في مقال له عن «أنماط الكتابة الإفريقية عن الذات» نشر عام 2002، يقول أشيل مبيمبي :”مما لا شك فيه أنه لا توجد هوية إفريقية يمكن تحديدها بمصطلح واحد، أو تسميتها بكلمة واحدة، أو إدراجها تحت تصنيف واحد. فالهوية الإفريقية لا توجد كجوهر ثابت، بل تتشكل -في صورٍ شتى- من خلال سلسلة من الممارسات، ولا سيما ممارسات الذات “.
وبعد أكثر من عقدين على تحذير مبيمبي من اختزال الهوية الإفريقية في جوهر ثابت، يعيد بنجامين زكريا في كتابه “الشعب ما بعد الاستعماري” طرح السؤال ذاته من زاوية أكثر إثارة للجدل: ماذا يحدث عندما تتحول الهوية التي تشكلت في سياق مقاومة الاستعمار إلى عقيدة في الانتماء؟
يقدم بنجامين زكريا في كتابه رؤية نقدية جادة في النقاش الدائر حول نظرية ما بعد الاستعمار، وفكر إنهاء الاستعمار، وسياسات الهوية. صدر الكتاب عن دار Polity في مايو 2026، ويذهب فيه زكريا إلى أن بعض التيارات المعاصرة في الدراسات ما بعد الاستعمارية والدراسات التفكيكية للاستعمار انتهت، على نحو مفارق، إلى إعادة إنتاج بعض أنماط التفكير الجماعي التي تزعم في الأصل أنها جاءت لمقاومتها.
لا ينطلق زكريا من إنكار عنف الاستعمار أو التقليل من مشروعية مقاومته، بل من سؤال مختلف وأكثر إثارة لإعمال الفكر الواعي: ماذا يحدث حين تتحول الفئات التي أنتجها الاستعمار أو رسخها إلى هويات سياسية دائمة بعد انتهاء الحكم الاستعماري؟ وماذا يحدث حين تصبح الذاكرة الجماعية للاضطهاد، أو الانتماء إلى جماعة تعرضت تاريخياً للهيمنة، مصدراً شبه تلقائي للسلطة الأخلاقية والمعرفية؟
محتويات المقال
إشكالية القومية العضوية
ومن هنا تأتي أهمية كلمة Volk في عنوان الكتاب. فالمصطلح الألماني لا يعني ببساطة «الشعب»، بل يرتبط تاريخياً بالتفكير القومي الرومانسي وبتصور الجماعة باعتبارها كياناً عضوياً يجمع أفراده الأصل والثقافة والذاكرة والمصير المشترك. أي أنها باختصار تعني الأمة من حيث المعنى الثقافي الذي يختلف عن مفهوم الشعب بمعناه الإداري والسياسي.
ويرى زكريا أن بعض أشكال الفكر ما بعد الاستعماري المعاصر قد أعادت إنتاج بنية مشابهة، حتى وإن تغيرت المفردات. فبدلاً من عناصر الدم والأرض والعرق، أصبحت مفاهيم مثل الذاكرة الجماعية، والمظلومية الموروثة، والأصالة، والانتماء إلى الجنوب العالمي، قادرة في بعض الخطابات على أداء وظيفة مشابهة، أي تحويل الجماعة إلى ذات سياسية وأخلاقية متجانسة.
وقد لاقت هذه الأطروحة ردود فعل مؤيدة بحسبانها تقدم نقداً مهماً لسياسات الهوية وللنزعة التي تتعامل مع الجنوب العالمي وكأنه كيان سياسي متماسك. كما أن المجتمعات التي تنضوي عادة تحت عباءة هذه التسمية تختلف جذرياً في الطبقة والدين والتعليم واللغة والثروة والمصالح السياسية.
وهنا ينبغي التنبيه إلى خطورة تحويل موقع الضحية التاريخية إلى مصدر تلقائي للمشروعية السياسية أو الأخلاقية. ويبدو لي أن هذا الجانب من أطروحة زكريا من أكثر جوانب الكتاب إقناعاً. فمصطلح “الجنوب العالمي”، على الرغم من فائدته في توصيف علاقات القوة غير المتكافئة داخل النظام الدولي، قد يتحول بسهولة إلى إطار اختزالي يحجب التناقضات الهائلة بين المجتمعات التي يضمها.
ولا توجد بالضرورة وحدة سياسية أو أخلاقية تجمع دولاً ومجتمعات تختلف في بنياتها الطبقية، وأنظمتها السياسية، وتركيبتها الدينية والإثنية، ومستويات التنمية فيها، وعلاقاتها بالقوى الدولية.
والأهم من ذلك أن التاريخ المشترك للخضوع للاستعمار لا ينتج تلقائياً موقفاً سياسياً مشتركاً. كما أن الانتماء إلى مجتمع تعرض للاستعمار لا يمنح النخب السياسية أو الفكرية التي تتحدث باسمه حصانة من النقد. فالذاكرة الاستعمارية تظل عاملاً أساسياً لفهم توزيع القوة والثروة والفرص، ولكنها لا تستطيع وحدها تفسير كل علاقة سلطة معاصرة.
ومن هنا تصبح إشكالية الربط بين الموقع الجغرافي والمشروعية السياسية أكثر وضوحاً. فالدولة أو الحركة السياسية لا تصبح تحررية بالضرورة لمجرد أنها تنتمي إلى الجنوب العالمي، أو لأنها توظف خطاباً مناهضاً للاستعمار أو الهيمنة الغربية.
وقد تستخدم بعض النخب السياسية خطاب المظلومية التاريخية ومقاومة الهيمنة الخارجية لتبرير النزعة السلطوية في الداخل، أو إخفاء التفاوت الاجتماعي، أو إسكات جماعات أخرى باسم وحدة وطنية أو حضارية مفترضة. وعند هذه النقطة يصبح خطاب التحرر نفسه قابلاً لأن يتحول إلى أداة للسلطة.
التجربة الإفريقية
وتكتسب هذه المسألة دلالة خاصة في إفريقيا. فتاريخ دولة ما بعد الاستعمار يبين بوضوح أن انتقال السلطة من المستعمر إلى النخب الوطنية لم يكن يعني، في جميع الحالات، تفكيك أنماط السلطة التي أقامها الاستعمار.
وقد أعادت دول ونخب إفريقية في مراحل مختلفة إنتاج المركزية السياسية والإقصاء والتراتبية الاجتماعية، وإن استخدمت لغة سياسية مختلفة في تبريرها. ومن ثم فإن التعامل مع إفريقيا باعتبارها ذاتاً سياسية واحدة قد يحجب الانقسامات الداخلية المتعلقة بالطبقة والإثنية والدين والجندر وتوزيع الموارد وطبيعة الدولة.
غير أن التجربة الأفريقية تكشف في الوقت نفسه حدود أطروحة زكريا، أو على الأقل الحاجة إلى تطبيقها بحذر. ذلك أن الهوية الجماعية في السياق الإفريقي لم تكن دائماً تعبيراً عن انغلاق عضوي أو عن البحث عن أصالة نقية. لقد كانت، في كثير من الحالات، أداة لتجاوز الانقسامات التي عززها الاستعمار نفسه.وتعد تجربة كوامي نكروما مثالا مهما في هذا السياق.
فالقومية الغانية عند نكروما لم تتوقف عند إنشاء دولة وطنية تحل فيها نخبة إفريقية محل الإدارة الاستعمارية. كان مشروعه القومي الأفريقي الجامع، محاولة لتجاوز الحدود التي رسمها الاستعمار وبناء مفهوم سياسي للمواطنة والتضامن يتخطى الدولة القطرية ذاتها.
وتظهر الدراسات حول فكر نكروما أن تصوره للمواطنة والقومية الأفريقية كان محاولة لصياغة مفهوم غير أوروبي للانتماء السياسي، ولكنه ظل في الوقت نفسه في حوار دائم مع مفاهيم الحداثة والمواطنة العالمية. وهذا أمر مهم في تقييم أطروحة الشعب ما بعد الاستعماري.
فاستدعاء هوية أفريقية مشتركة لا يؤدي بالضرورة إلى بناء Volk شعب -أمة بالمعنى الذي ينتقده زكريا. عند نكروما، كانت إفريقيا مشروعاً سياسياً يتجاوز الانتماءات الإثنية والحدود الاستعمارية أكثر مما كانت تعبيراً عن جماعة عضوية مغلقة. لقد استخدمت الهوية الإفريقية، في هذه الحالة، لتوسيع دائرة التضامن لا لتضييقها.
وتقدم تجربة جوليوس نيريري في تنزانيا مثالاً أكثر تعقيداً. فقد استند مفهوم أوجاما، أي “العائلية” أو “الأسرة الممتدة”، إلى تصور للحياة الاجتماعية الأفريقية يقوم على التضامن والمسؤولية المشتركة والمساواة. وربما يبدو هذا للوهلة الأولى قريباً من النزعة التي ينتقدها زكريا في البحث عن نموذج اجتماعي أصيل سابق على الاستعمار.
إلا أن مشروع نيريري السياسي سعى في الوقت ذاته إلى بناء مواطنة تتجاوز الانقسامات العرقية والإثنية والدينية. وقد أشرنا في دراساتنا السابقة إلى التزامه بفكرة المساواة في المواطنة بغض النظر عن العرق أو الإثنية أو الدين. لكن التجربة التنزانية تكشف أيضاً مفارقة لا ينبغي تجاهلها. فقد اقترن هذا المشروع القائم على المساواة بسيطرة الحزب الواحد، وبسياسات قسرية لإعادة تنظيم الريف ضمن مشروع القرى الاشتراكية.
أي أن الخطاب الذي يسعى إلى بناء مجتمع أكثر مساواة يمكن أن يصطدم هو نفسه بمشكلة السلطة السياسية وحق الدولة في فرض تصورها للمجتمع. وهذه المفارقة أكثر فائدة، في تقديري، من الاختزال الذي يجعل مجرد استدعاء التراث أو الهوية الأفريقية دليلاً على النزعة الجوهرانية.
وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف المحتملة في كتاب زكريا. فهو مقنع حينما يحذر من تحويل الهوية إلى جوهر ثابت، لكنه يصبح أقل إقناعاً إذا اتسعت مسافة القياس بين الخطابات ما بعد الاستعمارية والتفكير القومي إلى الحد الذي يجعل أشكالاً مختلفة جداً من التعبئة الجماعية تبدو متشابهة لمجرد أنها تستند إلى الذاكرة أو الهوية. فالاختلاف في السياق التاريخي وعلاقات القوة أمر أساسي.
وهناك فرق بين حركة قومية نشأت في مواجهة نظام استعماري ينكر على الأغلبية حقوقها السياسية، وبين قومية عنصرية تسعى إلى تثبيت تفوق جماعة على أخرى. وقد تستخدم الحركتان لغة الجماعة والذاكرة، لكن التشابه البنيوي في اللغة لا يكفي لإثبات التطابق السياسي أو الأخلاقي بينهما.
تحرير المعرفة الإفريقية
وينطبق هذا بصورة خاصة على النقاش المعاصر بشأن إنهاء استعمار المعرفة. ففي الجامعات الأفريقية، لا يتعلق السؤال فقط بهوية الشخص الذي يتحدث، وإنما بتاريخ المؤسسات التي تحدد ما الذي يعد معرفة علمية، وما الذي يدخل في المقررات الدراسية، وما الذي يظل على هامشها.
وقد أظهرت حركة “سسيل رودس يجب أن يسقط” Rhodes Must Fall التي انطلقت من جامعة كيب تاون عام 2015 أن الاعتراض على تمثال سيسيل رودس كان مدخلاً إلى نقاش أوسع حول العنصرية المؤسسية، والوصول إلى التعليم، وطبيعة المناهج الجامعية، وموقع إفريقيا داخل إنتاج المعرفة.
كما جمعت الحركة بين القومية الإفريقية، والوعي الأسود، والنسوية الراديكالية السوداء، وهو ما يجعل اختزالها في شكل واحد من سياسات الهوية أمراً غير دقيق.
ومن ثم، فإن نقد خطاب إنهاء الاستعمار لا ينبغي أن يؤدي إلى إنكار استمرار آثار البنية الاستعمارية. يمكن الاتفاق مع زكريا في رفض الفكرة القائلة إن الانتماء إلى جماعة مضطهدة يمنح صاحبها بالضرورة معرفة أصدق أو سلطة أخلاقية أعلى.
التحدي الحقيقي أمام الفكر الإفريقي اليوم لا يكمن في الاختيار بين الذاكرة والنسيان، أو بين الخصوصية والكونية. وإنما في كيفية الاعتراف بالاختلاف التاريخي دون تحويله إلى قدر سياسي.
لكن ذلك لا يترتب عليه أن المطالبة بإعادة النظر في مركزية المعرفة الأوروبية داخل المؤسسات الأفريقية هي في حد ذاتها شكل من أشكال الانغلاق الهوياتي.
ويبدو أن التمييز الأكثر أهمية هنا هو بين مشروعين مختلفين تماماً. الأول يفهم إنهاء الاستعمار بوصفه توسيعاً لمجال المعرفة، بحيث تدخل أصوات وتجارب وتقاليد فكرية جرى تهميشها تاريخياً. أما الثاني فيفهمه باعتباره استعادة لأصالة ثقافية مفترضة، ويقيم شرعية المعرفة على هوية المتحدث أكثر مما يقيمها على قوة الحجة.
الأول قد يوسع مجال الكونية، أما الثاني فقد يستبدل مركزية بمركزية أخرى. وفي هذه النقطة تحديداً، تتقاطع أطروحة زكريا -إلى حدٍّ ما- مع الانتقاد الذي وجّهه الفيلسوف النيجيري أولوفيمي تايو لخطاب إنهاء الاستعمار، وهو تقاطعٌ يستحق التوقف عنده .
فكلا الطرحين يذهب إلى أن الإسراف في قراءة الواقع الأفريقي من زاوية الاستعمار وحدها قد يُفضي إلى نتيجة معاكسة لما هو مقصود منها، تتمثل في تضييق هامش الفعل التاريخي المستقل للأفارقة أنفسهم.
ذلك أن تحويل الاستعمار إلى مفتاح تفسيري شامل لكل مؤسسة قائمة، وكل إخفاق سياسي، وكل ظاهرة اجتماعية، يعيد إنتاج صورة الأفريقي بوصفه مفعولاً به لا فاعلاً، حتى داخل خطاب يُفترض فيه أصلاً أن يستعيد له فاعليته.
وهذه ربما إحدى أهم القضايا التي يثيرها الكتاب بالنسبة إلى الدراسات الأفريقية. فاستعادة الفاعلية الأفريقية لا تعني تجاهل الاستعمار، كما أن أخذ الاستعمار بجدية لا يعني تفسير كل شيء من خلاله. المطلوب هو الحفاظ على التوتر بين البنية والفاعلية، وبين التاريخ والمسؤولية السياسية المعاصرة.
لكن المنهج النقدي الذي يستخدمه زكريا ينبغي تطبيقه أيضاً على كتابه نفسه. فإذا كان «الجنوب العالمي» مفهوماً واسعاً يخفي فروقاً عميقة بين المجتمعات، فإن «الفكر ما بعد الاستعماري» ليس بدوره تقليداً فكرياً واحداً.
فهو يضم اتجاهات ماركسية، وقومية أفريقية، وفكر الوعي الأسود، ودراسات التبعية، والنظريات الثقافية، والتيارات التفكيكية المعاصرة. ولا تتبنى هذه الاتجاهات الموقف نفسه من الهوية أو الكونية أو الطبقة أو الدولة. ومن ثم، فإن جمعها تحت مظلة «الشعب ما بعد الاستعماري» قد يقع في المشكلة نفسها التي ينتقدها الكتاب، أي اختزال التعدد في فئة واحدة متجانسة.
ومع ذلك تكمن قيمة كتاب زكريا في تقديري، في أنه لا يسمح للقارئ بالركون إلى المسلمات المريحة. فهو يطرح أسئلة ينبغي أن تؤخذ بجدية:
- هل يمكن أن تتحول المظلومية التاريخية إلى مصدر دائم للسلطة الأخلاقية؟
- هل يمكن للهوية التي تشكلت في سياق الاضطهاد أن تتحول إلى إطار يفرض على أفراد الجماعة موقفاً سياسياً محدداً؟
- وهل يمكن للخطاب المناهض للإمبريالية أن يؤدي أحياناً إلى التغاضي عن السلطوية أو التفاوت أو القمع حين يمارسه فاعلون ينتمون إلى الجنوب العالمي؟
- لكن إفريقيا تفرض سؤالاً مقابلاً لا يقل أهمية: هل يمكن نقد سياسات الهوية من دون إفراغ التاريخ الاستعماري من مضمونه؟
- وهل يمكن الدفاع عن الكونية من دون العودة إلى كونية أوروبية اعتبرت نفسها تاريخياً المعيار الوحيد للعقل والحداثة؟
لهذا السبب، فإن الكتاب أكثر فائدة إذا قرئ باعتباره تحدياً فكرياً وليس حكماً نهائياً على المشروع ما بعد الاستعماري. فالتجربة الأفريقية تؤيد تحذيره من تحويل الهويات التاريخية إلى حقائق سياسية أبدية، لكنها تذكرنا أيضاً بأن بعض أشكال الهوية الجماعية كانت أدوات لتجاوز الانقسامات التي أنشأها الاستعمار، لا لإعادة إنتاجها.
ويبدو أن التحدي الحقيقي أمام الفكر الإفريقي اليوم لا يكمن في الاختيار بين الذاكرة والنسيان، أو بين الخصوصية والكونية. وإنما في كيفية الاعتراف بالاختلاف التاريخي دون تحويله إلى قدر سياسي، وكيفية مواجهة إرث الاستعمار دون السماح له بتحديد المستقبل، وكيفية بناء التضامن دون افتراض التجانس، وكيفية استعادة الفاعلية الأفريقية دون اختراع ذات إفريقية أصيلة وثابتة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية كتاب زكريا بالنسبة إلى القارئ الأفريقي. فهو يدفعنا إلى مساءلة اللحظة التي يمكن أن تتحول فيها لغة التحرر إلى عقيدة في الانتماء، لكنه يدفعنا أيضاً، ربما من حيث لا يقصد، إلى إعادة التفكير في نوع الكونية التي تحتاج إليها إفريقيا بحيث تصبح كونية لا تمحو التاريخ والاختلاف، ولا تجعل منهما في الوقت نفسه سجناً دائماً للهوية.











































