يدخل إقليم تيغراي (شمالي إثيوبيا) مرحلة جديدة من التوتر السياسي، مع تصاعد الخلاف بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي حول مستقبل الإدارة المؤقتة للإقليم؛ ما يضع اتفاق السلام أمام اختبار حقيقي.
وبعد أكثر من ثلاث سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا نوفمبر 2022، الذي أنهى الحرب الأهلية الدامية في شمال إثيوبيا، لا تزال ترتيبات السلام هشة، وقابلة للانهيار تحت ضغط التنافس على السلطة الإقليمية. وسط تباين التفسيرات لبنود الاتفاق.
أزمة شرعية الإدارة المؤقتة
تعود جذور الأزمة الحالية إلى قرار الحكومة الفيدرالية تمديد ولاية الإدارة المؤقتة بقيادة الفريق أول تاديسي وريدي لمدة عام إضافي، في الثامن من أبريل الجاري.
آنذاك، أعلن مكتب رئيس الوزراء آبي أحمد علي أن فترة ولاية الفريق تاديسي وريدي كرئيس للإدارة المؤقتة في تيغراي تم تمديدها لمدة عام إضافي، اعتبارًا من 9 أبريل 2026.
وقال المكتب في بيان إن القرار اتُخذ “وفقًا للمادة 62 (9) من دستور جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية، والمادة 14 (2) (ب) من الإعلان رقم 359/1995”.
إضافة إلى اللائحة رقم 479/2013 المنظمة لإنشاء الإدارة المؤقتة الشاملة لإقليم تيغراي.
وجاء التمديد عقب تقرير الأداء السنوي الذي قدمه الفريق أول تاديسي، وذلك خلال استقبال آبي أحمد للفريق أول تاديسي، حيث ناقشا “التقرير السنوي” و”نتائجه”.
وكان تاديسي قد عُيّن لأول مرة في 8 أبريل 2025، خلفًا لغتاتشو رضا. وفي ذلك الوقت، قال رئيس الوزراء إن تاديسي “يُعتقد على نطاق واسع أنه مستعد لقيادة تيغراي خلال هذه الفترة الحرجة”، مشيرًا إلى معرفته بتحديات الإقليم.
ورغم أن القرار استند إلى أطر قانونية دستورية، إلا أن جبهة تحرير شعب تيغراي اعتبرته إجراءً أحاديًا يخالف روح ونص اتفاق بريتوريا، الذي ينص على إدارة المرحلة الانتقالية عبر توافق بين الأطراف المعنية.
وترى الجبهة أن استمرار الإدارة المؤقتة دون انتخابات أو إعادة هيكلة حقيقية يعكس محاولة لإقصائها سياسيًا، خاصة في ظل غياب مسار واضح لاستعادة الحكم المدني الكامل في الإقليم.
وقد عبّرت عن هذا الموقف بوضوح في عدة بيانات، مؤكدة أن المجلس الإقليمي المنتخب قبل الحرب يظل المصدر الشرعي للسلطة، مطالبة بإعادة تفعيله. في وقت تشير فيه تقارير إلى أن الجبهة قد دعمت بالفعل زعيمها دبرتسيون جبرميكائيل لقيادة الإدارة الإقليمية.
فقدان الثقة في المسار الانتقالي
في خطوة تصعيدية جديدة، أعلنت الجبهة في 19 أبريل الجاري إعادة تفعيل المجلس الإقليمي لما قبل الحرب، وهو ما يُعد تحديًا مباشرًا للسلطة الفيدرالية، ويقوّض فعليًا شرعية الإدارة المؤقتة.
هذه الخطوة لا تعكس فقط رفضًا سياسيًا، بل تشير إلى محاولة لاستعادة السيطرة المؤسسية على الإقليم، وإعادة إنتاج النظام السياسي السابق.
وتحمل هذه الخطوة دلالات أعمق، إذ تعكس فقدان الثقة في المسار الانتقالي، واعتقاد الجبهة بأن الحكومة الفيدرالية لا تنوي تنفيذ الاتفاق بشكل كامل، خاصة فيما يتعلق بتقاسم السلطة، وإعادة انتشار القوات، وحل النزاعات الإقليمية.
من جانبه، رفض تاديسي اعتراض الجبهة على التمديد، مما أبقى الإدارة المؤقتة في وضع متنازع عليه، كما كان الحال في عهد سلفه غيتاتشو رضا.
وأكد القائد العسكري أنه لا ينوي مغادرة الإقليم رغم رفض الجبهة لرئاسته، لكن مسار التطورات خلال الأيام والأسابيع المقبلة لا يزال غير واضح.
#BREAKING – ⚡️A political rift in Ethiopia’s Tigray region is raising fresh concerns about the durability of the peace secured after one of Africa’s deadliest recent conflicts.
— ⓉⓃ (@tesfanews) April 21, 2026
This morning, the ousted head of Tigray’s Interim Regional Administration, Lt. Gen. Tadesse Werede,… pic.twitter.com/TiHQpZJsEA
الجبهة تتمسك بحكم تيغراي
وأكد بيان صدر اليوم الأربعاء، عن قيادات المديريات والمدن والأقاليم والقيادات العليا لجبهة تحرير شعب تيغراي أن حق شعب تيغراي في تقرير مصيره وإدارة شؤونه الذاتية كان ولا يزال هدفًا مركزيًا لنضاله، مع عدم القبول بالتنازل عنه تحت أي ضغط سياسي أو عسكري.
ويشير البيان إلى أن تطورات السنوات الأخيرة، خاصة بعد صعود نظام “الازدهار”، أدت إلى تصاعد التوترات التي بلغت ذروتها مع اندلاع الحرب، والتي واجهها شعب تيغراي بقيادة جبهة التحرير والحكومة الإقليمية.
وأكد تمكن “شعب تيغراي” من الصمود أمام ما وُصف بالهجوم الواسع، ما أفضى لاحقًا إلى التوصل إلى اتفاق بريتوريا الذي هدف إلى إنهاء الحرب ومعالجة الخلافات عبر الحوار.
غير أن البيان يوضح أن تنفيذ الاتفاق واجه عراقيل جوهرية، حيث تم تجميد المؤسسات التشريعية والإدارية في تيغراي واستبدالها بإدارة مؤقتة.
يأتي ذلك في وقت استمر فيه خرق بنود الاتفاق من قبل نظام الازدهار، بما في ذلك عدم انسحاب القوات، وتوسيع الوجود العسكري، وفرض حصار اقتصادي وإنساني.
إضافة إلى اتهامات بعمليات تهجير وتغيير ديمغرافي ومعاناة إنسانية واسعة طالت السكان المدنيين.
هذه الممارسات، حسب البيان، أدت إلى انهيار عملي لمضمون اتفاق بريتوريا، رغم التزام جانب تيغراي بتنفيذ التزاماته وتسريع بعضها.
بينما استُخدم الاتفاق، وفق البيان، كغطاء لاستمرار الانتهاكات. وبناءً على ذلك، اعتُبر استمرار الإدارة المؤقتة غير ذي جدوى، مع تصاعد المطالب بعودة المؤسسات الدستورية لتيغراي إلى عملها الطبيعي.
وتبنى البيان جملة من المواقف السياسية والتنظيمية، أبرزها دعم عودة مجلس حكومة تيغراي، وتشكيل إدارة جامعة لقوى المقاومة، والتمسك بحق تقرير المصير.
مع التأكيد على الانفتاح على الحلول السلمية عبر الحوار، ودعوة القوى السياسية والداعمين للوقوف إلى جانب هذا المسار، في إطار ما اعتُبر معركة وجودية من أجل بقاء شعب تيغراي وحقوقه، وفق البيان.
تعقيدات المشهد في تيغراي
أحد أبرز تعقيدات المشهد في تيغراي هو التداخل بين السلطة المدنية والعسكرية. فالرئيس المؤقت تاديسي وريدي يُعد أيضًا من أبرز قادة قوات دفاع تيغراي، ما يمنح المؤسسة العسكرية نفوذًا كبيرًا في إدارة الإقليم.
هذا الواقع يعزز من عسكرة الحياة السياسية، ويجعل أي خلاف سياسي يحمل في طياته مخاطر أمنية.
كما أن استمرار انتشار قوات غير نظامية، سواء من أمهرة أو في المناطق الحدودية، يزيد من احتمالات التصعيد، خاصة في ظل التوتر المستمر في مناطق مثل غرب تيغراي.
بالتوازي مع الأزمة السياسية، يواجه إقليم تيغراي أوضاعًا اقتصادية وإنسانية صعبة. فبعد سنوات من الحرب، لا يزال مئات الآلاف من السكان نازحين، فيما تعاني الخدمات الأساسية من ضعف شديد.
وتشير تقارير إلى أن الحكومة الفيدرالية فرضت قيودًا على الوقود والتمويل، ما أدى إلى شلل جزئي في عمل المؤسسات، وجعل الإدارة المؤقتة عاجزة عن أداء مهامها بشكل فعّال.
كما دفعت هذه الظروف العديد من الشباب إلى الهجرة أو الانخراط في أنشطة غير قانونية مثل التعدين غير المنظم.
ولا تقتصر الأزمة على العلاقة بين ميكيلي (عاصمة إقليم تيغراي) وأديس أبابا، بل تمتد إلى الداخل التيغراني نفسه. فهناك انتقادات متزايدة للجبهة بسبب احتكارها للسلطة، ورفضها إشراك قوى سياسية أخرى في العملية الانتقالية.
ما مستقبل السلام الهش في تيغراي؟
بعد عجزها عن إخضاع تيغراي عسكريًا، لجأت الحكومة الفيدرالية منذ نوفمبر 2022 إلى خنق الإقليم اقتصاديًا، متجاهلة نص وروح اتفاق بريتوريا، بهدف إبطاء تعافيه.
وقد تجسد ذلك في أشكال متعددة، من بينها فرض قيود متقطعة لكنها مستمرة على الوقود، ووقف رواتب الموظفين الحكوميين، ما جعل الإدارة المؤقتة تحكم بالاسم فقط.
ولم تتراجع معاناة سكان تيغراي، إذ لا يزال مئات الآلاف نازحين بعد أكثر من خمس سنوات على اندلاع الحرب في نوفمبر 2020.
كما تظل منطقة جنوب تيغراي شديدة التوتر، مع وجود قوات سلام مدعومة حكوميًا في إقليم عفر المجاور، ما يشكل تهديدًا مستمرًا.
عمليًا، لا يزال من غير الواضح كيف ستبدو عودة سيطرة الجبهة بشكل رسمي، خاصة مع وجود بنية عسكرية حليفة منتشرة في معظم أنحاء الإقليم.
ومع ذلك، تبدي الجبهة حماسًا متزايدًا لاستعادة السيطرة على منطقة تيغراي الغربية الخصبة، المتاخمة لإريتريا والسودان.
كما ينص اتفاق بريتوريا، رغم أنها لا تزال تحت سيطرة ميليشيات أمهرا والجيش الإثيوبي، في سياق إقليمي أوسع تلعب فيه إريتريا دورًا حاسمًا وإن كان غامضًا في المشهد الأمني.
وقد كادت اشتباكات محدودة في المنطقة مطلع هذا العام أن تتطور إلى صراع واسع، قبل أن يتم احتواؤها في اللحظة الأخيرة.
وكان من المتوقع أن يشكل موعد أبريل الخاص بتمديد أو انتهاء الإدارة المؤقتة نقطة خلاف، خاصة في ظل حالة الجمود التي يعيشها تيغراي والجبهة قبل الانتخابات المقررة في يونيو.
ولا يزال شكل هذه الانتخابات في تيغراي غير واضح، في وقت لا يقدم فيه حزب الازدهار الحاكم أي مرشحين في الإقليم، الذي لا تملك الحكومة سيطرة فعلية عليه.
أما الجبهة، فهي محظورة رسميًا من المشاركة، ضمن صراع مستمر مع مجلس الانتخابات الإثيوبي حول إعادة شرعنتها بعد الحرب، وهو ما يتضمن أيضًا محاولات لإعادة ترسيم خمس مناطق خارج السيطرة التيغرانية.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان الأشهر التي سبقت الحرب الأخيرة، عندما قاطع تيغراي تأجيل الحكومة للانتخابات وأجرى اقتراعًا خاصًا به.
ولا يُعرف ما الذي يقيّد تحرك الحكومة الفيدرالية حتى الآن سواء تدهور الوضع الأمني في أمهرا وأوروميا، أو الأزمة المالية وأزمة الوقود المرتبطة بتداعيات الصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران، أو ضغوط دبلوماسية قائمة.
لكن رغم حالة الجمود الحالية، رغم قسوتها، تظل أفضل من العودة إلى الحرب.
ويمثل مسار الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على مدى خمسة عقود نموذجًا مألوفًا لمسار حركات التحرر. فبينما أخفت الحرب في تيغراي التصدعات الداخلية مؤقتًا، فإن صراعات السلطة وتعقيدات الحكم أعادت كشفها مجددًا.
كما أن عسكرة السياسة في الإقليم، والتحالف مع عدو سابق مثل إريتريا، واعتقال الصحفيين، ورفض التوافق الداخلي، كلها مؤشرات لا تعكس حركة واثقة من مستقبلها السياسي، رغم سعيها لإعادة فرض سيطرتها على ميكيلي.
ويبقى السؤال الذي يخيّم على إثيوبيا عمومًا وإقليم تيغراي على وجه الخصوص: كيف ستدير الجبهة مسارها وسط هذا التعقيد وهل ستنجح ميكيلي وأديس أبابا في تجنب مواجهة جديدة أم تنزلق إثيوبيا نحو حرب أهلية من جديد؟

نقلاً عن:
قراءات إفريقية ومصادر أخرى:











































