أعلنت الولايات المتحدة فرض قيود على منح التأشيرات بحق من وصفتهم بـ”الأعضاء المتشددين” في جبهة تيغراي وأفراد أسرهم المباشرين، متهمة إياهم بتقويض جهود السلام في إثيوبيا.
وجاء القرار الصادر عن الخارجية الأمريكية، يوم الخميس، في ظل توترات متصاعدة بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة الفيدرالية الإثيوبية، وتبادل للاتهامات بشأن مسؤولية تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا للسلام الموقع عام 2022، والذي أنهى الحرب الدامية في شمال البلاد.
في المقابل، رفضت جبهة تيغراي الاتهامات الأمريكية، معتبرة أن القرار يستند إلى تقييم غير متوازن للأوضاع، وحمّلت الحكومة الإثيوبية مسؤولية عدم تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في اتفاق وقف الأعمال العدائية، مؤكدة تمسكها بمسار السلام ومطالبة المجتمع الدولي بالضغط من أجل تنفيذ الاتفاق بصورة كاملة.
يجيب هذا التقرير، عن تساؤلات متعلقة بالقرار الأمريكي، وكيف ردت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وما نقاط الخلاف حول اتفاق بريتوريا، وما المطالب التي وجهتها الجبهة إلى الولايات المتحدة، وما التطورات السياسية الأخيرة داخل الإقليم.
ما الذي أعلنته الولايات المتحدة؟
أعلنت واشنطن، الخميس، فرض قيود على منح التأشيرات بحق من وصفتهم “أعضاء متشددين” في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وأفراد أسرهم المباشرين.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية توماس بيغوت، في بيان -اطلعت عليه قراءات إفريقية- إن “التوترات المتصاعدة بين المتشددين في جبهة تيغراي والحكومة الإثيوبية تهدد بإعادة إشعال الصراع في شمال إثيوبيا، وتقويض السلام والأمن في المنطقة بأسرها”.
قد يهمك: تيغراي وفانو.. هل إثيوبيا على أعتاب تحالف “عدو عدوي صديقي”؟
وأوضح البيان أن وزير الخارجية ماركو روبيو اتخذ هذه الخطوة؛ استنادًا إلى الصلاحيات المخولة له بموجب قانون الهجرة والجنسية الأمريكي، مشيرًا إلى أن سياسة قيود التأشيرات تستهدف الأشخاص المسؤولين عن تقويض الجهود الرامية إلى حل الأزمة في إقليم تيغراي أو المتواطئين في ذلك.
الخارجية الأمريكية أكدت أنها ستواصل الوقوف إلى جانب الشعب الإثيوبي، بما في ذلك سكان تيغراي، الذين يسعون إلى العيش بسلام وكرامة، كما شددت على أنها ستستخدم الأدوات المتاحة لتعزيز مساءلة الأفراد الذين يهددون السلام والاستقرار في المنطقة، حسب البيان.
لماذا فرضت واشنطن هذه القيود؟
البيان الأمريكي عزا القرار إلى التطورات الأمنية الأخيرة في شمال إثيوبيا، مشيرًا إلى أن أفرادًا من قوات أمن تيغراي اشتبكوا في وقت سابق من العام الجاري مع قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، في أول مواجهة مباشرة بين الطرفين منذ انتهاء الحرب التي استمرت بين عامي 2020 و2022.
وترى واشنطن أن هذه التطورات تمثل مؤشرًا على تصاعد التوترات بين الجبهة والحكومة الفيدرالية، وقد تؤدي إلى تقويض اتفاق السلام وإعادة المنطقة إلى دائرة الصراع.
للمزيد: أزمة تيغراي في إثيوبيا: الجذور والحرب وآفاق اتفاق بريتوريا
كما أشار البيان إلى التداعيات الإنسانية للنزاع في حرب تيغراي، موضحًا أن الحرب أسفرت عن مقتل نحو 600 ألف شخص، وأدت إلى دفع المنطقة نحو حافة المجاعة، فضلاً عن نزوح وفرار مئات الآلاف من المدنيين في شمال إثيوبيا خوفًا من تجدد القتال.
كيف ردت جبهة تيغراي على القيود الأمريكية؟
رفضت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي الاتهامات الأمريكية، وأعربت عن قلقها من القيود الجديدة على التأشيرات.
وقالت الجبهة، في بيان السبت -اطلعت عليه قراءات إفريقية- إنها تحترم التزام الولايات المتحدة بالسلام والاستقرار في منطقة القرن الإفريقي، وتقدر دورها بوصفها شريكًا مهمًا في تحقيق سلام دائم لشعب تيغراي.
غير أنها اعتبرت أن القرار الأمريكي يستند إلى تقييم غير مكتمل وغير متوازن للوضع في الإقليم، وأنه يحملها مسؤولية الأزمة الحالية، بينما يتجاهل ما وصفته بالإخفاق المستمر للحكومة الفيدرالية الإثيوبية في تنفيذ التزاماتها المنصوص عليها في اتفاق بريتوريا.
وأكدت الجبهة أنها ما زالت ملتزمة بالسلام والتنفيذ الكامل للاتفاق.
ماذا تقول جبهة تيغراي عن اتفاق بريتوريا؟
قالت جبهة تيغراي إن اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في بريتوريا في الثاني من نوفمبر 2022 تضمن التزامات متبادلة وواضحة بين الأطراف.
وأضافت أن الاتفاق شمل استعادة النظام الدستوري، وعودة النازحين داخليًا، وانسحاب القوات غير الفيدرالية من أراضي تيغراي، واستعادة الخدمات الأساسية، وضمان الوصول الإنساني، والاعتراف بالوضع القانوني والسياسي للجبهة.
وبحسب البيان ذاته، فإن هذه البنود لا تزال غير منفذة إلى حد كبير بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على توقيع الاتفاق.
اقرأ أيضًا: عودة الصراع في تيغراي: هل تفشل الدولة الإثيوبية في إدارة أطرافه؟
كما أشارت إلى أن مئات الآلاف من النازحين لم يتمكنوا من العودة إلى منازلهم، وأن آليات المساءلة لم تنشأ حتى الآن، فضلاً عن استبعاد تيغراي من انتخابات الأول من يونيو الجاري.
وقالت إن سكان الإقليم كانوا يتوقعون أن يقود الاتفاق إلى السلام وإعادة الإعمار والعودة إلى الحياة الطبيعية، إلا أنهم ما زالوا يواجهون أوضاعًا صعبة وحالة من عدم اليقين.
ما الاتهامات التي وجهتها تيغراي إلى الحكومة الفيدرالية؟
حمَّلت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي الحكومة الفيدرالية الإثيوبية مسؤولية استمرار الأزمة الإنسانية والسياسية في الإقليم.
وقالت إن الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرواتب والخدمات المصرفية وإمدادات الوقود والمساعدات الإنسانية، ما زالت تخضع لقيود شديدة.
وأضافت أن مئات الآلاف من النازحين يواصلون العيش في ظروف صعبة، في وقت يستمر فيه الجوع والأمراض التي يمكن الوقاية منها.
لا يفوتك: السلام “الهش” في إثيوبيا.. ماذا تعني استعادة “الجبهة الشعبية” حكم تيغراي؟
كما تساءلت الجبهة عمن يمنع عودة النازحين، ويقيد الوصول إلى الخدمات الأساسية، ويفشل في تنفيذ البنود الإنسانية لاتفاق بريتوريا.
واتهمت الحكومة الفيدرالية بالإخفاق المتكرر في تنفيذ البنود الأساسية للاتفاق، وباتخاذ إجراءات قالت إنها تتعارض مع نصه وروحه.
وأشارت كذلك إلى استمرار القيود المفروضة على تيغراي، والضغوط العسكرية، والضربات بالطائرات المسيرة، والإجراءات السياسية التي قالت إنها زادت من تهميش تمثيل الإقليم.
وأكدت أن تحميل طرف واحد مسؤولية الأزمة، مع تجاهل الطرف الآخر، يقوض الثقة في عملية السلام.

ماذا طلبت الجبهة الشعبية لتيغراي من الولايات المتحدة؟
أكدت جبهة تيغراي التزامها بالسلام ورفاه سكان الإقليم، ودعت الولايات المتحدة إلى اتخاذ خطوات لدعم التنفيذ الكامل لاتفاق بريتوريا.
وطالبت بالضغط على الحكومة الفيدرالية الإثيوبية لتنفيذ التزاماتها، بما يشمل استعادة الرواتب والخدمات المصرفية وإمدادات الوقود وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
كما دعت إلى دعم العودة الآمنة والكريمة والمحددة بإطار زمني للنازحين من تيغراي، والمطالبة بانسحاب جميع القوات غير الفيدرالية من الإقليم.
وطلبت أيضًا دعم استعادة الوضع القانوني والسياسي للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وتطبيق إجراءات المساءلة بصورة عادلة ومتسقة على جميع الأطراف التي أسهمت في معاناة سكان الإقليم.
واختتمت بيانها بالتأكيد على أن شعب تيغراي يريد السلام ويستحق العدالة وعملية سلام تطبق بصورة متساوية وكاملة.

ما موقف أديس أبابا من القيود الأمريكية؟
لم يصدر بيان رسمي من جانب الحكومة الإثيوبية بشأن القيود الأمريكية، بيد أن إعلام رسمي نقل تصريحات سؤولين سابقين مرتبطين بالإدارة الانتقالية في تيغراي، ومحسوبين على الحكومة، تؤيد القرار الأمريكي.
وقال الرئيس السابق للإدارة المؤقتة لإقليم تيغراي، غيتاشيو رضا، إن قرار واشنطن “يعكس تحميل قادة تيغراي مسؤولية تصاعد التوترات في شمال إثيوبيا”.
وأضاف رضا، حسبما أفادت إذاعة فانا الإثيوبية، أن القرار يمثل كذلك رسالة تحذيرية للجهات الخارجية التي يُشتبه في تعاونها مع تلك المجموعة، مشيرًا إلى ما وصفه بدور بعض الأطراف الإقليمية (لم يسمها) في دعم الأنشطة التي من شأنها تقويض الاستقرار في المنطقة.
وأوضح أن أهمية الخطوة الأمريكية لا تكمن في حظر التأشيرات بحد ذاته، بل فيما اعتبره إقرارًا من واشنطن بمسؤولية المجموعة التي يقودها ديرصيون جبريميكائيل عن التوترات المتجددة في إثيوبيا، على حد قوله.
ما آخر التطورات بشأن إقليم تيغراي؟
قبل أيام، حذّر مسؤولان إثيوبيان -بينهما رضا- من احتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة في إقليم تيغراي، متهمين قوات تيغراي بالاستعداد لشن هجوم خلال الأيام المقبلة، في تطور يعيد المخاوف بشأن انهيار اتفاق السلام الذي أنهى واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ البلاد الحديث.
وفي مقال مشترك نُشر يوم 11 يونيو، اتهم رئيس جهاز المخابرات الإثيوبي رضوان حسين ووزير شؤون شرق إفريقيا غيتاشيو رضا، القوات التابعة لتيغراي بالتخطيط لهجوم وشيك، مؤكدين أن مؤشرات ميدانية وسياسية تدفع للاعتقاد بأن المنطقة قد تتجه نحو جولة جديدة من الصراع.
كما اتهم المسؤولان الحكومة الإريترية وقوات تيغراي ومسلحين من إقليم أمهرة المجاور بتشكيل تحالف جديد وصفاه بأنه جرى ترتيبه خلال اجتماعات عُقدت في إثيوبيا والسودان، بهدف تقويض اتفاق بريتوريا الموقع عام 2022 في جنوب إفريقيا، والذي أنهى الحرب بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وقوات تيغراي بعد عامين من القتال.
في المقابل، سارعت جبهة تحرير شعب تيغراي، التي تسيطر على إدارة الإقليم، إلى رفض هذه الاتهامات، مؤكدة في بيان صدر يوم 12 يونيو أن المزاعم الحكومية “عارية تمامًا عن الصحة”.
واتهمت الجبهة بدورها الحكومة الفيدرالية بالسعي إلى إيجاد مبررات قد تُستخدم لإشعال نزاع جديد في المنطقة.
وتأتي هذه الاتهامات المتبادلة في ظل تصاعد التوترات السياسية والأمنية داخل الإقليم، ما دفع الاتحاد الإفريقي إلى تكثيف جهوده الدبلوماسية للحفاظ على اتفاق السلام.
وزار الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو، الذي يتولى دور الوسيط الإفريقي في الملف الإثيوبي، إقليم تيغراي يوم 11 يونيو الجاري ، حيث عقد لقاءات مع ديبريتسيون جبريمايكل، رئيس جبهة تحرير شعب تيغراي وزعيم الإقليم، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع عودة القتال.
للمزيد: في 5 نقاط.. ماذا تعني إعادة تفعيل حكومة الحرب في تيغراي؟
وكان الإقليم قد شهد تطورًا جديدًا مع إعلان الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، في مايو الماضي، إعادة تفعيل مؤسسات الحكم التي كانت قائمة قبل الحرب، وفي مقدمتها المجلس الإقليمي، وانتخاب دبرصيون جبرميكائيل رئيسًا للحكومة، في خطوة تضع اتفاق بريتوريا للسلام الذي أوقف الحرب في تيغراي (2020-2022) أمام اختبار حقيقي.
وتزداد المخاوف من تجدد النزاع في وقت لا تزال فيه البلاد تتعافى من آثار الحرب التي اندلعت بين الجيش الفيدرالي الإثيوبي وقوات جبهة تحرير شعب تيغراي بين نوفمبر 2020 ونوفمبر 2022، وهي الحرب التي تشير تقديرات مختلفة إلى أنها أسفرت عن مقتل نحو 600 ألف شخص، فضلاً عن تسبّبها في أزمة إنسانية واسعة النطاق ونزوح ملايين المدنيين.
ويُنظر إلى التطورات الأخيرة باعتبارها اختباراً جديداً لاتفاق بريتوريا، الذي أنهى الحرب رسمياً قبل أكثر من ثلاث سنوات، وسط مخاوف متزايدة من أن تؤدي الخلافات السياسية والأمنية المتراكمة إلى تقويض المكاسب التي تحققت منذ توقيع الاتفاق.
أحدث المقالات:











































