ملخص:
مثّلت زيارة رئيس الإقليم الانفصالي في الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله (عِرو) إلى الأراضي المحتلة في يونيو 2026م تطوراً نوعياً في مسار العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال، وذلك بعد أشهر من الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بأرض الصومال أواخر عام 2025م.
وتكتسب الزيارة أهمية استثنائية لكونها أول زيارة دولة “معلنة” لرئيس أرض الصومال إلى إسرائيل منذ إعلان انفصال الإقليم عن الصومال عام 1991م، كما أنها تعكس انتقال العلاقات من مرحلة الاتصالات المحدودة إلى مستوى الشراكة السياسية والدبلوماسية المعلنة. وتبحث هذه الدراسة دوافع الطرفين، ونتائج الزيارة، وانعكاساتها على التوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، فضلاً عن السيناريوهات المستقبلية المحتملة حتى عام 2030م.
مقدمة:
يشهد القرن الإفريقي منذ سنوات حالة من الحراك الجيوسياسي المتسارع نتيجة تصاعد التنافس الدولي على الممرات البحرية الإستراتيجية، وتزايد أهمية البحر الأحمر وخليج عدن في منظومة التجارة والأمن العالميين[1]. وفي هذا السياق، برزت أرض الصومال بوصفها كياناً سياسياً يتمتع باستقرار نسبي مقارنةً بمحيطه الإقليمي، ويسعى إلى استثمار موقعه الجغرافي ومؤسساته السياسية لتعزيز فرص الاعتراف الدولي به[2].
وجاء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال أواخر عام 2025م ليشكل نقطة تحول مهمة في مسار القضية، قبل أن تتوج العلاقات بزيارة رسمية لرئيس أرض الصومال إلى إسرائيل في يونيو 2026م، الأمر الذي فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين الجانبين، وأعاد طرح تساؤلات بشأن مستقبل التوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
للمزيد: خفايا الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال.. شيخ محمود يكشف المستور
محتويات المقال:
أولاً: زيارة رئيس أرض الصومال إلى إسرائيل
تمثل الزيارة أول تحرك دبلوماسي خارجي لرئيس أرض الصومال إلى إسرائيل على مستوى زيارة دولة، وهو ما يعكس انتقال العلاقات من مرحلة الاتصالات غير الرسمية إلى مستوى الشراكة السياسية المعلنة[3].
كما تسعى هرجيسا من خلال هذه الخطوة إلى توسيع دائرة الاعتراف الدولي بها، مستفيدة من الدعم السياسي الذي يمكن أن توفره إسرائيل داخل بعض دوائر صنع القرار الغربية، خاصةً في الولايات المتحدة وأوروبا[4].
وتحمل الزيارة أيضاً رسالة سياسية، تؤكد رغبة أرض الصومال في تقديم نفسها كشريك إقليمي مستقر وقادر على الانخراط في ترتيبات الأمن والتنمية الإقليمية.
ثانياً: دوافع أرض الصومال تجاه إسرائيل
1- البحث عن الاعتراف الدولي:
يمثل الاعتراف الدولي الهدف الإستراتيجي الأهم لأرض الصومال منذ إعلان انفصالها عن الصومال عام 1991م. ورغم نجاح الإقليم في بناء مؤسسات سياسية وأمنية مستقرة نسبياً؛ فإنه لا يزال يواجه تحديات تتعلق بشرعيته القانونية على المستوى الدولي[5].
2- تعزيز القدرات الأمنية:
تواجه أرض الصومال بيئة أمنية معقدة ترتبط بنشاط الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها حركة الشباب، فضلاً عن التهديدات المرتبطة بالقرصنة البحرية والتوترات الإقليمية المتصاعدة في البحر الأحمر وخليج عدن[6].
3- جذب الاستثمارات والتكنولوجيا:
تطمح هرجيسا إلى الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في مجالات الزراعة الحديثة، وإدارة الموارد المائية، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الرقمية، بما يدعم خطط التنمية الاقتصادية للإقليم[7].
ثالثاً: الدوافع الإسرائيلية تجاه أرض الصومال
تنظر إسرائيل إلى القرن الإفريقي باعتباره امتداداً مباشراً لأمن البحر الأحمر، وتسعى منذ عقود إلى بناء شبكة من العلاقات السياسية والأمنية مع دول المنطقة بهدف حماية خطوط الملاحة البحرية وتعزيز نفوذها الإقليمي[8].
كما يمثل ميناء بربرة موقعاً إستراتيجياً مهماً بالقرب من مضيق باب المندب، وهو ما يمنح العلاقات مع أرض الصومال أهمية متزايدة في الحسابات الإسرائيلية المرتبطة بالأمن البحري والتجارة الدولية[9].
إضافةً إلى ذلك، تندرج العلاقة ضمن السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى توسيع الحضور في القارة الإفريقية وبناء شراكات جديدة في مناطق النفوذ الإستراتيجي.
رابعاً: نتائج الزيارة والاتفاقيات الموقعة
أسفرت الزيارة عن عدد من النتائج السياسية والدبلوماسية المهمة، حيث شهدت لقاءات رسمية رفيعة المستوى مع كبار المسؤولين الإسرائيليين، بما عكس الأهمية الإستراتيجية التي توليها إسرائيل للعلاقة مع أرض الصومال[10].
كما أعلن الجانبان توسيع التعاون في مجالات الأمن والاستثمار والتكنولوجيا والزراعة وإدارة المياه والبنية التحتية، فضلاً عن بحث آليات تطوير العلاقات الدبلوماسية والمؤسسية بين الطرفين[11].
وعلى المستوى الاقتصادي، برزت فرص التعاون في مجالات الموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة والمعادن والتكنولوجيا الزراعية، في ظل سعي أرض الصومال إلى جذب الاستثمارات الأجنبية والاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في مجالات التنمية والتحديث الاقتصادي[12].
خامساً: التداعيات الإقليمية لتقارب إسرائيل وأرض الصومال
أثارت الزيارة ردود فعل متباينة داخل الإقليم وخارجه، حيث اعتبرتها الحكومة الفيدرالية الصومالية خطوة تمس وحدة الأراضي الصومالية، في حين نظرت إليها بعض الدوائر الغربية باعتبارها تطوراً قد يعزز الاستقرار الاقتصادي والأمني في المنطقة[13].
كما قد تسهم الزيارة في إعادة تشكيل بعض الاصطفافات السياسية والأمنية في القرن الإفريقي، خاصةً في ظل التنافس المتصاعد بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في البحر الأحمر ومضيق باب المندب[14].
سادساً: التداعيات على الأمن الإقليمي للبحر الأحمر والقرن الإفريقي
تعكس العلاقات المتنامية بين إسرائيل وأرض الصومال إعادة تموضع للقوى الفاعلة في منطقة البحر الأحمر، التي أصبحت إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي عالمياً خلال العقد الأخير[15].
فالموقع الجغرافي لأرض الصومال يمنحها أهمية استثنائية في مراقبة وتأمين حركة الملاحة في خليج عدن، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الدولي والإقليمي بالإقليم خلال السنوات الأخيرة[16].
ومن المرجح أن يؤدي تنامي الحضور الإسرائيلي في المنطقة إلى إدخال متغير جديد في معادلات الأمن الإقليمي، خصوصاً في ظل التداخل بين المصالح الأمنية والاقتصادية للقوى الدولية والإقليمية المختلفة[17].
سابعاً: الموقف المصري من التطورات الجديدة
تنطلق الرؤية المصرية تجاه القرن الإفريقي من اعتبارات ترتبط بالأمن القومي المصري وأمن البحر الأحمر وحماية خطوط الملاحة الدولية، فضلاً عن الارتباط الوثيق بين استقرار المنطقة والأمن المائي المصري[18].
وفي هذا الإطار، تتابع القاهرة التطورات المرتبطة بأرض الصومال من منظور الحفاظ على استقرار البحر الأحمر ومنع أي تحولات قد تؤثر في التوازنات الإقليمية القائمة.
كما يظل الموقف المصري منسجماً مع المبادئ الإفريقية التقليدية القائمة على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، مع الحرص على دعم الاستقرار والتنمية في منطقة القرن الإفريقي[19].
اقرأ أيضًا: مصر تدين افتتاح “سفارة مزعومة” لـ”أرض الصومال” في القدس المحتلة
ثامناً: السيناريوهات المستقبلية حتى عام 2030م
السيناريو الأول: الاعتراف المتدرج
يفترض هذا السيناريو نجاح أرض الصومال في استثمار الاعتراف الإسرائيلي من أجل توسيع دائرة الاعترافات الدولية تدريجياً، خاصةً من بعض الدول الصغيرة أو ذات المصالح الإستراتيجية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي[20].
السيناريو الثاني: استمرار الجمود الدولي
يقوم هذا السيناريو على بقاء الاعتراف الإسرائيلي حالة استثنائية، مع استمرار تمسك غالبية الدول والاتحاد الإفريقي بمبدأ وحدة الأراضي الصومالية وعدم الاعتراف الرسمي بالإقليم[21].
السيناريو الثالث: تصاعد التنافس الجيوسياسي
يفترض هذا السيناريو تحول أرض الصومال إلى ساحة إضافية للتنافس الإقليمي والدولي في البحر الأحمر، بما قد يرفع من أهميتها الإستراتيجية، لكنه قد يزيد أيضاً من الضغوط السياسية والأمنية المحيطة بها[22].
خاتمة
تمثل زيارة رئيس أرض الصومال إلى إسرائيل في يونيو 2026م محطة فارقة في مسار العلاقات بين الجانبين، وتعكس انتقال هذه العلاقة إلى مرحلة أكثر عمقاً واتساعاً على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.
كما تكشف الزيارة عن تصاعد أهمية القرن الإفريقي والبحر الأحمر في الحسابات الإستراتيجية الإقليمية والدولية، في وقت تتزايد فيه أهمية الممرات البحرية والتنافس على النفوذ في المناطق الحيوية للتجارة العالمية.
وبينما تسعى أرض الصومال إلى توظيف العلاقة مع إسرائيل لتعزيز فرص الاعتراف الدولي، تنظر تل أبيب إلى الإقليم باعتباره شريكاً إستراتيجياً يمكن أن يسهم في تعزيز حضورها في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. غير أن مستقبل هذه العلاقة سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على إدارة تداعياتها الإقليمية والدولية، وبالتطورات الأوسع التي تشهدها المنطقة خلال السنوات المقبلة.
أحدث المقالات:
- النيجر: إطلاق نار كثيف في محيط المطار الدولي بنيامي
- كينيا تمنع مندوبي تايوان من حضور مؤتمر دولي حول المحيطات
- أمر قضائي يمنع عقود الدفع المسبق الجديدة للنفط من جنوب السودان
- توقيع اتفاق للتعاون العسكري بين ليبيا والنيجر
- السحر في إفريقيا.. خفاياه وتأثيراته
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
[1] Redie Bereketeab, The Horn of Africa: Intra-State and Inter-State Conflicts and Security (London: Pluto Press, 2013), 17–25.
[2] Mark Bradbury, Becoming Somaliland (Oxford: James Currey, 2008), 1–12.
[3] I. M. Lewis, A Modern History of Somalia (Athens: Ohio University Press, 2002), 284–291.
[4] Matt Bryden, “The Case for Somaliland’s International Recognition,” African Affairs 103, no. 411 (2004): 247–268.
[5] Bradbury, Becoming Somaliland, 92–118.
[6] Stig Jarle Hansen, Al-Shabaab in Somalia (London: Hurst, 2013), 55–79.
[7] Dan Connell and Tom Killion, Historical Dictionary of Eritrea (Lanham: Scarecrow Press, 2011), 516.
[8] Arye Oded, Africa and the Middle East: The Politics of Linkage (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1987), 131–154.
[9] Harry Verhoeven, Environmental Politics in the Middle East and North Africa (Oxford: Oxford University Press, 2018), 201–205.
[10] Amichai Stein, “Somaliland President Makes Historic First Visit to Israel Following Country’s Recognition,” The Jerusalem Post, June 14, 2026.
[11] Mohamed Duale, “Somaliland, Israel Sign Strategic Partnership as President Irro Meets Netanyahu,” Horn Diplomat, June 15, 2026.
[12] Reuters, “Somaliland Expects Israel Trade Deal, Has Minerals to Offer, Leader Says,” February 3, 2026.
متاح على الرابط
[13] Reuters, “AU Calls for Immediate Revocation of Somaliland’s Recognition by Israel,” January 6, 2026.
[14] Jean-Nicolas Bach, “The Red Sea and the Horn of Africa: Strategic Competition and Regional Dynamics,” African Security Review 29, no. 3 (2020): 201–214.
[15] Redie Bereketeab, The Horn of Africa, 113–135.
[16] Harry Verhoeven, Environmental Politics in the Middle East and North Africa, 201–210.
[17] International Crisis Group, The Horn of Africa and Red Sea Competition (Brussels: ICG, 2024), 7–15.
[18] محمد عبد السلام، الأمن القومي المصري والبحر الأحمر (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 2022)، 44–57.
[19] African Union Commission, Constitutive Act of the African Union (Addis Ababa: African Union, 2000).
[20] Matt Bryden, “The Case for Somaliland’s International Recognition,” 247–268.
[21] International Crisis Group, The Somali Crisis: Regional Implications and Future Scenarios (Brussels: ICG, 2023), 11–18.
[22] Jean-Nicolas Bach, “The Red Sea and the Horn of Africa,” 201–214.











































