نظّمت مجلة “قراءات إفريقية”، الإثنين، ندوة بعنوان “تشاد بين تثبيت السلطة وإعادة تشكيل المعارضة: تحولات المشهد السياسي وآفاق المستقبل”، حاضر فيها الباحث التشادي صالح إسحق، بمشاركة نخبة من المحللين والباحثين المختصين بالشأن الإفريقي، الذين شاركوا في النقاش حول التحولات التي شهدها المشهد السياسي التشادي خلال السنوات الأخيرة، ومسارات العلاقة بين السلطة وقوى المعارضة، المدنية والمسلحة، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل البلاد.
تناولت الندوة التي امتدت جلستها قرابة ساعتين، تطورات النظام السياسي التشادي منذ الاستقلال، في ضوء طبيعة الدولة المركزية والتفاوت بين المركز والأطراف، وصولاً إلى انتقال السلطة عقب وفاة الرئيس إدريس ديبي، وما رافق المرحلة الانتقالية من ترتيبات عسكرية وسياسية، ومسارات للحوار والتفاوض مع قوى المعارضة، فضلاً عن إعادة تشكيل المشهد المعارض عبر الاستيعاب السياسي والتسويات، أو المواجهة والإقصاء.
كما ناقشت أدوار القوى المدنية والمسلحة التي شكلت مكونات المعارضة خلال المرحلة الانتقالية، وتداعيات التطورات التي شهدتها البلاد، إلى جانب ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الحكم والمعارضة خلال المرحلة المقبلة.
محاور ندوة قراءات إفريقية
الخلفية التاريخية وتطور نظام الحكم
في مستهل حديثه، تناول المتحدث صالح إسحاق، تشكُّل المشهد السياسي التشادي الحديث في ظل الاستعمار الفرنسي، الذي قال إنه رسّخ نظامًا إداريًا مركزيًا تفاوتت فيه مستويات النفوذ بين الأقاليم، مشيرًا إلى أنه بعد الاستقلال عام 1960، تولى فرانسوا تمبلباي الحكم 1960–1975م، واتجه نحو تركيز السلطة وتعزيز المركزية، ما أدى إلى تصاعد التوترات والتمردات المسلحة، بدءًا بانتفاضة منقلمي عام 1963م، مرورا بظهور جبهة التحرير الوطني لتشاد (FROLINAT) عام 1966م.
وفي 13 أبريل 1975، حسب إسحاق، أطاحت المؤسسة العسكرية بتمبلباي، وقُتل خلال الانقلاب، لتنتقل السلطة إلى فيليكس مالوم 1975–1979م.
ومع تصاعد الحرب الأهلية، تولى قوكوني وداي السلطة 1979–1982، قبل أن يطيح به حسين هبري في 7 يونيو 1982، الذي حكم حتى 1990، بينما أطاح به إدريس ديبي في 1 ديسمبر 1990، وحكم حتى مقتله في 20 أبريل 2021. وتولى ابنه محمد إدريس ديبي السلطة في اليوم نفسه، ثم أصبح رئيسًا للجمهورية عام 2024، وفق رصد الباحث (جدول 1).
| (1960–1975) | حكم | 14 سنة | أنقارتا تمبلباي |
| (1975–1979) | حكم | 4 سنوات | فليكس مالوم |
| (1979) | حكم انتقالي | 6 أشهر | لول محمد شوا |
| (1979–1982) | حكم | 3 سنوات | قوكوني وداي |
| (1982–1990) | حكم | 8 سنوات | حسين هبري |
| (1990–2021) | حكم | 31 سنة | إدريس ديبي إنتو خميس |
| (2021–2026) | انتقالي + حكم | 5 سنوات | محمد إدريس ديبي |
التكوين الديمغرافي: ثنائية المركز والهامش
وبالانتقال إلى التكوين الديمغرافي في تشاد بيَّن إسحاق أنه يتسم بتعدد إثني ولغوي وجغرافي، وأن البلاد تضم 23 إقليمًا، وقد انعكس هذا التنوع تاريخيًا في صورة ثنائية بين المركز والهامش، لافتًا إلى أن النفوذ السياسي والإداري قد تركز بصورة أكبر في العاصمة والمناطق الجنوبية الأكثر اتصالاً بمؤسسات الدولة، بينما ظلت مناطق واسعة من الشمال والشرق والأطراف أقل حضورًا في بنية السلطة.
وأسهم هذا التفاوت، وفق المتحدث، في تشكيل علاقات سياسية غير متوازنة، وجعل قضايا توزيع السلطة والثروة والتمثيل السياسي من أبرز محددات الصراع السياسي في البلاد.
الخلافة العسكرية- الوراثية
جاء انتقال السلطة عقب وفاة إدريس ديبي في صورة خلافة عسكرية ذات طابع وراثي، حسب إسحاق الذي أشار إلى أن عملية الانتقال تجاوزت الترتيبات الدستورية التي كانت تقضي بتولي رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) مهام الرئاسة مؤقتًا وإجراء انتخابات خلال 90 يومًا.
وسلط المتحدث الضوء على إعلان محمد إدريس ديبي قيادة مرحلة انتقالية مدتها 18 شهرًا تنتهي بتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة، قبل أن تمتد المرحلة إلى 24 شهرًا، وفي ختامها أُجريت انتخابات رئاسية في مايو 2024، انتهت بفوز ديبي بالرئاسة وسط انتقادات واسعة بشأن نزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ فرص المنافسة، لتتحول الرئاسة الانتقالية إلى حكم رئاسي مستمر، وتترسخ بذلك استمرارية السلطة العسكرية في إدارة الدولة بدل الانتقال إلى حكم مدني، حسب إسحاق.
الحوار الوطني وتقييد مسار الانتقال المدني
يقول إسحاق إن مسار التفاوض مع الفصائل المسلحة في الدوحة بدأ خلال مارس 2022، وانتهى في أغسطس 2022 بتوقيع اتفاق مع عدد من الحركات السياسية والعسكرية، أبرزها اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية (UFDD) واتحاد قوى المقاومة (UFR)، بينما رفضته جبهة التغيير والوفاق في تشاد (FACT) والمجلس العسكري لإنقاذ الجمهورية (CCSMR).
وقد أفضى ذلك، وفق المتحدث، إلى حوار وطني محدود التمثيل، جاءت مخرجاته أقرب إلى إدارة المرحلة الانتقالية منها إلى تأسيس انتقال مدني شامل. وصولًا إلى الحوار الوطني السيادي الذي انعقد في العاصمة نجامينا خلال الفترة من 20 أكتوبر إلى 8 نوفمبر 2022، والذي مثّل محطة رئيسية في إعادة ترتيب المشهد السياسي خلال المرحلة الانتقالية.
المعارضة المدنية: من المواجهة إلى الاستيعاب السياسي
وانتقل الباحث إسحاق إلى المرحلة الانتقالية الأخيرة التي تحولات في مكونات المعارضة المدنية، تراوحت بين المواجهة المباشرة مع السلطة، والمشاركة في العملية السياسية، وصولاً إلى التسويات التي أعادت توزيع مواقع بعض قوى المعارضة داخل مؤسسات الدولة.
سكسيه ماسرا وحزب “المحوّلون“
وشرح إسحاق كيف انتقلت قيادة سكسيه ماسرا حزب “المحوّلون”، قبل أن يُعيّن رئيسًا للوزراء في 1 يناير 2024 ضمن اتفاقه مع السلطة الانتقالية، لتنتهي مهمته في 22 مايو 2024، وفي 16 مايو 2025 أُلقي القبض عليه، وحُكم عليه في 9 أغسطس 2025 بالسجن 20 عامًا، على خلفية اتهامات مرتبطة بأحداث 20 أكتوبر 2022.
وفي 14 أغسطس 2026 صدر عفو رئاسي عنه، إلى جانب ثمانية من مسؤولي وقيادات الأحزاب السياسية، وأُفرج عنه في 15 أغسطس 2026، في حين يقتصر أثر العفو الرئاسي على العقوبة الجنائية المشمولة به، دون إلغاء الالتزامات أو الأحكام المدنية المترتبة على القضية.
ويعتقد إسحاق أن مسار ماسرا يمثل نموذجًا للتحول في علاقة بعض قوى المعارضة بالسلطة، من موقع المعارضة السياسية إلى المشاركة في مؤسسات الحكم، ثم العودة إلى دائرة الصراع السياسي والقضائي، بما يعكس طبيعة العلاقة المتغيرة بين السلطة والقوى المعارضة خلال المرحلة الانتقالية.
ديلو و”الاشتراكيون بلا حدود”
وبالانتقال إلى موقف حزب “الاشتراكيون بلا حدود”، تطرق إسحاق إلى موقف زعيم الحزب يحيى ديلو، الذي قال إنه اتخذ موقفًا معارضًا للسلطة الانتقالية، ففي 28 فبراير 2024 اندلعت مواجهات في نجامينا، أعقبها تطويق مقر الحزب من جانب القوات الحكومية، وانتهت بمقتل ديلو.
وتناول المتحدث كيف قدّمت السلطات مقتله باعتباره نتيجة للمواجهات المسلحة، بينما اعتبرت المعارضة الواقعة عملية اغتيال سياسي، لتشكل الحادثة نقطة بارزة في مسار الصراع بين السلطة والمعارضة خلال المرحلة الانتقالية.
تجمع “وقت تما”
وقد ارتبط مسار تجمع “وقت تما”، (Wakit Tama) حسب إسحاق بأحداث 20 أكتوبر 2022، التي شهدت احتجاجات واسعة ضد تمديد المرحلة الانتقالية، أعقبتها حملة أمنية واعتقالات وملاحقات قضائية طالت عددًا من قيادات التجمع.
كما اتخذت السلطات إجراءات شملت حظر أنشطته وإغلاق مكاتبه، فيما غادر بعض قياداته البلاد، وفق المتحدث، الذي أشار إلى أن التسويات السياسية التي اتجهت إليها بعض مكونات التجمع أسهمت في تراجع تماسكه ودوره كإطار جامع للمعارضة المدنية، بما أفقده جزءًا من الكتلة المدنية الموحدة التي كان يمثلها خلال مرحلة الاحتجاجات على تمديد الحكم الانتقالي.
حركةH23
يقول الباحث إسحاق إن حركة H23 ظهرت كتنظيم شبابي سري، عكس تنامي رفض قطاعات من الشباب التشادي للحكم العسكري وللأوضاع السياسية والاقتصادية والمعيشية، وقد حافظ التنظيم على طابعه السري خشية الملاحقة الأمنية، ليشكل أحد الأشكال الجديدة للحراك المعارض خارج الأطر السياسية والمدنية التقليدية.
ويعتقد المتحدث أن ظهور مثل هذه التنظيمات يعكس انتقال جزء من الحراك المعارض إلى مساحات أكثر سرية، في ظل تراجع قدرة الأطر التقليدية على استيعاب الاحتجاجات وتعبئة قطاعات جديدة من المجتمع.
المعارضة المسلحة: بين التفاوض والابتعاد عن التسوية
يرى صالح إسحاق أن المعارضة المسلحة خلال المرحلة الانتقالية شهدت مسارًا تفاوضيًا انتهى بتوقيع اتفاق الدوحة في أغسطس 2022 مع عدد من الحركات المسلحة، ثم مشاركتها في الحوار الوطني الشامل والسيادي في أنجمينا، الذي انطلق في أكتوبر 2022، لافتًا إلى أن ذلك أسهم في إدماج جزء من الفصائل المسلحة في العملية السياسية، بينما واصلت حركات أخرى، أبرزها جبهة التغيير والوفاق في تشادFACT موقفها خارج مسار التسوية (جدول 2)
سيناريوهات مستقبلية
في ضوء التحولات التي شهدها المشهد السياسي التشادي، يطرح الباحث صالح إسحاق ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار العلاقة بين السلطة والمعارضة، تتفاوت في درجة ترجيحها وفق طبيعة التوازنات السياسية والأمنية خلال المرحلة المقبلة.
السيناريو الأول: استمرار تثبيت السلطة وإعادة احتواء المعارضة
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، إذ يرجح إسحاق استمرار مركزية السلطة السياسية، مع إعادة تشكيل المعارضة عبر الاستيعاب السياسي والتسويات وإعادة توزيع المواقع داخل مؤسسات الدولة.
وقد أظهرت المرحلة الانتقالية قدرة السلطة على دمج بعض القوى المعارضة، مقابل إضعاف أو تفكيك قوى أخرى، الأمر الذي يرجح استمرار نموذج يجمع بين تثبيت السلطة واحتواء المعارضة، بدل انتقالها إلى موقع منافس فعلي على السلطة، وفق قوله.
السيناريو الثاني: تصاعد المعارضة والعودة إلى التوتر السياسي والأمني
يرى إسحاق في هذا السيناريو احتمال التصعيد قائمًا مع استمرار وجود قوى معارضة خارج العملية السياسية، وظهور تنظيمات جديدة، بعضها يمتلك أجنحة عسكرية.
وقد يؤدي استمرار الاحتقان السياسي والاقتصادي وتراجع قنوات المشاركة إلى انتقال المعارضة من الاحتجاج السياسي إلى أشكال أكثر حدة من المواجهة، بما يعيد إنتاج العلاقة الصراعية بين السلطة والمعارضة المسلحة والمدنية، وفق قوله.
السيناريو الثالث: تسوية سياسية وإعادة بناء التوافق الوطني
وهو السيناريو الأقل ترجيحًا في المدى القريب، حسب رؤية إسحاق، الذي يرى أنه هذا السيناريو يقوم على توسيع دائرة المشاركة السياسية، وإعادة دمج القوى المعارضة، وفتح مسار تفاوضي أكثر شمولًا، بما يسمح بإعادة بناء التوافق حول قواعد المنافسة السياسية والمؤسسات الدستورية، ويظل تحقق هذا المسار مرتبطًا بوجود إرادة سياسية من السلطة والمعارضة للانتقال من إدارة الصراع إلى بناء توافق وطني مستدام، حسب المتحدث.
وفي نهاية حديثه، قال إسحاق، إنه في ضوء المعطيات السابقة، يبدو أن المرحلة المقبلة ستتحدد وفق قدرة النظام السياسي على إدارة التوازنات بين تثبيت مؤسسات الحكم واستيعاب التعدد السياسي، مع بقاء مسارات الاحتقان والتسوية رهينة بتطور العلاقة بين السلطة والقوى المعارضة(المدنية والمسلحة)، وكذا مدى انفتاح المجال العام أمام المشاركة السياسية.
مداخلات ونقاشات
في ختام الندوة، شهدت الجلسة نقاشًا مفتوحًا، تركزت خلاله مداخلات الحضور حول عدد من القضايا المرتبطة بمستقبل النظام السياسي في تشاد، وطبيعة العلاقة بين السلطة والقوى المعارضة، إلى جانب السيناريوهات المحتملة لمسار العملية السياسية خلال المرحلة المقبلة.











































