الواقفة وراء اتجاه الجزائر لنشر وحدات عسكرية في الخارج في قرار هو الأول منذ مشاركتها العسكرية في حرب أكتوبر عام 1973، يسبقها تناول ملابسات تحول العلاقات النيجرية الجزائرية من التوتر إلى الشراكة متعددة المجالات.
المحتويات
أولًا: تحول العلاقات الجزائرية النيجرية منذ 2023
حزمة من التطورات السياسية والعسكرية سجلتها العلاقات الجزائرية النيجرية في السنوات الأخيرة، مرت خلالها العلاقات بمراحل متباينة تراوحت ما بين التوتر، والتعاون تعود للعام 2023، بعدما عارضت الجزائر الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس النيجري محمد بازعوم، وتولى المجلس العسكري برئاسة عبد الرحمن تشاني الحكم، إلى جانب غضب النيجر بشأن آليات ترحيل المهاجرين النيجرين من الجزائر والتي دفعت نيامي لاستدعاء السفير الجزائري في البلاد للمساءلة عن الطبيعة العنيفة” لعمليات الترحيل الجزائرية التي طالت آلاف المهاجرين النيجريين في أبريل 2024.
إلى أن تفاقمت حدة التوتر بين البلدين عقب إسقاط الأخيرة طائرة غير مأهولة تابعة لمالي كحليف استراتيجي للنيجر قرب الحدود المشتركة في 1 أبريل 2025، بعدما أفادت الرواية الجزائرية بأن الدرون اخترقت أجوائها بنحو كيلومترين بشكل هجومي، استُدعى على إثرها سفراء النيجر ومالي وبوركينا فاسو في الجزائر، وتدهورت علاقات الجزائر مع البلدان الثلاثة[1].
ولقد سجلت العلاقات تحول لافت بين البلدين، ليس فقط انطلاقاً من المصالح الحيوية المشتركة التي تفرض على البلدين إعادة النظر في أهمية استعادة دفء العلاقات، أبرزها ملف الطاقة والتعاون العسكري والأمني، وإنما كذلك لما لعبته روسيا كشريك استراتيجي للجزائر في دعم جهود الوساطة بين الجزائر والنيجر وباقي دول الساحل، بدأت بزيارة أجراها تشاني إلى الجزائر في فبراير 2026، تُعد هي الأولى له خارج دول تحالف الساحل الجديد (مالي والنيجر وبوركينا فاسو)، تبعها تسليم الجزائر مروحيتين هجوميتين من طراز “مي-24 MkIII”، ومروحيتين للنقل من طراز “مي-171” لنيامي في أغسطس 2026 [2].
كما قامت الجزائر بنشر4 مقاتلات من طراز سو-30 في العاصمة النيجرية نيامي برفقة طائرة إيل-78 للتزود بالوقود جوًا قبل أن تتمركز في القاعدة الجوية 101 بالقرب من نيامي يوم 30 أغسطس 2026، في خطوة هي الأولى من نوعها لنشر مقاتلات عسكرية خارج البلاد؛ استجابةً لطلب السلطات النيجرية بدعم قواتها عقب محاولة انقلاب فاشلة في نيامي، تزامنت مع زيارة الوزير الأول النيجري علي محمد الأمين زين للجزائر.
تَبِعَ ذلك، إجراء وزير الدفاع النيجري الجنرال ساليفو مودي زيارتين إلى الجزائر بفارق بضعة أيام في أكتوبر 2026، أسفرت آخرهما عن توقيع بروتوكول اتفاق في مجال التعاون العسكري، يضع إطار لعمليات ميدانية تسمح بتأمين ما وصفته بـ”المشروعات الكبرى”، في إشارة إلى منشآت الطاقة ومشاريع النفط ونقل الغاز، انتهاء بإصدار الرئيس الجزائري قرار بإرسال وحدات عسكرية إلى النيجر، بما يطرح أهمية مناقشة دوافع تخلي الجزائر عن نهجها الحذر برفض نقل معدات عسكرية هجومية إلى دول جوارها في منطقة الساحل، انتهاءاً بإعلانها نشر وحدات عسكرية في النيجر.
ثانياً: دوافع وجود الجيش الجزائري في النيجر
تتعدد الدوافع التي تقف وراء تخلى الجزائر عن رفض توظيف أداتها العسكرية في تأمين مصالحها الحيوية، ودعم علاقاتها الخارجية وتأمين مناطق نفوذها في منطقة الساحل الإفريقي، والتي يتمثل أبرزها في النقاط التالية:
استعادة العمق الجزائري
في منطقة الساحل عبر تعزيز التعاون العسكري ومشروعات الطاقة
أتى القرار الجزائري بإرسال وحدات عسكرية للنيجر لحماية منشآت الطاقة، ليعكس ملامح المقاربة الجزائرية للأمن الإقليمي، التي باتت تتجاوز تعزيز أواصل التعاون مع دول الجوار الإفريقي عبر الأدوات الدبلوماسية والسياسية والمشاريع الاقتصادية والطاقوية، لتضم توظيف الأداة العسكرية والأمنية لحماية المصالح المشتركة ودعم جهود دول الجوار الجزائري الإفريقي في مواجهة تحدياتها الأمنية.
والتي يأتي على رأسها نشاط الجماعات الإرهابية، في خطوة تعود لعام 2020 عقب إجراء الجزائر استفتاء على تعديل دستوري سمح للمرة الأولى للجزائر بالتخلي جزئياً عن أحد مبادئ العقيدة الدفاعية الجزائرية الخاصة بحصر دور قواتها المسلحة داخل حدودها، ومنح الجزائر الحق في المشاركة في عمليات حفظ السلام تحت إشراف الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية، وفق لنص المادة 31 من الدستور المعدل[3].

كما ضمت التعديلات النص على منح رئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع، الحق في إرسال قوات عسكرية إلى خارج البلاد عقب موافقة ثلثي أعضاء كل غرفة من غرف البرلمان الجزائري[4]، لحماية المصالح الحيوية الجزائرية التي يأتي على رأسها مشاريع الطاقة وترسيخ دورها في استقرار أمن دول جوارها الإفريقي، كأحد متطلبات تعزيز التعاون الجزائري الخارجي من جانب، وترجمه فعلية لتأكيدات جزائرية متكررة بأن “أمن دول الساحل مرتبط بالأمن القومي للبلاد“[5] من جانب آخر، في ظل ما تواجهه الجزائر ودول جوارها الإفريقي من تهديدات أمنية عابرة للحدود، تتطلب مقاربة أمنية مشتركة.
يُضاف إلى ذلك، تتمتع النيجر بأهمية جيوستراتيجية تجعل منها شريك استراتيجي للجزائر، أولها؛ موقعها الجغرافي الواقع في قلب منطقة الساحل الإفريقي وغرب إفريقيا، تحدها كل من الجزائر وليبيا من الشمال، وتشاد من الشرق، ونيجيريا وبنين من الجنوب، وبوركينا فاسو ومالي من الغرب، بما يجعلها دولة حبيسة تعتمد على دور جوارها في حركات مرور البضائع والأشخاص كالمرور عبر بنين ونيجيريا من أجل الوصول إلى ساحل المحيط الأطلسي، كما تُعد حلقة وصل في مشاريع الربط الإقليمي، وهو ما منحها كذلك ميزة استراتيجية باعتبارها نقطة التقاء بين دول غرب وشمال إفريقيا، خاصة في ظل ما تشهده دول منطقة الساحل وغرب إفريقيا من تحولات استراتيجية، تتخللها تحديات أمنية مشتركة، تُلقي بظلالها على الداخل الجزائري.

أما بالنسبة لثاني أبعاد الأهمية الجيوستراتيجية، فتتمثل فيما تتمتع به نيامي من ثروات معدنية تجعل منها شريك استراتيجي مهم في مجال الطاقة والاستثمارات، أبرزها اليورانيوم المورد الاستراتيجي الأبرز والأهم في سلاسل إمداد الطاقة النووية العالمية والذي تمتلك نيامي احتياطات منه تُقدر بما بين (350 ألف-500ألف) طن[6] تتمركز بشكل رئيسي في رواسب (أرليت/أرليت، وإيمورارين، وأكوتا، وأزيليك/تيغيدا).
إلى جانب غيرها من مشاريع التطوير الجديدة، مثل مشروع ماداويلا، ومشروع داسا، ورواسب أبوكوروم، ما جعل من نيامي رابع أكبر منتج لليورانيوم في العالم بنسبة تمثل 5٪ من الإنتاج العالمي، إلى جانب غناها بعدة معادن ثمينة كالنفط المتمركز بشكل رئيسي في منطقة الشمال الشرقي للبلاد، والذهب والنحاس والحديد والفحم والفوسفات وغيرها من المعادن، التي لعبت دوراً في رفع التوقعات بشأن النمو الاقتصادي للنيجر في العام 2026 بنسبة 6.7%، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي[7].
ومن ثم، شكل المزيح الثلاثي الجامع بين حرص الجزائر على تأمين مصالحها الحيوية، إلى جانب ما تتمتع به النيجر من امتيازات جيوستراتيجية، ناهيك عما شهدته منطقة الساحل وغرب إفريقيا وبعض دول شمال إفريقيا من تطورات سياسية وأمنية أعادت صياغة شبكة التفاعلات والعلاقات في المنطقتين، دافع لكل من نيامي والجزائر لإعادة النظر في تعزيز الشراكة في عدد من الملفات الحيوية، أبرزها مشاريع الطاقة والتعاون العسكري.
فعقب أشهر من استعادة البلدين دفء علاقتهما، افتتحت الجزائر والنيجر في 3 يونيو محطة توليد كهرباء بقدرة 40 ميغاواط في منطقة “غورو باندا” أحد ضواحي العاصمة نيامي، كهبة من الجزائر، لتُعد نقطة الارتكاز الرئيسية لتوزيع الطاقة في مقاطعة نهر النيجر (Zone Fleuve) التي تغذي العاصمة والمدن المجاورة لها، وذلك عقب ثلاثة أشهر من العمل المتواصل، ما ساهم في تقليص عجز الطاقة في العاصمة نيامي بنسبة تتجاوز 30%، لا سيما خلال فترات الذروة الصيفية، ومنحت البلاد استقلالية طاقوية أكبر، قللت من تبعيتها التاريخية لاستيراد الكهرباء من نيجيريا[8].
وفي يوم 2 يونيو، وقعت شركات تابعة لشركة “سوناطراك” الجزائرية ثلاث اتفاقيات مع شركة النفط الوطنية النيجرية “سونيديب”في مجال استكشاف النفط وإمدادات البترول، تلاها بدء الجزائر يوم 4 يونيو العمل على الجزء الخاص بها من خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط بين حقول الغاز النيجيرية بأوروبا بما في ذلك إيطاليا عبر النيجر والجزائر، في مشروع يصل طوله لـ4000 كيلومتر[9] تُقدر تكلفته بقيمة 13 مليار دولار .
وفي 13 أغسطس، بدأت الشركات الاستعدادات لحفر أربعة آبار استكشافية في منطقة كافرا بالنيجر، التي أظهرت نتائج الاستكشاف في المنطقة عن وجود احتياطيات تُقدّر بنحو 168 مليون برميل في أحد المكامن، و100 مليون برميل في مكمن آخر، بإجمالي يبلغ 268 مليون برميل من النفط وفق البيانات المعلنة آنذاك[10]، سلمت في أعقابها شركة “سوناطراك” الجزائرية أول شحنة من وقود الطائرات Jet A1 إلى النيجر بموجب اتفاقية توريد مع شركة “سونيديب” ، في حزمة من المشاريع الجزائرية النيجرية سبقت أشهر من محاولة الانقلاب العسكري في نيامي، ما جعل من تفعيل الأداة العسكرية كأداة ردع عسكري لحماية المصالح الحيوية الجزائرية، ضرورة حتمية تربط بين استقرار الوضع السياسي والأمني في النيجر بحماية وتأمين الاستثمارات الجزائرية في ملف الطاقة والتعدين.
وعلى الرغم من غياب تفاصيل بشأن عدد القوات المقرر نشرها، أو مدة المهمة أو ما إذا كانت ستتبعها طائرات ووحدات برية إضافية، إلا أن هناك توقعات بتمركز القوات الجزائرية في قاعدة ماداما العسكرية، الواقعة شمال النيجر وعلى الحدود الليبية بالقرب من مناجم اليورانيوم وآبار النفط المتمركزة في شمال النيجر، وعلى بُعد نحو 263 كيلومتراً بخط مستقيم من قاعدة الويغ في إقليم فزان الليبي، والتي كانت في وقت سابق نقطة ارتكاز عسكرية فرنسية جرى تطويرها في إطار عملية برخان، وتكتسب أهمية استراتيجية من دورها في مراقبة منطقة الساحل والمحاور العابرة للحدود[11]، وقبل ذلك توفير الحماية للمواقع الحيوية النيجرية، بما في مناطق التعدين ومشاريع البنية التحتية المرتبطة بالمصالح الجزائرية.
التصدي لخطر انتشار الجماعات الإرهابية
ودعم الاستقرار السياسي والأمني النيجري
على الرغم من ربط الجزائر بين قرار نشر قواتها في النيجر بتأمين ما وصفته بـ”المشروعات الكبرى”، في إشارة إلى منشآت الطاقة ومشاريع النفط ونقل الغاز، إلا أن ذلك القرار يحمل في طياته أهداف إضافية تتعلق بدعم القوات النيجرية في فرض الأمن والاستقرار الداخلي ومكافحة أنشطة الجماعات الإرهابية في النيجر والممثلة في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة وفرع داعش في الساحل وداعش في غرب إفريقيا وجماعة بوكوحرام، بما يطرح احتمالية تنفيذ القوات الجزائرية المقرر نشرها في قاعدة ماداما العسكرية ضربات تستهدف مواقع تمركز الجماعات الإرهابية.
وقد باتت منطقة تيلابيري الواقعة غربي النيجر، وتحديداً في مثلث ليبتاكو-غورما الحدودي بين بوركينا فاسو ومالي والنيجر، بؤرة النشاط الإرهابي وساحة تنافس بين الجماعتين، حيث يهيمن داعش الساحل في الشمال وجماعة نصرة الإسلام في الجنوب، بينما باتت المنطقة الوسطى المحيطة بالعاصمة نيامي ساحة اقتتال وتنافس بين الجماعتين في مسعى فردي لكل منهما لفرض السيطرة عليها، كما امتد هذا التنافس إلى منطقة دوسو في النيجر المتاخمة لبنين ونيجيريا[12]، بينما لايزال يواصل تنظيم داعش في غرب إفريقيا وجماعة بوكو حرام نشاطهما في منطقة ديفا وحوض بحيرة تشاد في الجنوب الشرقي من البلاد.
يُضاف إلى ذلك، وانطلاقًا من المخاوف الجزائرية من إعادة تكرار نماذج سقوط الأنظمة وإشاعة الفوضى في مالي وليبيا وسوريا في النيجر، وكذلك المحاوف من إعادة تكرار محاولة الانقلاب العسكري في النيجر، بما يُهدد الأمن والاستقرار في البلاد، يُدعم نشر الوحدات العسكرية الجزائرية في النيجر، مشاركة جزائرية سريعة في تقديم الدعم للحكومة النيجرية في صد أي مخطط لتنفيذ انقلاب مستقبلي، على غرار نشر 4 مقاتلات جزائرية في أغسطس 2026 ، وقطع الطريق أمام توظيف الجماعات الإرهابية لحالة الاضطراب السياسي والتراخي الأمني الملازم لهذه المرحلة، في زيادة هجماتها الإرهابية واتساع نطاق تمركزاتها الجغرافية، والتي ستسفر بطبيعة الحال عن موجات من تدفق المهاجرين عبر الحدود الجزائرية كملف رئيسي يؤرق الجزائر وتسبب في توتر العلاقات الجزائرية النيجرية .
بمعنى آخر، تحاول الجزائر عبر نشر وحدات عسكرية في النيجر، رسم خطوط دفاع جزائرية من الداخل النيجري، تضمن استقرار النظام السياسي في النيجر، ويُجنب الجزائر تداعياته الخطرة على أمنها القومي ويُهدد مصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك خطر تمدد النشاط الإرهابي العابر للحدود وشبكات الجريمة المنظمة، ويضمن لها موطئ قدم في منطقة الساحل، بما يُشير إلى إعادة الجزائر تعريف حدودها الجغرافية الإفريقية ويفتح الباب أمام التوقعات بنشر مزيد من القوات العسكرية الجزائرية في بعض دول إفريقية أُخرى، مثل بوركينافاسو.
حجز مقعد في منطقة الساحل
كأحد ساحات التنافس مع المغرب والإمارات
إن أحد الدوافع الجزائرية من انخراطها في الساحة النيجرية، هو أن الجزائر تصنع لها خطوط فاصلة محددة لمناطق نفوذها أمام منافستها المغرب، وكذلك الإمارات التي تدهورت علاقاتها معها في الأونة الأخيرة للحد الذي دفع الأخيرة لإعلان قطع علاقاتها الدبلوماسية معها في سبتمبر 2026؛ حيث تراجع النفوذ الجزائري على مدار سنوات ممتدة ما أتاح الفرصة للمغرب تعزيز نفوذها، ما أثار بطبيعة الحال القلق الجزائري.
وهو ما يُستدل عليه في جانب منه بما قدمه ملك المغرب محمد السادس من عرض لدول الساحل في نهاية العام 2023 بشأن الوصول إلى ساحل المحيط الأطلسي لمساعدتها على كسر عزلتها الاقتصادية، بدعم مالي من الإمارات، في مشروع يُهدد الأمن القومي الجزائري وثيق الارتباط جغرافياً وحيويا بدول الجوار الإفريقي للجزائر[13].
كما أن احتمالية نشر الوحدات العسكرية الجزائرية في قاعدة ماداما العسكرية في شمال النيجر وعلى الحدود الليبية، ييُتيج للجزائر فرصة لوضع التحركات الإماراتية في المنطقة، بما في ذلك دعم قوات الجيش الليبي وشبكة الإمدادات اللوجيستية الإماراتية الرابطة بين الجنوب الليبي والسودان وتشاد، تحت أعين الجزائر كأداة ضغط يُمكن توظيفها في مناكفة الإمارات، ويفتح للجزائر باب للتنسيق والتعاون الاستخباراتي في أقل التقديرات مع حكومات تتعارض مصالحهم مع مصالح الإمارات، مثل الحكومة السودانية، وحكومة طرابلس .
نهاية القول، يُمثل القرار الجزائري تحول نوعي في السياسة الخارجية الجزائرية واستجابة مغايرة لنهجها المعهود على مدار سنوات ماضية، والقائم على حصر دور قواتها العسكرية داخل حدودها كأحد مبادئ العقيدة الدفاعية للجزائر، عبر كسر انكفاءها المحدود، والانخراط في شبكة التفاعلات القائمة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وبناء شراكات حيوية، مع نسج منطقة نفوذ في مواجهة منافسيها، أبرزهم المغرب والإمارات، في مُجمل تحركات تعكس استجابة مرنة للسياسة الجزائرية لما تشهده منطقة الساحل وغرب إفريقيا وكذلك عدد من دول الشرق الأوسط من تطورات متسارعة، قد تزيد من حدة التنافس الإقليمي والدولي في الجوار الجغرافي الإفريقي للجزائر.
المراجع
[1] محمد لهوازي، نشر قوات جزائرية في النيجر… حسابات الأمن والطاقة والنفوذ، إندبندنت عربية، 26 أكتوبر 2026، متاح على
[2] الجزائر تسلّح النيجر بـ4 مروحيات Mi-24 وMi-171، موقع الدفاع العربي، 29 أغسطس 2026، متاح على
[3] دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، المادة31، 30 ديسمبر2020.
[4] المرجع السابق، المادة 91.
[5] بعد أسابيع من محاولة انقلابية فاشلة في نيامي… وزير دفاع النيجر في الجزائر لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين، القدس العربي، 14 أكتوبر 2026.
[6] Niger taking stock of mineral resources, projects, apa news ,7 May 2026
[7] Nicholas Nhede ,Niger’s 2026 Economic Outlook Strengthened by Mining and Oil Expansion, prospect , 10 March 2026.
[8] محطة غورو باندا…تفاصيل محطة كهرباء التضامن الجزائري النيجيري، الصحفي، 3 يونيو 2026.
[9] Habib Badawi, Beyond the Fighter Jets: What Algeria’s Deployment to Niger Really Signals, African arguments ,7 September 2026.
[10] الجزائر توافق على إرسال قوات عسكرية إلى النيجر في أول انتشار خارجي لها منذ عام 1973، موقع الدفاع العربي، 27 أكتوبر 2026.
[11] محمد لهوازي، مرجع سبق ذكره.
[12] التنافس بين الجماعات الإرهابية يؤجج الفوضى في النيجر، موقع الدفاع العربي، 28 يوليو 2026.
[13] Algeria strives to restore its lost influence in the Sahel, Le Monde, 21 February 2026.











































