تشهد النظم الديمقراطية حول العالم ضغوطاً متزايدة تثير تساؤلات حول قدرتها على الاستمرار في تلبية تطلعات المواطنين، ولا تبدو إفريقيا استثناءً من هذه الحالة؛ فعلى الرغم من إجراء 26 انتخاباً رئاسياً خلال عامي 2024 و2025م، فإن تصاعد الانقلابات على السلطات المنتخبة، بالتوازي مع تنامي حالة عدم رضا المواطنين، يعكس فجوةً متزايدة بين أداء تلك النظم وتطلعات الشعوب، ويعيد طرح مسألة المساءلة وفاعلية المؤسسات المنتخبة، خاصة مع اهتمامات ومواقف الشباب الإفريقي تجاه مستقبل الديمقراطية في القارة.
وتتضاعف أهمية هذه التساؤلات داخل القارة الإفريقية في ظل التركيبة السكانية الشابة- إذ تضم القارة نحو 532 مليون شاب، تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاماً- التي تجعل من مواقف الأجيال الجديدة تجاه الديمقراطية مؤشراً مهماً على مستقبل النظم السياسية في القارة. ومن هنا تبرز أهمية التعرف على رؤى الشباب الأفارقة بشأن واقع الديمقراطية في بلادهم، وحدود النماذج القائمة وما يتطلعون إلى تغييره فيها.
من هذا المنطلق، أصدرت مؤسسة مو إبراهيم Mo Ibrahim Foundation في يوليو 2026م نتائج مسح أجرته بمشاركة 63 شاباً من 27 دولة إفريقية، من بينها عدد من أكثر دول القارة اكتظاظاً بالسكان، بما في ذلك تمثيل مختلف أقاليم القارة.
واستهدف المسح استكشاف تصورات الشباب الإفريقي عن الديمقراطية، وتعريفهم لها، ورؤيتهم لأوجه القصور في النماذج الديمقراطية الحالية، إلى جانب مقترحاتهم لتطويرها وتحسين أدائها.
وتأسيساً على ذلك، يحاول هذا المقال تقديم قراءة لأبرز ما ورد في مسح مؤسسة (مو إبراهيم) لعام 2026م، حول رؤية الشباب الإفريقي للديمقراطية (المكتسبات والمآخذ، البدائل والأولويات).
محتويات المقال
أولاً: أزمة الثقة.. كيف يُقيّم الشباب الإفريقي النظم الديمقراطية في بلدانهم؟
تعكس نتائج المسح الصادر عن مؤسسة مو إبراهيم الإفريقية (لعام 2026م) حالةً واسعة من عدم الرضا عن واقع الديمقراطية في البلدان الإفريقية التي ينتمي إليها المشاركون؛ إذ وصف أكثر من 80% منهم أوضاع بلدانهم بأنها «مختلطة» أو «غير ديمقراطية في الغالب». فمن بين 63 مشاركاً، رأى 52 أن بلدانهم تندرج ضمن أحد هذين التوصيفين، بينما اعتبر نحو ثلثهم أن بلدانهم لم تكن «ديمقراطية في الغالب» على مدار العقدين الماضيين.
في المقابل، لم تتجاوز نسبة من يرون أن بلدانهم «ديمقراطية في الغالب» 16%. ولا تعكس هذه الحالة العامة من عدم الرضا مجرد انطباعات نظرية، وإنما تستند بدرجة كبيرة إلى تجارب شخصية مباشرة؛ إذ أفاد نحو 75% من المشاركين بأنهم شهدوا بأنفسهم ممارسات غير ديمقراطية، من بينها التلاعب بالعمليات الانتخابية، والعنف المرتبط بالانتخابات، وغياب المساءلة، فضلاً عن انتشار الفساد في أعقاب إجراء الانتخابات.

ثانياً: حين تتحول الانتخابات إلى غاية لا وسيلة
استمراراً لنتائج الاستطلاع حول الشباب الإفريقي والديمقراطية، يشير تقرير مو إبراهيم إلى أن أكثر من نصف المشاركين- بنسبة 61.9%- يرون أن النموذج الديمقراطي الحالي لا يتلاءم بصورة كافية مع واقع بلدانهم، بسبب تركيزه على إجراء الانتخابات أكثر من التركيز على نتائجها ومخرجاتها. كما أشار 52.4% منهم إلى ضعف آليات المساءلة بين الاستحقاقات الانتخابية.
وفي المقابل، جاءت عوامل أخرى في مرتبةٍ أقل تأثيراً، من بينها عدم توافق النموذج الديمقراطي بمفهومه الغربي مع تقاليد الحكم الإفريقية (المحلية)، بنسبة تقل عن 48%. ويضاف إلى ذلك اعتماده على مؤسسات «مستوردة» تفتقر إلى القبول الداخلي، بنسبة تقل عن 32%، فضلاً عن تأثير التدخلات الخارجية في السيادة الوطنية الذي أشار إليه 27% من المشاركين.
وفي هذا السياق، يرى الشباب الأفارقة المشاركون بالاستطلاع أن الديمقراطية الفعالة ينبغي ألا تتوقف عند حدود الانتخابات، وإنما تمتد إلى ضمان قدرة المؤسسات على إتاحة الفرص للمواطنين وتوفير الخدمات العامة لهم. وهنا، اعتبر 50.8% أن «عدم المساواة الاقتصادية تقوض المساواة السياسية»، بما يعكس ارتباط تقييم الديمقراطية بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين، وليس فقط بسلامة الإجراءات الانتخابية (الشكلية).

ثالثاً: ما وراء صناديق الاقتراع.. أولويات الشباب الحقيقية
علاوةً على ما سبق، تكشف نتائج المسح عن تصور لدى الشباب الأفارقة للديمقراطية يتجاوز التركيز التقليدي على الانتخابات، إذ جاءت «سيادة القانون» و«حقوق الإنسان والحريات» في مقدمة ما ينبغي للديمقراطية أن تحميه، بنسبة 54% لكلٍّ منهما. وحلت «الانتخابات الحرة والنزيهة» في المرتبة التالية، باعتبارها أولوية لدى 50.8% من المشاركين، تلتها «المساءلة والضوابط على ممارسة السلطة» بنسبة 47.6%.
وفي المقابل، جاء «الانتقال السلمي للسلطة» و«حرية الإعلام والمعلومات» في ذيل الأولويات، إذ أشار إلى كل منهما 13% فقط من المشاركين، بينما اعتبر أقل من 30% أن «الشمول» يمثل أولوية أساسية للديمقراطية (أي تمثيل جميع المناطق والفئات). وتعكس هذه النتائج اتساع مفهوم الديمقراطية لدى الشباب الإفريقي المشارك، ليشمل حماية الحقوق والحريات وترسيخ حكم القانون وضمان خضوع السلطة للمساءلة، إلى جانب إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

رابعاً: أفرقة الديمقراطية لا إلغاؤها.. نحو نموذج أكثر واقعية
لا يبدو أن الشباب الأفارقة- وفقاً لما ورد في الاستطلاع- يرفضون المبادئ الأساسية للديمقراطية، وإنما يتطلعون إلى تطوير الطريقة التي تُعرَّف وتُمارس بها في القارة؛ على سبيل المثال رأى 69.8% من المشاركين أن الديمقراطية ينبغي أن تُعرَّف أو تُمارس بصورة مختلفة في إفريقيا، مقابل 14.3% فقط لم يوافقوا على ذلك، بينما لم يحسم 15.9% موقفهم.
ويشير هذا الاتجاه إلى أن موضع النقد والتحفظ لا يتمثل في المبادئ الديمقراطية ذاتها، وإنما في النموذج الضيق الذي يبالغ في التركيز على الانتخابات، دون أن يحقق بالقدر الكافي متطلبات المساءلة والمشاركة بين المواطنين كافة، والكرامة والعدالة الاقتصادية. ومن ثَمّ، يبدو أن التحدي المطروح يتمثل في تحديث النموذج الديمقراطي بما يجعله أكثر ارتباطاً بالواقع الإفريقي واحتياجات المجتمعات، مع الحفاظ على مبادئه الأساسية المتعارف عليها.

خامساً: العقبات المتشابكة.. الفساد والمؤسسات الهشة
لا يقتصر تصور المشاركين على تحديد جوانب القصور في الممارسة الديمقراطية، بل يمتد أيضاً إلى تحديد أبرز العوامل التي تعوق تطورها. فقد اعتبر 88.9% منهم أن الفساد وشبكات المحسوبية يمثلان العائق الأكبر أمام النموذج الديمقراطي المنشود، يليهما ضعف المؤسسات بنسبة 79.4%، ثم الصعوبات الاقتصادية وعدم المساواة بنسبة 65.1%.
كما أشار 49.2% إلى تركز السلطة التنفيذية في شخص واحد غالباً، وضعف الثقة في النخب بوصفهما من أبرز العقبات. وتكشف هذه النتائج عن ترابط هذه التحديات وتداخلها، إذ يرى المشاركون أنها لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما تتعايش وتتفاعل معاً بما يحد من قدرة النظم الديمقراطية على تحقيق تقدّم فعلي ومستدام.

سادساً: قيم لا تُقاس بصناديق الاقتراع.. التضامن والعدالة والكرامة الإنسانية
من جهةٍ أخرى، تُظهر نتائج المسح أن القيم المرتبطة بالمجتمع والتضامن الاجتماعي تحتل مكانة بارزة في تصور الشباب الأفارقة للديمقراطية، إذ اختارها 81% من المشاركين باعتبارها من أهم القيم التي ينبغي أن تحكم أي ممارسات سياسية للنظم الديمقراطية.
وجاءت العدالة والإنصاف في المرتبة التالية بنسبة 65.1%، ثم الكرامة الإنسانية بنسبة 63.5%. وتعكس هذه النتائج تصوراً للديمقراطية لا يقتصر على المؤسسات والإجراءات السياسية الجامدة، وإنما يرتبط بقيم اجتماعية وأخلاقية يرى المشاركون من الشباب الإفريقي أنها جزء أساسي من طريقة الحكم داخل القارة.

خاتمة
في المحصلة، تكشف قراءة مسح مؤسسة (مو إبراهيم)، وأبرز ما توصل إليه من نتائج- بشأن تصورات الشباب الإفريقي عن الديمقراطية- أن حالة عدم الثقة في الديمقراطية لدى الشباب الأفارقة لا تعني رفضهم للمبادئ والقيم الأساسية لها، التي لا تزال تحظى بتأييد واسع، بقدر ما تعكس اعتراضاً على طريقة تطبيقها إفريقيّاً، في ظل نموذج يركز بدرجة أكبر على الانتخابات وانتقال السلطة (بإجراءاتهما الشكلية).
بينما لا ينجح بالقدر نفسه في تجسيد قيم المساءلة وسيادة القانون والعدالة والكرامة الإنسانية. وفي سياقٍ كهذا، تتسع الفجوة بين المبادئ والممارسة على أرض الواقع، بما يحد من قدرة الديمقراطية على تقديم نتائج ملموسة للمواطنين.
ولعل مثلاً شعبيّاً متداولاً في إفريقيا (نيجيريا على وجه التحديد) يلخص جانباً من هذه المفارقة، إذ يقول: «السياسيون متشابهون في كل مكان، إذ يَعِدون ببناء جسر حتى حين لا يكون هناك نهر يحتاج إلى عبور».
وعلى الرغم من بساطة هذا التعبير، فإنه يختزل أحد التصورات التي تقف وراء تراجع ثقة قطاعات من الأفارقة- ولا سيما الشباب- في الممارسة السياسية؛ فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في فكرة الديمقراطية ذاتها، وإنما في اتساع المسافة بين الوعود التي تُطرح خلال المنافسة السياسية، والنتائج التي يلمسها المواطن بعد الوصول إلى السلطة.
ومع ذلك، من المهم التأكيد أن هذه الرؤية لا تضع الانتخابات موضع الرفض؛ فالانتخابات الحرة والنزيهة تظل، وفقاً لمنظور الشباب الإفريقي، عنصراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنها لا تمثل الديمقراطية في حد ذاتها.
ومن ثَمّ، فإن فكرة «أفرقة الديمقراطية» لا تعني التخلي عن المبادئ الديمقراطية المتعارف عليها أو استبدالها بنموذج مختلف، وإنما رفع سقف الطموح بشأن ما ينبغي أن تحققه الديمقراطية في السياق الإفريقي؛ أي بناء نظم سياسية تجمع بين مبادئ الديمقراطية وما يتطلبه الواقع الإفريقي.
وبذلك، يصبح مستقبل الديمقراطية في إفريقيا مرتبطاً ليس فقط بكيفية إجراء الانتخابات، وإنما بمدى قدرة النظم السياسية على تحويل مبادئها إلى ممارسة فعلية تنعكس على حياة المواطنين وحقوقهم وكرامتهم.
المصدر:
المسح الصادر عن مؤسسة مو إبراهيم -Mo Ibrahim Foundation:
Africa’s Youth and Democracy: Give People a Voice Every Day (Mo Ibrahim Foundation, Jul 2026), at:
حول مؤسسة مو إبراهيم:
مؤسسة إفريقية تأسست عام 2006م على يد رجل الأعمال الملياردير السوداني-البريطاني «محمد فتحي أحمد إبراهيم»، أو كما يُعرف اختصاراً باسم «مو إبراهيم». تعمل المؤسسة على تقديم رؤية إفريقية بشأن التحديات العالمية الراهنة، وتوفر البيانات والتحليلات اللازمة لتقييم هذه التحديات على مستوى القارة، كما تجمع مختلف الأطراف المعنية بالشأن الإفريقي، بما في ذلك الشباب، لمناقشة الحلول الممكنة، انطلاقاً من مبادئ القيادة والحكم الرشيد.
أحدث المقالات
- جنوب السودان تقر تعديلات دستورية تسمح بإجراء الانتخابات في ديسمبرأقرّ برلمان جنوب السودان تعديلات دستورية تزيل العقبات القانونية أمام إجراء الانتخابات العامة المقرر عقدها في 22 ديسمبر. وقد أفادت إذاعة… Read more: جنوب السودان تقر تعديلات دستورية تسمح بإجراء الانتخابات في ديسمبر
- الرئيس الكيني يأمر بحملة صارمة ضد الأجانب الذين يديرون مشاريع صغيرةأمر الرئيس الكيني ويليام روتو بحملة صارمة ضد الأجانب الذين يديرون مشاريع صغيرة، مؤكدًا على ضرورة حماية التجار والباعة المتجولين… Read more: الرئيس الكيني يأمر بحملة صارمة ضد الأجانب الذين يديرون مشاريع صغيرة
- العفو الدولية: النازحون الأنغوليون يواجهون انتهاكات في ناميبياحذرت منظمة العفو الدولية من أن النساء والأطفال الأنغوليين الذين نزحوا إلى ناميبيا بسبب الجفاف يواجهون انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان،… Read more: العفو الدولية: النازحون الأنغوليون يواجهون انتهاكات في ناميبيا
- الكونغو تفتح المدارس في المناطق الأكثر تضررًا من الإيبولاأُعيد فتح المدارس هذا الأسبوع في المناطق الأكثر تضررًا من الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعد أن قررت السلطات أن… Read more: الكونغو تفتح المدارس في المناطق الأكثر تضررًا من الإيبولا
- بعيدًا عن صناديق الاقتراع.. ماذا يريد الشباب الإفريقي من الديمقراطية؟بستهدف هذا المقال تقديم قراءة لأبرز ما ورد في مسح مؤسسة (مو إبراهيم) لعام 2026م، حول رؤية الشباب الإفريقي للديمقراطية وأولوياتهم الحقيقة.
















































