تتواصل حالة التوتر بين كيغالي وكينشاسا في أزمة شرق الكونغو الديمقراطية، رغم توقيع اتفاق السلام في واشنطن أواخر يونيو 2025، وذلك على خلفية تبادل الاتهامات بشأن عدم تنفيذ الالتزامات الأمنية الواردة في الاتفاق، بالتزامن مع فرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على شركات رواندية بتهمة المساهمة في تهريب الذهب من المناطق الخاضعة لسيطرة حركة “23 مارس” في شرق الكونغو الديمقراطية.
وتتهم كيغالي واشنطن بتبني مقاربة غير متوازنة في إدارة الاتفاق، معتبرة أن الضغوط الأمريكية تركز على رواندا، في حين تغض الطرف عن عدم تنفيذ الحكومة الكونغولية التزاماتها، وعلى رأسها تفكيك “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا”، التي تصنفها كيغالي باعتبارها التهديد الأمني الأول لها.
في هذا السياق، أجرت إذاعة “فرنسا الدولية” حوارًا مع وزير الخارجية الرواندي أوليفييه ندوهونغيريهي، تناول خلاله موقف بلاده من العقوبات الأمريكية، ورؤيتها لتنفيذ اتفاق واشنطن، وانتقادها لما تعتبره انحيازًا متزايدًا في الوساطة الأمريكية بين كيغالي وكينشاسا.
5 أسئلة وأجوبة حول أزمة شرق الكونغو
لماذا تتهم رواندا الولايات المتحدة بالانحياز في تنفيذ اتفاق واشنطن؟
يرى وزير الخارجية الرواندي أن الموقف الأمريكي يتعامل مع اتفاق واشنطن بصورة انتقائية، إذ يركز بصورة شبه حصرية على مطالبة رواندا بتنفيذ التزاماتها، بينما لا يمارس الضغوط نفسها على جمهورية الكونغو الديمقراطية، رغم أن الاتفاق يفرض التزامات متبادلة على الطرفين.
وللدفاع عن هذا الموقف، استشهد ندوهونغيريهي بتصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام مجلس النواب الأمريكي في الخامس من يونيو الماضي، والتي قال فيها إن رواندا بدأت تنفيذ التزاماتها، وإن كان ذلك “غير كافٍ”، لكنه لم يتطرق -بحسب الوزير الرواندي- إلى مدى تنفيذ الكونغو الديمقراطية لتعهداتها.
ويقول الوزير الرواندي إن المشكلة الأساسية تكمن في أن المجتمع الدولي يتحدث باستمرار عن التزامات رواندا، بينما لا توجد، بحسب تعبيره، “أدنى إشارة” إلى أن الحكومة الكونغولية بدأت أصلاً تنفيذ التزاماتها الأمنية، رغم أنها تمثل جزءًا أساسيًا من الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة.
وأضاف أن اتفاق السلام ليس اتفاقًا أحادي الجانب، بل يقوم على التزامات متبادلة، وبالتالي فإن تقييم نجاحه أو فشله يجب أن يشمل الطرفين، لا أن يقتصر على أحدهما.

ما التزامات الكونغو الديمقراطية التي تقول رواندا إنها لم تُنفذ؟
يؤكد وزير الخارجية الرواندي أن أهم التزام يقع على عاتق الحكومة الكونغولية يتمثل في تفكيك قوات “التحالف الديمقراطي لتحرير رواندا”، وهي جماعة مسلحة تقول كيغالي إنها تضم عناصر شاركت في الإبادة الجماعية ضد التوتسي عام 1994، وإنها لا تزال تشكل أخطر تهديد لأمن رواندا.
ويشير إلى أن الجانب الأمريكي نفسه يعترف، وفقًا لروايته، بأن كينشاسا لم تبدأ تنفيذ هذا الالتزام، وهو ما يعني أن الاتفاق لم يدخل مرحلة التنفيذ الفعلي من جانب الكونغو الديمقراطية.
ولا يكتفي الوزير بالحديث عن غياب التنفيذ، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يتهم الحكومة الكونغولية بالسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، معتبرًا أنها لا تزال تواصل التعاون مع قوات “التحالف الديمقراطي لتحرير رواندا” بدلاً من تفكيكها.
وأضاف أن رواندا ترى أن استمرار نشاط هذه الجماعة، إلى جانب تصاعد الهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة، يثبت أن البيئة الأمنية التي كان يفترض أن يعالجها اتفاق واشنطن لم تتغير حتى الآن، وهو ما يجعل مطالبة رواندا وحدها بتنفيذ التزاماتها أمرًا غير منطقي من وجهة نظر كيغالي.

كيف تبرر رواندا عدم سحب قواتها من الأراضي الكونغولية؟
يرفض ندوهونغيريهي فكرة الفصل بين التزامات الطرفين، معتبرًا أن مطالبة رواندا بالانسحاب في الوقت الذي لا تزال فيه قوات التحالف الديمقراطي لتحرير رواندا نشطة داخل الأراضي الكونغولية تعني عمليًا تطبيق الاتفاق على طرف واحد فقط.
ويتساءل الوزير: كيف يمكن الاعتراف بأن أحد الطرفين لم ينفذ التزاماته، ولا يزال يدعم قوات التحالف الديمقراطي، ويستخدم الطائرات المسيّرة التي تتسبب -بحسب قوله- في مقتل المدنيين، ثم يطلب من الطرف الآخر تنفيذ التزاماته وكأن الاتفاق لا يلزم سوى رواندا؟
ويؤكد أن اتفاق واشنطن بُني على أساس تبادل الالتزامات الأمنية بصورة متزامنة، ولذلك فإن تنفيذ أي بند ينبغي أن يتم بالتوازي مع تنفيذ البنود المقابلة من الجانب الآخر، وليس بصورة منفردة.
وأضاف أن المطلوب هو التعامل مع الاتفاق باعتباره حزمة متكاملة، لا انتقاء بعض الالتزامات وإغفال الأخرى، لأن ذلك من شأنه أن يقوض الثقة بين الطرفين ويعرقل فرص تطبيق الاتفاق بالكامل.

كيف ردت رواندا على العقوبات الأمريكية المفروضة على شركاتها؟
اعتبر وزير الخارجية الرواندي أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على شركة “غوسابو غولد” ومسؤوليها وعدد من الشركات المرتبطة بها تمثل دليلاً إضافيًا على ما وصفه بـ”الانحياز المتزايد” في الوساطة الأمريكية.
وأشار إلى أن واشنطن تعترف في الوقت نفسه بأن الحكومة الكونغولية لم تنفذ التزاماتها المتعلقة بتحييد قوات التحالف، كما تعترف بزيادة الهجمات بالطائرات المسيّرة، بل إن مجموعة الاتصال الدولية أصدرت بيانًا أشارت فيه إلى هذه الهجمات.
ورغم ذلك، يقول الوزير، فإن العقوبات استهدفت رواندا فقط، دون اتخاذ أي إجراءات مماثلة بحق الجانب الكونغولي، وهو ما تعتبره كيغالي ازدواجية في المعايير.
وأضاف أن بلاده زودت المسؤولين الأمريكيين، بصورة شبه يومية منذ العام الماضي، بمعلومات وبيانات حول ما تصفه بالانتهاكات المتكررة التي ترتكبها كينشاسا بحق اتفاق السلام، إلا أن ذلك -بحسب قوله- لم ينعكس على الموقف الأمريكي، الذي استمر في تحميل رواندا المسؤولية وفرض العقوبات عليها.
وعند سؤاله عن أسباب هذا الموقف، اكتفى الوزير بالقول إن الإجابة يجب أن تأتي من الجهات التي تفرض العقوبات، وليس من رواندا.

لماذا ترى كيغالي أن الوساطة الأمريكية في أزمة شرق الكونغو قد تهدد مستقبل اتفاق السلام؟
يعتقد ندوهونغيريهي أن استمرار ما يعتبره انحيازًا في الوساطة الأمريكية قد يقوض فرص نجاح اتفاق واشنطن، لأن أي اتفاق سلام يحتاج إلى معاملة الطرفين بالمعايير نفسها، ومحاسبتهما على تنفيذ الالتزامات ذاتها.
ولإثبات وجهة نظره، استشهد الوزير بحادثة قال إنها وقعت في نهاية مارس الماضي، عندما أعلن الجيش الكونغولي، خلال اجتماع ضم الكونغو الديمقراطية ورواندا وبوروندي عقب السيطرة على مدينة أوفيرا، عزمه اتخاذ إجراءات ضد قوات التحالف.
لكن الوزير يؤكد أنه بعد يومين فقط، وتحديدًا في 31 مارس، أرسلت الحكومة الكونغولية مروحيات إلى مدينة واليكالي الغنية بالمعادن في إقليم شمال كيفو، محملة بالأسلحة والذخائر والأموال إلى عناصر “قوات التحالف” أنفسهم، مشيرًا إلى أن رواندا قدمت هذه المعلومات إلى الولايات المتحدة.
ويرى أن مثل هذه الوقائع كان ينبغي أن تدفع الوسطاء إلى ممارسة ضغوط متوازنة على الطرفين، بدلاً من الاكتفاء بمعاقبة رواندا.
ويختتم الوزير حديثه بالتحذير من أن استمرار ما يصفه بانحياز الوساطة الأمريكية لا يبشر بتنفيذ فعّال لاتفاق واشنطن، كما لن يسهم، من وجهة نظره، في تحقيق سلام دائم في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية أو في منطقة البحيرات العظمى الإفريقية، مؤكدًا أن نجاح الاتفاق يتطلب التزام جميع الأطراف بتعهداتها، وتطبيقًا متساويًا للضغوط والالتزامات على الجانبين.
نقلاً عن: راديو فرنسا الدولي
أحدث المقالات
- تهدد الهجرة الكبرى.. دعوى لوقف نُزل سياحية في محمية ماساي مارا الكينية
- أزمة شرق الكونغو.. 5 أسئلة عن الوساطة الأمريكية من منظور رواندي
- إفريقيا الوسطى تعلن استعادة السيطرة على بلدة حدودية بدعم روسي
- “ساداك” تعتزم افتتاح مكتب دائم للإشراف على المرحلة الانتقالية في مدغشقر
- اعتقال أكثر من 900 شخص خلال احتجاجات جنوب إفريقيا المناهضة للهجرة










































