تُعدّ قمة البريكس الثامنة عشرة، التي عُقدت في الهند خلال الفترة من 12 وحتى 13 سبتمبر 2026م، تحت شعار «البناء من أجل الصمود، والابتكار والتعاون والاستدامة» منعطفاً في صياغة النظام الدولي في حقبته التي يرى البعض أنها انتقالية وذلك في ظل تسارع التآكل في الاحتكار الغربي لأدوات الحوكمة المالية والنقدية، وارتفاع تكاليف الأزمات المتتالية.
وهنا تجد قارة إفريقيا نفسها أمام تجاذبات إستراتيجية نحو تعميق الشراكة مع تكتل يضم أكثر من ثلث الناتج الإجمالي العالمي بالقوة الشرائية.
وقمة نيودلهي لا تقتصر على كونها امتداداً لتوسعات قمم سابقة، بل تمثل محطة لقياس واختبار مدى انتقال التكتل من تجمع يبدو وكأنه سياسي يترجم السخط على الهيمنة الأحادية، إلى مظلة عمل تنفيذية في مجالات التمويل وأمن المعادن والتحوّلين الرقمي والمناخي.
وتكتسب مقاربة إفريقيا فيه طابعاً مركّباً؛ يجمع بين محاولة تنويع الشراكات وتجنب الاصطفافات الجيوسياسة، ومخاوف إعادة إنتاج أنماط التبعية بصيغة شرقية جنوبية جديدة.
ومن هذا المنطلق، تسعى المقالة إلى الإجابة عن تساؤل متوقع، وهو ماذا أضافت قمة نيودلهي إلى بلدان القارة الإفريقية الأعضاء وغير الأعضاء، وما هي تلك المكاسب والتحديات التي تعوق تحقيقها؟
محتويات المقال
أولاً: الحضور الإفريقي في قمة البريكس في نيودلهي 2026
تجاوزت مشاركة إفريقيا في نيودلهي منطق الحضور الشرفي أو التمثيل البروتوكولي البحت، لتتحول إلى تموضع إستراتيجي متدرج، يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة التكتلات الصاعدة، حيث بدأ يتبلور موقع للقارة الإفريقية عبر دوائر تمثلت في وجود عضويات كاملة باعتبارها تشكل النواة الصلبة، ودائرة شركاء إستراتيجيين يختبرون جدوى الاقتراب دون أعباء الالتزام المطلق، وغطاء قاري مؤسسي يربط أجندة التكتل بأجندة الاتحاد الإفريقي 2063.
هذا التدرج يكشف عن براجماتية إفريقية تسعى إلى مسك العصا من المنتصف، وتتجنب الاصطفاف الجيوسايسي المكلف، أو تسعى لمعرفة من أين تؤكل الكتف، مع الحفاظ على شبكة أمان مع الغرب، والاحتياط للتحولات القطبية بشراكات آسيوية وروسية وازنة[1].
إن تصنيف الحضور الإفريقي بهذا الشكل يمثل رؤية ذكية تتفادى تكرار أخطاء الاتحاد الأوروبي في تمدده السريع، واتكاليته الأمنية، لكنه في الوقت ذاته يخلق تراتبية في النفوذ داخل القارة نفسها. فالقاهرة وأديس أبابا وبريتوريا تستحوذ على صياغة الأجندة، بينما تظل نيجيريا وأوغندا في موقع المراقب، وهو ما يتطلب من الاتحاد الإفريقي فرض آلية تنسيق قارية موحدة، قبيل كل قمة للتكتل، لضمان عدم الاستفراد بملفات ثنائية تفتت الموقف القاري، أو يجنح أحدها لمصالحه على حساب القارة[2].
والمتتبع لتطور تلك التكتلات العالمية، يجد أن هذا التموضع غير المستقر في البريكس لدول القارة حدث مثيله في قمة العشرين 2024[3]، ويمكن ترجمته في وجهتي نظر رئيستين؛ إحداهما ترى فيه عودة الصراع على مناطق النفوذ بين معسكرين رئيسين متمثلين في البريكس من ناحية، ومجموعة العشرين ومن داخلها مجموعة السبع من ناحيةٍ أخرى. والرأي الآخر يرى أنه من الممكن أن تستغل القارة هذا التكالب- مع قراءاتها للتاريخ جيداً- في تحقيق أقصى مكاسب ممكنة.

ثانياً: قراءة في الإعلان الختامي لقمة نيودلهي، وموقع إفريقيا منه
استناداً إلى إعلان نيودلهي[4] الصادر عن قمة بريكس الثامنة عشرة، تمثلت أبرز مخرجات الإعلان ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة بالجنوب العالمي وإفريقيا فيما يلي:
▪ إصلاح الحوكمة الدولية ومجلس الأمن: دعم شامل لزيادة تمثيل الدول النامية في هياكل صنع القرار العالمي ومجلس الأمن.
▪ تمويل التنمية وبنك التنمية الجديد: التأكيد على دور البنك في تمويل مشروعات البنية التحتية المستدامة والطاقة النظيفة، مستنداً إلى محفظة تمويلية تجاوزت 42.9 مليار دولار عبر 139 مشروعاً.
▪ التسوية بالعملات المحلية: التشجيع المستمر على تعزيز قابلية تشغيل نظم المدفوعات عبر الحدود، واعتماد التسويات التجارية بالعملات المحلية وفق ظروف كل دولة، بما يخفف أعباء النقد الأجنبي.
▪ الأمن الصحي والغذائي: تفعيل أطر الإنذار المبكر للأمراض المعدية ومواءمة تنظيم المنتجات الطبية، بجانب دعم الزراعة المقاومة للتغير المناخي، وتحقيق الأمن الغذائي المستدام.
▪ التكامل المؤسسي والدولي: دعم تطلعات البلدان النامية في التكامل المؤسسي، وتوسيع شراكات البريكس مع دول الجنوب. وقد تركزت النقاشات فيما يتعلق ببند التكامل التفاوضي وتفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية إلى ضرورة تجنب تشتت الجهود الإفريقية؛ فدخول كل دولة إفريقية بمفردها للتفاوض مع عمالقة «بريكس» يضعها في موقع تفاوضي ضعيف يدفعها للتنافس على فتات الاستثمارات.
ومن بين طيات بنود الإعلان يمكن قراءة موقع بلدان القارة منه، في السياق التالي:
1- المكاسب الإستراتيجية.. تراكم القوة الناعمة والتمثيل:
على المستوى السياسي تمثل القمة مرآةً لتراكم النفوذ الدبلوماسي للجنوب العالمي في مواجهة سرديات الهيمنة الغربية. فقد نجحت الدبلوماسية الإفريقية في تحويل المظلومية التاريخية، التي تجسدت في تهميش أصوات الجنوب، إلى مطالب مؤسسية صريحة داخل إعلانات قمم التكتل، ولا سيما فيما يخص إصلاح مجلس الأمن وكسر احتكار صنع القرار العالمي. وقد منح الدعم الآسيوي للتطلعات الإفريقية القارة رصيداً معنوياً، غير أن هذا الرصيد يبقى محكوماً بمدى قدرة التكتل على تحويل الخطابات إلى أدوات ضغط ملزمة في المحافل الدولية[5].
ولكن هذا الدعم لم يُترجم حتى الآن إلى ضغط صارم داخل الأمم المتحدة لتعديل ميثاقها. ولكن على إفريقيا ألا تضع البيض في سلة واحدة وتضع رهانها الإستراتيجي على وعود الإصلاح الآسيوية التي تحكمها مصالح جيوسياسية متغيرة مع واشنطن وبروكسل[6].
2- المكاسب والفرص الاقتصادية والمالية.. ما بعد الشعارات:
تسعى مجموعة بريكس بشكل واضح إلى إعادة صياغة قواعد التجارة العالمية وحركة رؤوس الأموال، بهدف كسر الهيمنة المطلقة للدولار والتخلص من الشروط الصارمة التي تفرضها مؤسسات بريتون وودز. وفي ظل هذا التحول تبدو القارة من أكبر المستفيدين المحتملين، ولا سيما في ضوء ما تواجهه من أزمات تمويلية خانقة لمشروعات البنية التحتية والمناخ. ومن هذا المنطلق، يمثل التوجه نحو الاعتماد على العملات المحلية، طوق نجاة ونفساً جديداً لانتعاش اقتصادها.
بالإضافة إلى ذلك، تتجه الرؤية الجديدة إلى ربط المعادن الإستراتيجية اللازمة للانتقال الطاقي بالتصنيع المحلي بدلاً من تصديرها كمواد خام، مما يعيد رسم ملامح الدور الإفريقي في الاقتصاد الأخضر العالمي. وهذا التحول لا يحمي ثرواتها من الاستنزاف فحسب، بل ينقلها من مربع التبعية الاستهلاكية إلى جعلها شريكاً فاعلاً وأصيلاً في سلاسل القيمة المضافة العالمية[7].
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الفرص الاقتصادية تظل مقيدة بالبنية التحتية المصرفية واللوجستية، إذ تواجه مبادرات التسوية بالعملات المحلية عقبات واقعية، حيث تفتقر أغلب البنوك المركزية الإفريقية إلى قنوات مقاصة مباشرة مع الصين أو الهند، مما يجعلها تعتمد على الدولار أو اليورو[8].

ثالثاً: التحديات والعوائق الهيكلية: فجوة الواقع والتطلعات
يقبع خلف البيان الختامي لقمة البريكس تحديات بنيوية شديدة تعكس الموازين بين عمالقة التكتل والاقتصادات الإفريقية المتواضعة. فغياب آليات حاسمة وفورية لإعادة هيكلة أو إسقاط الديون السيادية، إلى جانب مخاطر الإغراق السلعي من القوى الصناعية الآسيوية الكبرى، الذي يهدد بالقضاء على الصناعات التحويلية المحلية، بالإضافة إلى تداعيات الاستقطاب الجيوسياسي العالمي، حيث تُعتبر كلها عوامل تضع القارة أمام معادلة صفرية.
فالاندفاع نحو العملات المحلية في التسوية التجارية دون الاستناد إلى قواعد نقدية متينة وصلبة، قد يؤدي في النهاية إلى هيمنة ونفوذ مطلق لصالح العملات الأكثر قوة داخل التكتل على حساب السيادة النقدية الإفريقية[9]، ومن ثَمّ الوقوع في شباك التبعية الغربية، التي لم تتخلص منها بعد.
وقد رد في الوثيقة الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الهندية التأكيد على أهمية تطوير سلاسل توريد للمعادن الحرجة تتسم بالمرونة والاستدامة والعدالة، مع احترام سيادة الدول على مواردها.
وقد أشارت تحليلات السياسات الدولية إلى أن المفاوضات الإفريقية في القمة ركزت بصرامة على رفض استنزاف خامات الليثيوم والكوبالت دون تحقيق قيمة مضافة، ومطالبة الشركاء الآسيويين بتوطين التكنولوجيا والصناعات التحويلية داخل القارة[10]، بينما أصرت الدول الإفريقية الأعضاء، بدعم من القادة، على ربط هذه السلاسل بضرورة احتفاظ الدول الغنية بالموارد بسيادتها الكاملة على ثرواتها، ورفض الاكتفاء بدور «المورد الأبدي للخامات الأولية».
فإذا قبلت العواصم الإفريقية دور المورد الأبدي للمعادن والطاقة بأسعار تسوية مدعومة سياسياً دون شروط إجبارية لنقل تكنولوجيا التصنيع، فسنشهد استبدال الهيمنة الغربية (التي تربط التمويل بالإصلاح السياسي) بالهيمنة الشرقية (التي تربط التمويل بالاستحواذ الإستراتيجي على الموارد والصناعات المستخرجة).
إن التحدي الحقيقي ليس في الانضمام، بل في «شروط التعاقد البيني»[11]، وهو ما تفعله أمريكا أيضاً في إعادة صياغة علاقاتها مع القارة[12]، فبينما فطنت إليه أوروبا من خلال اتفاقية الشراكة المعززة[13] بين أوروبا و4 دول إفريقية جزرية. محاولة كسب ود بلدان القارة، واختبار علاقة النفع المتبادل. أو الصين أيضاً بشكل منفرد بعيداً عن التكتل من خلال معاملة صفر جمارك[14]، في مواجهة الحمائية الأمريكية.
خاتمة
كانت قمة نيودلهي اختباراً للوعود، ومحطة للواقع التنفيذي، حيث جاءت بعد مراحل انضمام بلدان القارة في قمم 2023 و2024 و2025م، لتضع تلك الأخيرة أمام الحقيقة المجردة؛ هل ستتحول هذه الشراكات إلى أرقام ومكاسب تنموية حقيقية أم ستظل مجرد خطابات في القاعات؟
والحقيقة أنها مثلت ورقة ضغط مهمة توازن بها القارة علاقاتها الدولية، فالرهان اليوم ليس تجفيف العلاقة بالغرب لصالح الشرق، أو للجنوب في مواجهة الشمال، ولا تضخيم الآمال بلا حساب، بل إدارة العلاقات بنفعية حذرة.
ولتحقيق أقصى منفعة يجب أن تتحرك إفريقيا بمنطق تكاملي، تبدأ فيه بإصلاح وتنسيق الداخل أولاً، إذ إن التجارة بالعملات المحلية أو الاستفادة من تمويلات بريكس لا تُعفي أي دولة من توفير مناخ استثماري ومحاربة الفساد؛ فالقوة الحقيقية تبدأ من إنتاج محلي حقيقي لا من قوة عملة مشتركة. يرافق ذلك رفض دور المورد الخام، عبر إلزام الشركاء الآسيويين بنقل التكنولوجيا وتوطين صناعة البطاريات والمعادن الحرجة داخل القارة.
كما يجب دعم وتوسيع التكتل بانضمام اقتصادات كبرى في القارة مثل نيجيريا وأوغندا، بشرط أن يتحول التكتل إلى تكتل اقتصادي أكثر وليس منصة شعارات، والأهم ربط مخرجاته بتطبيق منطقة التجارة الحرة القارية كما تعمل الصين والهند بربطه بطرقها التجارية الإستراتيجية.
ويبقى الإنجاز الحقيقي في نيودلهي أن إفريقيا جلست على الطاولة، لكن البقاء الرابح مرهون بشروط التعاقد وبناء مناعة تحمي اقتصاد إفريقيا من الوقوع في تبعية جديدة.
المراجع والإحالات:
[1] State Information Service (SIS), Egypt’s Participation in the 18th BRICS Summit in New Delhi, Egypt SIS, https://sis.gov.eg/en/media-center/events/egypt-s-participation-in-the-18th-brics-summit-in-new-delhi/.
[2] Gurjit Singh, “Africa at BRICS New Delhi: What It Contributed and What It Gained,” Capital Ethiopia, September 20, 2026, https://capitalethiopia.com/2026/09/20/africa-at-brics-new-delhi-what-it-contributed-and-what-it-gained/.
[3]إفريقيا ومجموعة العشرين: من التهميش إلى بداية التموضع (2010-2024م)
[4] https://www.brics2026.gov.in/about-us/?utm_source=gemini
[5] Al Jazeera, BRICS Summit 2026: What Are the Key Takeaways, September 13, 2026, https://www.aljazeera.com/news/2026/9/13/brics-summit-2026-what-are-the-key-takeaways.
[6] Government of India, BRICS New Delhi Declaration: Building for Resilience, Innovation, Cooperation and Sustainability, September 12, 2026, Ministry of External Affairs, https://www.mea.gov.in/bilateral-documents?dtl/41776/BRICS_New_Delhi_Declaration_Building_for_Resilience_Innovation_Cooperation_and_Sustainability_September_12_2026
[7] African Leadership Magazine, BRICS 2026 Summit: Africa’s Defining Battle for Global Order, https://www.africanleadershipmagazine.co.uk/brics-2026-summit-africas-defining-battle-for-global-order/.
[8] TV BRICS, Expert: BRICS Offers New Opportunities to Boost Economic Growth in Africa, https://tvbrics.com/ar/news/expert-brics-offers-new-opportunities-to-boost-economic-growth-in-africa/.
[9] Time, BRICS China India New Delhi Summit America, September 11, 2026, https://time.com/article/2026/09/11/brics-china-india-new-delhi-summit-america/.
[10] “What Did Africa Actually Get from BRICS?,” Time (Africa), September 14, 2026, https://africa.time.com/global-south/what-did-africa-actually-get-from-brics/.
[11] Government of India. Op.cit.
[12]القمة الأمريكية الإفريقية المُصغّرة: الشَّراكة بدلًا من المعونة
[13]قراءة في اتفاقية الشراكة المعززة بين أوروبا و4 دول إفريقية جزرية
[14]تداعيات وآثار معاملة “صفر جمارك” الصينية على صادرات إفريقيا











































