يدخل إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا مرحلة جديدة من التصعيد، بعد إعلان جبهة تحرير شعب تيغراي، أمس الثلاثاء، إعادة تفعيل مؤسسات الحكم التي كانت قائمة قبل الحرب، وفي مقدمتها المجلس الإقليمي، وانتخاب دبرصيون جبرميكائيل رئيسًا للحكومة، في خطوة تضع اتفاق بريتوريا للسلام الذي أوقف الحرب في تيغراي (2020-2022) أمام اختبار حقيقي.
وخلال الدورة السادسة الاعتيادية للمجلس، التي عُقدت بعد توقف دام ثلاث سنوات ونصف، انتُخبت كيروس هاغوس رئيسة للمجلس، ومهريت برها نائبة لها، فيما صادق الأعضاء على استئناف العمل التشريعي، استنادًا إلى ما وصفوه بـ”انتهاك الحكومة الفيدرالية لاتفاق السلام”. وحسب بيان، أُقرّ تقرير قدمه دبرصيون حول تنفيذ الاتفاق، قبل انتخابه رئيسًا بأغلبية الأصوات وأداء اليمين الدستورية.
هذه الخطوة، التي تمثل عمليًا إعادة إنتاج النظام السياسي السابق للحرب، لا يمكن فصلها عن تصاعد الخلاف بين جبهة تيغراي والحكومة الفيدرالية بقيادة رئيس الوزاء آبي أحمد علي، خصوصًا بعد قرار أديس أبابا -قبل أيام- تمديد ولاية الإدارة المؤقتة في الإقليم لعام إضافي، وهو ما اعتبرته الجبهة إجراءً أحاديًا يقوّض مسار عملية السلام.
وكان من المتوقع أن يشكل الموعد -في أبريل الماضي- الخاص بتمديد أو انتهاء الإدارة المؤقتة نقطة خلاف، خاصة في ظل حالة الجمود التي يعيشها تيغراي والجبهة قبل الانتخابات الإثيوبية العامة المقررة في يونيو المقبل.
ماذا تعني عودة حكومة الحرب في تيغراي
أولاً: إعادة انتخاب رجل تيغراي القوي
يمثل انتخاب -الستيني- دبرصيون جبرميكائيل عودة واضحة لقيادة ما قبل حرب تيغراي إلى صدارة المشهد السياسي، وهو الرجل الذي قاد الجبهة خلال الصراع المسلح مع الحكومة الفيدرالية بين 2020 و2022.
ولا تعكس هذه العودة مجرد تغيير إداري، بل تعني استعادة الجبهة لرمزها السياسي والعسكري البارز، بما يحمله ذلك من رسائل داخلية وخارجية، مفادها أن تيغراي لم يتخل عن قيادته التاريخية، وأن ميزان القوة داخل الإقليم لا يزال يميل لصالح الجبهة.
كما أن الخلفية العسكرية والسياسية لدبرصيون، الممتدة منذ حرب العصابات ضد نظام الديرغ الشيوعي العسكري، تعزز من احتمالات تبني مقاربة أكثر تشددًا في التعامل مع الحكومة الإثيوبية الفيدرالية.
وقبل اندلاع الحرب في تيغراي في الرابع من نوفمبر 2020، لم يكن كثيرون من خارج الإقليم قد سمعوا باسم دبرصيون، فخلال عمله مقاتلاً داخل الجبهة تخصص الرجل في مجال الاتصالات، فقد أنشأ محطة إذاعية سرية تُدعى “ديمتسي ووياني تيغراي” (صوت الثورة في تيغراي).
كانت هذه الإذاعة تبث أخبار القتال ضد نظام الديرغ، واعتمدت المحطة على أجهزة إرسال متنقلة يمكن تفكيكها ونقلها إلى الكهوف لتفادي اكتشافها، وخلال السنوات الأولى من نشاطه، كان جبرميكائيل يشارك ميدانيًا في تدريب هذه الفرق المنتشرة خلف خطوط القوات الحكومية.
وبعد أن أطاحت جبهة تحرير شعب تيغراي، بدعم من جماعات متمردة حليفة، بنظام الديرغ عام 1991، عمل جبرميكائيل مع كينيفي جبرمدهن، وهو أحد أبرز مستشاري رئيس الوزراء الراحل ميلس زيناوي في شؤون الاستخبارات والأمن الداخلي، حتى مقتله عام 2001 على يد ضابط عسكري.

وخلال تلك الفترة، أكمل جبرميكائيل دراساته العليا في الهندسة الكهربائية، وترجح تقارير بدرجة كبيرة أن جبرميكائيل لعب دورًا مهمًا في تطوير ونشر شبكة مراقبة واسعة داخل إثيوبيا.
وفي عام 2005، وبعد سنوات من العمل في الظل، تم تعيينه مديرًا لوكالة تطوير المعلومات والاتصالات، حيث أشرف على توسيع شبكة الاتصالات في البلاد. كما حافظ على علاقات وثيقة مع جهاز الاستخبارات الرئيسي، جهاز الأمن والاستخبارات الوطني.
وبحلول عام 2012، أصبح دبرصيون جبر ميكائيل ذا نفوذ كافٍ ليتم تعيينه وزيرًا للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ومع توسع استخدام الإنترنت والاتصالات المحمولة في إثيوبيا، ازدادت قدرة الحكومة على مراقبة هذه الاتصالات.
وبصفته المسؤول عن هذا القطاع، لعب جبرميكائيل دورًا محوريًا في تعزيز قدرات المراقبة الحكومية، كما كان يوصف بأنه “آخر حارس أسرار الدولة”، وهو ما منحه قدرًا كبيرًا من القوة، لكنه ظل يستخدمها بهدوء طوال فترة عمله.
وإلى جانب دوره في قطاع الاتصالات، أُوكل إلى جبرميكائيل الإشراف على جوانب رئيسية من مشاريع الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا. وبصفته رئيسًا لمؤسسة الكهرباء الإثيوبية الحكومية آنذاك، قاد مفاوضات مع المستثمرين والداعمين لمشروع سد النهضة على النيل الأزرق، الذي يعد أكبر مشروع كهرومائي في البلاد.
ثانيًا: الخصم اللدود لآبي أحمد
كان من المفترض أن يضمن هذا السجل القوي استمرار صعود دبرصيون جبرميكائيل داخل السلطة، إلا أن شخصيته الهادئة لم تصمد أمام صعود خصمه آبي أحمد علي، الذي تفوق عليه في انتخابات رئاسة الائتلاف الحاكم عام 2018، قبل أن يصبح آبي أحمد رئيسًا للوزراء لاحقًا.
وبسرعة فاجأت المراقبين، أطلق آبي أحمد حزمة إصلاحات سياسية واسعة، شملت الإفراج عن آلاف السجناء السياسيين، وتسوية النزاع الحدودي مع إريتريا، وإجراء إصلاحات في القطاع الأمني.
وفي نوفمبر 2019، أعلن آبي حل الائتلاف الحاكم واستبداله بحزب الازدهار، وهو ما رفضته جبهة تحرير شعب تيغراي، ما أدى إلى انسحابها فعليًا إلى إقليم تيغراي.
وانتُخب جبرميكائيل رئيسًا للجبهة عام 2017، ومع صعود آبي أحمد، ركز على السياسة الإقليمية في تيغراي، مدركًا أن نفوذ الجبهة على المستوى الوطني قد تراجع.
ومع توجه الحكومة نحو تقليص نظام الفيدرالية الإثنية، تمسكت الجبهة بالدفاع عن سلطتها الإقليمية، وهو ما تجسد في قرارها إجراء انتخابات إقليمية في سبتمبر 2020، رغم تأجيل الحكومة الفيدرالية للانتخابات بسبب جائحة كورونا.
واعتبرت الحكومة هذه الانتخابات غير شرعية، بينما وصفتها الجبهة بأنها حق دستوري.
وفي الرابع من نوفمبر 2020، اندلعت مواجهات بين الجيش الإثيوبي وقوات الجبهة في عاصمة الإقليم ميكيلي. وبعد اشتباكات، سيطرت القوات الحكومية على الطرق الرئيسية، وأعلنت السيطرة على المدينة في 28 نوفمبر، بينما انسحبت قوات الجبهة بشكل تكتيكي إلى المناطق الجبلية.
وبحكم خبرته الطويلة في حرب العصابات، أدرك جبرميكائيل أهمية التضاريس الجبلية، حيث أعادت الجبهة تموضعها، مستفيدة من خبرات عسكرية واستخباراتية واسعة، إضافة إلى امتلاكها مخزونات من الأسلحة.
ولا يبشر صعود دبرصيون وعودته لقيادة الجبهة، بإمكانية التوصل إلى حل تفاوضي قريب بين ميكيلي وأديس أبابا، خاصة مع الخلفية التاريخية للرجل، وأن الجبهة تمتلك خبرة كبيرة في القتال غير النظامي وتحظى بدعم محلي واسع.
وفي حال عادت الحرب في تيغراي وعاد جبرميكائيل إلى خوض حرب عصابات طويلة الأمد ضد حكومة آبي أحمد، فإن لديه الإمكانات والخبرة لذلك، لكن مثل هذا السيناريو يبقى مكلفًا بشريًا واقتصاديًا، بغض النظر عن نتائجه.

ثالثًا: انهيار التوافق حول المرحلة الانتقالية
تكشف إعادة تفعيل المجلس الإقليمي في تيغراي عن انهيار فعلي للتوافق الذي كان من المفترض أن يحكم المرحلة الانتقالية بعد اتفاق بريتوريا للسلام 2022.
فبينما تتمسك حكومة آبي أحمد علي بشرعية الإدارة المؤقتة التي انتخبتها، ترى جبهة تيغراي أن المجلس المنتخب قبل الحرب يظل المصدر الوحيد للشرعية، خاصة بعد إعادة انتخابه بقيادة دبرصيون.
وتعود جذور أزمة الشرعية في تيغراي إلى قرار حكومة أديس أبابا تمديد ولاية الإدارة المؤقتة بقيادة الفريق أول تاديسي وريدي لمدة عام إضافي، في الثامن من أبريل الماضي.
آنذاك، أعلن مكتب رئيس الوزراء آبي أحمد علي أن فترة ولاية الفريق تاديسي وريدي كرئيس للإدارة المؤقتة في تيغراي تم تمديدها لمدة عام إضافي، اعتبارًا من التاسع من أبريل 2026.
وكان تاديسي قد عُيّن لأول مرة في الثامن من أبريل 2025، خلفًا لغتاتشو رضا. وفي ذلك الوقت، قال رئيس الوزراء آبي أحمد إن تاديسي “يُعتقد على نطاق واسع أنه مستعد لقيادة تيغراي خلال هذه الفترة الحرجة”، مشيرًا إلى معرفته بتحديات الإقليم.
ورغم أن القرار استند إلى أطر قانونية دستورية، إلا أن جبهة تحرير شعب تيغراي اعتبرته إجراءً أحاديًا يخالف روح ونص اتفاق بريتوريا، الذي ينص على إدارة المرحلة الانتقالية عبر توافق بين الأطراف المعنية.
وترى الجبهة أن استمرار الإدارة المؤقتة دون انتخابات أو إعادة هيكلة حقيقية يعكس محاولة لإقصائها سياسيًا، خاصة في ظل غياب مسار واضح لاستعادة الحكم المدني الكامل في الإقليم.
هذا الانقسام المؤسسي يعيد إنتاج نفس أسباب التوتر التي سبقت اندلاع الحرب في تيغراي، ويقوّض أي إمكانية لإدارة انتقال سياسي سلس، مع ظهور سلطتين متوازيتين داخل الإقليم:
- إدارة مؤقتة مدعومة من أديس أبابا
- مجلس إقليمي أعادت الجبهة تفعيله ويدّعي تمثيل الإرادة الشعبية
رابعًا: تصعيد سياسي مغطى بشرعية قانونية
تحاول جبهة تيغراي إضفاء طابع قانوني على خطواتها، عبر التأكيد على أن استئناف عمل المجلس تم وفق الإجراءات الدستورية، وبإشراف قضائي، ما يمنح تحركاتها غطاءً مؤسسيًا.
وقد عبّرت الجبهة عن هذا الموقف بوضوح في عدة بيانات، مؤكدة أن المجلس الإقليمي المنتخب قبل الحرب يظل المصدر الشرعي للسلطة، مطالبة بإعادة تفعيله. في وقت كانت تشير فيه بالفعل تقارير إلى أن الجبهة قد دعمت بالفعل زعيمها دبرصيون جبرميكائيل لقيادة الإدارة الإقليمية.
لكن في المقابل، ترى الحكومة الفيدرالية الإثيوبية أن هذه الخطوات تمثل خرقًا صريحًا لاتفاق بريتوريا، خاصة أنها تتجاوز ترتيبات المرحلة الانتقالية المتفق عليها.
وسبق أن رفض تاديسي اعتراض الجبهة على تمديد عمله، مما أبقى الإدارة المؤقتة في وضع متنازع عليه، كما كان الحال في عهد سلفه غيتاتشو رضا.
وأكد القائد العسكري أنه لا ينوي مغادرة الإقليم رغم رفض الجبهة لرئاسته، لكن مسار التطورات خلال الأيام والأسابيع المقبلة لا يزال غير واضح.
هذا التباين في تفسير الشرعية -بين دستورية داخلية واتفاق دولي- يعكس صراعًا أعمق على تعريف السلطة، ويزيد من تعقيد فرص التوصل إلى تسوية.
خامسًا: بيئة إقليمية قابلة للاشتعال
تأتي هذه التطورات في سياق أمني وإنساني هش، حيث لا تزال تداعيات الحرب حاضرة بقوة في الإقليم، سواء من حيث النزوح أو ضعف الخدمات أو استمرار التوتر في المناطق الحدودية.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن أي تصعيد سياسي قد يتحول سريعًا إلى توتر أمني، خصوصًا مع وجود قوات غير نظامية بين عدة جبهات بخلاف التيغراي، واستمرار انتشار السلاح، وتداخل الأدوار بين القيادات المدنية والعسكرية.
كما تكشف عودة حكومة ما قبل الحرب في تيغراي عن لحظة مفصلية في مسار ما بعد النزاع، حيث لم يعد الخلاف مقتصرًا على تنفيذ اتفاق سلام بريتوريا 2022، بل تحول إلى صراع مفتوح على الشرعية والسلطة.
وبينما تسعى جبهة تحرير شعب تيغراي إلى فرض واقع سياسي جديد عبر استعادة مؤسساتها، تتمسك الحكومة الفيدرالية بإدارة المرحلة الانتقالية وفق رؤيتها، دون وجود أرضية مشتركة للحوار.
وفي ظل هذا الانقسام، يبقى إقليم تيغراي خصوصًا وإثيوبيا عمومًا أمام سيناريوهات مفتوحة، تتراوح بين إعادة التفاوض حول مسألة الشرعية في الإقليم، أو استمرار الجمود، أو الانزلاق نحو مواجهة جديدة، ما يجعل السلام في تيغراي أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
نقلاً عن:










































