صوّت البرلمان في زيمبابوي لصالح تعديلات دستورية من شأنها تمديد ولاية الرئيس إيمرسون منانغاغوا وتأجيل الانتخابات الرئاسية المقبلة، في خطوة تتيح للرئيس البالغ من العمر 83 عامًا البقاء في السلطة حتى عام 2030.
وأقرت الجمعية الوطنية في زيمبابوي، الخميس، تشريعًا يمدد مدة الولاية الرئاسية من خمس سنوات إلى سبع سنوات، ويؤجل الانتخابات المقررة عام 2028 إلى عام 2030، فيما يتضمن المشروع أيضًا مقترحًا يقضي بانتخاب الرئيس من قبل البرلمان بدلاً من الاقتراع الشعبي المباشر.
وما زالت التعديلات بحاجة إلى موافقة مجلس الشيوخ قبل اعتمادها نهائيًا، إلا أن التوقعات تشير إلى أنها ستحظى بالدعم اللازم.
وبموجب هذه التعديلات سيتمكن الرئيس إيمرسون منانغاغوا من البقاء في السلطة ثلاث سنوات إضافية بعد انتهاء ولايته الحالية.
وكان منانغاغوا قد وصل إلى الحكم في نوفمبر 2017 عقب الإطاحة بالرئيس الراحل روبرت موغابي في عملية دعمها الجيش، لينهي بذلك حكمًا استمر لعقود طويلة.
إيمرسون منانغاغوا.. تمساح زيمبابوي
يُعرف منانغاغوا داخل الأوساط السياسية بلقب “التمساح”، وهو لقب ارتبط بقدرته على المناورة السياسية وبقائه لاعبًا مؤثرًا داخل حزب الاتحاد الوطني الإفريقي الزيمبابوي- الجبهة الوطنية (زانو-بي إف) على مدى عقود.
وقبل وصوله إلى الرئاسة أمضى نحو نصف قرن في العمل السياسي إلى جانب روبرت موغابي، وشغل عددًا من المناصب الحكومية والأمنية الرفيعة.
ويرى مؤيدو التعديلات الدستورية داخل الحزب الحاكم أن تمديد الولاية الرئاسية سيساعد على تعزيز الاستقرار السياسي وتقليل تكاليف الانتخابات وإتاحة وقت أطول لتنفيذ الخطط الاقتصادية والتنموية.
لكن هذه المبررات واجهت معارضة علنية نادرة من أطراف سياسية ومجتمعية مختلفة، إضافة إلى انتقادات من بعض المحاربين القدامى الذين شاركوا في حرب الاستقلال وكانوا في السابق من أبرز داعمي الرئيس.
وتأتي هذه التطورات في وقت ما يزال فيه الجدل قائمًا حول طبيعة النظام السياسي في زيمبابوي ومستقبل التداول على السلطة، خصوصًا أن التعديلات المقترحة لا تقتصر على تمديد مدة الرئاسة، بل تشمل أيضًا تغيير آلية انتخاب الرئيس عبر منح البرلمان دورًا مباشرًا في اختيار رئيس الدولة.
قصة صعود قائد “عصابة التماسيح”
يُعد إيمرسون منانغاغوا ثاني رئيس لزيمبابوي منذ الاستقلال عام 1980، وقد ارتبط اسمه بتاريخ البلاد السياسي منذ سنوات الكفاح ضد حكم الأقلية البيضاء في روديسيا الجنوبية (الاسم الاستعماري السابق لبلاده).
وُلد عام 1942 في مدينة زفيشافاني، المعروفة بثرواتها المعدنية خصوصًا الذهب، لأسرة زراعية معارضة للحكم الاستعماري، وينتمي إلى قبيلة الكارانغا، أكبر فروع قومية الشونا التي تشكل الأغلبية السكانية في البلاد. وانخرط مبكرًا في النشاط السياسي المناهض للاستعمار، ما أدى إلى طرده من الكلية عام 1960.
وفي عام 1965 اعتقلته سلطات روديسيا الجنوبية بعد مشاركته مع مجموعة عُرفت باسم “عصابة التماسيح” في تفجير قطار قرب مدينة فورت فيكتوريا، المعروفة حاليًا باسم ماسفينغو. وصدر بحقه حكم بالإعدام قبل أن يُخفف إلى السجن عشر سنوات لصغر سنه، وهي تجربة تقول سيرته الرسمية إنها شهدت تعرضه للتعذيب على يد سلطات الأقلية البيضاء.
وبعد الإفراج عنه، تلقى تدريبًا عسكريًا في كل من مصر والصين، قبل أن ينضم إلى حركة التحرير الزيمبابوية ويصبح أحد المقربين من روبرت موغابي خلال سبعينيات القرن الماضي.
وعمل من قواعد الحركة في موزمبيق، وشارك ضمن القيادات التي تفاوضت لإنهاء حكم الأقلية البيضاء، وهو المسار الذي انتهى باستقلال زيمبابوي عام 1980 ووصول حزب الاتحاد الوطني الإفريقي الزيمبابوي – الجبهة الوطنية (زانو-بي إف) إلى السلطة.
وبعد الاستقلال، تدرج منانغاغوا في المناصب الحكومية والأمنية، فتولى حقائب وزارية عدة، بينها العدل والدفاع، كما أشرف على أجهزة الاستخبارات والأمن القومي.
وخلال تلك الفترة واجه انتقادات تتعلق بدوره المزعوم في أحداث “غوكوراهوندي” خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهي الحملة التي قُتل خلالها آلاف المدنيين، معظمهم من أبناء قومية النديبيلي، في إطار الصراع بين حزب زانو بقيادة موغابي وحزب زابو بزعامة جوشوا نكومو.
وغوكوراهوندي (Gukurahundi) مصطلح بلغة “الشونا” يعني “المطر” يُشير المصطلح سياسيًا وتاريخيًا إلى سلسلة من المذابح وعمليات التطهير العرقي الدموية التي ارتكبتها قوات حكومة زيمبابوي ضد أقلية “النديبيلي” في إقليم “ماتابيليلاند” بين عامي 1982 و1987
وأقر منانغاغوا لاحقًا بوقوع تلك الانتهاكات، لكنه نفى مسؤوليته المباشرة عنها، مؤكدًا أنه لم يكن صاحب قرار في ذلك الوقت.
وبعد وصوله إلى الرئاسة حاول فتح ملف المصالحة الوطنية، بما في ذلك السماح بعمليات نبش الرفات وإعادة دفن الضحايا، وهي خطوة رحب بها البعض فيما رأى آخرون أنها غير كافية لمعالجة إرث تلك المرحلة.
مع مرور الوقت، أصبح منانغاغوا أحد أكثر الشخصيات نفوذًا داخل الحزب الحاكم، حتى وصفه تقرير للأمم المتحدة عام 2001 بأنه “مهندس الأنشطة التجارية لحزب زانو-بي إف”. كما حافظ على علاقات وثيقة مع المحاربين القدامى الذين لعبوا دورًا بارزًا في الحياة السياسية الزيمبابوية منذ الاستقلال.
مؤامرة الآيس كريم
كان منانغاغوا يُنظر إليه باعتباره اليد اليمنى لموغابي، إلى أن دخلت السيدة الأولى السابقة غريس موغابي بقوة إلى عالم السياسة وسعت إلى إبعاده عن طريقها.
وأخذ التنافس بينهما منحى غريبًا عندما تعرض منانغاغوا لوعكة صحية خلال تجمع سياسي عام 2017 حضره موغابي، واضطر إلى نقله جوًا إلى جنوب إفريقيا لتلقي العلاج.
وادعى أنصاره آنذاك أن مجموعة منافسة داخل الحزب الحاكم قامت بتسميمه، وألمحوا إلى أن الآيس كريم الذي تنتجه شركة الألبان المملوكة لغريس موغابي ربما كان وسيلة تنفيذ المؤامرة.
وقد أشار منانغاغوا بنفسه إلى هذه الرواية، كما اتهم مجموعة مرتبطة بالسيدة الأولى السابقة بالوقوف وراء انفجار وقع خلال تجمع انتخابي لحزب زانو-بي إف في مدينة بولاوايو، ثاني أكبر مدن البلاد، وأسفر عن مقتل شخصين.
واستمر التنافس بين الطرفين حتى بعد رحيل موغابي، فعندما توفي الرئيس السابق عام 2019، أراد منانغاغوا دفنه في مقبرة أبطال الأمة الوطنية، لكن غريس موغابي رفضت ذلك.
من موغابي إلى منانغاغوا
وعندما وصل إلى الرئاسة عام 2017 حاول تقديم نفسه باعتباره قائدًا إصلاحيًا يسعى إلى إعادة هيكلة الاقتصاد وتقليص الإنفاق الحكومي وخصخصة بعض الشركات العامة.
غير أن سنوات حكمه شهدت استمرارًا للأزمات الاقتصادية التي عانت منها البلاد لفترات طويلة، وقد سجلت زيمبابوي خلال السنوات الماضية معدلات تضخم مرتفعة للغاية، بلغت 243% خلال عام 2023، ما وضعها بين أعلى دول العالم من حيث ارتفاع الأسعار.
ورغم إعلان الحكومة نجاحها في خفض التضخم إلى خانة الآحاد مطلع عام 2026 لأول مرة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، فإن الاقتصاد ما يزال يواجه تحديات كبيرة.
كما تعرضت حكومة منانغاغوا لانتقادات بسبب تعاملها مع المعارضة والاحتجاجات، خصوصًا بعد الانتخابات التي جرت عام 2018، عندما شهدت البلاد مواجهات أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص.
وفي حين تؤكد السلطات أن الإجراءات الأمنية ضرورية للحفاظ على الاستقرار، تتهمها أطراف معارضة باستخدام وسائل قمعية للحد من النشاط السياسي المناوئ للحكومة.
نادي الأفارقة المعمرين بالسلطة
أعاد التصويت الذي جرى في زيمبابوي تسليط الضوء على ظاهرة استمرار القادة المعمرين في الحكم داخل إفريقيا، وهي ظاهرة تبدو بشكل لافت في قارة تُعد الأصغر سنًا من حيث التركيبة السكانية.
ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 60% من سكان إفريقيا تقل أعمارهم عن 30 عامًا، بينما يبلغ متوسط العمر في القارة نحو 20 عامًا فقط. ومع ذلك، تضم القارة عددًا من أقدم القادة سنًا في العالم.
ويأتي منانغاغوا ضمن هذه الفئة من القادة الذين تجاوزوا الثمانين عامًا، فالرئيس الكاميروني بول بيا، البالغ من العمر 93 عامًا، يُعد أكبر رئيس دولة في العالم سنًا، وقد بقي في السلطة منذ عام 1982.
أما رئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغيما مباسوغو فيحكم بلاده منذ 47 عامًا ويُعد أطول الحكام بقاءً في السلطة في إفريقيا. وفي كوت ديفوار، أدى الرئيس الحسن واتارا، البالغ من العمر 84 عامًا، اليمين الدستورية لولاية جديدة في أواخر عام 2025. بينما عاد بيتر موثاريكا إلى رئاسة ملاوي عن عمر 85 عامًا.
كما أدى الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، البالغ من العمر 81 عامًا، اليمين الدستورية لولاية سابعة متتالية، ما يمدد حكمه إلى نحو أربعة عقود. ويشترك عدد من هؤلاء القادة في إجراء تعديلات دستورية أو قانونية سمحت لهم بالبقاء لفترات أطول في السلطة.
وتشير تقديرات مؤسسات بحثية إفريقية إلى أن نحو 20 دولة في القارة ما تزال تطبق حدودًا واضحة لفترات الرئاسة، بينما ألغت دول أخرى هذه القيود أو عدلتها أو تجاوزتها بوسائل مختلفة.
وفي المقابل، شهدت إفريقيا خلال السنوات الأخيرة صعود عدد من القادة الأصغر سنًا. فقد أصبح الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي أحد أصغر الرؤساء المنتخبين في القارة بعد فوزه في انتخابات 2024 وهو في الرابعة والأربعين من عمره.
كما يتولى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد السلطة منذ عام 2018 وهو في التاسعة والأربعين من عمره.
وشهدت دول أخرى وصول قيادات شابة إلى الحكم عبر انقلابات عسكرية، من بينها تشاد وبوركينا فاسو ومالي وغينيا. ويُعد إبراهيم تراوري، قائد بوركينا فاسو، أصغر حاكم في إفريقيا حاليًا بعمر 38 عامًا.
وبينما تمثل هذه الحالات مؤشرات على ظهور جيل جديد من القادة، فإن التصويت الأخير في زيمبابوي يعكس استمرار حضور القيادات السياسية المخضرمة في المشهد الإفريقي، ويضيف اسم إيمرسون منانغاغوا إلى قائمة الرؤساء الذين تمكنوا من تمديد بقائهم في السلطة عبر تعديلات دستورية أو ترتيبات سياسية تتيح لهم الاستمرار في الحكم لسنوات إضافية.
في هذا الفيديو ، يكشف البروفيسور بول نانتوليا تبعات انقلاب عام 2017 في زيمبابوي من عسكرة للدولة أكثر مما كانت عليه تحت حكم موغابي (الرئيس من 1987-2017).
المصدر: قراءات إفريقية وAP ورويترز وBBC
أحدث المقالات:











































