هالة ياسر الشربيني
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار – مجلس الوزراء المصري
ملخص
يشهد تراجع المساعدات الإنمائية في إفريقيا جنوب الصحراء تحولاً في بيئة تمويل التنمية، مع تداعيات تتجاوز فقدان الموارد المالية إلى قدرة الدول على تقديم الخدمات والحفاظ على البرامج والقدرات المؤسسية المرتبطة بالتمويل الخارجي.
وتواجه الدول هذه الصدمة بقدرات متفاوتة، وفق حجم اعتمادها على المعونة، والحيز المالي، وأعباء الدين، وقدرتها على تعبئة الموارد المحلية، وفي ظل هذا التحول، تطرح مرحلة “ما بعد المعونة” تساؤلات حول مدى قدرة الاقتصادات الإفريقية على بناء نموذج تمويل أكثر تنوعًا واستدامة.
تبحث الدراسة في تداعيات التخفيضات الجارية في المساعدة الإنمائية الدولية على اقتصادات ودول إفريقيا جنوب الصحراء، مع التركيز على آثارها في المالية العامة، وتقديم الخدمات، والقدرة المؤسسية للدولة. وتعتمد الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي والمقارن، بالاستناد إلى بيانات وتقارير مؤسسات دولية وإقليمية وجهات وطنية رسمية.
وتخلص إلى أن أثر تراجُع المعونة لا يقتصر على فقدان التمويل، بل يمتدّ إلى فجوة مؤسسية ترتبط بالبرامج والكوادر ونُظم التنفيذ التي اعتمدت على التمويل الخارجي. كما تختلف قدرة الدول على التكيُّف وفق درجة الاعتماد على المعونة، والحيّز المالي، وأعباء الدَّيْن، والقدرة على تعبئة الموارد المحلية. وتؤكد الدراسة أن الانتقال إلى نموذج أكثر استدامة يتطلب تنويع مصادر التمويل، وربط كل مصدر بالوظيفة التي يمكنه تعويضها.
مقدمة:
تشهد منظومة تمويل التنمية الدولية تحوُّلًا متسارعًا مع التراجُع الحادّ في المساعدة الإنمائية الرسمية خلال العامين الأخيرين، وهو تحوُّل يكتسب أهميةً خاصةً في إفريقيا جنوب الصحراء؛ نظرًا إلى استمرار اعتماد عدد من دولها على المعونة في تمويل جانب من احتياجاتها التنموية والاجتماعية.
وبلغت المساعدة الإنمائية الرسمية المُقدَّمة من أعضاء لجنة المساعدة الإنمائية والدول المشاركة بها نحو 174.3 مليار دولار في عام 2025، بانخفاض حقيقي قدره 23.1% مقارنةً بعام 2024، في أبريل 2026، وهو أكبر تراجع سنوي مسجل، وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية([1]).
كما انخفضت المساعدات الثنائية المُوجَّهة إلى إفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 26.3% خلال العام نفسه، فيما تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2026 إلى انخفاض إضافي قدره 11.6%، بما يجعل المنطقة أمام عام ثالث متتالٍ من تراجُع التمويل الإنمائي الخارجي([2]).
وفي هذا السياق، لا يُستخدم مفهوم «عصر ما بعد المعونة» للدلالة على اختفاء المساعدات الدولية، وإنما للإشارة إلى بيئة تصبح فيها أقل حجمًا واستقرارًا وقابلية للتنبؤ، وتضطر فيها الدول المستفيدة إلى تحمُّل جانب أكبر من أعباء تمويل التنمية.
وقد تناولت دراسات سابقة دور المعونة في إفريقيا جنوب الصحراء من زوايا متعدّدة. فقد خلصت دراسة نَشرها البنك الإفريقي للتنمية عام 2010، واعتمدت على بيانات بانل للفترة 1995– 2005، إلى أنّ المساعدة الإنمائية الرسمية كان لها أثر إيجابي ومعنوي في النمو الاقتصادي في المنطقة، كما أظهرت أن الحوكمة الديمقراطية تمثل إحدى القنوات التي تنتقل عبرها آثار المعونة إلى النمو.([3])
وفي المقابل، أظهر تقرير التعاون الإنمائي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2023، -استنادًا إلى مراجعة 315 تقييمًا للمساعدات في أفغانستان ومالي وجنوب السودان خلال 2008– 2021-؛ أن المعونة في البيئات شديدة الهشاشة لم تُؤدِّ بصورة منتظمة إلى تحسين قدرة الدولة أو الحوكمة أو الاستقرار، رغم تحقيق بعض البرامج نتائج أفضل في قطاعات مثل الصحة والتعليم والتنمية الريفية([4]).
ومع بداية موجة التخفيضات الحالية، انتقل النقاش إلى قدرة الدول على التعامل مع انكماش المعونة؛ إذ أكَّد صندوق النقد الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي لإفريقيا جنوب الصحراء لعام 2026؛ أنّ الصدمة الراهنة غير مسبوقة من حيث الحجم والسرعة وعدم اليقين، وأن الدول منخفضة الدخل والهشَّة هي الأكثر تعرضًا لها والأقل امتلاكًا للحيّز اللازم للاستجابة([5]).
ومن هنا تتحدد إشكالية الدراسة في أن التراجع الجاري في المساعدات لا يقتصر على فقدان مصدر للتمويل الخارجي، بل يمتد إلى اختبار قدرة دول إفريقيا جنوب الصحراء على تعويض الموارد والوظائف التي ارتبطت بالمعونة، ولا سيما في الدول الأكثر اعتمادًا عليها والأقل امتلاكًا للحيّز المالي والقدرة المؤسسية.
وتتمثّل أهمية الدراسة في تحليل أثر هذا التحوُّل على تمويل الدولة وقدرتها على تقديم الخدمات، وتحديد العوامل التي تُفسِّر تفاوت قدرة الدول على التكيُّف، إلى جانب تقييم مدى إمكانية الانتقال إلى مصادر تمويل أكثر استدامة دون نقل تكلفة تراجُع المعونة إلى الدَّيْن أو الاستثمار أو الخدمات العامة.
منهجية الدراسة:
تعتمد الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي والمقارن، بالاستناد إلى بيانات وتقارير المؤسسات الدولية والإقليمية والجهات الوطنية الرسمية، مع التركيز على تطوُّرات المساعدة الإنمائية خلال الفترة 2024– 2026.
جدول المحتويات
المحور الأول:
تحوُّلات المساعدة الإنمائية في إفريقيا جنوب الصحراء: من تغيُّر الهيكل إلى انكماش التدفقات
تحتلّ المساعدة الإنمائية الرسمية موقعًا مهمًّا في هيكل تمويل دول إفريقيا جنوب الصحراء، وإن تفاوت وزنها بصورة كبيرة بين اقتصادات المنطقة. فوفق صندوق النقد الدولي، 2026، بلغت المعونة نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة في 2024، وارتفعت إلى 6.4% في الدول منخفضة الدخل، و6% في الدول الهشَّة والمتأثّرة بالصراعات، مقابل 0.4% فقط في الاقتصادات الصاعدة([6]).
ومِن ثَمَّ، لا يتحدّد حجم التعرض لتخفيضات المعونة بالقيمة النقدية المفقودة وَحْدها، بل بوزنها النِّسبي داخل الاقتصاد وقدرة الدولة على إيجاد موارد بديلة.

كما شهد هيكل المعونة نفسه تحوُّلًا تدريجيًّا؛ إذ تراجعت حصة المِنَح من إجمالي المساعدة الإنمائية الرسمية للمنطقة من 97% في 2010 إلى 68% في 2024، مقابل ارتفاع القروض الميسرة من 3% إلى 32%([7]). وبذلك أصبح جزء متزايد من التمويل الإنمائي مرتبطًا بالتزامات سداد مستقبلية، في وقتٍ تعاني فيه دول عديدة بالفعل من محدودية الحيّز المالي.
وتسارع التحوُّل منذ 2025. فبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2026، انخفضت المساعدات الثنائية لإفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 26.3% في 2025، ويتوقّع تراجعها 11.6% إضافية في 2026، لتُسجّل المنطقة عامًا ثالثًا متتاليًا من الانخفاض، وتصل المساعدات إلى أدنى مستوياتها منذ أوائل الألفية.
وبالمقارنة مع 2024، يُتوقَّع أن تبلغ الخسارة التراكمية بحلول 2026 نحو 37.2%، بما يعادل 11.8 مليار دولار. كما يُتوقَّع انخفاض المساعدات المحتسبة عبر القنوات متعدّدة الأطراف بنسبة 6.6% في 2026([8])، بما يعني أن هذه القنوات لن تكون قادرة على تعويض التراجُع الثنائي كما حدَث جزئيًّا في فترات سابقة.
وتقع التخفيضات الأكبر على الاقتصادات الأقل قدرة على امتصاصها؛ إذ تتوقع OECD انخفاض المساعدات المُوجَّهة إلى السياقات ذات الهشاشة المرتفعة أو الشديدة بنسبة 37.9% بين 2024 و2026([9]).
وتُوضّح الحالات القُطْرية حجم المشكلة؛ حيث إنه وفقًا لبيانات البنك الدولي لعام 2026؛ تقلّ الإيرادات المحلية في جمهورية إفريقيا الوسطى عن 10% من الناتج، بينما يستوعب بند الأجور ما يصل إلى 73% من الموارد العامة([10])؛ ما يترك هامشًا ضيّقًا لتعويض انسحاب التمويل الخارجي. وفي إثيوبيا، استحوذت خدمة الدَّيْن الخارجي على 26.3% من الإيرادات الحكومية في 2024/ 2025([11])، إلى جانب قيود النقد الأجنبي وضعف الإيرادات المحلية.
ولا تبدو الصدمة الحالية مجرد دَوْرة هبوط مُؤقَّتة؛ إذ يرى صندوق النقد أن التخفيضات السابقة كانت غالبًا دَوْرية يَعْقبها تَعافٍ، بينما يبدو التحوُّل الراهن أكثر هيكلية، ومتزامنًا بين المانحين، ومدفوعًا بتغيُّر أولوياتهم، بعد ست سنوات من الصدمات التي أضعفت الحيّز المالي للدول المستفيدة.
ويزداد أثر ذلك؛ لأن أكثر من نصف المعونة للمنطقة يُموّل الصحة والتعليم والمساعدات الإنسانية، بينما لا يُمثّل دَعْم الموازنة سوى نحو 19%([12])؛ أي أنّ التخفيض لا يُهدّد موردًا ماليًّا فقط، بل قد يَطال نُظمًا وخدمات وقدرات تنفيذية نشأت حول هذا التمويل.
المحور الثاني:
تداعيات تراجُع المعونة على الاقتصاد ووظائف الدولة في إفريقيا جنوب الصحراء
لا تنتقل تخفيضات المعونة إلى اقتصادات إفريقيا جنوب الصحراء عبر قناة واحدة، بل من خلال صدمة مالية واقتصادية تتداخل مع صدمة في قدرة الدولة على تقديم الخدمات. فعندما يتراجَع التمويل الخارجي، تُواجه الحكومة مُفاضلة بين خَفْض الإنفاق، أو زيادة الإيرادات، أو اللجوء إلى الاقتراض، أو محاولة تعويض البرامج المفقودة من الموازنة.
وتُوضّح مُحاكاة صندوق النقد الدولي لعام 2026 لاقتصادات إفريقيا جنوب الصحراء أن خَفْض المساعدات الثنائية بنسبة 25% في دولة منخفضة الدَّخل بالمنطقة، مع تعويض الحكومة نصف التمويل المفقود من موارد الموازنة، يُؤدّي في المتوسط إلى اتساع العجز المالي بنحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض النمو بنحو 0.7 نقطة مئوية، وتدهور ميزان المدفوعات بما يعادل 1.6% من الناتج المحلي الإجمالي([13]).
في المقابل، تكون الآثار محدودة نسبيًّا في الاقتصادات الصاعدة داخل المنطقة لانخفاض اعتمادها على المعونة. ولا يُمثّل الاقتراض بديلًا بلا تكلفة؛ إذ يشير الصندوق إلى اتجاه بعض حكومات دول إفريقيا جنوب الصحراء نحو الاعتماد بصورة أكبر على أسواق الدين المحلية لتعويض جانب من الفجوة، وهو ما قد يُفاقم مَخاطر استدامة الدَّيْن ويزيد الترابط بين مخاطر الحكومة والقطاع المصرفي.
وتزداد هذه المشكلة؛ لأن أكثر من ثلث دول إفريقيا جنوب الصحراء تقع إما في حالة ضائقة ديون أو مُعرَّضة لمخاطر مرتفعة منها، كما أن 73% من أكثر 15 دولة اعتمادًا على المعونة في المنطقة تقع ضمن إحدى هاتين الفئتين([14]). ومِن ثَمَّ، يمكن لتعويض المعونة بالاقتراض أن يحمي بعض النفقات آنيًّا، لكنّه ينقل جزءًا من تكلفة الصدمة إلى خدمة الدين والإنفاق المستقبلي.
وتظهر خطورة التخفيضات بصورة أوضح في قطاع الصحة. ففي إقليم إفريقيا التابع لمنظمة الصحة العالمية ظل التمويل الخارجي يُمثّل نحو 24% من الإنفاق الصحي الجاري في 2022([15])، مقابل 23% في 2012، رغم زيادة الإنفاق الحكومي المحلي، بما يعكس استمرار الاعتماد الهيكلي على الموارد الخارجية.
وتُقدّر OECD أن المساعدة الإنمائية المُوجَّهة للصحة عالميًّا قد تنخفض بنحو 29% إلى 46% بين 2024 و2026، بما يعادل 5 إلى 8 مليارات دولار. وتتركّز المخاطر بصورة خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء؛ إذ يُموّل الخارج نحو 60% من الإنفاق الصحي الجاري في كلٍّ من مالاوي وجنوب السودان، بينما يُتوقَّع انخفاض المساعدات الصحية الثنائية بين 2024 و2026 بنسبة 50.8% في ملاوي و42.4% في جنوب السودان([16]).
وتوضّح حالتا أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية كيف يمكن أن يتزامن تراجُع التمويل مع احتياجات صحية مرتفعة؛ إذ تتوقع OECD انخفاض المساعدات الصحية لأوغندا بنسبة 53.5% إلى نحو 234.8 مليون دولار في 2026، وللكونغو الديمقراطية بنسبة 46.6% إلى 208.9 ملايين دولار([17]) مقارنةً بعام 2024.
وفي أوغندا، أقرَّت وزارة الصحة في مايو 2025 بأن محدودية الحيّز المالي والاعتماد الكبير على تمويل المانحين غير المستقر يمثلان أبرز تحديات استدامة النظام الصحي، وهو ما دفَع الحكومة إلى طرح زيادة الموارد المحلية وتحسين كفاءة استخدامها ضمن الحوار الوطني لتمويل الصحة([18]).
وتُقدّم نيجيريا نموذجًا مختلفًا للاستجابة؛ إذ أعلنت وزارة الصحة الاتحادية إضافة 200 مليون دولار إلى موازنة 2025 لدعم برامج مواجهة الإيدز والسل والملاريا استجابةً لتراجع المساعدة الإنمائية الرسمية([19]).
وتكشف المقارنة بين الحالتين أن حجم التخفيض لا يُحدّد النتيجة بمفرده؛ إذ تتوقف قدرة الدولة على امتصاص الصدمة على حجم الموارد المحلية التي يمكن تعبئتها، ومساحة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وقدرتها على إدماج البرامج المموَّلة خارجيًّا داخل النظام الوطني.
غير أن آثار تراجُع المعونة لا تقتصر على فقدان التمويل. فقد أظهَر تقييم أجرته منظمة الصحة العالمية عبر 108 مكاتب قطرية في مارس وأبريل 2025 أن تعليق المساعدات الصحية أو تخفيضها أدَّى إلى اضطرابات في التأهب والاستجابة للطوارئ في 70% من المكاتب المستجيبة، والترصُّد الصحي في 66%، وتقديم الخدمات في 58%، والقوى العاملة الصحية في 54%.
كما تعرَّضت نُظُم المعلومات الصحية للاضطراب في أكثر من 40% من الحالات، وسُجِّلت خسائر في وظائف العاملين الصحيين في أكثر من نصف البلدان المستجيبة([20]).
وفي تقييم لاحق، أشارت المنظمة إلى أن بعض الخدمات الحيوية انخفضت بما يصل إلى 70% في بعض الدول([21]).
وهنا تظهر «فجوة الاستبدال المالي والمؤسسي»: فالحكومة لا تحتاج فقط إلى استبدال الأموال المفقودة، وإنما قد تضطر أيضًا إلى استيعاب كوادر، وسلاسل إمداد، ونُظُم معلومات، وبرامج تنفيذ كانت ترتبط بالتمويل الخارجي.
ويمتدّ الأثر إلى المساعدات الإنسانية والأمن الغذائي. ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، كان برنامج الأغذية العالمي يستهدف مساعدة 2.3 مليون شخص ممَّن يواجهون مستوى الطوارئ من انعدام الأمن الغذائي في 2025، إلّا أنّ فجوات التمويل سمحت بالوصول إلى نحو مليون فقط، مع خفض العدد المخطط إلى 600 ألف شخص اعتبارًا من أكتوبر 2025([22]).
وفي نيجيريا، حذَّر البرنامج في يناير 2026 من أن أكثر من مليون شخص مُعرَّضون لفَقْد المساعدات الغذائية، وأن التمويل المتاح سيقصر المساعدة على نحو 72 ألف شخص، مقارنةً بـ1.3 مليون شخص جرى الوصول إليهم خلال موسم الشُّحّ والجفاف في 2025([23]).

وبذلك، لا تؤدي تخفيضات المعونة إلى فجوة مالية واحدة يمكن سدّها حسابيًّا، بل تطلق سلسلة من المفاضلات، فإذا عوَّضتها الدولة بالاقتراض ارتفعت أعباء الدين؛ وإذا استوعبتها بخفض الإنفاق تعرَّض الاستثمار والخدمات للضغط؛ وإذا عجزت عن استبدال البرامج الخارجية فقد تتراجَع القدرة التنفيذية نفسها.
ومِن ثَمَّ، يتحدَّد الأثر النهائي بتفاعل درجة الاعتماد على المعونة، والحَيّز المالي، والقدرة على تعبئة الموارد المحلية، وقدرة مؤسسات الدولة على استيعاب الوظائف التي كان التمويل الخارجي يدعمها.
المحور الثالث:
مُحدّدات القدرة على التكيُّف مع تراجُع المساعدات الإنمائية في إفريقيا واستجابات الحكومات
لا يؤدّي تراجع المعونة إلى نتائج متماثلة بين دول إفريقيا جنوب الصحراء؛ إذ تتحدّد قدرة الدولة على امتصاص الصدمة وفق درجة اعتمادها على التمويل الخارجي، وحجم الحيز المالي المتاح، ومستوى الدَّيْن، وقدرتها على تعبئة الإيرادات المحلية، وقوة مؤسساتها في إدارة الإنفاق وتقديم الخدمات.
ويؤكد صندوق النقد الدولي أن الأثر النهائي لتخفيضات المعونة يتوقَّف على حجم تعرُّض كل دولة، والهوامش المالية المتاحة قبل الصدمة، وطبيعة الاستجابة الحكومية، وهو ما يُفسِّر تفاوت النتائج حتى بين دول تتعرَّض لتخفيضات متقاربة([24]).
وتكشف استجابات الحكومات أن التّكيُّف لا يتَّخذ مسارًا واحدًا. ففي مسح لصندوق النقد شمل عددًا من دول إفريقيا جنوب الصحراء، أشارت أربع من كل عشر دول إلى نيّتها إعادة ترتيب الإنفاق القائم لتعويض جزء من المعونة المفقودة، ومن بين هذه الدول تُخطّط نحو ثلثيها لخفض الاستثمار العام.
وفي الدول التي توفرت بشأنها تقديرات، تُغطّي إعادة تخصيص الإنفاق في المتوسط نحو 30% من الموازنات المرتبطة بالمعونة المفقودة، بينما يُقدّر أن نحو 30% أخرى لم تَعُد تتطلب تعويضًا، ويبقى قرابة 40% من الفجوة دون تمويل في الوقت الحالي. كما تخطط نحو ثلث الدول لزيادة الاقتراض جزئيًّا([25]).
ويكشف ذلك أن التكيُّف لا يزيل تكلفة الصدمة، بل يُعيد توزيعها بين بنود الموازنة؛ فخَفْض الاستثمار يَحُدّ من الضغط الفوري على الإنفاق الجاري، لكنه قد يؤثر في النمو وتكوين رأس المال على المدى الأطول، بينما يُوفّر الاقتراض موارد آنية مقابل التزامات مستقبلية وخدمة دَيْن إضافية. وهذا الاستنتاج يتَّسق مع تحليل الصندوق لبدائل الاستجابة المختلفة.
وتبرز القدرة على تعبئة الإيرادات المحلية كأحد أهم الفروق بين الدول. ففي أوغندا، بلغت الإيرادات الضريبية نحو 13.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024/ 2025([26])، وهي نسبة تظلّ دون مستويات الاقتصادات النظيرة في ظل احتياجات إنمائية متزايدة وضغوط خدمة الدَّيْن.
ويشير البنك الدولي إلى أنّ القضية الرئيسية تتمثّل في الفجوة بين تصميم النظام الضريبي والتحصيل الفِعْلي، بما يجعل تحسين الامتثال، ومراجعة الإعفاءات، وتوسيع القاعدة الضريبية من الأدوات المتاحة لتعزيز الموارد المحلية. ويعني ذلك تحليليًّا أن تحسُّن كفاءة التحصيل يمكن أن يُوسّع قُدرة الدولة على تعويض جزء من التمويل الخارجي دون الاعتماد بالدرجة نفسها على الاقتراض.
لكنّ القدرة على تعبئة الإيرادات تختلف باختلاف هيكل الاقتصاد والقاعدة الضريبية. ففي سيراليون، بلغت الإيرادات المحلية نحو 10.7% من الناتج في 2025، مقارنةً بمتوسط بلغ نحو 8% خلال السنوات الخمس السابقة.
ويشير البنك الإفريقي للتنمية إلى أن توسيع الحيّز الإيرادي يرتبط بتوسيع القاعدة الضريبية، ومراجعة الإعفاءات، وتحسين الامتثال، وزيادة قدرة القطاع الرسمي على المساهمة في الإيرادات.
ومِن ثَمَّ، تختلف سرعة تعويض التمويل الخارجي وفق الإمكانات المتاحة لكل دولة لزيادة مواردها المحلية، وهي عملية تتطلب في العادة وقتًا وإصلاحات مؤسسية ولا تُوفّر بالضرورة بديلًا فوريًّا للمعونة([27]).
وفي المقابل، تظهر إثيوبيا كيف يمكن للإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية أن تُوسِّع تدريجيًّا نطاق الموارد المتاحة للدولة. فقد أشار البنك الدولي في يوليو 2025 إلى تحقيق مكاسب أولية منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي في 2024، شملت تحسُّن تعبئة الإيرادات المحلية، وقوة أكبر في أداء الصادرات، وتقلّص اختلالات سعر الصرف، بالتوازي مع استمرار التمويل الميسَّر لدعم عملية التحوُّل.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن التمويل الإنمائي الخارجي، وإنما يُوضّح أن تحسين الإيرادات وقدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي يمكن أن يُقلّل تدريجيًّا من حساسيته تجاه تقلُّب التدفُّقات الخارجية([28]).
كما يتوقّف التكيُّف على مدى قدرة الدولة على تحويل البرامج المموّلة خارجيًّا إلى نُظم وطنية قابلة للاستمرار.
وتشير UNICEF في شرق وجنوب إفريقيا إلى أن كثيرًا من آليات الحماية الاجتماعية القادرة على الاستجابة للصدمات ما تزال في مراحل مبكرة وتعاني نقصًا في التمويل، وتقترح مزيجًا من أدوات التمويل يشمل الموازنات المحلية، وصناديق الطوارئ، والتأمين، وتمويل المناخ، مع تعزيز القيادة الوطنية لهذه النظم.
ويعني ذلك أن توفير التمويل المحلي وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه بناء نُظُم مؤسسية قادرة على الإدارة والتنفيذ والتوسُّع عند حدوث الصدمات([29]).
وتتضح الفكرة في زامبيا؛ إذ أظهر تحليل UNICEF لموازنة 2026 أن برنامج التحويلات النقدية الاجتماعية سيتوسع إلى 1.5 مليون أسرة، بينما أصبح التمويل الحكومي يمثل نحو 88% من تمويل البرنامج، وهو ما تصفه UNICEF بأنه مُؤشّر على تعزيز الملكية الوطنية واستدامة البرنامج.
وتُمثّل هذه الحالة مثالًا على إمكانية انتقال جزء أكبر من مسؤولية تمويل البرامج الاجتماعية إلى الموازنة الوطنية بصورة تدريجية، مع استمرار دور الشركاء الخارجيين([30]).
وعليه، فإن قدرة الدول على التكيُّف لا تعتمد على إيجاد «بديل للمعونة» بصورة مجردة، وإنما على تفاعل أربعة محددات رئيسية: درجة الاعتماد على التمويل الخارجي، والحيّز المالي والقدرة على تعبئة الإيرادات، وأعباء الدَّيْن وإمكانية الوصول إلى التمويل، والقدرة المؤسسية على توطين البرامج.
وتُحدّد هذه العوامل بدَوْرها مزيج الاستجابة المتاح لكل دولة بين إعادة ترتيب الإنفاق، وتعبئة الموارد المحلية، والاقتراض، وتنويع مصادر التمويل. ومِن ثَم، تكون عملية الانتقال أكثر استدامة كلما أمكن تقليل الاعتماد الخارجي دون نَقْل جانب كبير من تكلفة التكيُّف إلى الدَّيْن أو الاستثمار العام أو الخدمات الأساسية.
المحور الرابع:
ما بعد المعونة: بدائل تمويل التنمية وحدود الاستبدال في إفريقيا جنوب الصحراء
لا يعني الانتقال إلى «ما بعد المعونة» اختفاء المساعدة الإنمائية الرسمية، وإنما تراجُع قدرتها على الاستمرار بوصفها مصدرًا ثابتًا يمكن للدول بناء خططها التنموية عليه.
ومِن ثَم، لا تتمثل القضية في البحث عن مورد واحد يحل محل المعونة، بل في إعادة تشكيل منظومة تمويل التنمية بحيث تتوزع الوظائف التي أدَّتها المعونة بين مصادر محلية وخارجية متعددة.
ويؤكد البنك الإفريقي للتنمية، في التوقعات الاقتصادية الإفريقية 2026، أهمية تعزيز تعبئة الموارد المحلية، وتعميق الأسواق المالية، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتنويع مصادر التمويل في ظل بيئة دولية أكثر تقلبًا([31]).
وتُشكّل تعبئة الموارد المحلية نقطة الانطلاق الأكثر استدامة، خاصةً في تمويل النفقات الجارية والخدمات العامة التي تحتاج إلى مورد مستمر وقابل للتنبؤ.
وتشير تحليلات صندوق النقد إلى أن الإيرادات الضريبية في كثير من دول إفريقيا جنوب الصحراء ما تزال منخفضة نسبيًّا، بما يُتيح مجالًا لتحسين الإدارة الضريبية، وتوسيع القاعدة، ومراجعة الإعفاءات، وتعزيز الامتثال.
غير أن زيادة الإيرادات ليست عملية فورية؛ إذ ترتبط بقدرة المؤسسات، وهيكل الاقتصاد، والثقة في النظام الضريبي، ولذلك يَصْعُب اعتبارها بديلًا سريعًا وكاملًا للمعونة في الدول الأكثر اعتمادًا عليها([32]).
وتزداد أهمية الموارد المحلية عندما تقترن برفع كفاءة الإنفاق العام. فتعويض التمويل الخارجي لا يتطلب زيادة الموارد فقط، وإنما تحسين توجيهها نحو البرامج الأعلى أولوية، وتقليل الفاقد في الإنفاق.
كما تُؤكّد الأمم المتحدة في إطار تمويل التنمية أهمية الحدّ من التدفقات المالية غير المشروعة، وتقوية المؤسسات المالية العامة، وتعبئة المدخرات المحلية باعتبارها جزءًا من بناء قاعدة تمويل أكثر استقرارًا([33]).
وفي المقابل، يمكن للقطاع الخاص والأسواق المالية أن يُساهما في تعويض بعض وظائف المعونة، خاصةً في البنية الأساسية والطاقة والقطاعات القادرة على توليد عائد.
وهنا تبرز أدوات مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والضمانات، والتمويل المختلط، الذي يستخدم موارد عامة أو ميسرة لتقليل المخاطر وجذب استثمارات خاصة إلى مشروعات قد لا يُموّلها السوق بمفرده.
غير أن فعالية هذه الأدوات تتوقَّف على جودة تصميم المشروعات، ووضوح الأُطر التنظيمية، وقدرة الدولة على إدارة الالتزامات المالية المرتبطة بها([34]).
ولا تُمثّل هذه الأدوات بديلًا شاملًا للمعونة؛ فالقطاع الخاص يستجيب أساسًا للعائد والمخاطر، ولذلك تكون قدرته أعلى في تمويل الأصول والمشروعات القابلة للاستثمار، وأقل في تمويل الوظائف التي لا تُحقّق عائدًا ماليًّا مباشرًا.
ومِن ثَمَّ، قد يكون التمويل المختلط أو الشراكات ملائمًا لمحطة طاقة أو مشروع نقل، لكنّه أقل قدرة على استبدال منحة تُموّل التطعيم أو التغذية أو الاستجابة الإنسانية.
كما أن الاعتماد المفرط على الضمانات أو الشراكات من دون تقييم دقيق للمخاطر قد ينقل جزءًا من الالتزامات إلى المالية العامة بدل التخلُّص منها([35]).
وتنطبق الحدود نفسها على الاستثمار الأجنبي المباشر والتحويلات المالية. فهذه التدفقات يمكن أن تدعم النمو وتوفّر النقد الأجنبي وتُخفّف بعض الضغوط الخارجية، لكنّها لا تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها المساعدة الإنمائية.
فالاستثمار الأجنبي يتَّجه إلى الأنشطة التي تُحقّق عائدًا مناسبًا، بينما تصل التحويلات أساسًا إلى الأُسَر، ولا تدخل بصورة تلقائية في الموازنة العامة أو تمويل الخدمات الحكومية.
ولذلك فإن نموّ هذه التدفُّقات يُعزّز قدرة الاقتصاد على التكيُّف، لكنّه لا يُعوّض مباشرةً فقدان برنامج صحي أو اجتماعي مُموّل بمنحة([36]).
وتبرز هنا ضرورة الانتقال من سؤال «ما البديل عن المعونة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «أيّ مصدر يمكنه أن يُعوّض أيّ وظيفة من وظائف المعونة؟». فالإنفاق الاجتماعي المتكرّر يحتاج أساسًا إلى موارد محلية مستقرة داخل الموازنة، بينما يمكن للبنية الأساسية أن تعتمد بدرجة أكبر على التمويل الميسَّر والقطاع الخاص والتمويل المختلط.
أما الاستثمار الإنتاجي فيمكن أن يستفيد من الاستثمار المحلي والأجنبي وأسواق رأس المال، في حين تظل المِنَح والتمويل الدولي ذات أهمية خاصة في الاستجابة الإنسانية والسياقات الهشَّة، إلى جانب استمرار التعاون الفني في بناء القدرات والمؤسسات.
وعليه، فإن «ما بعد المعونة» لا يُمثّل انتقالًا من مصدر تمويل إلى آخر، بل انتقالًا نحو محفظة تمويل أكثر تنوعًا، تقوم على زيادة الموارد المحلية، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتعميق الأسواق المالية، وتوظيف رأس المال الخاص في المجالات التي يستطيع تمويلها بكفاءة، مع استمرار التمويل الميسَّر والمِنَح في المجالات التي يصعب على السوق أو الموازنات محدودة الموارد تحمُّلها سريعًا.
ومِن ثَمَّ، فإن نجاح الانتقال لا يُقاس بمدى اختفاء المعونة، وإنما بمدى قدرة الدول على تقليل الاعتماد عليها دون فَقْد الوظائف التنموية والاجتماعية التي كانت تؤديها.
نتائج:
في ضوء التحليل السابق، توصَّلت الدراسة إلى النتائج الآتية:
- يشير التراجع الجاري في المساعدة الإنمائية إلى تحوُّل أوسع في بيئة تمويل التنمية في إفريقيا جنوب الصحراء، وليس مجرد انخفاض مُؤقّت في التدفقات. فقد تزامَن انخفاض حجم المعونة مع تغيُّر هيكلها، وزيادة الوزن النسبي للقروض الميسرة بالتوازي مع تراجُع حصة المِنَح، بما يزيد أهمية بناء مصادر تمويل أكثر تنوعًا واستقرارًا.
- لا تتوزع آثار تخفيضات المعونة بالتساوي بين دول المنطقة؛ إذ يتحدّد حجم الصدمة وفق درجة الاعتماد على التمويل الخارجي، والحيّز المالي المتاح، وأعباء الدَّيْن، والقدرة على تعبئة الإيرادات المحلية، والقدرة المؤسسية على إدارة البرامج والخدمات.
- تُمثّل التخفيضات صدمة مالية ومؤسسية في الوقت نفسه. ففُقْدان المعونة قد لا يؤدي فقط إلى فجوة في تمويل الموازنة، بل قد يمتد إلى البرامج والكوادر وسلاسل الإمداد ونُظم المعلومات التي ارتبطت بالتمويل الخارجي، وهو ما ظهر بصورة واضحة في الصحة والاستجابة الإنسانية والأمن الغذائي.
- لا تلغي الاستجابة الحكومية تكلفة تراجع المعونة، وإنما تُعيد توزيعها. فقد يظهر أثر التكيُّف في زيادة الاقتراض وأعباء الدَّيْن، أو إعادة ترتيب الإنفاق وخَفْض الاستثمار العام، أو زيادة الاعتماد على الموارد المحلية، أو نقل مسؤولية بعض البرامج تدريجيًّا إلى المؤسسات والموازنات الوطنية.
- لا يوجد بديل مالي واحد قادر على استبدال جميع وظائف المعونة؛ إذ تختلف قابلية الاستبدال باختلاف طبيعة الوظيفة؛ فالاستثمار والبنية الأساسية أكثر قابلية لجَذْب التمويل الخاص، بينما تظلّ الموارد العامة والمِنَح والتمويل الميسر أكثر أهمية للخدمات الاجتماعية المتكررة والاستجابة الإنسانية وبناء القدرات.
ومِن ثَمَّ، فإن التحوُّل نحو نموذج أكثر استدامة لا يقوم على اختفاء المعونة، وإنما على تقليل الاعتماد عليها مع إعادة توزيع وظائفها بين مصادر تمويل ومؤسسات أكثر تنوعًا.
توصيات
استنادًا إلى النتائج السابقة، تقترح الدراسة عددًا من الأولويات لإدارة مرحلة التحوُّل في تمويل التنمية بإفريقيا جنوب الصحراء:
- إعداد خرائط وطنية للمعونة تُحدّد البرامج والقطاعات التي تعتمد بدرجة أكبر على التمويل الخارجي، وحجم هذا الاعتماد، والوظائف التمويلية والتنفيذية التي يُؤدّيها المانحون داخل كل برنامج. ويسمح ذلك بتمييز البرامج القابلة للانتقال سريعًا إلى التمويل الوطني عن تلك التي تتطلب فترة انتقال أطول أو استمرار الدعم الخارجي.
- اعتماد خطط انتقال مختلفة وفق وظيفة المعونة بدل البحث عن بديل مالي مُوحَّد لها. فالإنفاق الاجتماعي المتكرّر يحتاج إلى زيادة تدريجية في التمويل من الموازنات الوطنية، بينما يمكن توجيه التمويل المختلط والشراكات والقطاع الخاص إلى البنية الأساسية والاستثمار المنتج، مع استمرار المِنَح والتمويل الميسَّر للوظائف الإنسانية والاجتماعية التي يَصْعُب تمويلها تجاريًّا.
- تعزيز تعبئة الموارد المحلية بالتوازي مع رفع كفاءة استخدامها؛ من خلال تحسين الإدارة الضريبية والامتثال، وتوسيع القاعدة الضريبية ومراجعة الإعفاءات، إلى جانب تحسين تخصيص الإنفاق العام. ويَحُدّ هذا المسار من انتقال تكلفة تراجُع المعونة بصورة تلقائية إلى زيادة الاقتراض أو خفض الاستثمار التنموي.
- تسريع توطين البرامج المموَّلة خارجيًّا بصورة تدريجية ومدروسة عبر زيادة مساهمة الموازنات الوطنية، وبناء القدرات الفنية والإدارية، ودَمْج نظم المعلومات وسلاسل الإمداد وآليات التنفيذ داخل المؤسسات الوطنية، بحيث يشمل الانتقال نقل القدرة التنفيذية وليس التمويل فقط.
- إدارة أدوات التمويل البديل وفق طبيعة مخاطرها. وينبغي ألّا يؤدي التوسُّع في الاقتراض أو الشراكات والضمانات إلى خلق التزامات مالية مستقبلية تتجاوز قدرة الموازنات، مع إعطاء الأولوية للتمويل الميسّر في الدول ذات الحيّز المالي المحدود.
خاتمة:
تكشف التحولات الجارية في منظومة المساعدة الإنمائية أن إفريقيا جنوب الصحراء تدخل مرحلة جديدة في تمويل التنمية، لا تختفي فيها المعونة، لكنها تصبح أقل حجمًا واستقرارًا وقابلية للتنبؤ.
وقد أظهرت الدراسة أن أثر هذا التحوُّل لا يتحدَّد بحجم التخفيضات وحده، بل بقدرة كل دولة على تعبئة الموارد، وإدارة أوضاعها المالية، واستيعاب الوظائف التي كان التمويل الخارجي يدعمها.
ومِن ثَمَّ، فإن «ما بعد المعونة» لا يعني الاستغناء الكامل عن المساعدة الدولية، وإنما الانتقال نحو نموذج تمويلي أكثر تنوعًا تتوزع فيه وظائف المعونة بين الموارد المحلية والتمويل الميسَّر ورأس المال الخاص وغيرها من الأدوات وفق طبيعة كل وظيفة.
ويظلّ التحدي الأساسي هو تقليل الاعتماد الخارجي دون نقل تكلفة الانتقال بصورة مُفرطة إلى الدَّين أو الاستثمار العام أو الخدمات الأساسية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع وإحالات:
[1] Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD), “A Historic Decline in Foreign Aid: Preliminary 2025 ODA Data” Available at : https://www.oecd.org/en/data/insights/data-explainers/2026/04/a-historic-decline-in-foreign-aid-preliminary-2025-oda-data.html?.com
[2] OECD, “ODA Projections for 2026 and the Near-Term: Implications for Vulnerable Countries and Sectors,” OECD Policy Briefs, no. 59 (Paris: OECD Publishing, 2026). Available at : https://www.oecd.org/en/publications/oda-projections-for-2026-and-the-near-term_d7c74fa2-en/full-report.html?.com
[3] African Development Bank, Official Development Assistance, Governance and Economic Growth: What Are the Implications for Sub-Saharan Africa? Paper presented at the African Economic Conference, 2010. Available at : https://www.afdb.org/en/documents/document/aec-2010-official-development-assistance-governance-and-economic-growth-what-are-the-implications-for-sub-saharan-africa-21779?.com
[4] Christoph Zürcher, “In Focus: Aid Effectiveness in Afghanistan, Mali and South Sudan,” in Development Co-operation Report 2023: Debating the Aid System (Paris: OECD Publishing, 2023). Available at : https://www.oecd.org/en/publications/development-co-operation-report-2023_f6edc3c2-en/full-report/component-20.html?.com
[5] International Monetary Fund, African Department, “Aid Cuts in Sub-Saharan Africa: This Time Is Different,” chap. 2 in Regional Economic Outlook: Sub-Saharan Africa, April 2026: Hard-Won Gains Under Pressure (Washington, DC: International Monetary Fund, 2026) Available at : https://www.elibrary.imf.org/display/book/9798229042178/CH002.xml?.com .
[6] International Monetary Fund, “Aid Cuts in Sub-Saharan Africa: This Time Is Different.” Available at : https://www.elibrary.imf.org/display/book/9798229042178/CH002.xml?.com
[7] International Monetary Fund, “Aid Cuts in Sub-Saharan Africa: This Time Is Different.” Available at : https://www.elibrary.imf.org/display/book/9798229042178/CH002.xml?.com
[8] OECD, “ODA Projections for 2026 and the Near-Term.” Available at : https://www.oecd.org/en/publications/oda-projections-for-2026-and-the-near-term_d7c74fa2-en/full-report.html?.com
[9] OECD, “ODA Projections for 2026 and the Near-Term.” Available at : https://www.oecd.org/en/publications/oda-projections-for-2026-and-the-near-term_d7c74fa2-en/full-report.html?.com
[10] World Bank, “Central African Republic: Reforming Public Finances to Support Growth,” July 2, 2026. Available at : https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2026/07/02/central-african-republic-reforming-public-finances-to-support-growth?.com
[11] African Development Bank, “Ethiopia Economic Outlook,” African Economic Outlook 2026, 2026 Available at : https://www.afdb.org/en/countries/east-africa/ethiopia/ethiopia-economic-outlook?.com
[12] International Monetary Fund, “Aid Cuts in Sub-Saharan Africa: This Time Is Different.” Available at : https://www.elibrary.imf.org/display/book/9798229042178/CH002.xml?.com
[13] International Monetary Fund, “Aid Cuts in Sub-Saharan Africa: This Time Is Different.” Available at : https://www.elibrary.imf.org/display/book/9798229042178/CH002.xml?.com
[14] International Monetary Fund, “Aid Cuts in Sub-Saharan Africa: This Time Is Different.” Available at : https://www.elibrary.imf.org/display/book/9798229042178/CH002.xml?.com
[15] World Health Organization, Regional Office for Africa, “Health Financing.” Available at : https://www.afro.who.int/health-topics/health-financing?.com
[16] OECD, “ODA Projections for 2026 and the Near-Term.” Available at : https://www.oecd.org/en/publications/oda-projections-for-2026-and-the-near-term_d7c74fa2-en/full-report.html?.com
[17] OECD, “ODA Projections for 2026 and the Near-Term.” Available at : https://www.oecd.org/en/publications/oda-projections-for-2026-and-the-near-term_d7c74fa2-en/full-report.html?.com
[18] Ministry of Health, Uganda, “National Dialogue Calls for Bold Reforms as Uganda Reassesses Health Financing Amid Declining Donor Support,” May 6, 2025. Available at : https://health.go.ug/national-dialogue-calls-for-bold-reforms-as-uganda-reassesses-health-financing-amid-declining-donor-support/?.com
[19] Federal Ministry of Health and Social Welfare, Nigeria, “BRICS Meeting: Nigeria Reaffirms Commitment to Global Health Equity, Unveils Bold Health Sector Reforms,” June 18, 2025. Available at : https://health.gov.ng/brics-meeting-nigeria-reaffirms-commitment-to-global-health-equity-unveils-bold-health-sector-reforms/
[20] World Health Organization, The Impact of Suspensions and Reductions in Health Official Development Assistance on Health Systems: Rapid WHO Country Office Stock Take, April 10, 2025. Available at : https://www.who.int/publications/m/item/the-impact-of-suspensions-and-reductions-in-health-official-development-assistance-on-health-systems?.com
[21] World Health Organization, “WHO Issues Guidance to Address Drastic Global Health Financing Cuts,” November 3, 2025. Available at : https://www.who.int/news/item/03-11-2025-who-issues-guidance-to-address-drastic-global-health-financing-cuts?.com
[22] World Food Programme, “Funding Cuts: Six Critical WFP Operations at Risk,” October 15, 2025. Available at: https://www.wfp.org/stories/funding-cuts-six-critical-wfp-operations-risk?.com
[23] World Food Programme, “WFP Warns of Imminent Food Assistance Cuts in Nigeria as Violence and Hunger Surges across the North,” January 22, 2026. Available at: https://www.wfp.org/news/wfp-warns-imminent-food-assistance-cuts-nigeria-violence-and-hunger-surges-across-north?.com
[24] International Monetary Fund, “Aid Cuts in Sub-Saharan Africa: This Time Is Different.” Available at : https://www.elibrary.imf.org/display/book/9798229042178/CH002.xml?.com
[25] International Monetary Fund, “Aid Cuts in Sub-Saharan Africa: This Time Is Different.” Available at : https://www.elibrary.imf.org/display/book/9798229042178/CH002.xml?.com
[26] World Bank, From Rates to Results: Strengthening Domestic Revenue Mobilization in Uganda (Washington, DC: World Bank Group, July 15, 2026). Available at : https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/099071526085536835?.com
[27] African Development Bank, “Sierra Leone Economic Outlook,” African Economic Outlook 2026, 2026. Available at : https://www.afdb.org/en/countries-west-africa-republic-sierra-leone/sierra-leone-economic-outlook?.com
[28] World Bank, “World Bank Steps Up Support for Ethiopia’s Economic Reforms with $1 Billion Development Policy Operation,” July 3, 2025. Available at : https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2025/07/03/world-bank-steps-up-support-for-ethiopia-economic-reforms-with-1-billion-development-policy-operation?.com
[29] UNICEF Eastern and Southern Africa, Financing Shock-Responsive Social Protection in Eastern and Southern Africa (December 2025). Available at : https://www.unicef.org/esa/reports/financing-shock-responsive-social-protection-eastern-and-southern-africa
[30] Zambia Institute for Policy Analysis and Research and United Nations in Zambia, 2026 Social Sector Budget Analysis Report: From Coverage to Impact, Sustaining Gains in Zambia’s Social Sector (October 2025). Available at : https://www.unicef.org/zambia/reports/2026-social-sector-budget-analysis-report?.com
[31] African Development Bank Group, African Economic Outlook 2026: Mobilizing Africa’s Development Financing at Scale in a Fragmented World (Abidjan: African Development Bank Group, 2026). Available at : https://www.afdb.org/en/knowledge/publications/african-economic-outlook?.com
[32] International Monetary Fund, “Aid Cuts in Sub-Saharan Africa: This Time Is Different.” Available at : https://www.elibrary.imf.org/display/book/9798229042178/CH002.xml?.com
[33] United Nations Office of the Special Adviser on Africa, Financing for Development in the Era of COVID-19: The Primacy of Domestic Resources Mobilization (New York: United Nations, 2022). Available at : https://www.un.org/osaa/en/content/financing-development-era-covid-19-primacy-domestic-resources-mobilization?.com
[34] African Development Bank Group, African Economic Outlook 2026. Available at : https://www.afdb.org/en/knowledge/publications/african-economic-outlook?.com
[35] International Monetary Fund, “Aid Cuts in Sub-Saharan Africa: This Time Is Different.” Available at : https://www.elibrary.imf.org/display/book/9798229042178/CH002.xml?.com
[36] International Monetary Fund, “Aid Cuts in Sub-Saharan Africa: This Time Is Different.” Available at : https://www.elibrary.imf.org/display/book/9798229042178/CH002.xml?.com










































