أعلنت أديس أبابا في قمة كمبالا المخصَّصة لمناقشة مصير بعثة السلام التابعة للاتحاد الإفريقي في الصومال (نهاية يوليو الفائت)؛ التزامها الثابت بدعم السلم والأمن الدائمين في الصومال، مؤكدةً على الحاجة لتأمين المكاسب التي تحققت بصعوبة بالغة في الحرب على الإرهاب.
وأكّد الوفد الإثيوبي المُشارِك في القمة غير العادية لرؤساء دول وحكومات الدول المساهمة بقوات في بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال ( Extraordinary Summit of Heads of State and Government of the Troop-Contributing Countries (TCCs) to the African Union Support and Stabilization Mission in Somalia (AUSSOM))([1]) -والتي ستُنهي مهامها رسميًّا نهاية العام الجاري، مع عدم وضوح رؤية الدعم المالي الأمريكي لها مستقبلًا-؛ وجوب استمرار العمل على حفظ التقدم المحقّق عبر الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب، وحماية الصومال من أيّ انتكاسة في هذا الملف. ولفت الوفد الإثيوبي إلى تضحيات آلاف الجنود من الصومال وإثيوبيا وأوغندا وكينيا وبوروندي وجيبوتي “الذين فقدوا حياتهم خلال العمل على تحقيق السلم والاستقرار”، وأنها يجب ألّا تضيع سدًى([2]).
جاء الموقف الإثيوبي في خِضَم تحوُّلات محسوبة تتبعها أديس أبابا توطئةً لبدء ولاية جديدة لرئيس الوزراء آبي أحمد (في الشهر الجاري) في سياساتها في القرن الإفريقي؛ بعد اتهامات سودانية رسمية وشعبية لإثيوبيا بشنّ عمليات عسكرية داخل الأراضي السودانية منذ نهاية يوليو الماضي، وتصعيد خطير في التوتر الإثيوبي-الإريتري يمكن النظر إليه -حتى الآن- على أنه امتداد للأزمة بين إقليم التيجراي وحكومة أديس أبابا الفيدرالية والمُرشَّحة للتحوُّل “لحرب التيجراي الثانية” في عهد رئيس الوزراء آبي أحمد.
إثيوبيا والصومال: احتواء مزدوج
قد تتراجَع فكرة اعتراف إثيوبيا بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة، وتظهر من آنٍ لآخر، لكنّها ستظل فكرة مُؤجَّلة؛ ترقبًا لتوافر الظروف الإقليمية والدولية الملائمة، ولا سيما توافر غطاء أمريكي-إسرائيلي مأمون لمثل هذه الخطوة وأيّ تداعيات قد تنجم عنها.
لكنّ مساعي إثيوبيا للوصول لمنفذ بحري تظل مسألة مُؤرِّقة لجميع دول القرن الإفريقي، والمُرشَّحة بدورها لاستضافة هذا المنفذ. ويسعى الصومال، بحسب عدد كبير من المراقبين في الإقليم([3])؛ إلى توفير مثل هذا المنفذ لإثيوبيا (دون أيّ انتهاك لسيادته وبحسب مقتضيات القوانين الدولية ذات الصلة) لتحقيق حزمة من الأهداف السياسية والاقتصادية معًا. إذ تامل مقديشو في تأكيد سيادتها على أرض الصومال (من باب سحب التأييد الإثيوبي للوضع القائم في الإقليم)، وتعميق صِلاتها الأمنية مع إثيوبيا مع مطلع العام 2027 لدعم جهود الجيش الصومالي في مواجهة تهديدات جماعة الشباب الإرهابية.
من جهتها تنظر أديس أبابا، قبيل بدء ولاية آبي أحمد، لتلك الجهود الصومالية على أنها أولية تمامًا وبحاجة إلى تعزيزها بخطوات جادة في المحادثات التي ترعاها تركيا (والتي أكَّد على استمرارها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته الأخيرة لإثيوبيا في فبراير 2026)، ومن بينها: التطوير السريع لميناء إثيوبي يخضع بالكامل لسلطة الحكومة الفيدرالية، ويكون قادرًا على تقديم الدعم اللوجيستي لحركة التجارة الإثيوبية، أخذًا في الاعتبار أن ميناء هوبيو Hobyo المقترح لهذا الغرض (والذي يُتوقّع أن تضخ تركيا استثمارات كبيرة في تطويره) لا يزال في مرحلة الاقتراح، ولا يملك بعدُ أيّ سمات تدل على كونه منشأة تشغيلية قادرة على العمل بكفاءة.
وبحسب “هورن ريفيو”، فإنه إذا كانت مقديشو تنوي صرف انتباه إثيوبيا بعيدًا عن أرض الصومال، فعليها ترجمة هذا الموقف السياسي إلى قدرة اقتصادية من خلال تطوير بنية تحتية للموانئ قادرة على تلبية الطلب الإثيوبي بكفاءة؛ وأنه بدون هذا التحوُّل من الوعد إلى القدرة، يبقى عرض الصومال مجرد إشارة إستراتيجية وليس بديلاً عمليًّا. كما تظل رؤية إثيوبيا للصومال محكومة بمسألة بالغة الخطورة، ألا وهي ما تعتبره أديس أبابا توجهًا مصريًّا لربط الصراع في ملف مياه النيل أو السياسة النيلية المصرية Nile Politics([4]) بخلق جبهة ثانية له في شكل التحالف المصري الصومالي، أو ما تشير له دراسات إثيوبية “بوجود عسكري مصري (في الصومال) منذ العام 2024” سابق على مبررات القاهرة بحماية مصالحها بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال نهاية العام الماضي.
وإجمالًا، فإن إثيوبيا تنظر للصومال على أنه فرصة وتهديد في الوقت نفسه؛ وأن الأوضاع الداخلية المرتبكة في الأولى تجعل من سياسة الاحتواء المزدوج خيارًا مثاليًّا لا يمكن الحياد عنه في فترة إدارة آبي أحمد المقبلة.
إثيوبيا وإريتريا: حرب مؤجلة؟
تظل العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا مرشَّحة للتصعيد الدائم، وتتخوَّف أديس أبابا –في واقع الأمر- من قدرة إريتريا الراهنة على موازنة علاقاتها الخارجية، لا سيما مؤشرات التطبيع مع الولايات المتحدة وتعميق العلاقات مع مصر وتركيا والصومال في أكثر من ملف حساس (البحر الأحمر والسودان). وترى أديس أبابا([5]) أن النظام الإريتري يقوم بحرب بالوكالة (ضد إثيوبيا) في القرن الإفريقي، وأن حسابات إريتريا الإستراتيجية “تقوم على ضمان أن تظل إثيوبيا ضعيفة سياسيًّا واقتصاديًّا”، وأنه رغم مساعي إثيوبيا إلى توسيع التعاون الاقتصادي مع إريتريا، بما في ذلك المشاركة في استثمارات إستراتيجية وشراكات بنية أساسية تتعلق بوصولٍ يُعوَّل عليه وغير مُقيَّد للبحر؛ وهي المقترحات التي رفضتها إريتريا بشكل مستمر، بحسب محللين مقربين من حكومة آبي أحمد، رأوا أيضًا “أن هذا التكامل الاقتصادي الأوثق لن يُعزّز اقتصاد إثيوبيا فحسب، بل سيسرع التنمية الإقليمية أيضًا؛ مما يجعل هذا التعاون غير مرغوب فيه إستراتيجيًّا من وجهة نظر إريتريا”.
وتواجه هذه السردية، وتقلُّبات سياسات نظام آبي أحمد تجاه إريتريا، انتقادات حقيقية بالنظر إلى حقيقة أساسية وأولية؛ وهي أن هذه الاستثمارات التي تدعيها أديس أبابا كانت ستتم مِن قِبَل دول خليجية بالأساس، وعلى خلفية حصول عدد من هذه الدول على امتيازات سيادية في موانئ إريتريا وفي عدد من مواقع هذه الاستثمارات مثل مناجم البوتاس وقطاعات جغرافية متشابكة بين إريتريا وجيبوتي وإثيوبيا وربما السودان؛ ومِن ثَم فإن تحفظات أسمرا لا تناهض مشروعات التعاون الإقليمي بقَدْر ما أنها تطلب ضَبْط هذا التعاون في أُطُر سليمة بما يضمن عدم انتهاك سيادة إريتريا (على الأقل).
ويرى محللون إثيوبيون وغربيون أن إريتريا تستفيد تمامًا من التوتر الخطير في العلاقات الإثيوبية المصرية، وما اعتبروه تفوقًا إثيوبيًّا على مصر في ملف سد النهضة؛ لذا فإن استجابة مصر لهذه الأزمة بالتعاون مع إريتريا “في تحالف مناهض لإثيوبيا”([6]) كانت فرصة تاريخية لأسمرا لمواجهة الضغوط الإثيوبية.
وتظل احتمالات الحرب بين إثيوبيا وإريتريا قائمة حتى اللحظة الراهنة؛ وربما تقع من بوابة تداعي اتفاق بريتوريا الذي سبق أن نص على شروط انسحاب جميع الكيانات المسلحة غير الفيدرالية انسحابًا كاملًا من أراضي إقليم التيجراي، تمهيدًا لإعادة النظام الدستوري. إلا أن هذا الانسحاب لم يتم على النحو المقرر؛ وتزامن مع ذلك استمرار تمركز الوحدات الإريترية في المناطق الحدودية (والتي تعاونت سابقًا مع القوات الفيدرالية الإثيوبية خلال وقائع حرب التيجراي الأخيرة)، بما في ذلك بادمي، بؤرة التوتر بين البلدين في حرب 1998، فضلًا عن أجزاء من مناطق أخرى. وأدَّى هذا الوجود المستمر في الجيوب الحدودية إلى استمرار التوترات بشأن الحدود غير المحسومة، وتقويض الثقة في بنود الأمن في اتفاقية السلام على نحو غير مسبوق. وفي المقابل احتفظت جبهة تحرير التيجراي بنواة قواتها سليمة إلى حدّ كبير تحت سلطة الإدارة المؤقتة. ولم تتجاوز عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، التي كان من المفترض أن تحل تلك القوة، مرحلتها الافتتاحية، وتم تأجيل مشاركة الإقليم في الانتخابات العامة التي انتهت في يونيو 2026([7]).
آبي أحمد وتحولات القرن الإفريقي: الزعامة المفقودة
في مقابلة تليفزيونية أخيرة (2 أغسطس)([8]) أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن التغيير يحتاج إلى المشاركة، وأن التغيير ليس عملية واحدة فقط ومنقطعة مرة واحدة، بل إنه عملية مستمرة تتطلب صبرًا وتكيُّفًا وقدرةً على التعلم. ولفت إلى أهمية المشاركة البنّاءة في تشكيل مستقبل إثيوبيا. لكنّ متابعين للسياسة الإثيوبية في العقد الأخير يؤكدون أن سياسات آبي أحمد أدَّت في مُجملها إلى زيادة الاستقطاب الإثني في البلاد([9])؛ كما أنها أدَّت إلى تعميق الفوضى الإقليمية بشكل واضح عبر تدخلات مستدامة في دول الجوار بالتنسيق مع قوى إقليمية من خارج القرن الإفريقي.
وتفتقر الزعامة الإثيوبية راهنًا، وفي المستقبل إلى أهمّ عامل من عوامل تعزيز دور إثيوبيا الإقليمي؛ ألا وهو “الحسم”؛ إذ لم يحسم آبي أحمد أيّ قضايا خلافية مع دول جواره على نحوٍ يحترم العلاقات الثنائية وسيادة هذه الدول واستقلالها وسلامة أراضيها، بل إنه مال إلى تعزيز الاستقطاب الإقليمي بين دول القرن الإفريقي، وتعميق تورُّط القوى الإقليمية السلبي في قضاياه وعلاقات دوله الثنائية، بل واستغلال جميع هذه القضايا على نحو فجّ في استدامة نظامه وقدرته على تعميق الهيمنة في الداخل، وتبرير الفشل في تحقيق تحوُّل ديمقراطي حقيقي في البلاد بالرغم من أن ذلك الشعار هو الذي وصل به للسلطة في العام 2018؛ وبات الوصف الذي يلصق بالحائز على جائزة نوبل للسلام تشبيهه بالإمبراطور الروماني كاليجولا، كما سرد جريما برهانو في مقال أخير(3 أغسطس)، وما يدل عليه هذا الوصف من تدنٍّ سياسي وأخلاقي يظل مضرب المثل على مر العصور.
…………………….
[1] Uganda hosts regional summit to discuss fate of Somalia AU peace mission, TRT Afrika, July 29, 2026 https://www.trtafrika.com/english/article/4e6c2e0c1156
[2] Ethiopia Reaffirms Unwavering Commitment to Peace and Security in Somalia at AUSSOM Troop-Contributing Countries Summit, Fana, August 1, 2026 https://www.fanamc.com/english/ethiopia-reaffirms-unwavering-commitment-to-peace-and-security-in-somalia-at-aussom-troop-contributing-countries-summit/
[3] Dagim Yohannes, Why Ethiopia Remains the Center, Horn Review, July 29, 2026 https://hornreview.org/2026/07/29/why-ethiopia-is-the-center-of-gravity-in-the-greater-horns-maritime-economy/
[4] Sovereignty Underwriting and the Red Sea Spillover: Reframing the Egypt–Somalia–Somaliland Axis, Institute of Foreign Affairs, August 3, 2026 https://www.ifa.gov.et/blog/718
[5] East Africa: American Analyst Warns Eritrea’s Proxy Strategy Risks Destabilizing Horn of Africa, all Africa, July 30, 2026 https://allafrica.com/stories/202607300482.html
[6] Michael Rubin, Any U.S. Bet on Eritrea Is a Losing Move: U.S. Envoy Boulos Has Raised Eyebrows Throughout the Region Because of His Confusing Strategic Logic, Middle East Forum, July 31, 2026 https://www.meforum.org/mef-observer/any-u-s-bet-on-eritrea-is-a-losing-move
[7] Yonas Yizezew, Northern Ethiopia Fault Line and the TPLF’s Renewed Military Push, Horn Review, August 1, 2026 https://hornreview.org/2026/08/01/northern-ethiopia-fault-line-and-the-tplfs-renewed-military-push/
[8] Ethiopian PM Abiy Ahmed Says Change Requires Participation, Not Standing on the Sidelines, August 2, 2026 https://www.fanamc.com/english/ethiopian-pm-abiy-ahmed-says-change-requires-participation-not-standing-on-the-sidelines/
[9] Grima Berhanu,The Theatre of Power: Caligula, Abiy Ahmed, and the Politics of Personalization, Borkena, August 3, 2026 https://borkena.com/ethiopia-the-theatre-of-power-caligula-abiy-ahmed-and-the-politics-of-personalization/










































