جمع وإعداد: د. عباس إسماعيل
محاضر بكل من: معهد لومي للثقافة الإسلامية- لومي،
وجامعة السلام للعلوم والتنمية- لومي
المقدمة:
لقد ضنّت المصادر التاريخية بالمعلومات التفصيلية حول المظاهر الإسلامية وتجلياتها الثقافية وأثرها في البناء الحضاري لمملكة غانة خلال القرن الخامس الهجري، حيث لم تصلنا نصوصٌ وافية ترصد بدقة جميع أبعاد هذا التأثير، وإنما وردت إشاراتٌ متفرقة في بعض المصادر الجغرافية والتاريخية، تكشف جانباً من الواقع الإسلامي في تلك المرحلة دون استيعابٍ شاملٍ له.
لكنّ ذلك لا يعني عدم وجود مظاهر أو ثقافة إسلامية في تلك المرحلة وجوداً كلياً، وإنما كان حضورها محدوداً ومتمايزاً في بعض الجوانب، وإن كان ذلك الوجود الضئيل كافياً للدلالة على بدايات التأثير الإسلامي في البناء الحضاري للمملكة. ومن ثَمَّ فإن ندرة المعالجة التفصيلية لهذا الجانب في الدراسات السابقة أدت إلى غياب دراسة علمية شاملة تتناول هذا الموضوع بصورةٍ مستقلةٍ وموسَّعة، حيث لم تحظَ المظاهرُ الإسلامية في مملكة غانة– على وجه الخصوص– بعنايةٍ بحثية كافية تُبرز أبعادها الحضارية بشكلٍ دقيق.
وهذا ما دفعني إلى اختيار هذا الموضوع: «المظاهر الإسلامية وأثرها في البناء الحضاري لمملكة غانة خلال القرن الخامس الهجري: دراسة تاريخية تحليلية» للدراسة، بهدف تتبُّع المظاهر الإسلامية الواردة في المصادر التاريخية وجمعها، ثم تحليلها للكشف عن أبعادها الحضارية ودورها في البناء الحضاري لمملكة غانة خلال تلك المرحلة.
أولاً: أهمية الدراسة:
تتجلّى أهمية هذه الدراسة في كونها تتناول موضوعاً تاريخياً حضارياً ذا صلةٍ وثيقة بتاريخ غرب إفريقيا الإسلامي، إذ تسعى إلى إبراز المظاهر الإسلامية في مملكة غانة خلال القرن الخامس الهجري، بوصفها واحدةً من أقدم الممالك التي شهدت تفاعلاً مبكراً مع الإسلام في المنطقة.
كما تكمن أهمية الدراسة في أنها:
1- تُسهم في توضيح جانبٍ مهم من تاريخ انتشار الإسلام في غرب إفريقيا، الذي ما يزال يحتاج إلى مزيدٍ من البحث والتحقيق.
2- تُبرز الأثر الحضاري للإسلام في تشكيل بعض ملامح الحياة الدينية والعمرانية والثقافية في مملكة غانة.
3- تُسهم في سدّ النقص في الدراسات المتخصصة التي تناولت هذا الجانب بشكلٍ مستقل ومُفصّل.
ثانياً: إشكالية الدراسة:
تنطلق إشكالية هذه الدراسة من محدودية المعالجات العلمية المتخصصة التي تناولت المظاهر الإسلامية في مملكة غانة خلال القرن الخامس الهجري، وتشتُّت المعلومات في المصادر التاريخية والجغرافية، مما يجعل الصورة غير مكتملة المعالم.
وعليه؛ يمكن صياغة الإشكالية الرئيسة في السؤال الآتي:
ما أبرز المظاهر الإسلامية في مملكة غانة خلال القرن الخامس الهجري، وما أثرها في البناء الحضاري للمملكة؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية، منها:
1- ما طبيعة انتشار الإسلام في مملكة غانة ووسائله؟
2- ما أهم المظاهر الدينية والعمرانية والثقافية الإسلامية فيها؟
3- كيف أسهمت هذه المظاهر في البناء الحضاري للمملكة؟
4- وما مدى تأثير التعايش بين المسلمين وغير المسلمين في تشكيل الواقع الحضاري آنذاك؟
ثالثاً: حدود الدراسة:
تتحدد هذه الدراسة– من حيث موضوعها وزمانها ومكانها– على النحو الآتي:
1- الحدود الموضوعية: تقتصر هذه الدراسة على المظاهر الإسلامية في مملكة غانة وأثرها في البناء الحضاري، من حيث الجوانب الدينية والعمرانية والثقافية والاجتماعية، دون التوسع في دراسة التاريخ السياسي العام للمملكة إلا بقدر ما يخدم موضوع البحث.
2- الحدود الزمانية: تتناول الدراسة الفترة التاريخية الممتدة خلال القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، بوصفها مرحلة بارزة في ازدهار مملكة غانة وظهور التأثير الإسلامي فيها بشكل أوضح.
3- الحدود المكانية: تنحصر الدراسة في نطاق مملكة غانة التاريخية في غرب إفريقيا، وخاصةً عاصمتها «كومبي صالح» والمناطق التابعة لها، ضمن حدودها الجغرافية في تلك المرحلة، والتي تشمل أجزاءً من موريتانيا الحالية ومالي والسنغال وما جاورها.
رابعاً: منهج الدراسة:
اعتمدت هذه الدراسة على المنهج التاريخي التحليلي بوصفه المنهج الأنسب لطبيعة موضوعها، حيث يقوم هذا المنهج على جمع المادة التاريخية من مصادرها الأصلية والثانوية، ثم تحليلها ومناقشتها واستخلاص الدلالات الحضارية منها.
خامساً: الدراسات السابقة:
بالنظر إلى موضوع هذه الدراسة المتعلق بـ«المظاهر الإسلامية وأثرها في البناء الحضاري لمملكة غانة خلال القرن الخامس الهجري»، فإن الدراسات المتخصصة التي تناولت هذا الجانب تناولاً مستقلاً ومركّزاً تكاد تكون نادرة، ولم أعثر– في حدود اطلاعي– على دراسةٍ أفردت هذا الموضوع بالبحث التفصيلي الدقيق، غير أن هناك عدداً من الكتب والدراسات التي أشارت إليه ضمن سياقاتٍ أوسع تتعلق بتاريخ غرب إفريقيا أو انتشار الإسلام فيها.
سادساً: هيكل الدراسة:
تنتظم هذه الدراسة في ثلاثة مباحث رئيسة، يندرج تحت كل مبحث ثلاثة مطالب، بالإضافة إلى خاتمة وفهرسٍ للمصادر والمراجع، وذلك على النحو الآتي:
المبحث الأول: مملكة غانة: النشأة، والامتداد، ودخول الإسلام: ويتناول المصادر الأساسية التي اعتمدت عليها الدراسة، والتعريف بإمبراطورية غانة من حيث نشأتها وامتدادها الجغرافي، ثم دخول الإسلام إليها ومراحل انتشاره فيها.
المبحث الثاني: المظاهر الحضارية الإسلامية في مملكة غانة: ويتناول المظاهر الحضارية التي أسهم الإسلام في ترسيخها داخل المملكة، من خلال دراسة العمران والمساجد وطراز البناء، واللغة والتعليم، والقيم الإسلامية وأثرها الاجتماعي.
المبحث الثالث: المظاهر السياسية والاقتصادية وأثرها في ازدهار مملكة غانة: ويتناول النظم السياسية والاقتصادية التي أسهمت في قوة المملكة وازدهارها، من خلال دراسة الإدارة ونظام الحكم، والتجارة وأثرها في الازدهار الحضاري، والنظام المالي والضريبي وأثره في تقوية الدولة.
الخاتمة: وتتضمن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة، وأهم الاستنتاجات المتعلقة بالمظاهر الإسلامية وأثرها في البناء الحضاري لمملكة غانة.
فهرس المصادر والمراجع: ويشتمل على جميع المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها الدراسة، مرتبةً وفق المنهج العلمي المتبع في البحث.
المبحث الأول: مملكة غانة: النشأة، والامتداد، ودخول الإسلام:
تُعَدُّ مملكة غانة من أبرز الممالك التي قامت في غرب إفريقيا خلال العصور الوسطى، وقد عُرفت بقوتها السياسية وازدهارها الاقتصادي، مستفيدةً من موقعها الإستراتيجي بين نهري السنغال والنيجر، وسيطرتها على طرق التجارة العابرة للصحراء.
وقد شهدت هذه المملكة تحولاتٍ حضارية ودينية مهمة، كان من أبرزها دخول الإسلام إليها وانتشاره تدريجياً عن طريق التجار والدعاة المسلمين، ثم تعزُّز حضوره في مرحلة المرابطين. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن نشأة إمبراطورية غانة، وامتدادها الجغرافي، ثم دخول الإسلام إليها وأثره في تطورها الحضاري.
المطلب الأول: المصادر الأساسية التي اعتمدت عليها الدراسة:
على الرغم من تعدد المصادر والمراجع التي تناولت تاريخ مملكة غانة الإسلامية، فإن المعلومات المتعلقة بها جاءت في كثير من الأحيان متناثرة ومقتضبة، ولم تُفرِد لها معظم المصادر القديمة معالجةً مستقلةً ومفصّلةً. ولذلك اعتمدت هذه الدراسة على مصدرٍ تاريخيٍ أصيل يُعدُّ الأساس في جمع مادتها العلمية، ومرجعٍ حديثٍ متخصص تناول تاريخ الإمبراطورية بصورة أكثر شمولاً، ثم استعانت بعدد من المصادر والمراجع المساندة لاستكمال الصورة التاريخية وتحليلها.
أولاً: المصدر الأساسي القديم:
كتاب: (المسالك والممالك)، المؤلف: أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي (ت 487هـ)، الناشر: دار الغرب الإسلامي، 1992م.
يُعدُّ كتاب المسالك والممالك من أهم المصادر الجغرافية والتاريخية التي تناولت مملكة غانة، بل يُمثل المصدر الرئيس الذي استندت إليه معظم الدراسات اللاحقة في الحديث عن هذه المملكة. وقد قدّم البكري معلوماتٍ دقيقةً عن أوضاع غانة السياسية والاجتماعية والاقتصادية خلال القرن الخامس الهجري، فوصف عاصمتها «كومبي صالح»، وتحدث عن نظام الحكم فيها، وعلاقاتها التجارية، كما أورد معلوماتٍ مهمة عن الوجود الإسلامي ومظاهره الحضارية والثقافية داخل المملكة.
وتزداد أهمية هذا المصدر من كونه قريباً من الفترة التاريخية محل الدراسة، فضلاً عن اعتماده على روايات الرحالة والتجار الذين كانت لهم صلات مباشرة ببلاد السودان الغربي.
ثانياً: المرجع الأساسي الحديث:
كتاب: (إمبراطورية غانة الإسلامية)، المؤلف: د. إبراهيم علي طرخان، الناشر: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1390هـ/1970م.
يُعدُّ هذا الكتاب من أبرز الدراسات الحديثة المتخصصة في تاريخ مملكة غانة؛ إذ خصصه مؤلفه لدراسة الإمبراطورية دراسةً مستقلةً، مستفيداً من المصادر العربية القديمة والكتابات التاريخية الحديثة. وقد أسهم الكتاب في سد جانبٍ من النقص الموجود في الدراسات المتعلقة بتاريخ الحضارة الإسلامية في غرب إفريقيا عامة، ومملكة غانة خاصة.
وقد قسّم المؤلف كتابه إلى أربعة فصول وخاتمة؛ تناول في الفصل الأول نشأة إمبراطورية غانة وتطورها السياسي، وفي الفصل الثاني انتشار الإسلام فيها ومظاهره، بينما خصص الفصل الثالث للحديث عن عوامل ضعفها وسقوطها، أما الفصل الرابع فتناول الأحوال العامة في الإمبراطورية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية.
وقد اعتمدت الدراسة على هذا المرجع اعتماداً كبيراً؛ لما يتميز به من جمعٍ للمادة التاريخية المتفرقة، وتحليلٍ للأحداث والظواهر الحضارية المرتبطة بالمملكة.
ثالثاً: المصادر والمراجع المساندة:
إلى جانب المصدر والمرجع الأساسيَّين، استعانت الدراسة بعددٍ من المصادر والمراجع التي تناولت جوانب مختلفة من تاريخ مملكة غانة أو تاريخ غرب إفريقيا الإسلامي عموماً، ومن أهمها:
1- نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، لمحمد بن محمد بن عبد الله الإدريسي (ت 560هـ). الناشر: عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، عام 1409ه.
2- ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر (تاريخ ابن خلدون)، لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون (ت 808هـ)، تحقيق: خليل شحادة، الناشر: دار الفكر، بيروت، ط2، 1408هـ/1988م.
3- صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، لأحمد بن علي القلقشندي (ت 821هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت.
4- تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس، لمحمود كعت التنبكتي، دراسة وتعليق: د. آدم بمبا، الناشر: مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق/سوريا، الطبعة الأولى، عام: 1435هـ/2014م.
5- الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فوديو الفلاني، لآدم عبد الله الإلوري، تقديم: عبد الحفيظ أولادوسو، الناشر: دار الكتاب المصري- القاهرة، عام: 1435هـ/2014م.
وقد أفادت هذه المصادر والمراجع في استكمال بعض المعلومات المتعلقة بتاريخ غانة، وتأكيد بعض الروايات الواردة في المصادر الأساسية، وإبراز جوانب حضارية وسياسية واقتصادية لم تتناولها بعض المصادر الأخرى. ومع ذلك، فإن معظمها اعتمد– بصورة مباشرة أو غير مباشرة– على ما أورده البكري ومن جاء بعده من المؤرخين والجغرافيين، مما يجعل كتاب المسالك والممالك المصدر الأهم والأكثر تأثيراً في دراسة تاريخ مملكة غانة الإسلامية.
المطلب الثاني: التعريف بمملكة غانة ونشأتها وامتدادها الجغرافي:
إنّ الحديثَ عن غانة هنا لا يُراد به دولة «غانا» المعاصرة التي تقع اليوم في أقصى الجنوب من غرب إفريقيا، وعاصمتها مدينة «أكرا»، والتي تحدُّها دولة توغو شرقاً، وإنما المقصود مملكة غانة التاريخية التي قامت بين نهري السنغال والنيجر، وامتد نفوذها إلى جنوبي موريتانيا الحالية. وكانت عاصمتها مدينةً تُعرف باسم «كومبي صالح» Koumbi Saleh، وتقع على بُعد نحو (200) ميل شمال مدينة «باماكو» عاصمة جمهورية مالي الحالية.
وكان لفظ «غانة» في الأصل لقباً يُطلق على ملوك تلك المملكة، ثم اتسع استعماله مع مرور الزمن حتى أصبح اسماً يُطلق على العاصمة، ثم على الإمبراطورية بأسرها[1].
قد تعدَّدت آراء الباحثين واختلفت حول تاريخ نشأة مملكة غانة؛ فذهب بعضهم إلى أن نشأتها تعود إلى القرن الثاني الميلادي، بينما يرى آخرون أنها نشأت ما بين القرنين الرابع والسابع الميلاديين، ولذلك ظلت أصول نشأتها يشوبها شيءٌ من الغموض. غير أن غالبية الباحثين يميلون إلى أن مملكة غانة قد ظهرت بصورة واضحة منذ مطلع القرن الثامن الميلادي، حيث بدأت معالمها التاريخية تتضح، وأصبحت مقصداً للرحالة والمؤرخين. وإلى ذلك يشير محمود كعت في كتابه «تاريخ الفتاش» إلى صعوبة التحقُّق من أخبار ملوك غانة الأوائل، وذلك لبُعد العهد بهم، وندرة المصادر الموثوقة التي تناولت تاريخهم، إذ يقول: «وقد بَعُد زمانهم ومكانهم علينا، ولا يتأتى لمؤرخ في هذا اليوم أن يأتي بصحة شيء من أمورهم يقطع بها، ولم يتقدّم لهم تاريخ فيُعتمد عليه»[2].
شملت مملكة غانة مناطق واسعة من غرب إفريقيا، فامتد نفوذها ليشمل معظم أراضي موريتانيا الحالية، والجزء الشرقي من السنغال، وبعض المناطق من غامبيا، ونيجيريا شرقاً.
وفي عام 338هـ/990م، وصل نفوذ غانة إلى مدينة أودغست[3]، وشملت عدّة ولايات وإمارات، وكان تحت يد ملوك غانة عدّة ملوك وممالك، وقد ذكر البكري أن الحدود الشمالية الغربية لمملكة غانة كانت تمتد إلى حدود مدينة «سِلَا»[4] الواقعة على نهر السنغال، وأن المسافة بينها وبين مدينة غانة كانت تُقدَّر بنحو عشرين يوماً، تمرُّ خلالها القوافل بقبائل السودان المتعاقبة قبيلةً بعد أخرى[5].
وقد أكدت بعض الدراسات الحديثة هذا الاتساع الجغرافي لإمبراطورية غانة؛ إذ يقول آدم عبد الله الإلوري- رحمه الله-: «وقد امتدت حدود مملكة غانة إلى بلاد نيجيريا شرقاً، وحدود الصحراء شمالاً، والغابات الاستوائية جنوباً، والمحيط الأطلسي غرباً»[6].
كما يرى الدكتور إبراهيم طرخان أن هذه الإمبراطوريات الإفريقية كانت تمتد جغرافياً من المحيط الأطلسي غرباً إلى بحيرة تشاد شرقاً، وأن المناطق التي شغلتها كانت تقع شمال الغابات الاستوائية وجنوب الصحراء الكبرى، أي ضمن نطاق السافانا؛ ولذلك تُوصَف أحياناً بـ«إمبراطوريات السافانا»[7].
ومن خلال تتبُّع النصوص السابقة يمكن استخراج أهم الدول والمناطق الحالية التي أشار الباحثون إلى أن إمبراطورية غانة كانت تشملها أو يمتد إليها نفوذها، وهي:
▪ موريتانيا الحالية.
▪ السنغال.
▪ غامبيا.
▪ مالي الحالية.
▪ بعض المناطق المتصلة بنيجيريا الحالية.
▪ مناطق قريبة من بحيرة تشاد شرقاً.
▪ أجزاء من نطاق السافانا الإفريقية الواقعة بين الصحراء الكبرى والغابات الاستوائية.
▪ المناطق الساحلية القريبة من المحيط الأطلسي غرباً.
كما تُظهر هذه الأقوال أن الامتداد الجغرافي للإمبراطورية كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالطرق التجارية الكبرى، خاصةً الطرق الرابطة بين شمال إفريقيا وبلاد السودان الغربي، وهو ما أسهم في تعزيز قوتها الاقتصادية والسياسية، وجعلها مركزاً مهماً للتبادل التجاري والثقافي في المنطقة.
وقد شهدت تلك الأقاليم الواقعة بين نهري السنغال والنيجر نشوء حضاراتٍ راقية، تجلَّت مظاهرها في قيام مملكة غانة وازدهارها السياسي والاقتصادي.
المطلب الثالث: دخول الإسلام إلى مملكة غانة وانتشاره:
إنّ الحديث عن الإسلام وحركته في إمبراطورية غانة يقتضي– ابتداءً– الحديث عن دخول الإسلام إلى غرب إفريقيا عموماً؛ لوجود صلة وثيقة بين انتشار الإسلام في تلك المنطقة ووصوله إلى مملكة غانة.
وقد اختلفت المصادر التاريخية في تحديد الزمن الذي دخل فيه الإسلام إلى غرب إفريقيا، غير أن الرأي الذي مال إليه كثيرٌ من الباحثين المعاصرين، وأيدته بعض الشواهد التاريخية، يتمثل في أن الإسلام وصل إلى أجزاءٍ من غرب إفريقيا منذ القرن الأول الهجري.
وفي هذا السياق، يشير الدكتور عبد الله إدريس ميغا[8]– حفظه الله- قائلاً: «وقد لا يعلم الكثير من الناس أن عقبة بن نافع القرشي الفهري بعد اختراقه الصحراء والواحات من (فزان) إلى (كوار)، وأنه حاصر خاوار عاصمة الإقليم… «وكاوار» تقع في الشمال الشرقي بجمهورية النيجر (حالياً) على الحدود بينها وبين ليبيا. وما زال يحمل نفس الاسم»[9].
ويؤكِّد هذا المعنى الدكتور علي يعقوب[10] بقوله: «تُعتبر- النيجر- من الدول التي وصلها الإسلام في وقت مبكّر جداً؛ وذلك في القرن الأول الهجري، السابع الميلادي على يد التابعي الجليل عقبة بن نافع الفهري عام 46 الهجري، الموافق 666 الميلادي؛ حيث توغّل في الصحراء الكبرى بعد فتحه لمنطقة فزَّان- في ليبيا-، ثم تابع فتوحاته الإسلامية نحو الجنوب حتى وصل إلى منطقة (كوار) الواقعة في طرف الشمال الشرقي للنيجر. وتحمل المنطقة حتى اليوم الاسم نفسه، وتقع في محافظة (بِلما) في منطقة أغاديس- فحارب أهلها، وأدخلهم في الإسلام، ثم رجع إلى غدامس، فكان هذا أول وصول الإسلام إلى جزء من أجزاء النيجر»[11].
وتُعزِّز المصادر التاريخية هذا الاتجاه؛ فقد ذكرت كتب التراجم والسير أن عقبة بن نافع وُلد في حياة النبي ﷺ، وشارك في الفتوحات الإسلامية المبكرة. وقد ذكر خير الدين الزركلي أن عقبة شهد فتح مصر، وأن عمرو بن العاص وجَّهه إلى إفريقية والياً سنة (42هـ)[12].
كما تذكر المصادر التاريخية أن عقبة افتتح غدامس[13] سنة (42هـ)، ثم توجَّه بعد ذلك إلى مناطق السودان، فافتتح «كوار» سنة (43هـ)[14]. وقد أشار خليفة بن خياط إلى ذلك بقوله: «وفيها غزا عُقبَة بن نَافِع الفِهري، وافتتح كوار من بلاد السودان، وافتتح ودان[15]، وهي من حيّز برقة، وكلها من بلاد إفريقية»[16].
وقد أيّد هذا القول-أيضاً- د. علي محمد محمد الصلابي بقوله: «واتجه إلى فزان، فلما دنا منها دعاهم إلى الإسلام فأجابوا، ثم واصل فتوحاته، فتح قصور كوَّار، وخاور وغدامس وغيرها»[17].
وتدل هذه الأقوال مجتمعةً على أن الإسلام قد وصل إلى بعض مناطق غرب إفريقيا في وقتٍ مبكر، يرجع إلى القرن الأول الهجري، وذلك من خلال الحملات والفتوحات التي قادها عقبة بن نافع في المناطق الواقعة شمال شرقي النيجر الحالية، ولا سيما منطقة «كوار». غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن هذا الوصول المبكر لا يعني بالضرورة انتشار الإسلام انتشاراً واسعاً ومستقرّاً في جميع أنحاء غرب إفريقيا آنذاك، بل كان بدايةً لاحتكاك المنطقة بالإسلام، قبل أن يتوسَّع انتشاره لاحقاً عبر التجارة، والهجرات، والدعاة، وطرق القوافل الصحراوية.
ثم أخذ الإسلام ينتشر في غرب إفريقيا بصورةٍ تدريجية، وكان للتجارة العابرة للصحراء الدورُ الأكبر في هذا الانتشار؛ إذ انتقل الإسلام إلى كثيرٍ من مناطق السودان الغربي عن طريق التجار المسلمين الذين حملوا معهم قيم الإسلام وتعاليمه، دون أن يكون ذلك– في بداياته– قائماً على تنظيم دعوي رسمي أو نشاط تبشيري واسع تقوده جهات محددة.
وهكذا وصل الإسلام إلى إمبراطورية غانة في وقتٍ مبكر، وانتشر فيها انتشاراً سلميّاً عن طريق التجار والدعاة المسلمين. ويؤكِّد ذلك ما أورده الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري في وصفه لمدينة غانة عند حديثه عن أحوالها سنة (460هـ/1068م)، حيث ذكر أن مدينة «غانة» كانت تتكوَّن من مدينتين متجاورتين يحيط بهما سور، إحداهما يسكنها المسلمون، والأخرى مدينة الملك وسكانها من غير المسلمين[18]. وأشار الإدريسي إلى وجود المسلمين في غانة، قال: «وغانة مدينتان على ضفتي البحر الحلو، وهي أكبر بلاد السودان قطراً وأكثرها خلقاً وأوسعها متجراً، وإليها يقصد التجار المياسير من جميع البلاد المحيطة بها ومن سائر بلاد المغرب الأقصى، وأهلها مسلمون»[19].
ويدل هذا الوصف على أن الإسلام كان قد وجد له موطئ قدمٍ داخل إمبراطورية غانة في مرحلة مبكرة، وأن المسلمين أصبحوا يُشكِّلون جماعةً ذات حضور ديني وتجاري واجتماعي واضح. كما يكشف عن طبيعة التعايش الذي كان قائماً بين المسلمين وغير المسلمين داخل الإمبراطورية، الأمر الذي ساعد على انتشار الإسلام بين سكان المنطقة بصورة تدريجية وسلمية.
ومع أن الحركة الإسلامية في بداياتها كانت محدودة نسبيّاً، فإن الإسلام ظل ينتشر شيئاً فشيئاً في القرى والمدن، وازداد عدد الداخلين فيه مع مرور الزمن، حتى جاءت مرحلة المرابطين التي مثلت نقطة تحوُّل مهمّة في تاريخ الإسلام بغرب إفريقيا، حيث ارتبط انتشار الإسلام بعد ذلك بحركات الإصلاح والجهاد والفتوحات.
وهذا يدل على أن الإسلام قد شق طريقه إلى مملكة غانة منذ الفتوحات الأولى في القرن الأول الهجري، وقد أشار الدكتور إبراهيم طرخان إلى ذلك بقوله: «والراجح أن أعداداً كبيرة من سكان غانة قد اعتنق الإسلام، وأن مظاهر هذا الدين، من الشعائر والمساجد والثقافة واللغة العربية، قد وجدت طريقها إلى غانة في زمن مبكر قبل دور المرابطين»[20]. ويؤكد هذا ما ذكره القلقشندي بقوله: «قال في «العبر»: وكان أهلها قد أسلموا في أوّل الفتح الإسلامي»[21].
ثمَّ ازداد نفوذُ الإسلام في إمبراطورية غانة مع ظهور حركة المرابطين، التي اتجهت نحو غرب إفريقيا في إطار حركةٍ إصلاحية وجهادية هدفت إلى نشر الإسلام وتعزيز حضوره في المناطق التي كانت لا تزال تنتشر فيها الوثنية على نطاق واسع، وكان الإسلام فيها محدود الانتشار بين بعض الفئات السكانية.
وقد استطاع المرابطون التوغُّل في مناطق السودان الغربي حتى بلغوا منحنى نهر النيجر، كما دخلوا مدينة «أودغشت» سنة (453هـ/1061م تقريباً)، وكانت تُعدُّ من المراكز التجارية المهمة المرتبطة بإمبراطورية غانة. وتذكر بعض المصادر التاريخية أن المرابطين تمكَّنوا سنة (469هـ/1076م) من دخول عاصمة غانة «كومبي صالح»، مما أسهم في تعزيز النفوذ الإسلامي داخل الإمبراطورية، وتقوية الوجود الإسلامي في المنطقة[22].
وقد أشار المؤرخ ابن خلدون إلى هذا التحول بقوله: «ثم إن أهل غانية ضعف مُلكهم وتلاشى أمرهم واستفحل أمر الملثّمين المجاورين لهم من جانب الشمال مما يلي البربر كما ذكرناه، وعبروا على السودان واستباحوا حماهم وبلادهم واقتضوا منهم الإتاوات والجزى، وحملوا كثيراً منهم على الإسلام فدانوا به»[23].
ويُفهم من كلام ابن خلدون أن ضعف السلطة السياسية في غانة تزامن مع صعود قوة المرابطين، الذين تمكنوا من توسيع نفوذهم جنوباً نحو بلاد السودان الغربي. كما يشير النص إلى أن الإسلام في هذه المرحلة لم يعد مقتصراً على التجار والعلماء والجاليات المسلمة المقيمة في المدن، بل اتسع نطاقه ليشمل شرائح أوسع من السكان نتيجة التأثير السياسي والعسكري للمرابطين.
ويرى بعض الباحثين أن حركةَ المرابطين أسهمت بصورةٍ كبيرة في ترسيخ الإسلام داخل إمبراطورية غانة، حتى أصبح الإسلام بعد ذلك الدينَ الغالب في كثيرٍ من مناطقها، وتعزَّزت مظاهر الحياة الإسلامية فيها سياسياً واجتماعياً وثقافياً. ومن ثَمَّ أخذت مملكة غانة تدخل مرحلةً جديدة من تاريخها يمكن وصفها بمرحلة «غانة الإسلامية»، واستمر حضورها في التاريخ الإسلامي لغرب إفريقيا إلى أن ضعفت واختفى كيانها السياسي مع مطلع القرن الثالث عشر الميلادي [24].
المبحث الثاني: المظاهر الحضارية الإسلامية في مملكة غانة:
لعبت إمبراطورية غانة دوراً حضارياً بارزاً في تاريخ غرب إفريقيا، ولا سيما بعد انتشار الإسلام فيها منذ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، حيث أسهم الوجود الإسلامي في إحداث تحوُّلات دينية وثقافية وعمرانية كان لها أثرٌ واضح في تكوين البنية الحضارية للمملكة. وقد تجلَّت هذه المظاهر بصورةٍ خاصة في العاصمة «كومبي صالح»، التي أصبحت نموذجاً للتفاعل الحضاري بين الثقافة الإسلامية والتقاليد الإفريقية المحلية.
وقد ظهرت آثار الحضارة الإسلامية في مملكة غانة في عددٍ من الجوانب، من أبرزها: العمران، وبناء المساجد، وظهور التعليم الديني، وانتشار اللغة العربية، وازدهار الحياة التجارية والإدارية ذات الطابع الإسلامي.
المطلب الأول: العمران والمساجد وطراز البناء:
أولاً: تخطيط العاصمة:
تُعدُّ العاصمة «كومبي صالح» من أبرز النماذج العمرانية التي عكست طبيعة التعايش الديني والحضاري في مملكة غانة، إذ كانت مقسومةً إلى مدينتين متجاورتين: إحداهما يسكنها المسلمون، وتضم عدداً من المساجد والمرافق الدينية والتعليمية، والأخرى يقيم فيها الملك وأهل مملكته من غير المسلمين.
ويُبرز هذا التقسيم العمراني طبيعة التنظيم الاجتماعي داخل المملكة، حيث استقل المسلمون بحيٍّ خاصٍّ بهم، تميَّز بوضوح الملامح الإسلامية في التخطيط والبناء، في حين بقيت المدينة الملكية مرتبطة بالسلطة السياسية التقليدية.
ويُعدُّ المسجد من أهم معالم هذا الحي الإسلامي، بل يمثل مركز الحياة الدينية والتعليمية؛ إذ كان المسلمون يقيمون فيه شعائرهم، ويتلقون فيه التعليم، ويجتمعون للعبادة والتوجيه، مما دفع سكان غانة المسلمين إلى الاهتمام ببناء المساجد وتكثيرها والعناية بها.
وقد وصف الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري مدينة غانة وصفاً دقيقاً، مبيناً أنها كانت تنقسم إلى حيٍّ إسلامي وحيٍّ ملكي، حيث قال في شأن الحي الإسلامي إنه يضم اثني عشر مسجداً تُقام الجمعة في أكبرها، ويقوم عليها أئمة ومؤذنون وقرّاء ومعلمون، كما أشار إلى وجود مسجد قريب من قصر الملك يصلّي فيه المسلمون من حاشيته، فقال: «ومدينة غانة مدينتان سهليّتان، إحداهما المدينة الّتي يسكنها المسلمون، وهي مدينة كبيرة فيها اثنا عشر مسجداً، أحدها يجمعون فيه، ولها الأئمّة والمؤذنون… ومدينة الملك على ستة أميال من هذه وتُسمّى بالغابة… وفي مدينة الملك مسجد يصلّي فيه من يفد عليه من المسلمين، على مقربة من مجلس حكم الملك»[25].
ويكشف هذا الوصف الذي أورده الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري عن جملةٍ من الدلالات الحضارية العميقة التي تعكس مدى تغلغل الإسلام في البنية الاجتماعية والعمرانية لمملكة غانة خلال القرن الخامس الهجري، ومن أبرز هذه الدلالات ما يأتي:
1- كثافة وجود المساجد في الحي الإسلامي: إن وجود اثني عشر مسجداً في حيٍّ واحد يدل على اتساع عدد المسلمين داخل العاصمة، وعلى رسوخ الوجود الإسلامي فيها؛ إذ إن كثرة المساجد لا تكون عادةً إلا في المجتمعات التي شهدت استقراراً دينياً واجتماعياً واضحاً. كما يُفهم من ذلك أن المسلمين لم يكونوا مجرد جماعات تجارية عابرة، بل أصبحوا مكوِّناً أساسياً من مكوِّنات المجتمع الغاني.
2- وجود تنظيم ديني متكامل: يشير ذكر الأئمة والمؤذنين والقرَّاء والمعلمين إلى وجود مؤسسة دينية منظَّمة تقوم على إدارة الشؤون التعبدية والتعليمية، وهو ما يعكس درجةً من الاستقرار الحضاري والتنظيم الاجتماعي داخل المجتمع الإسلامي في غانة. كما يدل ذلك على أن الإسلام لم يقتصر على مجرد الاعتقاد الديني، بل صاحبه بناءٌ مؤسسي ساعد على ترسيخ التعاليم الإسلامية ونقلها إلى الأجيال.
3- ارتباط المسجد بالوظائف التعليمية والدعوية: لم يكن المسجد في مملكة غانة مكاناً للصلاة فحسب، بل كان مركزاً لنشر العلم وتعليم القرآن واللغة العربية وأحكام الدين، الأمر الذي يُبرز الدور الحضاري للمسجد في نشر الثقافة الإسلامية. ومن ثَمَّ أصبح المسجد أداةً مهمة في عملية التحوّل الثقافي والفكري داخل المجتمع، وأسهم في تكوين نخبةٍ دينية وعلمية كان لها أثرٌ في استمرار انتشار الإسلام في المنطقة.
4- وجود تواصل ديني بين المسلمين ومركز الحكم: إن وجود مسجد بالقرب من مجلس الملك يدل على حضور المسلمين داخل الدائرة السياسية والإدارية للمملكة، ويكشف عن نوعٍ من العلاقة والتواصل بين السلطة الحاكمة والجماعة الإسلامية. كما يُفهم من ذلك أن المسلمين كانوا يحظون بدرجة من الاعتراف والمكانة داخل المجتمع، وهو ما ساعد على توفير بيئةٍ مناسبة لاستمرار النشاط الديني والتجاري للمسلمين داخل مملكة غانة.
5- التعايش الديني والحضاري داخل المملكة: يكشف انقسام العاصمة إلى حيٍّ إسلامي وآخر غير إسلامي عن صورةٍ من صور التعايش بين المسلمين وغير المسلمين، دون ظهور مظاهر صراعٍ ديني حادٍّ في تلك المرحلة. وهذا يدلُّ على أن انتشار الإسلام في غانة تمَّ– في بداياته– بصورة سلمية اعتمدت على الاحتكاك الحضاري والتأثير الثقافي والتجاري أكثر من اعتماده على القوة العسكرية.
ثانياً: طراز البناء:
تأثر العمران في مملكة غانة بالتأثير الإسلامي الذي انتقل عبر التجار والعلماء والوافدين من بلاد المغرب، فلم يقتصر أثر الإسلام على الجانب الديني فحسب، بل امتد إلى المجال العمراني والتنظيم الحضري. وقد ظهر ذلك في تخصيص حيٍّ مستقل للمسلمين يضمُّ المساجد والمرافق المرتبطة بها، مما يعكس تأثر العاصمة «كومبي صالح» بالنموذج العمراني الإسلامي المعروف في المدن الإسلامية. كما تجلَّى هذا التأثير في بناء القصور والقباب، وإحاطة المدينة بسور يحفظ أمنها وينظم عمرانها، وهو ما يدل على تطورٍ عمراني وحضاري داخل المملكة. وقد أشار أبو عبيد البكري إلى ذلك بقوله: «وللملك قصر وقباب، وقد أحاط بذلك كله حائط كالسور»[26].
كما يدل وجود المساجد الكثيرة وتنظيم الأحياء على استقرار المجتمع الإسلامي داخل المملكة، وتحوله إلى عنصر حضاري مؤثر في الحياة العامة. وتشير بعض الروايات إلى أن المسلمين أدخلوا استخدام الحجر في البناء، وظهور البيوت ذات الطابقين، وهو ما يعكس تطوراً عمرانياً مقارنةً ببعض الأنماط المحلية التقليدية.
ويُحتمل كذلك أن يكون لاتصال مملكة غانة بدولة المرابطين أثر في تعزيز الطراز العمراني الإسلامي، خاصةً مع ما عُرف به المرابطون من اهتمام ببناء المساجد وتنظيم المدن. كما ساعدت الصلات التجارية والثقافية بين بلاد المغرب وبلاد السودان الغربي على انتقال المؤثرات المعمارية الإسلامية إلى غانة، مما أسهم في ظهور ملامح حضارية جديدة جمعت بين الطابع الإفريقي المحلي والتأثير الإسلامي الوافد.
المطلب الثاني: اللغة والتعليم:
يُعدُّ التعليم واللغة من أبرز المظاهر الحضارية التي صاحبت انتشار الإسلام في مملكة غانة، إذ أسهم الإسلام في إدخال اللغة العربية إلى المنطقة، وربطها بالحياة الدينية والإدارية والثقافية، كما أدى إلى ظهور أنشطة تعليمية ارتبطت بالمساجد والعلماء والتجار المسلمين.
وقد كان للمساجد دورٌ مهمٌّ في نشر التعليم داخل المجتمع الإسلامي في غانة، حيث لم تكن أماكن للعبادة فحسب، بل تحولت إلى مراكز للتعليم والتثقيف، تُقام فيها حلقات تعليم القرآن الكريم، ومبادئ العقيدة، واللغة العربية، وبعض العلوم الشرعية الأساسية. ويُفهم ذلك من وصف الجغرافي أبو عبيد البكري للمساجد الموجودة في الحي الإسلامي، حيث أشار إلى وجود الأئمة، والمؤذنين، والقرّاء، والمعلمين، وهو ما يدل على وجود نشاطٍ تعليمي منظم داخل تلك المساجد[27].
كما أن تولّي المسلمين بعض الوظائف الإدارية، مثل الترجمة وإدارة بيت المال، يدل على انتشار المعرفة بالقراءة والكتابة والحساب بينهم، وهي مهارات ارتبطت غالباً بتعلُّم اللغة العربية؛ لأن العربية كانت لغة الدين، والمراسلات، والمعاملات التجارية مع بلاد المغرب والعالم الإسلامي. ومن جهةٍ أخرى، فإن إسناد هذه الوظائف الحساسة إلى المسلمين يدل على ما اتصفوا به من معرفةٍ بالقراءة والكتابة والحساب، وهي مهارات كانت ذات أهمية كبيرة في إدارة الدولة وتنظيم شؤونها المالية والدبلوماسية، الأمر الذي جعلهم يحتلون مكانةً متميزة داخل المجتمع الغاني.
وقد أسهم التجار والعلماء الوافدون من شمال إفريقيا في نقل الثقافة العربية الإسلامية إلى مملكة غانة، من خلال تعليم اللغة العربية، ونشر الكتابة، وتعليم مبادئ الإسلام، الأمر الذي ساعد على ظهور نخبةٍ مسلمة تمتلك قدراً من الثقافة الدينية والمعرفة اللغوية. غير أن التعليم في تلك المرحلة ظل محدود الانتشار نسبيّاً، ومتركزاً في الأوساط الإسلامية والتجارية داخل المدن الكبرى، ولم يتحول بعدُ إلى نظامٍ تعليمي واسع يشمل جميع فئات المجتمع، وذلك بسبب حداثة انتشار الإسلام في المنطقة، وقلة المؤسسات العلمية المنظمة مقارنةً بما عرفته المراكز الإسلامية الكبرى في شمال إفريقيا والأندلس.
ومع ذلك، فإن هذه البدايات التعليمية والثقافية تُعدُّ ذات أثرٍ حضاريٍ بالغ؛ لأنها أسهمت في ربط مملكة غانة بالعالم الإسلامي ثقافياً وفكرياً، ومهدت لظهور حركة علمية وتعليمية أكثر اتساعاً في الممالك الإسلامية التي ظهرت بعد ذلك في غرب إفريقيا، مثل مالي وصنغاي.
المطلب الثالث: القيم الإسلامية وأثرها الاجتماعي:
يُعدُّ العدل من أبرز القيم الحضارية التي أكد عليها الإسلام، وقد انعكس أثر هذه القيمة– بدرجات متفاوتة– في بعض جوانب الحكم داخل مملكة غانة، خاصةً بعد تنامي الوجود الإسلامي واتصال المملكة بالعالم الإسلامي. وتشير بعض الروايات التاريخية إلى اشتهار بعض ملوك غانة بالعدل، وحسن السيرة، والاهتمام برعاية شؤون الرعية، وهو ما أسهم في تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي داخل المملكة.
وقد أشار الجغرافي أبو عبيد البكري إلى شيءٍ من ذلك عند حديثه عن الملك «تنكامنين»، حيث وصفه بأنه كان: «محمود السيرة، محبّاً للعدل، مؤثراً للمسلمين»[28].
ويكشف هذا الوصف عن تأثر بعض ملوك غانة بالقيم الإسلامية، خاصةً فيما يتعلق بإقامة العدل، وإكرام المسلمين، والتعامل الحسن مع الرعية. كما يدل على أن المسلمين كانت لهم مكانة معتبرة داخل البلاط الملكي، الأمر الذي ساعد على انتقال بعض المبادئ الإسلامية المتعلقة بالحكم والإدارة إلى البيئة السياسية في المملكة.
كما ذكر الجغرافي محمد الإدريسي أن أهل غانة كانوا يُعرفون بالعدل، وأورد وصفاً لملكها يُظهر حرصه على متابعة شؤون الناس وقضاء مظالمهم بنفسه، حيث ذكر أن له قادةً يجتمعون كل صباح عند قصره، ثم يخرج بينهم ليتفقد أحوال الناس، فمن كانت له مظلمة أو حاجة وقف بين يديه حتى تُقضى حاجته، ثم يعود الملك إلى قصره بعد ذلك[29].
إن خروج الملك بنفسه للنظر في المظالم يعكس صورةً من صور المسؤولية السياسية، ويُظهر أن مفهوم العدالة لم يكن مجرد شعار، بل كان يمارس– ولو بصورة جزئية– داخل الحياة العامة للمملكة.
ومن جهةٍ أخرى، فإن إشادة الجغرافيين المسلمين بعدل بعض ملوك غانة قد تكون مرتبطة كذلك بحسن معاملة هؤلاء الملوك للمسلمين، وإتاحتهم لهم حرية العبادة والتجارة وممارسة شعائرهم الدينية، مما جعل المؤرخين والرحالة المسلمين ينظرون إليهم نظرةً إيجابية في كثيرٍ من الأحيان.
وقد أشار الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري إلى شيءٍ من مظاهر هذا التسامح في وصفه لعلاقة الملك بالمسلمين، حيث قال: «فيجتمع الناس، فإذا دنا أهل دينه منه جثوا على ركبهم ونثروا التراب على رؤوسهم، فتلك تحيتهم له. وأمّا المسلمون فإنما سلامهم عليه تصفيقاً باليدين»[30].
ويكشف هذا النص عن دلالات حضارية مهمّة، من أبرزها:
▪ سماح ملوك غانة للمسلمين بالمحافظة على هويتهم الدينية، وعدم إلزامهم بعادات التحية الوثنية الخاصة بأهل المملكة.
▪ وجود نوعٍ من التعايش الديني داخل المجتمع الغاني، حيث احتفظ كلُّ فريقٍ بعاداته وتقاليده الدينية.
▪ المكانة التي تمتع بها المسلمون داخل البلاط الملكي، الأمر الذي مكَّنهم من ممارسة شعائرهم دون تضييق ظاهر.
كما يدل اختلاف طريقة التحية بين المسلمين وغيرهم على أن المسلمين كانوا يُشكّلون جماعةً متميزة بهويتها الدينية والثقافية داخل المملكة، وأن السلطة الحاكمة كانت تدرك هذا التميّز وتحترمه إلى حدٍّ ما، وهو ما ساعد على ترسيخ الوجود الإسلامي وانتشاره بصورة سلمية داخل غانة.
ومن الناحية التحليلية، فإن هذا التسامح الديني يُعدُّ من العوامل التي أسهمت في ازدهار النشاط التجاري والثقافي للمسلمين داخل المملكة؛ إذ إن توفير قدرٍ من الاستقرار والحرية الدينية كان من شأنه أن يشجّع التجار والعلماء المسلمين على الاستقرار في غانة، وربطها بصورة أكبر بالعالم الإسلامي.
المبحث الثالث: المظاهر السياسية والاقتصادية وأثرها في ازدهار مملكة غانة:
لم يقتصر تأثير الإسلام في مملكة غانة على الجوانب الدينية والثقافية فحسب، بل امتدَّ ليشمل النظم السياسية والإدارية والاقتصادية، مما أسهم في تعزيز مكانة المملكة وترسيخ دعائم استقرارها وازدهارها. فقد ظهرت آثار هذا التأثير في تنظيم شؤون الحكم والإدارة، والاستعانة بالكفاءات المسلمة في بعض المناصب المهمة، إلى جانب النشاط التجاري الواسع الذي ربط غانة بمختلف أقاليم العالم الإسلامي. وقد كان لهذه المظاهر دورٌ بارز في تحقيق التقدم الحضاري والرخاء الاقتصادي الذي عُرفت به المملكة خلال القرن الخامس الهجري. ولذلك سيتناول هذا المبحث أبرز المظاهر السياسية والاقتصادية، وبيان أثرها في ازدهار مملكة غانة وتطورها الحضاري.
المطلب الأول: الإدارة ونظام الحكم:
تأثرت مملكة غانة– بعد انتشار الإسلام فيها واتصالها بالعالم الإسلامي– بعددٍ من النظم الإدارية والسياسية التي كانت سائدة في الدول الإسلامية، الأمر الذي أسهم في تطور نظام الحكم والإدارة داخل المملكة، وأكسبها قدراً من التنظيم والاستقرار السياسي. وقد ظهرت ملامح هذا التأثير الحضاري في عددٍ من الجوانب، من أبرزها نظام الوزارة، وتعيين الولاة على الأقاليم، وتنظيم شؤون الحكم والإدارة.
أولاً: تنصيب الوزارة وتولية الولاة على الأقاليم:
يُعدُّ نظام الوزارة من الأنظمة الإدارية المعروفة منذ العصور القديمة، ثم تطوَّر بصورة أوضح في الحضارة الإسلامية، حيث أصبح الوزير معاوناً للحاكم في إدارة شؤون الدولة، وتدبير أمور الرعية، والإشراف على مختلف الجوانب الإدارية والسياسية. وقد أشار القرآن الكريم إلى أصل هذا المعنى في دعاء نبي الله موسى عليه السلام: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) هارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾[31]، ومع تطور الدولة الإسلامية في عصورها المختلفة، أصبح نظام الوزارة من أبرز مظاهر التنظيم الإداري والسياسي، وانتقلت بعض ملامحه إلى الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا، ومنها مملكة غانة. وقد أشار البكري إلى وجود الوزراء في بلاط ملك غانة، مما يدل على تأثر المملكة بالنظام الإداري الإسلامي، حيث قال في وصف مجلس الملك: «وعن يمينه أولاد ملوك بلده قد ضفروا رؤوسهم بأنواع الذهب وعليهم الثياب الرفيعة، ووالي المدينة بين يدي الملك جالس في الأرض، وحواليه الوزراء جلوساً على الأرض»[32].
ويكشف هذا النص عن وجود جهاز إداري منظم داخل المملكة، يضمُّ الوزراء والولاة وأصحاب الوظائف السياسية، كما يدل على أن الحكم في غانة لم يكن قائماً على السلطة الفردية المطلقة وحدها، بل كان يعتمد على معاوني الملك وأصحاب الخبرة في إدارة شؤون الدولة.
كما يُفهم من الإشارة إلى «والي المدينة» أن المملكة عرفت نظام تعيين الولاة أو الحكام المحليين على بعض الأقاليم والمدن التابعة لها، وهو نظام يُشبه ما كان معمولاً به في كثيرٍ من الدول الإسلامية، حيث يُعيَّن الوالي للإشراف على الأمن والإدارة وتنظيم شؤون الناس نيابةً عن السلطة المركزية.
وقد أسهم هذا التنظيم الإداري في تعزيز استقرار المملكة، وتقوية نفوذها السياسي، وتحقيق نوعٍ من الانضباط الإداري داخل الأقاليم التابعة لها، الأمر الذي يعكس درجةً من التقدم الحضاري والتأثر بالنظم السياسية الإسلامية.
ويظهر من خلال ذلك أن التأثير الإسلامي في مملكة غانة لم يقتصر على الجوانب الدينية والثقافية فحسب، بل امتد إلى النظم الإدارية والسياسية، مما ساعد على تطور مؤسسات الحكم، وظهور ملامح الدولة المنظمة ذات الجهاز الإداري المتماسك.
ثانياً: تُرجمان الملك وصاحب بيت المال:
ومن مظاهر التأثير الإسلامي في النظام الإداري لمملكة غانة اعتماد الملك على المسلمين في بعض الوظائف الإدارية والمالية المهمّة، وهو ما يدل على المكانة التي بلغها المسلمون داخل الدولة، وعلى الثقة التي حظوا بها في تسيير شؤون الحكم والإدارة.
وقد أشار البكري إلى ذلك بقوله: «وتراجمة الملك من المسلمين، وكذلك صاحب بيت ماله وأكثر وزرائه»[33].
ويكشف هذا النص عن عددٍ من الدلالات الحضارية والإدارية المهمّة، من أبرزها:
1- اعتماد الملك على المسلمين في منصب الترجمة: وهو منصب ذو أهمية كبيرة، خاصةً في ظل العلاقات التجارية والسياسية التي كانت تربط مملكة غانة بالعالم الإسلامي؛ إذ كان الترجمان حلقةَ وصلٍ بين الملك والتجار والعلماء والوفود الوافدة من بلاد المغرب والأندلس وغيرها.
2- تولّي المسلمين مسؤولية بيت المال: وهو ما يدل على الثقة الكبيرة التي مُنحت لهم في إدارة الشؤون المالية والاقتصادية للدولة، لما عُرفوا به من خبرةٍ في الحساب والمعاملات التجارية والإدارية.
كما يعكس هذا الوضع مدى التأثير الحضاري الذي أحدثه الإسلام في مملكة غانة؛ إذ انتقلت إلى المملكة بعضُ النظم الإدارية والمالية المعروفة في الحضارة الإسلامية، خاصةً ما يتصل بتنظيم بيت المال، وإدارة الموارد، والاستفادة من الكفاءات العلمية والإدارية.
ثالثاً: الحرس ومسؤولو السجون:
ومن مظاهر التنظيم الإداري والأمني في مملكة غانة وجود نظامٍ للحراسة والسجون، الأمر الذي يدل على تطور الجهاز الأمني والإداري داخل المملكة، وحرص السلطة الحاكمة على حفظ الأمن، وحماية المقرات الملكية، وتنفيذ العقوبات بحق المخالفين.
وقد أشار البكري إلى ذلك عند حديثه عن مدينة الملك، فقال: «ولتلك الغابات حرس، ولا يمكن لأحد دخولها ولا معرفة ما فيها، وهناك سجون الملك، فإذا سُجن أحد فيها انقطع عن الناس خبره»[34].
ويكشف هذا النص عن وجود جهازٍ أمنيٍّ منظم يتولى حماية القصر الملكي والمناطق المحيطة به، خاصةً «الغابة» التي كانت تُعدُّ جزءاً من المجال الخاص بالملك ومركزاً للسلطة السياسية والرمزية داخل المملكة. كما يدل وجود الحرس على إدراك السلطة لأهمية الأمن والحماية في استقرار الحكم والمحافظة على هيبة الدولة.
أما الإشارة إلى «سجون الملك» فتدل على وجود نظامٍ للعقوبات والحبس، وهو ما يعكس درجةً من التنظيم الإداري والقضائي داخل المملكة؛ إذ إن وجود السجون يُعدُّ من المظاهر المرتبطة بقيام سلطة مركزية قادرة على فرض النظام ومتابعة المخالفات.
كما يمكن أن يُفهم من هذا النص أن احتكاك غانة بالعالم الإسلامي، واتصالها بالممالك الإسلامية المجاورة، قد أسهم– بصورة مباشرة أو غير مباشرة– في انتقال بعض أساليب التنظيم الإداري والأمني إليها، خاصةً مع تنامي دور المسلمين في الجهاز الإداري للدولة.
غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن طبيعة السجون وأساليب العقوبات في مملكة غانة لا تزال غير واضحة بصورة دقيقة بسبب قلة المصادر التاريخية، مما يجعل كثيراً من المعلومات المتعلقة بهذا الجانب في حدود الإشارات العامة التي أوردها الرحالة والجغرافيون.
وبذلك، يتبيَّن أن هذه الجوانب تُعدُّ من أبرز المظاهر المتعلقة بالإدارة ونظام الحكم في مملكة غانة، والتي تعكس مستوىً من التنظيم السياسي والإداري الذي بلغته المملكة خلال تلك المرحلة. كما تكشف هذه المظاهر عن حجم التأثير الإسلامي في بعض مؤسسات الدولة، سواءٌ في نظام الوزارة، أو إدارة بيت المال، أو الاستعانة بالمسلمين في الترجمة والوظائف الإدارية، فضلاً عن مظاهر التنظيم الأمني والحراسة.
وتدلُّ هذه المعطيات مجتمعةً على أن مملكة غانة لم تكن مجرد كيانٍ سياسي تقليدي، بل كانت تمتلك نظاماً إدارياً متطوراً نسبياً، تأثر– بدرجات متفاوتة– بالنظم الإدارية والحضارية الإسلامية التي انتقلت إلى المنطقة عبر التجارة، والاحتكاك الثقافي، واستقرار المسلمين داخل المملكة.
المطلب الثاني: التجارة وأثرها في الازدهار الحضاري:
تُعدُّ التجارة من أهم المقومات الاقتصادية التي قامت عليها مملكة غانة، بل كانت الأساس الذي استندت إليه قوتها السياسية وازدهارها الحضاري. وقد أسهم موقعها الجغرافي الإستراتيجي بين شمال إفريقيا وبلاد السودان الغربي في جعلها حلقة وصلٍ مهمة في شبكة التجارة العابرة للصحراء، الأمر الذي أكسبها مكانةً اقتصاديةً مرموقة بين ممالك غرب إفريقيا.
وقد اشتهرت غانة على وجه الخصوص بتجارة الذهب، حتى أصبحت تُعرف في كثيرٍ من المصادر التاريخية بـ«بلاد الذهب»، نظراً لسيطرتها على الطرق التجارية المؤدية إلى مناجم الذهب ومناطق إنتاجه. وأسهم هذا الاحتكار التجاري في زيادة ثروة الدولة، حتى عُدَّ ملوكها من أغنى ملوك عصرهم.
وقد أشار الجغرافي محمد الإدريسي إلى المكانة التجارية العظيمة التي بلغتها غانة بقوله: «وهي أكبر بلاد السودان قطراً وأكثرها خلقاً وأوسعها متجراً، وإليها يقصد التجار المياسير من جميع البلاد المحيطة بها ومن سائر بلاد المغرب الأقصى»[35].
ولم تقتصر الحركة التجارية في غانة على الذهب وحده، بل شملت سلعاً أخرى ذات أهمية اقتصادية كبيرة، مثل النحاس المصنوع، والأقمشة المصبوغة، والملح، الذي كان يُعدُّ من أثمن السلع في بلاد السودان الغربي.
وكما أشار المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون إلى المكانة الاقتصادية المرموقة التي تمتعت بها مملكة غانة في غرب إفريقيا، وذلك عند حديثه عن نشاط التجار المسلمين واتصالهم ببلاد السودان، حيث قال: «ولما فُتحت إفريقية والمغرب دخل التجار بلاد السودان، فلم يجدوا فيهم أعظم من ملوك غانية»[36].
ويُفهم من هذا النص أن مملكة غانة كانت تتمتع بقوة سياسية واقتصادية كبيرة مكَّنتها من التميز بين ممالك السودان الغربي، كما يدل على أن شهرتها قد بلغت التجار الوافدين من شمال إفريقيا، الذين رأوا في ملوكها من الثراء والنفوذ ما لم يجدوه عند غيرهم من ملوك المنطقة.
وقد أوضح الدكتور إبراهيم طرخان المكانة التجارية التي بلغتها مملكة غانة، مبيناً أنها أولت التجارة عنايةً كبيرة، حتى أصبحت عاصمتها «كومبي صالح» أكبر مركزٍ تجاري في بلاد السودان الغربي خلال فترة ازدهار الإمبراطورية. كما استقر فيها عددٌ كبير من التجار الوافدين من شمال إفريقيا، وسيطروا على جانبٍ مهم من النشاط التجاري، ولا سيما تجارة الذهب والرقيق، وكان من بينهم عددٌ من التجار المصريين الذين أسهموا في تنشيط الحركة التجارية وربط المملكة بالمراكز الاقتصادية في العالم الإسلامي[37]. ولم تقتصر تجارة غانة على الذهب والرقيق، بل شملت سلعاً أخرى متنوعة، مثل الجلود، والعاج، والكولا، والعسل، والقطن، والقمح، الأمر الذي يعكس تنوع القاعدة الاقتصادية للمملكة، وعدم اعتمادها على موردٍ واحدٍ فقط. كما اهتمَّ سكانها بالزراعة إلى جانب التجارة، مما أسهم في توفير الاستقرار الاقتصادي ودعم النشاط التجاري المزدهر[38]. وفي المقابل، كانت غانة تستورد عدداً من السلع القادمة من شمال إفريقيا والعالم الإسلامي، من أبرزها الملح، والنحاس الأحمر، والفواكه المجففة، وخاصةً التمر، بالإضافة إلى الودع والمسابح وأدوات الزينة المختلفة، ثم يُعاد توزيع هذه السلع في أنحاء بلاد السودان الغربي، مما جعل المملكة تؤدي دور الوسيط التجاري بين الشمال والجنوب[39].
وقد أشار الجغرافي والمؤرخ ياقوت الحموي إلى الأهمية التجارية التي تمتعت بها مملكة غانة، مبرزاً دورها بوصفها مركزاً رئيساً لتجمع التجار ومحطةً إستراتيجيةً في طرق التجارة العابرة للصحراء، فقال: «وهي مدينة كبيرة في جنوبي بلاد المغرب متصلة ببلاد السودان، يجتمع إليها التجار، ومنها يدخل في المفازات إلى بلاد التبر، ولولاها لتعذّر الدخول إليهم لأنها في موضع منقطع عن الغرب عند بلاد السودان، فمنها يتزوّدون إليها»[40].
وتنسجم شهادة ياقوت الحموي مع ما ذكره الإدريسي وابن خلدون وطرخان وغيرهم من الجغرافيين المسلمين حول ازدهار الحركة التجارية في غانة، مما يؤكد أن المملكة لم تكن مجرد منطقة لإنتاج الذهب، بل كانت مركزاً تجارياً دولياً نشطاً، اجتمعت فيه القوافل والتجار من مختلف الأقاليم، وأسهم في تعزيز مكانتها الاقتصادية والحضارية في غرب إفريقيا خلال العصور الوسطى.
وتكشف كل هذه المعطيات عن حيوية الأسواق الغانية وكثرة المتعاملين فيها، كما تعكس حجم النشاط الاقتصادي الذي شهدته المملكة، والذي تجاوز تأثيره حدودها السياسية إلى مناطق واسعة من غرب إفريقيا. وقد أدى هذا الازدهار التجاري إلى نمو المدن وتوسعها، وفي مقدمتها العاصمة «كومبي صالح»، التي أصبحت مقصداً للتجار والرحالة والوافدين من مختلف الأقاليم.
ومن الناحية الحضارية، لم تكن التجارة مجرد نشاط اقتصادي يهدف إلى تحقيق الربح، بل كانت وسيلة فعّالة لانتقال الثقافات والأفكار والعادات بين الشعوب. فقد أسهمت في توثيق الصلات بين مملكة غانة والعالم الإسلامي، ومهَّدت لانتقال كثير من المؤثرات الحضارية، سواءٌ في مجال اللغة أو الإدارة أو العمران أو القيم الاجتماعية.
وبناءً على ذلك؛ يمكن القول إن التجارة مثلت ركيزةً أساسية في البناء الحضاري لمملكة غانة، إذ جمعت بين الوظيفة الاقتصادية والدور الثقافي والاجتماعي، وأسهمت في تحويل المملكة إلى أحد أبرز المراكز الحضارية والتجارية في غرب إفريقيا خلال القرن الخامس الهجري.
المطلب الثالث: النظام المالي والضريبي وأثره في تقوية الدولة:
يُعدُّ النظام الضريبي من المؤشرات الدالة على تطور الدولة وتنظيمها الإداري والاقتصادي، إذ لا تُفرض الضرائب عادةً إلا في ظل وجود سلطةٍ مركزيةٍ قادرةٍ على ضبط طرق التجارة والإشراف على حركة السلع والبضائع. وقد عرفت مملكة غانة نظاماً ضريبيّاً أسهم في تعزيز موارد الدولة ودعم نفوذها السياسي والاقتصادي.
وقد أشار الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري إلى بعض هذه الضرائب بقوله: «ولملكهم على حمار الملح دينار ذهب في إدخاله البلد وديناران في إخراجه، وله على حمل النحاس خمسة مثاقيل وعلى حمل المتاع عشرة مثاقيل»[41].
ويُفهم من هذا النص أن ملوك غانة كانوا يفرضون رسوماً جمركية على السلع الداخلة إلى المملكة والخارجة منها، ولا سيما السلع التجارية المهمة كالملح والنحاس وسائر البضائع. ويكشف ذلك عن وجود إدارة مالية منظمة تشرف على تحصيل الإيرادات وتنظيم النشاط التجاري.
وقد أشار الدكتور إبراهيم طرخان إلى أهمية الضرائب في الاقتصاد الغاني، مبيناً أنها كانت من أهم مصادر دخل الدولة، فقال: «وحصلت غانة على ثروة طائلة من الضرائب التي فرضتها على بلادها، والخارجة منها، وقد أقامت نظاماً دقيقاً للجمارك»[42].
ويتفق هذا القول مع ما أورده البكري من فرض رسوم محددة على الملح والنحاس وسائر البضائع التجارية، الأمر الذي يدل على أن الضرائب لم تكن تُفرض بصورة عشوائية، بل كانت جزءاً من سياسة مالية منظمة تشرف عليها الدولة، وتُحصَّل وفق قواعد معلومة.
ويكشف ذلك عن مستوى متقدم من التنظيم الاقتصادي والإداري في مملكة غانة؛ إذ إن إقامة نظامٍ جمركي دقيق يقتضي وجود جهاتٍ مختصة بالإشراف على المنافذ التجارية، ومراقبة حركة السلع، وتحصيل الرسوم المستحقة عليها. كما يدل على إدراك ملوك غانة للأهمية الاقتصادية للتجارة العابرة للصحراء، وسعيهم إلى الاستفادة منها في دعم خزينة الدولة.
ومن الناحية الحضارية، أسهمت هذه الضرائب في توفير موارد مالية ضخمة مكَّنت الدولة من المحافظة على استقرارها السياسي، وتعزيز نفوذها الإقليمي، وتمويل مؤسسات الحكم والإدارة. كما ساعدت على تأمين الطرق التجارية وحماية القوافل، وهو ما شجَّع التجار على مواصلة نشاطهم داخل المملكة رغم ما كانوا يدفعونه من رسوم وجمارك.
كما يُلاحظ أن فرض الضرائب على السلع الداخلة والخارجة يعكس المكانة الإستراتيجية التي احتلتها غانة في التجارة الدولية آنذاك؛ إذ لم تكن مجرد منتج للذهب أو مستهلك للبضائع، بل كانت مركزاً تجارياً تتحكم في جزء مهم من حركة التبادل التجاري بين شمال إفريقيا وبلاد السودان الغربي.
وبناءً على ذلك؛ يمكن القول إن النظام المالي والجمركي كان أحد الركائز الأساسية التي قامت عليها قوة مملكة غانة وازدهارها الاقتصادي، وأسهم بصورة مباشرة في تعزيز مكانتها السياسية والحضارية في غرب إفريقيا خلال القرن الخامس الهجري.
الخاتمة:
بعد هذه الدراسة الموسومة بـ»المظاهر الإسلامية وأثرها في البناء الحضاري لمملكة غانة خلال القرن الخامس الهجري: دراسة تاريخية تحليلية«، والتي هدفت إلى إبراز أثر الإسلام في الحياة الحضارية لمملكة غانة، وبيان إسهاماته في الجوانب الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية، يمكن استخلاص جملة من النتائج، من أبرزها ما يأتي:
أولاً: نتائج الدراسة:
1- تُعدُّ مملكة غانة من أقدم وأعظم الممالك التي قامت في السودان الغربي، وقد امتد نفوذها على مساحة واسعة من غرب إفريقيا، وأسهم موقعها الجغرافي في ازدهارها السياسي والاقتصادي.
2- يُعدُّ كتاب «المسالك والممالك» للبكري من أهم المصادر التاريخية التي تناولت مملكة غانة، واعتمدت عليه معظم الدراسات اللاحقة في رسم صورة تاريخية عن المملكة وأوضاعها المختلفة.
3- دخل الإسلام إلى غرب إفريقيا في وقت مبكر، ويُرجح أن بدايات وصوله إلى المنطقة تعود إلى القرن الأول الهجري، ثم انتشر تدريجيّاً عبر طرق التجارة والقوافل العابرة للصحراء.
4- وصل الإسلام إلى مملكة غانة عن طريق التجار والعلماء المسلمين قبل أن تدعمه العوامل السياسية والعسكرية، فكان انتشاره في بدايته انتشاراً سلميّاً قائماً على التبادل التجاري والتواصل الحضاري.
5- تأثرت بعض جوانب الحياة الاجتماعية في غانة بالقيم الإسلامية، وبرز ذلك في انتشار قيم العدل، وحسن معاملة المسلمين، وظهور مظاهر من التسامح والتعايش بين مختلف الفئات داخل المجتمع.
6- كشفت المصادر التاريخية عن وجود تنظيم إداري وسياسي متقدم نسبيّاً في مملكة غانة، تمثل في وجود الوزراء والولاة والمترجمين والمسؤولين عن بيت المال والحرس والسجون.
7- مثَّلت التجارة الركيزة الأساسية لاقتصاد المملكة، وأسهمت في ازدهار المدن والأسواق، ولا سيما العاصمة «كومبي صالح» التي أصبحت مركزاً تجاريّاً مهمّاً في السودان الغربي.
8- اعتمدت مملكة غانة نظاماً مالياً منظماً قائماً على الضرائب والرسوم الجمركية المفروضة على السلع التجارية، مما وفر للدولة موارد مالية كبيرة دعمت استقرارها السياسي وقوتها الاقتصادية.
9- أسهمت حركة المرابطين في تعزيز الوجود الإسلامي داخل غانة، وزادت من ارتباطها بالعالم الإسلامي، وإن اختلفت آراء المؤرخين حول طبيعة وحجم سيطرتهم المباشرة على المملكة.
10- يتبين من خلال الدراسة أن الإسلام لم يكن مجرد دين انتشر في مملكة غانة، بل كان عاملاً حضاريّاً مؤثراً، أسهم في تطوير جوانب متعددة من الحياة العمرانية والثقافية والسياسية والاقتصادية.
ثانياً: التوصيات:
1- تشجيع الدراسات التاريخية المتخصصة في تاريخ الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا، وإبراز دورها الحضاري في التاريخ الإسلامي.
2- توجيه الباحثين إلى دراسة الجوانب الحضارية والثقافية للممالك الإفريقية الإسلامية التي لم تنل حظها الكافي من البحث.
3- إبراز الصلات الحضارية والعلمية التي ربطت غرب إفريقيا بالعالم الإسلامي عبر العصور المختلفة.
وفي الختام، فإن هذه الدراسة تمثل محاولةً متواضعة للإسهام في الكشف عن جانب من التاريخ الإسلامي في غرب إفريقيا، وإبراز أثر الإسلام في بناء الحضارة داخل مملكة غانة، سائلين الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به الباحثين والمهتمين بتاريخ الإسلام وحضارته.
ــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
[1] ينظر: د. إبراهيم علي طرخان، إمبراطورية غانة الإسلامية، الناشر: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1390هـ/1970م، ص16.
[2] محمود كعت، تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس وذكر وقائع التكرور، دراسة وتعليق: د. آدم بمبا، ص136.
[3] أودغست: هي مدينة بين جبلين، وهي مصر من الأمصار الجليلة، وتقع جنوبي مدينة سجلماسة، بينهما نيّف وأربعون مرحلة في رمال ومفاوز على مياه معروفة. قال: «ولها أسواق جليلة، والسفر متصل إليها من كل بلد، وأهلها مسلمون، والمتولّي عليها صنهاجة، وشرقيها بلاد السودان، وأما غربي بلادها فالبحر المحيط». ينظر: المسالك والممالك، للحسن بن أحمد المهلبي العزيزي، جمعه وعلق عليه ووضع حواشيه: تيسير خلف، ص45.
[4] سِلَا: هي مدينة مغربية عريقة، فقد أُسست في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي على يد أسرة بني عشرة التابعة لإمارة بني يفرن.
[5] البكري، المسالك والممالك، الناشر: دار الغرب الإسلامي، 1992م، ج1، ص868.
[6] الإلوري، الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فوديو الفلاني، الناشر: دار الكتاب المصري- القاهرة، عام: 1435هـ/2014م، ص32.
[7] ينظر: د. إبراهيم علي طرخان، إمبراطورية غانة الإسلامية، ص7.
[8] الدكتور عبد الله إدريس ميغا: عميد كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالنيجر، ومساعد رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر.
[9] د. عبد الله إدريس ميغا، الجامعات الإسلامية وجهودها في التنمية والحضارة (الجامعة الإسلامية بالنيجر أنموذجاً)، الأمانة العامة رابطة العالم الإسلامي، بحوث ندوة التعليم وتطوّره في غرب إفريقيا التي نظمتها الرابطة بالتعاون مع المؤسسة العالمية للإعمار والتنمية في نيامي ـ النيجر 27ـ-28 أبريل 2009م، ص401.
[10] د. علي يعقوب: أستاذ بالجامعة الإسلامية بالنيجر، ورئيس قسم اللغة العربية سابقاً، وعميد الدراسات العليا حالياً، وله عدة مؤلفات وبحوث حول التاريخ الإسلامي في إفريقيا وثقافته.
[11] د. علي يعقوب، التعليم العربي الإسلامي في غرب إفريقيا بين الماضي والحاضر (النيجر نموذجاً)، الأمانة العامة رابطة العالم الإسلامي، بحوث ندوة التعليم وتطوّره في غرب إفريقيا التي نظمتها الرابطة بالتعاون مع المؤسسة العالمية للإعمار والتنمية في نيامي ـ النيجر 27ـ-28 أبريل 2009م، ص148.
[12] الزركلي، الأعلام، الناشر: دار العلم للملايين، الطبعة: الخامسة عشر- أيار/ مايو 2002م، ج4، ص241.
[13] غدامس: مدينة ليبية تقع قرب مثلث حدود ليبيا مع كل من تونس والجزائر، يقال لها مدينة القوافل لمحطتها الرئيسية من الزمن البعيد، وتعد من أشهر المدن على خط التجارة بين شمال وجنوب الصحراء الكبرى، ولها علاقة تاريخية مزدهرة في التجارة مع تمبكتو في مالي.
[14] ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، المحقق: علي محمد البجاوي، الناشر: دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ/1992م، ج3، ص1076.
[15] ودان: مدينة ليبية تقع في الجهة الشمالية الشرقية بجنوب غرب ليبيا.
[16] تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري، الناشر: دار القلم، مؤسسة الرسالة- دمشق/بيروت الطبعة الثانية، 1397هـ، ص206.
[17] د. علي محمد محمد الصلابي، الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت/لبنان، الطبعة الثانية، 1429هـ/2008م، ج1، ص363.
[18] البكري، المسالك والممالك للبكري، ج2، ص872.
[19] الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، الناشر: عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، عام 1409ه، ج1، ص23ـ
[20] د. إبراهيم علي طرخان، إمبراطورية غانة الإسلامية، ص43.
[21] القلقشندي صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، الناشر: وزارة الثقافة والإرشاد، مصر، ج5، ص 274.
[22] ينظر: د. إبراهيم علي طرخان، إمبراطورية غانة الإسلامية، ص47.
[23] ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1408هـ/1988م، ج6، ص266.
[24] ينظر: د. إبراهيم علي طرخان، إمبراطورية غانة الإسلامية، ص47.
[25] البكري، المسالك والممالك للبكري، ج2، ص872.
[26] البكري، المسالك والممالك للبكري، ج2، ص872.
[27] البكري، المسالك والممالك للبكري، ج2، ص872.
[28] البكري، المسالك والممالك للبكري، ج2، ص871.
[29] الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ج1، ص23ـ
[30] البكري، المسالك والممالك للبكري، ج2، ص873.
[31] سورة طه، الآيات (29-34).
[32] البكري، المسالك والممالك للبكري، ج2، ص873.
[33] البكري، المسالك والممالك للبكري، ج2، ص872.
[34] البكري، المسالك والممالك للبكري، ج2، ص872.
[35] الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ج1، ص23ـ
[36] ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ج6، ص266.
[37] ينظر: د. إبراهيم علي طرخان، إمبراطورية غانة الإسلامية، ص65.
[38] ينظر: د. إبراهيم علي طرخان، إمبراطورية غانة الإسلامية، ص65.
[39] ينظر: د. إبراهيم علي طرخان، إمبراطورية غانة الإسلامية، ص65.
[40] ياقوت الحموي، معجم البلدان، الناشر: دار صادر، بيروت، الطبعة الثانية، 1995م، ج4، ص184.
[41] البكري، المسالك والممالك للبكري، ج2، ص872.
[42] ينظر: د. إبراهيم علي طرخان، إمبراطورية غانة الإسلامية، ص65.









































