عرض رئيس وزراء السنغال أحمدو الأمينو لو، الذي عُيّن في 25 مايو/أيار الماضي، بيان السياسة العامة لحكومته أمام الجمعية الوطنية، الثلاثاء 8 سبتمبر/أيلول 2026، في خطاب شكّل خارطة الطريق الرسمية للسلطة التنفيذية خلال المرحلة المقبلة.
ورغم أن عرض بيان السياسة العامة يُعد إجراءً مؤسسياً، فإن جلسة البرلمان اكتسبت طابعاً سياسياً لافتاً، في ظل التوترات القائمة بين الرئيس باشيرو ديوماي فاي ورئيس الجمعية الوطنية عثمان سونكو، والتي انعكست خلال الأشهر الماضية على تماسك السلطة الحاكمة.
وعلى مدى أكثر من ساعتين، استعرض الأمينو لو أولويات حكومته أمام البرلمان، بحضور سلفه عثمان سونكو، الذي يشغل حالياً منصب رئيس الجمعية الوطنية، ويُعرف بانتقاداته الحادة للحكومة.
وأقر رئيس الوزراء بحساسية الظرف السياسي، مؤكداً أن “المؤسسات في السنغال تعلو على الأشخاص”، في محاولة للتأكيد على أولوية مؤسسات الدولة في إدارة المرحلة الحالية.
وقال إن السنغال يجب أن تسدد متأخرات مدفوعات بمليارات الدولارات كجزء من الجهود الرامية إلى إصلاح المالية العامة للبلاد. وأضاف أن هذه المتأخرات – التي بلغت 1.956 تريليون فرنك إفريقي (3.5 مليار دولار) بحلول مارس 2025 – تهدد بعرقلة النشاط الاقتصادي في السنغال والتسبب في فقدان الوظائف.
ويواجه الأمينو لو تحدياً يتمثل في الحصول على دعم الشارع والبرلمان، الذي تهيمن عليه حركة “باستيف” بقيادة سونكو، مع محاولة الحفاظ على التوازن بين معسكري الرئيس فاي ورئيس البرلمان سونكو، في ظل الخلافات التي أدت إلى تصدع العلاقة بين الرجلين خلال الأشهر الماضية.
وسعى رئيس الوزراء إلى التأكيد على استمرارية توجهات حركة “باستيف”، متعهداً بمواصلة تنفيذ البرنامج الاقتصادي “السنغال 2050″، الذي أطلقه فاي وسونكو عندما كانا يعملان ضمن معسكر سياسي واحد، لكنه في الوقت نفسه أبدى استعداداً لاتخاذ مواقف تتعارض مع بعض توجهات معسكر سونكو.
وانتقد الأمينو لو حالة الاستقطاب السياسي، قائلاً في مستهل خطابه: “أأسف لحالة الانقسام السياسي الحاد والعنف اللفظي”، داعياً إلى “وضع مصلحة البلاد فوق أي معسكر بعينه”.
كما ركز رئيس الوزراء على الملف الاقتصادي، ولا سيما أزمة الديون والمفاوضات المرتبطة بالحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي، في محاولة لطمأنة السنغاليين بشأن قدرة الحكومة على إدارة الوضع المالي الصعب دون تحميل الفئات الأكثر هشاشة أعباء إضافية.
وتواجه السنغال مستويات مرتفعة من الدين العام، وصلت إلى نحو 132% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تشير فيه الحكومة إلى أن نحو 8 ملايين شخص، أي ما يقارب 40% من السكان، يعيشون في أوضاع من الفقر أو الهشاشة.
وقال الأمينو لو إن السنغال “بلد فقير ومثقل بالديون حالياً”، مؤكداً أن الحكومة “لا تملك الحق في دفن رأسها في الرمال أو الانخراط في هروب متهور من الواقع”.
وأشار إلى أن الاقتصاد سجل نمواً بنسبة 2.2% في عام 2025، مقابل معدل نمو سكاني يقارب 3%، ما يعني، بحسب تقديره، أن البلاد أصبحت أكثر فقراً. وأضاف أن الوضع تفاقم نتيجة ضعف الإيرادات الضريبية مقارنة بالتوقعات، إلى جانب تداعيات ما وصفها بـ”الصدمة النفطية” المرتبطة بالحرب في إيران.
وفي مواجهة هذه التحديات، أكد رئيس الوزراء أن الحكومة مضطرة إلى إعادة هيكلة جزء من ديون السنغال والتفاوض مع الدائنين، بهدف تخفيف الضغوط على المالية العامة.
ودافع الأمينو لو عن التعاون مع صندوق النقد الدولي، مؤكداً أن التدابير التي يطلبها الصندوق للحصول على التمويل، ومن بينها تعزيز الإيرادات الضريبية وتحسين توجيه الدعم، تتطابق في جوهرها مع الإجراءات الواردة في خطة التعافي المالي لحركة “باستيف”.
وقال في هذا الصدد: “الاكتفاء الذاتي المطلق غير موجود؛ نحن بحاجة إلى العالم الخارجي. يجب علينا إعادة التواصل مع المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي؛ ففي النهاية، نحن أعضاء في الصندوق”.
وشدد رئيس الوزراء على أن الحكومة لن تتبنى إجراءات تقشفية قاسية، قائلاً: “لن نضحي بمصالح السنغال”، ومؤكداً أن المرحلة المقبلة لن تشهد تكراراً لإجراءات التقشف التي عرفتها البلاد في ثمانينيات القرن الماضي.
وأوضح أن الحكومة ستلتزم، بدلاً من ذلك، بالإجراءات الواردة في برنامج “الرئيس ديوماي”، محذراً في الوقت ذاته من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يؤدي إلى مزيد من خفض التصنيف الائتماني للسنغال.
كما تعهد بعدم تقليص الإنفاق الاجتماعي أو المساعدات الموجهة إلى نحو 8 ملايين سنغالي يعتمدون عليها، مؤكداً أن الحكومة ستعمل على إصلاح المالية العامة بصورة “عقلانية”، مع مواصلة المسار الذي بدأه رئيس الوزراء السابق عثمان سونكو.
ورغم الخطاب المطول، الذي استمر نحو ساعتين ونصف، لم يحظَ طرح رئيس الوزراء بتأييد جميع النواب، إذ اعترض أكثر من 54 نائباً من حركة “باستيف” علناً على عدد من توجهاته، ولا سيما قراره إعادة التفاوض بشأن ديون البلاد بدلاً من مواصلة الإصلاحات المالية التي بدأها عثمان سونكو.
ووجه نواب من “باستيف” انتقادات حادة إلى الأمينو لو، متهمين إياه بالخضوع لما وصفوه بـ”إملاءات الإمبريالية وصندوق النقد الدولي”.
كما لم يتمكن تعهد رئيس الوزراء بمواصلة تنفيذ برنامج “السنغال 2050″، بالتوازي مع إجراءات الإصلاح المالي، من إقناع عدد من أعضاء الحركة، خاصة فيما يتعلق بخطط إلغاء المؤسسات التي تستنزف الميزانية وضبط فاتورة أجور القطاع العام.
وقال الحاج عثمان فال، وهو مسؤول منتخب عن “باستيف” في دكار، إن طرح رئيس الوزراء لم يكن مقنعاً، موضحاً: “لقد قال إنه سيغير نهجه؛ ولهذا السبب نحن غير مقتنعين. فهناك الكثير من التناقضات”.
كما أبدى مصطفى ساري، أحد المستشارين الخاصين لعثمان سونكو، تحفظاته على خطة الحكومة، معتبراً أن إعادة هيكلة جزء من الديون تمثل خطأً، ومحذراً من تداعياتها المحتملة على سيادة البلاد.
وقال ساري إن السنغال كانت تحقق إيرادات تقارب 173 ملياراً، وإن الحكومة كانت تسير في الاتجاه الصحيح، مضيفاً أنه كان ينبغي منح مزيد من الوقت لخطة التعافي الاقتصادي والاجتماعي قبل اللجوء إلى إعادة هيكلة الديون.
من جهته، رأى تحالف “تاكو والو” المرتبط بالرئيس السابق ماكي سال أن خارطة الطريق التي قدمها رئيس الوزراء لا تتضمن جديداً، إذ انتقد النائب عبدو مبو غياب التوجهات الواضحة والالتزامات الملموسة.
وقال مبو إن رئيس الوزراء قدم بيان السياسة العامة من دون الإعلان عن التزامات جديدة، باستثناء إجراءات سبق أن خطط لها عثمان سونكو ولم يتمكن من تنفيذها، مضيفاً أن الحكومة لا تملك، بحسب رأيه، سوى “الشعارات والأماني”.
وفي ختام المناقشات التي استمرت نحو ثماني ساعات، تعهد عثمان سونكو بأن تخضع جميع الاتفاقيات الدولية التي تبرمها السنغال، بما فيها الاتفاق المرتبط بصندوق النقد الدولي، للرقابة البرلمانية.
ورغم حدة النقاشات والانتقادات التي واجهت رئيس الوزراء، لم يتضمن ختام الجلسة أي إعلان بشأن احتمال طرح مذكرة لحجب الثقة عن الحكومة.
وفي الأسبوع الماضي، أعلن صندوق النقد الدولي والسنغال عن التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن حزمة قروض بقيمة 2.2 مليار دولار تمتد لثلاث سنوات. وكان برنامج سابق لصندوق النقد الدولي قد عُلِّق في عام 2024 بعد الكشف عن عدم دقة الإبلاغ عن بيانات الديون في عهد الحكومة السنغالية السابقة.
وكانت وزارة الاقتصاد والمالية السنغالية قد ذكرت الأسبوع الماضي أنها وافقت على “إطار عمل مشترك معزز” لاستعادة “استدامة الديون”، مشيرة إلى أن الديون المقومة بفرنك منطقة وسط إفريقيا (CFA) ستُستثنى من عملية إعادة الجدولة هذه. ليس من الواضح تماماً ما الذي تقصده السنغال بعبارة “الإطار المشترك المُعزَّز”، كما أن داكار لم تقدم سوى تفاصيل شحيحة حول خططها.
ويُعد “الإطار المشترك” لمجموعة العشرين آليةً أُنشئت خلال الجائحة لتنسيق عمليات إعادة هيكلة الديون بين الدائنين الرسميين، بمن فيهم أعضاء “نادي باريس” وجهات الإقراض الأحدث عهداً مثل الصين.
ورغم أن هذا الإطار يهدف إلى تسريع وتيرة تخفيف أعباء الديون وضمان معاملة متكافئة بين الدائنين، إلا أنه واجه انتقادات بسبب طول أمد المفاوضات وضبابية النتائج.











































