عندما وقف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في 9 سبتمبر 2025 عند افتتاح سد النهضة، لم يقدّم المشروع بوصفه إنجازًا وطنيًا فحسب، بل صاغه باعتباره رسالة موجهة إلى القارة الإفريقية بأكملها. فقد أعلن أن إثيوبيا شيدت السد «لتغيير تاريخ الشعوب السوداء»، ولإضاءة المنطقة وتحقيق الازدهار، مؤكدًا أنه لم يُبنَ للإضرار بالإخوة في مصر والسودان[1].
ويكشف هذا الخطاب عن محاولة لنقل قضية السد من إطار النزاع المائي الثلاثي إلى إطار أوسع يتعلق بالكرامة الإفريقية، والاعتماد على الذات، والقدرة على تنفيذ مشروعات كبرى بعيدًا عن الوصاية الخارجية. وتسعى إثيوبيا، من خلال هذه السردية، إلى تقديم السد بوصفه رمزًا لإفريقيا القادرة بحسبانه مشروعًا تم تمويله بدرجة كبيرة من الموارد المحلية، ويهدف إلى إنتاج الطاقة وتحفيز التصنيع وتصدير الكهرباء إلى الدول المجاورة. وقد وصف آبي المشروع بأنه إنجاز لجميع الشعوب السوداء، داعيًا الأفارقة إلى زيارته بوصفه دليلًا على أن القارة قادرة على تحقيق ما تخطط له.
على أن القاهرة فهمت شيئًا مختلفًا عما قصدته أديس أبابا. فقد فهمت مصر حقيقةً أحادية الجانب تتمثل في بناء هيكل ضخم ودائم على النيل الأزرق، تم إنجازه وتشغيله دون التوصل إلى الاتفاقية الملزمة التي أصرّت عليها مصر لأكثر من عقد. هذه الفجوة، بين لغة إثيوبيا عن الازدهار ولغة مصر عن البقاء الوجودي، هي القصة الحقيقية للنيل اليوم، وتستحق أن تُروى من الجانب المصري بنفس الجدية التي أولاها المعلقون الإثيوبيون لروايتهم[2].
النيل ليس مجرد نهر
لفهم موقف مصر، من المفيد البدء من قديم الأزمان، ربما من ثلاثة آلاف عام من الذاكرة الحضارية. لم يكن النيل، بالنسبة للمصريين، مجرد مورد يُخصص بموجب معاهدة. كان الإله حابي، مصدر المياه الذي اعتقد المصريون القدماء أنه ينبثق من العالم السفلي نفسه؛ ولذلك اعتبر علماء مصر القدماء كل من يشرب منه جنوب جزيرة إلفنتين في أسوان مصريًا. وعندما يستحضر الكتّاب المصريون اليوم الفرعون والنيل وماعت – أي العدل – باعتبارها الركائز الثلاث التي شكّلت هوية مصر كأمة، فإن ذلك ليس من قبيل المبالغة، بل يصفون اعتقادًا راسخًا بأن جريان النهر وبقاء الدولة هما مسألة واحدة. ولهذا السبب، لا تزال المجاعة التي استمرت سبع سنوات عجاف في عهد الملك زوسر تُذكر في الكتابات المصرية حتى اليوم حيث خلدتها لوحة جرانيتية في جزيرة سهيل: ليس كحدث تاريخي عابر، بل كدليل على أن هذا الخوف ليس مصطنعًا، بل هو متوارث عبر الأجيال[3].
هذا التاريخ مهم لفهم سبب تعامل مصر مع سد النهضة ليس كمسألة سياسية وكفى، بل كقضية وجودية. علينا أن نتذكر تصريح الرئيس أنور السادات بأن المياه هي القضية الوحيدة التي قد تعيد مصر إلى الحرب، وتحذير بطرس بطرس غالي من أن الحرب الإقليمية القادمة ستُخاض بسبب المياه وليس السياسة، باعتبار ذلك تعبيرا عن خطر وجودي حقيقي وليس مجرد عبارات بلاغية مُنتزعة من سياقها. إننا أمام تيار حقيقي راسخ في الفكر الاستراتيجي المصري منذ عقود مفاده أن الدولة التي يصلها أكثر من 90% من مياهها العذبة من خارج حدودها، عبر أراضٍ لا تسيطر عليها، معرضة للخطر بشكل دائم، على نحو لا تُضاهيه إلا قلة من الدول. لا يُطلب من مصر أن تتخيل تهديدًا افتراضيًا، بل يُطلب منها أن تتعامل معه بكل جديدة.
لماذا لا تُعدّ “الحقوق التاريخية” مجرد حنين إلى الماضي؟
لا يختلف المعلقون الإثيوبيون، في الغالب، حول قضية أن اتفاقيتي 1929 و1959 أُبرمتا من دون مشاركة إثيوبيا، وهي تشكل سمة مميزة للخطاب الإثيوبي. غير أن الخلاف الجوهري لا يتعلق بالوقائع التاريخية، بل بالنتائج القانونية والسياسية المترتبة عليها. فمصر تستند إلى مبدأ التوارث الدولي واستمرارية الالتزامات والمعاهدات، وترى أن الحقوق المائية التي كرستها الترتيبات السابقة لا تزول تلقائيًا بسبب تغير الحكومات أو انتقال السيادة، ولا سيما أن اتفاق 1959 أُبرم بين دولتين مستقلتين، هما مصر والسودان، ونظم استخدام مياه النيل بينهما. أما إثيوبيا، فتتمسك بمبدأ «الصحيفة البيضاء»؛ أي أن الدولة التي لم تكن طرفًا في معاهدة دولية لا تُلزم بها، وأن الدول الجديدة أو غير الموقعة لا ترث تلقائيًا التزامات ترتبت في ظل ترتيبات استعمارية لم تشارك في صياغتها[4]. ومن هذا المنظور، ترفض أديس أبابا أن تُعامل اتفاقيتا 1929 و1959 بوصفهما أساسًا ملزمًا لتنظيم مشروعاتها أو تحديد حصتها من مياه النيل.
وبالنسبة إلى القاهرة، لا تتمثل القضية أساسًا في الدفاع عن وثيقة قانونية لمجرد قدمها، بل في غياب إطار قانوني بديل يضمن استقرار التدفقات ويحمي الأمن المائي لدولتي المصب. فقد شاركت مصر في مبادرة حوض النيل التي انطلقت عام 1999، على أمل تطوير نظام تعاوني يحقق الاستخدام المنصف والمستدام للنهر. غير أن اتفاقية الإطار التعاوني لعام 2010 لم تُنهِ الخلاف، إذ رأت مصر والسودان أن صياغتها لا تحمي بصورة واضحة حقوقهما واستخداماتهما القائمة، ولا تنشئ التزامات كافية بشأن الإخطار بالمشروعات والسدود وتبادل البيانات والتنسيق في فترات الجفاف. وفي المقابل، اعتبرت دول المنبع أن الإبقاء على الحصص التاريخية وحق الاعتراض على المشروعات يكرس اختلالًا موروثًا ويمنع إعادة توزيع أكثر إنصافًا للمياه[5].
وعليه، فإن السردية المصرية لا تختزل في عبارة «التشبث بعام 1929»، كما أن الموقف الإثيوبي لا يمكن اختزاله في رفض انتقائي لكل الالتزامات السابقة. فالقاهرة تنظر إلى المسألة باعتبارها انهيارًا تدريجيًا لمسار تفاوضي كان يمكن أن ينتج نظامًا جماعيًا أكثر عدلًا، في حين ترى أديس أبابا أن الفراغ القانوني الناجم عن استبعادها من الاتفاقيات القديمة لا ينبغي أن يتحول إلى قيد دائم على تنميتها. وقد اتسع هذا التوتر منذ بدء بناء سد النهضة عام 2011، ولا سيما بعد استمرار تشغيله وافتتاحه من دون اتفاق شامل بشأن قواعد الملء والتشغيل وإدارة الجفاف وتسوية النزاعات.
ويكشف الخلاف، في جوهره، عن تعارض بين مبدأين: استمرارية الحقوق والاستخدامات القائمة من جهة، ومبدأ العدالة والانتفاع المنصف وعدم إلزام غير الأطراف بمعاهدات لم توقعها من جهة أخرى. ولذلك لن يكون الحل المستدام في انتصار سردية قانونية على أخرى، بل في التوصل إلى اتفاق جديد وشامل يعترف باحتياجات دول المنبع والمصب، ويضمن عدم إحداث ضرر جسيم، ويُلزم جميع الأطراف بتبادل البيانات والتنسيق والامتناع عن الإجراءات الأحادية.
هناك أيضًا بُعد استراتيجي يُشير إليه المحللون المصريون بصراحة: فقد تغيّر ميزان القوى الإقليمي، وبشكلٍ حاد. وتُبيّن تقييمات مصر كيف أن ظهور جماعة شرق أفريقيا، والاستقرار السياسي النسبي للنظام الفيدرالي الإثيوبي منذ عام 1991، وقبل كل شيء قدرة إثيوبيا على تمويل سد النهضة عبر السندات المحلية ومساهمات المغتربين – متجاوزةً قنوات البنك الدولي – قد أسهمت جميعها في دعم الموقف الإثيوبي. ومما زاد من تعقيدات الموقف المائي الاقليمي دخول الصين كممول بديل للبنية التحتية.
السردية الإثيوبية وسد النهضة: حين يصبح التصعيد إعلاناً للسيادة
لا يمكن فهم التصعيد الراهن في أزمة سدّ النهضة من خلال الموقف المصري وحده، أو عبر التركيز على المخاطر المحتملة التي قد تترتب على تشغيل السدود الإثيوبية وإدارتها. فالموقف الإثيوبي لا يستند، في نظر أنصاره، إلى حسابات فنية أو اقتصادية فحسب، بل إلى سردية تاريخية وسياسية متماسكة ترى أن قضية النيل تمثل امتداداً لصراع أوسع حول السيادة، والعدالة التنموية، وإرث النظام الاستعماري في حوض النهر. ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع هذه السردية بوصفها حقيقة مكتملة أو بديلاً عن القواعد القانونية والالتزامات الدولية. لكن تجاهلها يجعل فهم الموقف الإثيوبي والتعامل معه أكثر صعوبة؛ لأنها تحديداً ما يمنح أديس أبابا قدراً مهماً من القوة التفاوضية والشرعية الداخلية والإقليمية.
– النيل بوصفه قضية سيادة
يقوم الركن الأول من السردية الإثيوبية على اعتبار سدّ النهضة تصحيحاً لإقصاء تاريخي، لا عملاً عدائياً موجهاً ضد مصر أو السودان. ففي الخطاب الإثيوبي، جرى التفاوض على اتفاقيتي عامي 1929 و1959 في غياب إثيوبيا، رغم أن المرتفعات الإثيوبية تسهم بنحو 85 إلى 86 بالمئة من إجمالي مياه النيل، ولا سيما عبر النيل الأزرق. وبناءً على ذلك، ترى أديس أبابا أن ما تسميه القاهرة “حقوقاً تاريخية” يستند إلى ترتيبات استعمارية ثنائية لا يمكن أن تلزم دولة لم تكن طرفاً فيها. ضمن هذا التصور، لا يظهر سدّ النهضة باعتباره مجرد منشأة لتوليد الكهرباء، بل باعتباره إعلاناً عن استعادة القرار الوطني. فالسد، في الذاكرة السياسية الإثيوبية، يرتبط بفكرة الاستقلال ومقاومة الهيمنة الخارجية، كما يتصل رمزياً بانتصار عدوا عام 1896، الذي يُنظر إليه بوصفه لحظة تاريخية حافظت فيها إثيوبيا على استقلالها في مواجهة الاستعمار الأوروبي.
ومن هنا يمكن فهم لهجة وزير المياه والطاقة الإثيوبي، حبتامو إتيفا، حين قال إن إثيوبيا لا تحتاج إلى إذن أي دولة لتطوير مواردها المائية، وإنها ستواصل بناء السدود متى اقتضت حاجاتها الوطنية ذلك. كما رفض بصورة قاطعة مقترحات الإدارة المشتركة لسدّ النهضة، معتبراً أن منح دول أخرى سيطرة على السد الذي بناه الإثيوبيون أمر “مستحيل” وغير مقبول.[6]
هذه التصريحات لا تعكس مجرد خلاف حول آلية الإدارة، بل ترسم حدوداً واضحة لما تعتبره إثيوبيا غير قابل للتفاوض: حقها في اتخاذ قراراتها التنموية داخل أراضيها، ورفض أي ترتيب يمنح مصر أو السودان سلطة مباشرة على تشغيل السد أو على مشاريعها المستقبلية في النيل الأزرق.
– سدّ كهرومائي أم أداة مائية؟
يركز الركن الثاني من السردية الإثيوبية على التمييز التقني بين سدّ النهضة بوصفه مشروعاً لإنتاج الطاقة الكهرومائية، ومشاريع الري التي تستهلك المياه بصورة مباشرة. فوفقاً لهذا الخطاب، تمر المياه عبر التوربينات ثم تواصل تدفقها نحو دول المصب، الأمر الذي يجعل السد، في التصور الإثيوبي، مشروعاً لإنتاج الكهرباء لا مشروعاً لتحويل مياه النيل أو استنزافها. وتستخدم أديس أبابا هذه الحجة للقول إن المخاوف المصرية من أن يمثل السد تهديداً وجودياً مبالغ فيها. كما تشير إلى أن السد يتيح تصدير الكهرباء إلى دول الجوار، ومنها جيبوتي وكينيا والسودان، مع وجود طلب متزايد في الصومال وجنوب السودان. وبهذا تحاول إثيوبيا تقديم السد باعتباره مشروعاً إقليمياً يعود بالنفع على دول الحوض، لا أداة لإخضاعها أو التحكم في تدفق المياه إليها.
لكن هذه الحجة التقنية لا تنهي الخلاف. فالقضية بالنسبة إلى مصر لا تتعلق فقط بما إذا كان السد يستهلك المياه نهائياً، بل بكيفية تخزينها وتصريفها، وبالقواعد التي تحكم التشغيل خلال سنوات الجفاف، وبمدى توافر المعلومات في الوقت المناسب. ولهذا تصر القاهرة على اتفاق قانوني ملزم ينظم الملء والتشغيل وإدارة الجفاف وتبادل البيانات، بينما ترفض إثيوبيا تحويل هذه المطالب إلى آلية تمنح دول المصب حق الاعتراض أو التحكم في قراراتها السيادية.
– التنمية والعدالة المائية
وراء الحجة التقنية تقف حجة تنموية أكثر عمقاً. فإثيوبيا تقدم سدّ النهضة باعتباره استجابة لواقع الفقر في مجال الطاقة والحاجة إلى التنمية. وفي الخطاب الإثيوبي، لا يبدو من العدل أن تحرم دولة تسهم بحصة كبيرة من مياه النيل من استخدام مواردها لتوليد الكهرباء، بينما تظل قطاعات واسعة من سكانها تعاني من نقص الوصول المنتظم إلى الطاقة.لذلك، يُصوَّر بناء السد على أنه شكل من أشكال العدالة الأساسية: إثيوبيا لا تطالب، وفق هذا المنظور، بحرمان مصر أو السودان من مياه النيل، بل بحقها في استخدام جزء من مواردها بما يحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويعزز هذا الخطابَ تأكيدُ أديس أبابا أنها امتنعت عن تطوير أكثر من 230 ألف هكتار من الأراضي القابلة للري أسفل سدّ النهضة، باعتبار ذلك دليلاً على مراعاتها مصالح دول المصب.
غير أن مفهوم “العدالة المائية” نفسه موضع خلاف. فإثيوبيا تستند إلى مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، بينما تركز مصر على عدم الإضرار الجسيم، وعلى ضرورة الإخطار المسبق والتوصل إلى قواعد تشغيل ملزمة قبل تنفيذ المشاريع الكبرى. وهنا لا يدور الخلاف بين حق التنمية ورفض التنمية، بل بين تعريفين متعارضين للعدالة: عدالة الدولة المنبع التي تريد إزالة القيود التاريخية، وعدالة دولة المصب التي ترى أن أمنها المائي يتطلب ضمانات مستمرة وقابلة للإنفاذ.
– الشك في الوساطة الخارجية
أما الركن الرابع فيتصل بتزايد الشك الإثيوبي في الوساطات الخارجية، خصوصاً عندما يُنظر إليها باعتبارها منحازة إلى القاهرة أو غير منسجمة مع الدور الأفريقي. فقد أصبح جزء من الرأي العام الإثيوبي ينظر بحذر إلى أي تدخل أميركي أو غربي، ويرى أن بعض التصريحات السياسية، بما فيها التعاطف العلني مع الموقف المصري أو التلميح إلى احتمال استخدام القوة، تؤكد أن الوساطة الدولية قد تتحول إلى أداة ضغط على أديس أبابا. ومن هذا المنطلق، برزت دعوات إثيوبية إلى إشراك دول مثل الهند وتركيا، لما لديهما من خبرة في مشاريع السدود والنزاعات العابرة للحدود، أو إلى حصر التسوية في المؤسسات الأفريقية، ولا سيما الاتحاد الأفريقي ومبادرة حوض النيل. فإثيوبيا تريد أن تُدار القضية، كما تقول، بين دول متساوية في السيادة، لا من خلال ترتيبات تفرضها قوى خارجية أو تعيد إنتاج اختلالات الماضي[7].
لكن هذا الموقف يحمل مفارقة واضحة. فمن جهة، ترفض إثيوبيا التدويل عندما ترى فيه ضغطاً عليها، ومن جهة أخرى قد تستفيد من الوساطات الخارجية عندما توفر دعماً فنياً أو تفتح قنوات تفاوضية جديدة. كما أن رفض الوساطة الغربية لا يضمن تلقائياً نجاح المسار الأفريقي، خصوصاً بعد أكثر من عقد من المفاوضات الثلاثية التي لم تفضِ إلى اتفاق ملزم.
التصعيد كأداة تفاوض
في ضوء هذه الأركان الأربعة، يمكن فهم التصريحات الإثيوبية الأخيرة بوصفها أكثر من دفاع إعلامي عن سدّ النهضة. إنها تعكس استراتيجية تفاوضية تقوم على تثبيت اللاءات الثلاثة الرئيسية: لا اعتراف بحقوق تاريخية حصرية لمصر، لا قبول بإدارة مشتركة تمنح دول المصب سلطة على السد، ولا التزام مسبق بوقف مشاريع إثيوبيا المستقبلية في النيل الأزرق. وتزداد أهمية هذه الرسائل مع الحديث عن إحياء ثلاثة مشاريع كهرومائية جديدة هي كارادبي ومندايا وبيكو أبو، بطاقة توليدية محتملة تقارب 5,700 ميغاواط، مع بقاء تفاصيلها الفنية النهائية غير محسومة. فمجرد طرح هذه المشاريع يفتح فصلاً جديداً في النزاع، لأن تأثيرها المحتمل سيعتمد على حجم خزاناتها، وجدول ملئها، وقواعد تشغيلها، ومستويات التصريف خلال فترات الجفاف.[8]
ومن ثم، فإن الموقف الإثيوبي يمثل تصعيداً سياسياً ودبلوماسياً واضحاً، لكنه لا يرقى بالضرورة إلى إعلان عن تصعيد عسكري مباشر. فالتشدد في اللغة، ورفض الإدارة المشتركة، والتأكيد على عدم الحاجة إلى إذن مسبق، كلها أدوات تهدف إلى رفع كلفة الضغط على إثيوبيا، وتثبيت صورتها بوصفها دولة صاحبة حق سيادي لا دولة مطالبة بالحصول على موافقة جيرانها.
لماذا لا يمكن تجاهل السردية الإثيوبية؟
لا يمكن تجاهل هذه الرواية ببساطة، لأنها تحديداً ما يمنح الموقف الإثيوبي قوته الداخلية والتفاوضية. ففي كل مرة تستحضر فيها القاهرة اتفاقيتي 1929 و1959 باعتبارهما أساساً لحقوقها، تمنح أديس أبابا فرصة لإعادة تقديم النزاع باعتباره مواجهة بين نظام استعماري قديم وحق أفريقي معاصر في التنمية. وفي كل مرة تلجأ فيها مصر إلى واشنطن أو إلى مؤسسات دولية، تستطيع إثيوبيا أن تعزز حجتها بأن القاهرة تفضّل تفويض دبلوماسية المياه الأفريقية إلى راعٍ أجنبي بدلاً من التفاوض مع إثيوبيا على أساس المساواة.
ولا يعني فهم السردية الإثيوبية التسليم بصحتها القانونية الكاملة، أو تجاهل المخاطر التي تثيرها إدارة السد على مصر والسودان. بل يعني أن أي استراتيجية مصرية أكثر فاعلية يجب أن تخاطب منطق إثيوبيا نفسه، لا أن تكتفي بتكرار الحجج التي ترفضها أديس أبابا مسبقاً. فالمسار الأكثر إقناعاً قد يكون ذلك الذي يجمع بين الاعتراف بحق إثيوبيا في التنمية وتوليد الطاقة، والإصرار في الوقت نفسه على اتفاق ملزم يضمن الشفافية وتبادل البيانات وقواعد واضحة للتعامل مع الجفاف والتشغيل التراكمي للسدود.
في النهاية، لا تكمن صعوبة أزمة سدّ النهضة في غياب الحجج، بل في تعارض السرديات التي تمنح كل طرف إحساساً بالحق التاريخي والأخلاقي. إثيوبيا ترى السد رمزاً للخروج من الإقصاء الاستعماري واستعادة السيادة، بينما تراه مصر اختباراً مباشراً لأمنها المائي ولقواعد إدارة نهر عابر للحدود. وما لم تُصغ تسوية تعترف بالبعد التنموي والسيادي للموقف الإثيوبي، من دون التضحية بالضمانات القانونية التي تطالب بها دول المصب، فإن التصعيد سيظل جزءاً من بنية النزاع، لا مجرد نتيجة مؤقتة له.
كيف نفهم الموقف المصري؟
من المهم أن نكون دقيقين بشأن ما فعلته السياسة المصرية وما لم تفعله، لأن الصورة أكثر تحفظاً مما توحي به رواية “حروب المياه”. فعلى الرغم من أن قادة سابقين – السادات، ومبارك على ما يبدو – طرحوا خيارات عسكرية في العقود الماضية، إلا أن الكتابات الاستراتيجية المصرية المعاصرة تُصوّر العمل العسكري المباشر ضد سد النهضة على أنه أمر شبه مستحيل: غير عقلاني، ومدمر، ومن المرجح أن يُؤدي إلى فيضانات كارثية في السودان ومصر نفسها، نظراً للتفوق العسكري التقليدي الهائل لمصر الذي يجعل هذا الخيار متاحاً نظرياً ولكنه غير منطقي عملياً.
بدلاً من ذلك، انتهجت مصر، في كثير من الأحيان بشكل متزامن، مجموعة من الأدوات المتعددة: تقديم شكاوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي بموجب المادتين 34 و35 من ميثاق الأمم المتحدة، وتقديم التماسات إلى الاتحاد الأفريقي والمحافل القانونية الدولية، والمشاركة في مفاوضات بوساطة الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، والتي، بحسب تقييم مصر نفسها، انهارت مراراً وتكراراً بسبب عدم جدية الطرف الإثيوبي. كما قامت مصر بهدوء ببناء بنية أمنية إقليمية – شراكات مع الصومال وجيبوتي وإريتريا – ليس كخطة للضغط على إثيوبيا عسكرياً، بقدر ما هو وسيلة للإشارة إلى أن أديس أبابا لا يمكنها أن تتوقع حرية مطلقة في منطقة القرن الأفريقي الأوسع، لا سيما بعد أن أثار اتفاق إثيوبيا مع صوماليلاند بشأن الوصول إلى موانئها مخاوف جديدة في القاهرة بشأن بسط النفوذ الإثيوبي باتجاه البحر الأحمر[9].
إلى أين يتجه الفكر المصري اليوم؟
إنّ اللافت في التحليلات المصرية المعاصرة الجادة هو تحوّل حقيقي من المواجهة باتجاه تسوية فنية تفاوضية، ليس لأنّ المظالم التاريخية قد زالت، بل لأنّ هناك إدراكاً متزايداً أنّ الخطاب وحده لا يكفي لإعادة ملء خزان جوفي أو تعويض حقل غمرته المياه. غير أنّ هذا التحوّل نحو التسوية الفنية لا يعني بأي حال تراجعاً عن الخطوط الحمراء التي تُصرّ عليها القاهرة علناً؛ فقد جدّدت مصر، في أواسط أغسطس 2026، تحذيراتها للمرة الثالثة خلال أسبوعين بشأن تقارير عن نية إثيوبيا بناء سدود إضافية على النيل إلى جانب سد النهضة، إذ أعلن وزير الخارجية بدر عبد العاطي صراحة أن “مصر لن تسمح ببناء سدود إضافية على النيل”، مؤكداً أن لبلاده “حقاً مشروعاً في الدفاع عن مصالحها وأمنها المائي”. هذا الموقف يأتي مكمّلاً لتصريحات سابقة لوزير الري هاني سويلم في 4 أغسطس، ولتأكيد مسؤول مصري في 16 أغسطس على أن القاهرة تمتلك “أدوات متعددة وواسعة النطاق” للدفاع عن مصالحها في النيل، ولن تقبل بفرض السيطرة على تدفقات المياه كأمر واقع[10].
بعبارة أخرى، يتحرك الموقف المصري اليوم على مستويين متوازيين قد يبدوان متناقضين ظاهرياً لكنهما في جوهرهما متكاملان: مستوى سياسي-إعلامي حازم يرفض بشكل قاطع أي توسّع إثيوبي أحادي الجانب في بناء السدود، ومستوى فني-تفاوضي أكثر مرونة يدعو إلى منصة مشتركة لتبادل البيانات في الوقت الفعلي بشأن تدفقات الأنهار وعمليات السدود؛ وإطار عمل تشغيلي مرن قائم على السيناريوهات يأخذ في الحسبان سنوات الجفاف والفيضانات، والغموض المتزايد الذي يُحدثه تغيّر المناخ في هيدرولوجيا النيل؛ والأهم من ذلك، الانفتاح على تعويض إثيوبيا عن عائدات الكهرباء التي تتنازل عنها عند إطلاقها كميات إضافية من المياه خلال فترات الجفاف في مصر، وهي فكرة مستوحاة صراحةً من نماذج الجهات المانحة الدولية وليست من بنود المعاهدات. فالتحذيرات العلنية المتكررة، بهذا المعنى، ليست نقيضاً للمسار التفاوضي بل شرطاً مسبقاً له: إذ ترى القاهرة أن التذكير المستمر بحقها في “الدفاع عن أمنها المائي” — بما في ذلك عبر ما وصفته بـ”الأدوات المتعددة” — هو ما يمنحها موقعاً تفاوضياً متكافئاً، لا بديلاً عن التفاوض.
ولعلّ الأهم من ذلك، كما بيّنا في موقع آخر، أنّ لهجة مصر التصالحية على المسار الفني لا تقل أهمية عن أي حجة قانونية على المسار السياسي: فشعار “لا ضرر ولا ضرار” هو شعار أكثر إقناعاً في القرن الحادي والعشرين من أي دعوة متجددة إلى عام 1929، وأنّ الحوار الاستراتيجي الذي يعامل إثيوبيا كشريك حقيقي – لا كتهديد يجب احتواؤه – هو اليوم السبيل الأكثر واقعية لمصر لتحقيق الأمن المائي، حتى وإن كانت القاهرة، في الوقت ذاته، عازمة على ألا تترك الباب مفتوحاً أمام أي “أمر واقع” جديد قبل التوصل إلى ذلك الاتفاق.
هذه هي الحجة التي يمكن أن تطرحها القاهرة، لو حظيت مخاوفها بالاهتمام نفسه الذي يحظى به الخطاب الإثيوبي: فموقف مصر، بحسب هذه الرؤية، لا يقوم على الرغبة في احتكار مياه النيل أو الدفاع عن امتيازات تاريخية، بل على حماية أمن مائي تعتمد عليه حياة شعب بأكمله واستقرار حضارة وادي النيل. وتؤكد القاهرة أن ضمان هذا الأمن لا يتطلب فرض ترتيبات قديمة على إثيوبيا، وإنما يستلزم تبادلاً منتظماً للبيانات، وحواراً جاداً، ورفضاً واضحاً لأي مشاريع أحادية الجانب تُقام دون تنسيق مسبق، واتفاقاً قانونياً جديداً تشارك مصر وإثيوبيا والسودان في صياغته. وبذلك، لا يكون الهدف تثبيت نظام وُضع قبل قرن من الزمن من دون مشاركة إثيوبيا، بل إنشاء إطار عادل وملزم يوازن بين حق دول المنبع في التنمية وحق دول المصب في حماية أمنها المائي — إطار لا تنفصل فيه لهجة الحزم عن روح التفاوض، بل تُستخدم الأولى لضمان جدية الوصول إلى الثانية.
[1] PM Abiy: GERD is Ethiopia’s dawn and proof Africa can achieve greatness. (2025, September 9). Fana Media Corporation. https://www.fanamc.com/english/pm-abiy-gerd-is-ethiopias-dawn-and-proof-africa-can-achieve-greatness/
[2] Hassan, H. A. (2025). “4: Egypt’s Water Policy and the Challenges of the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD)”. In Nile Basin Politics. Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing. Retrieved August 23, 2025, from https://doi.org/10.4337/9781803927176.00011
[3] Hassan, H. A. (2017, September 7). Egypt and controlling the Nile: From mythologies to real politics. Pambazuka News. Retrieved from https://www.pambazuka.org/egypt-and-controlling-nile-mythologies-real-politics-0
[4] Ferede, W. & Abebe, S. (2014). The Efficacy of Water Treaties in the Eastern Nile Basin. African Review of Integrative Policy 49(1), 55-67 . https://doi.org/10.1177/000203971404900103
[5] تركز اعتراض مصر والسودان على المادة 14 (الفقرة ب) من اتفاق التعاون الإطاري المتعلقة بالأمن المائي، حيث طالبت القاهرة بنص صريح يضمن عدم الإضرار بحصتها التاريخية واستخداماتها الفعلية، بينما سعت دول المنبع لصياغة لا تقدّم أي اعتراف بالحصص المكتسبة وتسمح بإقامة مشروعات دون توافق مسبق. أنظر: حمدي عبد الرحمن، «مستقبل التعاون في حوض النيل في مرحلة ما بعد سد النهضة،» قراءات أفريقية، العدد 35 (كانون الثاني/يناير 2018)، ص 29.
[6] Addis Standard. (2026, August 21). Ethiopia says it needs no permission to develop Nile resources, rejects joint management of GERD. Addis Standard .
[7] Birhanu, A. (2024, August 16). Behind-the-scenes in the GERD diplomacy: Turkey’s pivotal role in the standoff between Ethiopia and Egypt. Addis Insight
[8] Hassen, H. (August 21, 2026). The cascade sovereignty gambit: What Ethiopia’s next three dams mean for the Nile and the Horn. Institute of Foreign Affairs
[9] Hassan, H. A. (October 19, 2025). Egypt’s choices on the Grand Ethiopian Renaissance Dam. E-International Relations. Retrieved from https://www.e-ir.info/2025/10/19/egypts-choices-on-the-grand-ethiopian-renaissance-dam/
[10] Mahmoud, M. (2026, August 21). The Ethiopian dam dispute and Egypt’s ‘right to self-defense’. Asharq Al-Awsat. https://english.aawsat.com/features/5309417-ethiopian-dam-dispute-and-egypt%E2%80%99s-%E2%80%98right-self-defense%E2%80%99









































