في جنوبي تنزانيا، يقف اليوم سد ضخم على نهر روفيجي، يحمل اسم “جوليوس نيريري” الذي ارتبطت سيرته بالاستقلال والتحرر والاشتراكية الإفريقية، أكثر مما ارتبطت بمجرد مشروع مائي.
كان نيريري، الذي يعُرف بلقب الـ”مواليمو” أي “المعلم” باللغة السواحيلية، أول رئيس لتنجانيقا بعد استقلالها، ثم أول رئيس لجمهورية تنزانيا الاتحادية عقب اتحاد شطري البلاد تنجانيقا وزنجبار عام 1964.
في سنوات حكمه الأولى، سعى نيريري إلى بناء نموذج تنموي ومجتمعي خاص ببلاده من خلال فلسفة “الأوجاما”، التي استندت إلى قيم التعاون والتكافل المتجذرة في المجتمعات الإفريقية، غير أن التجربة تراجعت في أواخر حكمه، قبل أن تتجه بلاده بعد رحيله نحو سياسات اقتصادية أكثر انفتاحًا على النموذج الرأسمالي الغربي.
لا يقف إرث نيريري عند حدود تجربته السياسية والمجتمعية داخل بلاده فحسب؛ بل كان من أوائل الأسماء التي ارتبطت بما سيصبح لاحقًا أحد أكثر ملفات حوض النيل تأزمًا وتعقيدًا؛ فمع قيام الدولة التنزانية، بدأ فصل جديد في الخلاف حول الاتفاقيات الدولية لأحواض الأنهار، وهو ما ارتبط بما عُرف لاحقًا بـ”مبدأ نيريري (Nyerere Doctrine)”.
ولكن؛ بعد قرابة ربع قرن على وفاته، عاد اسمه من جديد من بوابة مشروع تنموي ضخم يحمل اسمه على نهر روفيجي، حيث السد الذي تنفذه شركات مصرية، والذي لا يرتبط مباشرة بمياه النيل أو الخلافات التاريخية حولها، وإنما يستهدف استغلال الموارد المائية في تنزانيا لإنتاج الكهرباء ودعم التنمية.
هذا المشروع يجمع بين إرث سياسي ارتبط برفض بقاء ما تدّعيه دول مثل إثيوبيا “الترتيبات الاستعمارية المفروضة على دول المنبع”، وبين شراكة مصرية تنموية في دولة كانت من أوائل الدول التي تبنت موقفًا مناوئًا لـ”حقوق مصر التاريخية” في مياه النيل؛ لتتحول علاقة مصر بتنزانيا من صفحة الخلاف حول المياه إلى مشروع تنموي ضخم يجسد التعاون في قطاع الطاقة الكهرومائية.
في هذا المقال
جوليوس نيريري: المولد والنشأة[1]
ولد كامباراج نيريري بوريتو في أبريل 1922 بقرية بوتياما، قرب الساحل الشرقي لبحيرة فيكتوريا، شمال غربي تنجانيقا، وظل يحمل هذا الاسم حتى تعميده كاثوليكيًا باسم “جوليوس” في سن العشرين، كان نجل زعيم قبيلة زاناكي، ونشأ في بيئة قبلية تشرّب منها قيم التعاون والتكافل والمسؤولية الجماعية، التي ستظهر لاحقًا في فلسفته المعروفة بـ”الأوجاما”.
بحكم مكانة والده، حظي نيريري بفرص تعليمية لم تكن متاحة لكثير من أبناء جيله في ظل نظام الحكم الاستعماري البريطاني، وبعدما اعتنق الكاثوليكية خلال دراسته، حصل على منحة لتدريب المعلمين في جامعة ماكيريري بكمبالا في أوغندا المجاورة، ثم عاد عام 1945 ليعمل مدرسًا في مدرسة سانت ماري الكاثوليكية في إقليم تابورا، بالتزامن مع نشاطه في “جمعية تنجانيقا الإفريقية”، حيث بدأ انخراطه في العمل العام ومواجهة سياسات الإدارة البريطانية.
وفي عام 1948 حصل على منحة للدراسة في بريطانيا، والتحق بجامعة إدنبرة عام 1949، حيث حصل على درجة الماجستير في الآداب، وكان أول تنزاني يدرس في جامعة بريطانية، وقد أسهمت سنوات إدنبرة في تشكيل رؤيته السياسية، خاصة ما يتعلق بربط الاشتراكية بالتقاليد والمجتمع الإفريقي بدلاً من استنساخ النماذج الأوروبية، ثم عاد إلى تنجانيقا عام 1952، واستأنف التدريس وانتُخب رئيسًا لجمعية تنجانيقا، لتبدأ رحلته السياسية.
اتخذ نيريري سنة 1985، قرارًا نادرًا في إفريقيا بالتنحي طواعية عن السلطة، وبعد 14 عامًا توفي في أكتوبر 1999 بأحد مستشفيات لندن متأثرًا بمرضه، وظل إرثه حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالتحرر والتنمية وبناء الدولة في أفريقيا، كما ارتبط اسمه بأحد الفصول المبكرة في الخلاف حول مياه النيل.

تأسيس تنزانيا والوحدة بين تنجانيقا وزنجبار
لم يكن الجمع بين التدريس والعمل السياسي سهلاً بالنسبة إلى نيريري؛ فقد بدأت أنشطته السياسية تلفت انتباه الإدارة الاستعمارية البريطانية، ليجد نفسه أمام خيار بين الاستمرار في مهنة التعليم والانخراط بصورة كاملة في العمل السياسي.
وفي تعبير يلخص انتقاله من المجال التعليمي إلى السياسي، نُسب إليه قوله: “كنت مدير مدرسة باختياري وسياسيًا بالصدفة”، وفي عام 1955، استقال من منصبه في كلية سانت فرانسيس بمدينة دار السلام، متفرغًا للنشاط الوطني.
وكان التحول الأهم قد بدأ قبل ذلك بعام، عندما عمل نيريري على تحويل “جمعية تنجانيقا الأفريقية” إلى تنظيم سياسي حمل اسم “اتحاد تنجانيقا الوطني الإفريقي (تانو)”، ليصبح لاحقًا الأداة الرئيسية في نضاله من أجل إنهاء الحكم الاستعماري وتحقيق استقلال تنجانيقا.
اختار نيريري طريقًا مختلفًا عن حركات التحرر التي لجأت إلى العمل المسلح، واعتمد على “الاحتجاج السلمي والحوار السياسي” مع بريطانيا، متأثرًا بتجربة المهاتما غاندي في مقاومة الاستعمار[2].
لم يكن هذا الخيار بالنسبة إليه مجرد تبنٍ لمبدأ اللاعنف، وإنما كان مرتبطًا بقراءة لواقع تنجانيقا وإمكاناتها، ورغبة في تجنب تكرار التجربة الدموية لثورة “ماجي ماجي”[3] التي اندلعت في شرق إفريقيا مطلع القرن العشرين ضد الاستعمار الألماني، وسقط خلالها آلاف القتلى.
ففي كتابه “الحرية والوحدة”، ربط نيريري بين تلك الثورة والرغبة في التخلص من الحكم الاستعماري، معتبرًا أن السعي إلى الحرية كان أحد الدوافع الرئيسية لاندلاعها، ومن ثم، اتجه في نضاله السياسي إلى توسيع قاعدة الحركة الوطنية، والدفع تدريجيًا نحو الاعتراف بتنجانيقا كدولة إفريقية لها الحق في الحكم الذاتي وتقرير مصيرها[4].
دخل نيريري المجلس التشريعي الاستعماري عام 1958، ثم أصبح رئيسًا للوزراء عام 1960، ومع حصول تنجانيقا على الحكم الذاتي، تولى في ديسمبر 1961 رئاسة أول حكومة وطنية بعد الاستقلال، وبعد ذلك، انتقل مشروعه السياسي من بناء الدولة المستقلة إلى إعادة صياغة موقعها إقليميًا وقاريًا.
وفي أبريل 1964، لعب نيريري دورًا محوريًا في إقامة الاتحاد بين “تنجانيقا” و”زنجبار”؛ لتنشأ “جمهورية تنزانيا الاتحادية”، وجاء الاتحاد بعد أشهر قليلة من الثورة التي أطاحت بآخر السلاطين العرب في زنجبار جمشيد بن عبد الله آل سعيد، ليصبح نيريري أول رئيس للدولة الاتحادية الجديدة.[5]

نيريري وإبادة العرب في زنجبار
تُعد أحداث زنجبار 1964 من أكثر الوقائع إثارةً للجدل في سيرة نيريري، تحديدًا ما يتعلق بمدى صلته بالثورة التي أطاحت بسلطان زنجبار العربي، وما أعقبها من أعمال قتل وتهجير استهدفت، بصورة خاصة، العرب والمسلمين.
وقد ذهبت بعض الكتابات[6] إلى اتهام نيريري بالتخطيط للثورة والمساهمة في تنفيذها، وربطت بين إسقاط السلطان العربي والاتحاد اللاحق مع تنجانيقا وبين مشروع يستهدف تقليص الطابع العربي والإسلامي للجزيرة، غير أن هذه الرواية تظل موضع خلاف، ولا تتوافر أدلة تاريخية رصينة تثبت أن نيريري أصدر أوامر مباشرة بعمليات القتل أو خطط لها.
اندلعت الثورة في 12 يناير 1964 بقيادة جون أوكيلو، وهو أوغندي قاد قوة مسلحة من أنصار الحزب الأفروشيرازي، (اتحاد حزبي الشيرازي والحزب الإفريقي في جزيرة زنجبار الذي كان يستهدف تجريد العرب من هيمنتهم على الجزيرة)، وانتهت الثورة سريعًا بسقوط السلطان والحكومة التي كان يهيمن عليها الحزب الوطني الزنجباري.
أعقبت ذلك موجة من العنف والانتقام استهدفت العرب وأعضاء النخبة المرتبطة بالنظام السابق، إلى جانب عمليات اعتقال وتهجير ومصادرة للممتلكات، وفي اليوم التالي من هذه الأحداث أرسلت تنجانيقا قوات إلى زنجبار، ثم بدأ التحرك نحو دمج الجزيرة مع البر الرئيسي، وفي 26 أبريل 1964، وُقعت وثائق الاتحاد بين شطري تنزانيا، لتنشأ الجمهورية التنزانية المتحدة[7].
هذه التطورات دفعت أيضًا باحثين وكتّاب[8] إلى النظر إلى نيريري باعتباره المستفيد الأول من الثورة، خصوصًا أن الاتحاد وضع السياسة الخارجية لزنجبار ضمن اختصاص الحكومة الاتحادية في دار السلام (انتقلت العاصمة إلى دودوما منذ عام 1996).
واستندت هذه القراءة كذلك إلى مواقف نيريري اللاحقة من النشاط الإسلامي في زنجبار، في ضوء مواقف نُسبت إلى حكومته بأنها منعت محاولات الجزيرة الانضمام بصورة مستقلة إلى منظمة التعاون الإسلامي.[9]
غير أن الربط بين هذه الوقائع وإثبات مسؤولية نيريري عن إبادة العرب في زنجبار يحتاج إلى تمييز واضح بين ما هو موثق وما يدخل في نطاق التفسير السياسي؛ فدور نيريري في إتمام الاتحاد لا يعني بالضرورة مسؤوليته عن أحداث العنف التي سبقت ذلك.
كما أن وجود قوات من تنجانيقا في زنجبار بعد الثورة لا يكفي وحده لإثبات التخطيط المسبق لها، كما أن تفسير الثورة باعتبارها مشروعًا مسيحيًا أو كاثوليكيًا ضد الإسلام يمثل قراءة أيديولوجية ظهرت في بعض الكتابات، لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفسيرًا تاريخيًا متفقًا عليه.
وتبقى أحداث زنجبار، رغم ذلك، جزءًا مهمًا من تقييم إرث نيريري؛ فهي تضع صورته كزعيم للوحدة والتحرر الإفريقي أمام تجربة سياسية ارتبطت بإسقاط نظام عربي في جزيرة ذات أغلبية مسلمة، ثم دمجها في دولة جديدة تحت قيادة البر الرئيسي.

نيريري والوحدة الإفريقية
لم ينظر نيريري إلى استقلال تنجانيقا باعتباره غاية منفصلة عن التحولات التي كانت تشهدها القارة؛ فمسألة الوحدة الإفريقية كانت جزءًا رئيسًا من النقاش السياسي الذي رافق موجة الاستقلال في ستينيات القرن العشرين.
وقد انقسمت الرؤى آنذاك بين تيار راديكالي، دعا إلى إقامة اتحاد سياسي إفريقي بصورة عاجلة، وكان من أبرز ممثليه الرئيس الغاني كوامي نكروما والرئيس الغيني أحمد سيكوتوري، وتيار آخر رأى أن بناء الوحدة ينبغي أن يبدأ بصورة تدريجية عبر التكامل الاقتصادي والثقافي والسياسي بين الدول الإفريقية.
اتخذ نيريري موقعًا وسطًا بين الاتجاهين، فقد كان مؤمنًا بالوحدة السياسية للقارة، لكنه لم يشارك نكروما رؤيته بشأن التعجيل بإقامة اتحاد سياسي شامل، ورأى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب أولًا التوافق على المؤسسات والآليات التي يمكن أن تضمن قيامه واستمراره[10].
وفي سبتمبر 1958، شارك نيريري في تأسيس “حركة تحرير عموم وشرق ووسط أفريقيا (بافميكا/PAFMECA)”، في مدينة موانزا بتنجانيقا، بمشاركة ممثلين عن حركات وأحزاب سياسية من زنجبار وكينيا وأوغندا ونياسالاند (مالاوي)؛ بهدف تنسيق جهود حركات التحرر في المنطقة ومواجهة الاستعمار والاستيطان ونظام الفصل العنصري.
وعقدت الحركة مؤتمرًا ثانيًا في فبراير 1962، بمشاركة عشرات القادة وممثلي الدول المستقلة والحركات الوطنية في شرق ووسط وجنوب القارة، إلى جانب مراقبين من دول إفريقية أخرى. وجاءت هذه الجهود ضمن سلسلة من المبادرات التي أسهمت في بلورة العمل القاري المشترك، وصولاً إلى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963 التي كان نيريري أحد أبائها المؤسسين[11].
لم يقتصر دعم نيريري لحركات التحرر على النشاط السياسي والدبلوماسي فحسب، إذ تحولت تنزانيا خلال عهده إلى مركز إقليمي لحركات التحرر الإفريقية، وأصبحت دار السلام قاعدة لنشاط عدد من الحركات المناهضة للاستعمار وحكم الأقلية البيضاء في جنوب وشرق القارة، وكان دعم حركات التحرر، إلى جانب الوحدة الإفريقية وعدم الانحياز، من الركائز الأساسية للسياسة الخارجية التي انتهجها نيريري[12].
في المقابل، لم يستبعد نيريري استخدام القوة عندما تعلق الأمر بأمن بلاده، ففي أكتوبر 1978، غزت القوات الأوغندية منطقة كاجيرا شمال غربي البلاد، فردت تنزانيا بهجوم مضاد تطور إلى حرب انتهت بدخول القوات التنزانية الأراضي الأوغندية وسقوط نظام عيدي أمين في أبريل 1979[13]، وقد ظلت هذه الحرب أيضًا من أكثر محطات سياسة نيريري الخارجية إثارةً للجدل، بعد تجاوز العمليات العسكرية الحدود التنزانية وما أثارته من نقاشات حول مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية.
فلسفة الأوجاما
في فبراير 1967، وضع نيريري الإطار الفكري لتجربته السياسية والاقتصادية من خلال “إعلان أروشا”[14] المرتبط بفلسفة “الأوجاما”، ساعيًا إلى بناء نموذج للاشتراكية الإفريقية يقوم على المساواة والتكافل والاعتماد على الذات، ويرفض الرأسمالية والإقطاع وتركز الثروة، كما ينص على إخضاع الأرض ووسائل الإنتاج الرئيسية لإدارة الدولة والمجتمع، واعتبر الزراعة أساسًا للتنمية.
جاءت الأوجاما في سياق بحث الدول الإفريقية المستقلة عن نموذج تنموي يتجاوز الإرث الاقتصادي للاستعمار، وبينما سعى قادة ومفكرون آخرون مثل كوامي نكروما إلى مواءمة الاشتراكية مع الواقع الإفريقي، اتجه نيريري إلى استلهام البنى الاجتماعية التقليدية، لاسيما روابط “القرى التعاونية” التي كانت حاضرة قبل الاستعمار.
وتعني “أوجاما” بالسواحيلية “العائلة الكبيرة”، وتحولت لدى نيريري إلى تصور للمجتمع يقوم على المشاركة والمسؤولية الجماعية، لا على تراكم الثروة والملكية الفردية، كما رفض إخضاع الأرض لمنطق السوق، وشكك في ملاءمة مفهوم الصراع الطبقي الأوروبي للواقع الإفريقي.
وبدأ تطبيق الأوجاما في أواخر ستينيات القرن العشرين بصورة طوعية، مع تشجيع الأسر على الانتقال إلى قرى تعاونية، بلغ عددها نحو 800 قرية، وفي سبعينيات القرن نفسه، تحولت السياسة إلى التجميع الإجباري، فارتفع العدد إلى نحو 2700 قرية.
لكن التجربة واجهت صعوبات اقتصادية كبيرة، خصوصًا في الزراعة، وبحلول عام 1976 أصبحت تنزانيا أكثر اعتمادًا على استيراد الغذاء بعد أن كانت من الدول المصدرة للمنتجات الزراعية، وفي المقابل، حققت سياسات نيريري نتائج اجتماعية في مجالات التعليم والرعاية الصحية وخفض الوفيات، ما جعل إرث الأوجاما محل تقييم متباين بين نجاحاتها الاجتماعية وإخفاقاتها الاقتصادية[15].
نيريري وأزمة حوض النيل
لا يمكن فصل موقف جوليوس نيريري من قضية مياه النيل عن تصوره الأوسع لمسألتي السيادة الوطنية والتحرر من الإرث الاستعماري، فمع استقلال تنجانيقا، تبنت الدولة موقفًا يرى أن الاتفاقيات التي أُبرمتها زمن الاستعمار بشأن الموارد المائية لا ينبغي أن تظل ملزمة بصورة تلقائية للدول الإفريقية بعد استقلالها، وهو الموقف الذي ارتبط لاحقًا بما عُرف بـ”مبدأ نيريري (Nyerere Doctrine)”.
وكانت اتفاقية 1929، المبرمة بين مصر وبريطانيا، في صلب هذا الجدل؛ إذ وقعتها بريطانيا نيابة عن عدد من مستعمراتها في شرق إفريقيا، ونصت على عدم إقامة مشروعات على النيل وفروعه وروافده من شأنها التأثير في تدفق المياه إلى مصر، من دون الحصول على موافقة مسبقة من القاهرة.
ومع استقلال دول حوض النيل، ظهرت رؤية مغايرة تعتبر أن الاتفاقيات التي أبرمتها القوى الاستعمارية لا ينبغي أن تستمر في إلزام دول لم تكن طرفًا أصليًا فيها، وقد انضمت أوغندا وكينيا إلى الموقف التنزاني، وطالبت الدول الثلاث بإعادة النظر في ترتيبات المياه.
وفي عام 1977، وقعت تنزانيا مع رواندا وبوروندي اتفاقية نهر كاجيرا، أحد روافد بحيرة فيكتوريا، في سياق تأكيد الموقف الرافض للاتفاقيات المائية الموروثة من الحقبة الاستعمارية.
كان من الممكن أن تتعامل مصر مع إعلان تنزانيا، في عهد نيريري، عدم الاعتداد بالاتفاقيات المائية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، من خلال فتح مسار مبكر للحوار مع دار السلام، يقوم على التأكيد على عدم معارضة حقها في استغلال مواردها المائية وإقامة المشروعات التنموية، بما في ذلك السدود ومشروعات الري، ما دامت لا تُلحق ضررًا جوهريًا بالمصالح المائية المصرية.
من شأن هذا النهج أن يحد من انتقال الخلاف من نطاق قانوني يتعلق بمدى سريان الاتفاقيات الاستعمارية إلى موقف سياسي أوسع بين دول المنبع والمصب.
كما كان يمكن لمصر أن تتبنى مقاربة أكثر مرونة تجاه آليات إدارة الموارد المائية في دول منابع البحيرات العظمى، بالانتقال من التركيز على الإخطار المسبق إلى التشاور والتنسيق بشأن المشروعات المائية، بالذات في الدول التي تسهم بنسبة محدودة في الموارد المائية التي تصل إلى مصر والسودان.
ومن شأن مراجعة هذا النهج أن تساعد في الحد من الصورة السلبية التي ارتبطت تاريخيًا بالموقف المصري من اتفاقية 1929، والتي أسهمت في تصوير مصر لدى قطاعات من دول المنبع باعتبارها طرفًا يسعى إلى احتكار القرار المتعلق بمياه النيل، بدل تقديم نفسها كشريك في إدارة مورد مائي عابر للحدود[16].

من مبدأ نيريري إلى سد يحمل اسمه
بعد أكثر من خمسة عقود على استقلال تنجانيقا، اكتسبت العلاقات المصرية التنزانية بُعدًا جديدًا مع توقيع عقد تنفيذ مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري على نهر روفيجي في ديسمبر 2018، من خلال تحالف مصري ضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك. ويمثل المشروع أحد أكبر مشروعات البنية التحتية والطاقة في تنزانيا، كما يعكس انتقال التعاون بين البلدين إلى مستوى عملي في مجالات التنمية والطاقة.
ولا يقع المشروع ضمن حوض النيل، كما لا يرتبط بصورة مباشرة بالخلافات المائية بين مصر وإثيوبيا؛ إذ يقام على نهر روفيجي، ويستهدف توليد الكهرباء وتنظيم واستغلال الموارد المائية للنهر.
وتكتسب تسمية المشروع باسم نيريري دلالة خاصة في سياق العلاقات المصرية التنزانية؛ فصاحب “مبدأ نيريري” أصبح اسمه اليوم مرتبطًا بمشروع تنموي تنفذه شركات مصرية على الأراضي التنزانية.
ختامًا، يصعب اختزال إرث جوليوس نيريري في صورة واحدة؛ فقد جمع مشروعه السياسي بين مقاومة الاستعمار، وبناء الدولة، والدفاع عن استقلال القرار الإفريقي، والسعي إلى صياغة نموذج تنموي يستند إلى الجذور الإفريقية قبل الاستعمار.
وفي المقابل، ظلت بعض محطات حكمه موضع نقاش وحكم تاريخي وسياسي، سواء ما يتعلق بسياساته الاقتصادية، أو علاقته بأحداث زنجبار عام 1964 وما أثير حول دوره المزعوم في إبادة العرب هناك، أو تدخله العسكري في أوغندا وإسقاط نظام عيدي أمين، فضلاً عن مواقفه من قضايا السيادة والموارد المائية في حوض النيل.
وتكمن أهمية تجربة نيريري في أنها تعكس جانبًا من التحولات التي شهدتها إفريقيا بعد الاستقلال، حين انتقل القادة الوطنيون من مواجهة الاستعمار إلى التعامل مع تحديات بناء الدولة وتحديد موقعها داخل النظام الإقليمي والدولي.
من هذا المنظور، فإن استمرار حضور اسمه في تنزانيا، وصولاً إلى إطلاق اسمه على أحد أكبر مشروعات الطاقة في البلاد الذي تنفذه شركات مصرية، يعكس انتقال إرثه من مرحلة الصراع حول الاستقلال والسيادة إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها الذاكرة السياسية مع التعاون الإقليمي والتنمية الاقتصادية المستدامة.
يتناول الفيديو التالي كيف صلت الرئيسة التنزانية سامية حسن إلى السلطة بآمال كشخصية انتقالية ومصالحة، لكنها سرعان ما عملت على تعزيز سلطتها عبر تعيينات استراتيجية في القضاء والأجهزة الأمنية.
المراجع والإحالات
[1] Molony, T. (2015). Chapter 3. Julius Kambarage Nyerere: His Formative Years. In M.-A. Fouéré (éd.), Remembering Nyerere in Tanzania. Nairobi: Africae. Consulté à l’adresse
Karioki, James N. The Philosophy and Politics of Julius K. Nyerere: An Analysis of African Statesmanship. PhD dissertation (Washington, D.C , American University, 1970. P. 1: 5.
[2] Mwalimu Julius K. Nyerere Foundation. “Mwalimu Julius Kambarage Nyerere – Biography.” (n.d.), Available at
[3] نانسي روشهورا، شيرين ماهر (مترجم)، الاستعمار الألماني في جنوب تنزانيا..والتأثيرات عبر الأجيال على صراع الموارد، قراءات إفريقية، 26 يناير 2025
[4] Julius K. Nyerere, Freedom and Unity: Uhuru na Umoja: A Selection from Writings and Speeches, 1952–65, )Oxford: Oxford University Press, 1966, pp. 40–41), Available at
[5] Karioki, James N. op. cit. p.11.
[6] Mwalimu Julius K. Nyerere Foundation, op. cit.
[7] Abdullahi ali Ibrahim, The 1964 Zanzibar Genocide: The Politics of Denial, June 2015, Available at
[8] محمد عبد الجواد، نيريري: الذي ابتلع دولة عربية مسلمة لكنه ازداد فقرا، الجزيرة نت، 5 فبراير 2020، متاح على الرابط.
[9] Abdullahi ali Ibrahim, op. cit. p.19.
[10] محاضرات غير منشورة للأستاذ الدكتور صبحي قنصوة، أستاذ الفكر السياسي بجامعة القاهرة (القاهرة: جامعة القاهرة، قسم السياسة والاقتصاد، كلية الدراسات الإفريقية العليا، 2023).
[11] “Pan-African Freedom Movement of East and Central Africa (PAFMECA),” International Organization, Vol. 16, No. 2, Cambridge University Press, 1962, pp. 446:448.
[12] Roberts G. The Making of a Cold War City in Eastern Africa. In: Revolutionary State-Making in Dar Es Salaam: African Liberation and the Global Cold War, 1961-1974. African Studies. Cambridge University Press; 2022.
[13] War History Online, “Uganda–Tanzania War”, 19 December 2016, Available at
[14] Julius Nyerere, The Arusha Declaration. Dar es Salaam: Tanganyika African National Union (TANU), 5 February 1967, Available at
[15] الأستاذ الدكتور صبحي قنصوة. م س ذ.
[16] مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، حلقة نقاشية لكتاب: مصر ودول منابع النيل الحياة والمياه والسدود والصراع، القاهرة 21 ديسمبر 2016، متاح على الرابط










































