د. عبد الرحمن شيتو علاوي
عضو هيئة التدريس بكلية الفرقان للدراسات الإسلامية والتربوية- بوبو جولاسو بوركينا فاسو
لا يزال السحر كمفهوم وكممارسة يطرح علامات استفهام كبيرة، خاصة في المجتمعات الوثنية الإفريقية، التي تتمحور حياتها حول هذه الممارسات السحرية والمعتقدات الدينية، التي يكون فيها للساحر الكلمة الفيصل في كلّ ما يتعلق بحياة الفرد والجماعة، فماذا نعرف عن خفايا وتأثيرات السحر في إفريقيا؟
شريحةٌ كبيرة من الشعب الإفريقي، اليوم، لا تفتأ تؤمن بالسحر والشعوذة؛ إيماناً لا يكاد العقل يتصوّره، وتُقدّس السحرة والمشعوذين، وتعمل جاهدةً على تنفيذ أوامرهم ووصاياهم في كلّ عارضٍ من عوارض حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية. ونظراً للتأثير الخطير لهذه المعتقدات؛ سنحاول في هذه الورقة الكشف عن حقيقة السحر الإفريقي ومدى قوة تأثيره في حياة تلك الشريحة المشار إليها.
في هذا المقال
- المبحث الأول: تعريف السحر
- المبحث الثاني: السحر والشعوذة في اللهجات الإفريقية
- المبحث الثالث: السحر في المعتقدات الإفريقية
- المبحث الرابع: السحر والتاريخ الإفريقي
- المبحث الخامس: خصائص السحر الإفريقي
- المبحث السادس: صور من السحر الإفريقي
- المبحث السابع: السحر الإفريقي في العصر الحاضر
- المبحث الثامن: مبادرات للحد من ظاهرة السحر
المبحث الأول: تعريف السحر:
يُطلق مصطلح «السحر» على عدّة معان: منها ما ذكره الجوهري في الصحاح: أنّ السحر هو الأُخْذَةُ، وكلُّ ما لَطُف مأخذُه ودَقّ[1]، وأنه يُطلق على أعمال الحيل والخداع والتعليل، يُقال سحَر فلانٌ فلاناً؛ إذا خدعه أو قام بحِيَلٍ تجاهه، أو علّله[2].
ولا يُفرّق معظم العلماء بين السحر والشعوذة، وقد جاء ما يؤكد ذلك في (المصباح المنير): «الشعوذة من مادة (ش ع و ذ): شَعْوَذَ الرَّجُلُ شَعْوَذَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ شَعْبَذَ شَعْبَذَةَ، وَهُوَ بِالذَّالِ مُعْجَمَةً، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَهِيَ لَعِبٌ يَرَى الإِنْسَانُ مِنْهُ مَا لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ كَالسِّحْرِ»[3].
وقد عرّف الجصاص السحر في كتابه (أحكام القرآن) بقوله: «كلّ أمرٍ خفي سببُه وتُخيّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع»[4].
وتعاطي السحر محرّمٌ في الشريعة الإسلامية، وقد استدل العلماء على تحريمه بأدلة، منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا يا رسول الله؛ وما هُنّ؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)[5].
قد يهمك: طقوس ودلالات الموت في المعتقدات الإفريقية التقليدية
المبحث الثاني: السحر والشعوذة في اللهجات الإفريقية:
وردت مصطلحاتٌ عديدة في اللغات واللهجات الإفريقية تدلّ على السحرة والأعمال السحرية والطقوس الخفية، التي يُعدّ الاتصال بالأرواح وعالم ما وراء الطبيعة خاصّةً من خواصها، وهذه الكلمات تختلف من قبيلةٍ لأخرى، وإن اتفقت غالباً في مقاصدها.
في الجدول الآتي بيان لبعضها:
المصطلحات الدالة على السحر[6]:
| المصطلحات الدالة على السحر | اللهجات | الدولة |
| إدان Idan | يوروبا | نيجيريا وبنين |
| أساسي Asasi | يوروبا | نيجيريا وبنين |
| كوروتي Koroti | جولا أويمارا | بوركينا فاسو ومالي وساحل العاج وغيرها |
| دباري أو دبالي Dabari–Dabali | جولا أويمارا | بوركينا فاسو ومالي وساحل العاج وغيرها |
| سويا Souya | جولا أويمارا | بوركينا فاسو ومالي وساحل العاج وغيرها |
| دابري Dabre أو رابري Rabre | موسي | بوركينا فاسو |
| كورونكون bombole | ساموغو | بوركينا فاسو |
| إكلو eklo | تيفو | بوركينا فاسو |
| يبغيي gbeguee | سينيفو | بوركينا فاسو |
| تشيونو tiono أو كوروسي korossi أو دريفا dreefa | بوبو | بوركينا فاسو |
| المصطلحات الدالة على الساحر | اللهجات | الدولة |
| أجيي Aje | يوروبا | نيجيريا وبنين |
| أوسو Oso | يوروبا | نيجيريا وبنين |
| بابالاوو Babalawo | يوروبا | نيجيريا وبنين |
| أونيفا Onifa | يوروبا | نيجيريا وبنين |
| إيميري emere | يوروبا | نيجيريا وبنين |
| يانغبوين yangboin | جولا أويمارا | بوركينا فاسو ومالي وساحل العاج وغيرها |
| سوباغا Soubaga | جولا أويمارا | بوركينا فاسو ومالي وساحل العاج وغيرها |
| باغابوغديبا Bagabougdiba | موسي | بوركينا فاسو |
| سرد موري Srid – More | موسي | بوركينا فاسو |
| سويان Soyan | موسي | بوركينا فاسو |
| كوينكوين kouinkouin | ساموغو | بوركينا فاسو |
| دجامبا djamba | ماكا | الكاميرون |
| ديرافي deeratie | بوبو | بوركينا فاسو |
| نغبين ngbin | إحدى لهجاتها | جمهورية إفريقيا الوسطى |
| أوروروكوزو ouroukouzou | إحدى لهجاتها | جمهورية إفريقيا الوسطى |
| تاليمبي talimbi | إحدى لهجاتها | جمهورية إفريقيا الوسطى |
| أنغو-بروتو ango–brotto | إحدى لهجاتها | جمهورية إفريقيا الوسطى |
| ليكوندو likundu | إحدى لهجاتها | جمهورية إفريقيا الوسطى |
| مانغو mangou | إحدى لهجاتها | جمهورية إفريقيا الوسطى |
| دجامبا djamba | إحدى لهجاتها | جمهورية إفريقيا الوسطى |
| إيكوندو ikundu | إحدى لهجاتها | جمهورية إفريقيا الوسطى |
| أوتشاوي uchawi | إحدى لهجاتها | تنزانيا |
| موثي muthi | إحدى لهجاتها | جنوب إفريقيا |
| أوبايي obayi | إحدى لهجاتها | غانا |
المبحث الثالث: السحر في المعتقدات الإفريقية:
يقول الباحث إيلوا ميسي ميتوغو Eloi Messi Metogo: إنّ اعتقاد تأثير السحر والشعوذة بذاتهما في إفريقيا عقيدة راسخة، ترتكز على دعوى فهمٍ خاص للنظام في العالم، وإدراك أسراره، وكشف قوانينه[7].
الغاية الأولية والمقصد الأساسي للساحر والمشعوذ هي اكتساب قوة تفوق قوى الطبيعة والأرواح والأمراض والأعداء، وإشاعة إمكانيات الساحر والمشعوذ الفائقة في اعتقاد الناس، وبخاصة العوام والجهلة؛ للقضاء على كلّ مَن يحاول الوقوف أمامه وصدّه عن تحقيق أهدافه.
لذا أصبح لدى الساحر أو المشعوذ– في اعتقاد الإنسان الإفريقي- القدرة اللامتناهية، والقوة الكبرى والسلطة القاهرة في إدارة شؤون الحياة بفعل خوارق العادات، الأمر الذي جعله يُقدم على إبعاد فكرة إمكانية وجود قوة أو سلطة قد تكون أعلى وأكبر من قوته وسلطته، وقد علّق الباحث إيلوا ميسي ميتوغو على هذا الاعتقاد بقوله: «وهذا إعلان صريح للمذهب الوضعي الإلحادي في تلك المجتمعات بدلاً من العقيدة الدينية. ومن الغريب في نظرهم وفكرهم هو زعمهم أنّ الحياة ملك للإنسان، وليست ملكاً لله تعالى»[8].
ويقول بولاجي إيدووو عن سدنة بلاد اليوروبا: «الوظيفة الرئيسية للسادن عند اليوروبا هي الوساطة بينهم وبين آلهتهم، هو الشخص الذي يرتبط بالبشر والآلهة في آنٍ واحد، هو الذي بإمكانه أن يسمع كليهما (الآلهة والبشر)، وهو الذي يرفع للآلهة صلوات عابديهم ليقبلوها، ويبارك العباد نيابةً عن الآلهة»[9].
ويعتقدون أنه إذا كانت مهمة الساحر فعل الخيرات، وجلب ما يسهم في توفير السعادة والرخاء للإنسان، فسحره أبيض، وأما إذا كانت مهمته تدمير حياة الناس، وإلحاق شتى أصناف الأذى بهم، فسحره أسود، ومن هنا صنّف بعض العلماء الساحر الإفريقي إلى صنفين؛ هما: الساحر الأبيض والساحر الأسود.
وقد حاول الأستاذ «هوبير ديشان» سرد بعض أعمال الساحر الأبيض، حيث وجد أنّ من مهمته: الاتصال بالقوى الخفية؛ لاستنباط الجواب منها عن سؤالٍ معيّن، كالسؤال عن نوع مرض أصيب به شخص، أو عن مدى نجاح السائل إذا أقدم على الانشغال بعملٍ ما، أو وصف دواءٍ ما، وطريقة استعماله، وبيع التعاويذ والتمائم المختلفة؛ لأغراض الشفاء من المرض، واستنزال المطر، واجتلاب الحُبّ، واستعادة القوة، وتحقيق النجاح في الامتحانات والانتخابات[10].
وأما الساحر الأسود؛ فهو الذي يختصّ بصناعة السحر الخبيث والضار، الذي يفتك بالإنسان، ويُهلك الحرث والنسل، ويفرّق بين المرء وزوجته، ويدمّر البلاد والعباد، ولا يترك خضراً ولا يابساً، ويُعدّ من أخطر أنواع السحر المنتشرة في المجتمعات الإفريقية؛ إذ يعمد الإنسان إلى ممارسته؛ للتعدي على الآخرين ظلماً وعدواناً، أو للدفاع عن نفسه من الظلم والطغيان وللتصدي لهجوم الأعداء[11].
المبحث الرابع: السحر والتاريخ الإفريقي:
لا يمكن تحديد مكان ظهور السحر والشعوذة في إفريقيا؛ لكونه ظاهرةً اجتماعية يصعب رصدها، وارتباط السحر بالديانة التقليدية يجعلنا نجزم بظهورهما معاً، منذ وقتٍ سحيق، يقول «هوبير ديشان» عالم الأجناس البشرية الفرنسي في كتابه (الديانات في إفريقيا السوداء): «من الطبيعي- في بيئةٍ تتحكم فيها وتُحَرِّكها قوى حيوية- أن تكون غاية ما يتمّناه الإنسان فيها أن يضمن لنفسه ولعشيرته الاحتفاظ بهذه القوى والاستزادة منها. وقد كفل الدين كلّ ذلك للجماعة، وعلى جانب الدين نشأ السحر؛ ليستعين الأفراد به على اكتساب تلك القوى، أو على صدّ قوى شريرة غير قدسية تهددهم في أمنهم»[12].
ومن الجدير بالذكر؛ أنّ الإيمان بالسحر والاعتقاد بقوة السحرة وقدرات المشعوذين الخارقة ظلّ سائداً في التنظيمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الممالك والدول التي قامت على أراضي القارة السمراء، بدءاً بأول الحضارات المعروفة (الحضارة المصرية القديمة)، إلى مملكة غانة ومملكة مالي ومملكة الصنغاي ومملكة الكونغو ومملكة الزولو، وغيرها من الدول التي قامت في القارة.
قد كرّس سكان القارة- قبل الإسلام- حياتهم في التعامل مع السحر في الدفاع عن أنفسهم، وفي جلب المنافع ودفع المفاسد في السلم وفي الحرب.
جاء في (تاريخ إفريقيا العام): «من خصائص الماندنغ الغربيين الأخرى معتقداتهم الدينية، فقد كانوا راسخي الإيمان بالأرواحية، وكان السحر الضار هو دائماً التهمة الرئيسية في المحاكمات، وكانت كلّ حالات المرض تُعزى تقريباً إلى هذه الممارسة، فكان المتهم يمثل أمام محكمة الكاهن، لإقامة الحجة… بحكم الماء الأحمر، فقد كانت الأطراف تُسقى ماءً محمراً بمفعول جذور نبات الكايسدرا، ومن تقيأ قبل خصمه حُكم له. أما المدان، وقد ثبتت إدانته بالشعوذة، فيلقى فريسة للحيوانات، أو يُسترَقّ ومعه جميع أفراد عائلته»[13].
الملوك وممارسة السحر في إفريقيا قديمًا:
كان الحكام والملوك في إفريقيا يعتمدون اعتماداً كلياً على السحر في هزيمة الأعداء في الحروب والغزوات، وفي أغلب الأحوال يكون الملك هو مَن يتصدر لصناعة السحر والشعوذة، ويتعلمه من أجل الحفاظ على دولته، وضمان بقاء عرش المملكة، كما هو الحال في شأن ملك مملكة صوصو «سوماورو كنتي».
وقد جاء في كتاب (تاريخ إفريقيا العام) ما يعزز هذا القول: «وتؤكد الروايات الشفوية، كلها، قسوة سوماورو الذي بثّ الرعب في مندية، إلى درجة أنّ الرجال لم يعودوا يتجرؤون على عقد مجالس للحديث خشية أن تنقل الريح أقوالهم إلى مسامع الملك. وكان لسوماورو مهابة في نفوس السكان؛ لقوته العسكرية، وقدراته السحرية على حدّ السواء، إذ كان مرهوب الجانب بوصفه الساحر الكبير، وكان يُسمّى: الملك الساحر»[14].
وفي شأن معاركه، التي خاضها ضدّ زعيم مملكة الماندي «سونجاتا كيتا»، نقل صاحب (موسوعة تاريخ مالي) قائلاً: إنّ الملك «سوماورو كنتي» كان ساحراً بارعاً، ورث ممارسة السحر والشعوذة كابراً عن كابر؛ حيث ثبت أنّ جدّه الأعلى «صوصو بالا جُوُروكناكي»، الذي تولى عرش المملكة بعد هلاك أبيه عام 1046م، كان يخيط شفتيه بأشواك القنافذ.
ومع كلّ ذلك يأكل الطعام ويشرب الماء بنفس الفم مُظهراً براعته في السحر والشعوذة[15]. وكذلك جدّه «سوماورو جوروكناكى»، الذي تولى العرش بعد جده الأعلى الذي لُقّب بالبومة (غينغي) لقوته في السحر والشعوذة، وقد خلّف جدّه هذا ابناً، كان هو الآخر يُسمّى البومة بن البومة (غينغي غينغي دين)؛ لقوّته السحرية، وقد أُثر أنه حين يفتخر ويستعرض عضلاته السحرية كان يقول للسحرة والمشعوذين أمثاله: «قدرتكم السحرية لا تساوي شيئاً أمامي؛ والدليل أنكم تمارسون سحركم في الليل، وأنا أمارسه في أيّ وقتٍ شئت»[16].
وتزعم الروايات أنه في معركة «نيبوريا» التي خاضها «سوماورو كنتي» ضد «سونجاتا»، أظهر قوته السحرية الكاملة، وبراعته في الشعوذة؛ وذلك عندما التحم الجيشان في ساحة الوغى، وأحس بالهزيمة وجهاً لوجه مع قائد جيش قبيلة الماندي، قام «سوماورو كنتي» بأعمالٍ سحرية أدهش بها الجميع، فكان كلما جاءه سهمٌ من قِبَل عدوّه أمسك بالسهم، ولم يُصَب بضرر، فهاجمه «سونجاتا» بالسيف ليطعنه، فسرعان ما اختفى «سوماورو كنتي» عن الأنظار، ليظهر فوق تلٍّ مشرف على ساحة المعركة، وقد نجَا بنفسه بعيداً عن المخاطر التي أوشكت أن تودي بحياته إلى الهلاك؛ الأمر الذي أثار دهشة «سونجاتا كيتا»، وحاول تفسير ذلك؛ فعجز[17].
يُذكر أيضاً أنّ الملك «سوني علي بير»، أحد ملوك مملكة صنغهاي الذي حكم من عام 1464م إلى 1493م، اتُّهِم بالسحر وتعاطي أعمال الشعوذة[18]؛ على الرغم من أنه يُعدّ المؤسس الحقيقي للمملكة؛ لجهوده الضخمة في صناعة مملكة قوية مترامية الأطراف، وجعلها أكبر مملكة في السودان الغربي[19]، وقد ورد في الكتب التاريخية أنه ادعى الألوهية، ومارس السحر والشعوذة، وتلقب بألقاب لا تليق بالمخلوق[20].
المبحث الخامس: خصائص السحر الإفريقي:
– أنواع السحر:
لا يختلف السحر الإفريقي عن غيره من أنواع السحر في القارات الأخرى، ولكن هناك بعض ما يميز السحر الإفريقي عن غيره، كأنواع الحيوانات التي يُفترض أنّ السحرة يستخدمونها، ففي أوروبا يُعتقد أنّ القطط والكلاب وابن عرس، وهي الحيوانات المقربة للساحر، تتمثل فيها الشياطين (خادم الساحر)، بينما في اليابان يعتقدون ذلك في الكلاب والثعالب، أما في إفريقيا فتُعتبر الضباع والبوم والبابون هي الحيوانات التي يتمثّل في هيئتها خادم الساحر.
إنّ من أهمّ ما يميز السحر الإفريقي شموليته، حيث يتمّ استخدامه في جميع مجالات الحياة في المجتمعات الإفريقية، فقد استخدم الإنسان الإفريقي السحر والشعوذة في مجال العاطفة والشعور، وفي المجال المهني الوظيفي، وفي مجال الأعمال التجارية، وفي مجال الحياة والموت؛ فلدى الساحر الإفريقي- حسب زعمهم- قدرة على وضع الحلول للمشاكل التي يواجهها الإنسان في إفريقيا، ولديه أسرار قوية للتصدي لتحدياته المختلفة.
– التعاويذ في عالم السحر الإفريقي:
يتخذ السحرة والمشعوذون في الثقافة الاجتماعية السحرية في إفريقيا جملة مستكثرة من التعاويذ والتمائم، وهي على كثرتها تختلف من قبيلةٍ لأخرى، وقد أشار إلى بعضها علماء الأجناس البشرية، وعلى سبيل مثال لا الحصر: تتخذ قبيلة أشانتي في غانا سوطاً ذا سبع شرائح، وقِدراً، وأمعاء الدجاجة، ومرآة سحرية، تمائم ووسائل لكشف الغيب. وقد اتخذ سكان المناطق الساحلية في إفريقيا أشياء للتعاويذ: كالدمى والرسوم والصور والآثار والمكانس الصغيرة من ليف الشجرة، والقرون والمساحيق، وأنياب الأسد، وأنياب الأفاعي[21].
– استخدام تماثيل الأشخاص في السحر:
لقد مارس الأفارقة هذا الأسلوب من السحر والشعوذة بغرض إلحاق الضرر والأذى بالأعداء، وتتمثل صورته في أنّ الساحر أو المشعوذ يُحضر دمية، أو صورة فوتوغرافية، أو رسماً، يمثّل به عدوه الذي يريد الإضرار به، ويقوم بجملة من الطقوس السحرية باسم ذلك العدو، ويقوم بغرز مسمار أو دبوس في العضو الذي يريد إتلافه في العدو.
ويُعدّ هذا النوع من السحر من الأنواع الخطيرة المعروفة والمنتشرة في الثقافة السحرية في إفريقيا، وخاصةً لدى ديانة فودو الوثنية في غرب إفريقيا، وهو أسلوبٌ شائع ومعروف عالمياً. وما يدل على شيوعه قول صاحب قصة الحضارة: «في العصور الوسطى كانوا يسحرون الشخص بأن يغرزوا الدبابيس في تمثال من الشمع تمثل صورته، وهنود بيرو يحرقون الناس ممثلين في دماهم»[22].
– استخدام أثر العدو في السحر:
يُعدّ الحصول على جزءٍ من جسم الإنسان، المقصود إيقاع الضرر به، عاملاً قوياً للتمكن من إلحاق الأذى به، كما يحدث كثيراً في المجتمعات السحرية في إفريقيا، كأن يجد شعر الإنسان أو سِنّه أو ظُفره، يقوم بطقوس شيطانية معيّنة، كدفنه أو إحراقه أو حبسه في مكان، الأمر الذي أثار تخوفات الناس في عدم المحافظة على أعضائهم أو أجزائهم المنفصلة عنهم.
المبحث السادس: صور من السحر الإفريقي:
السحر الإفريقي- في الواقع- مجموعة من المعتقدات الوثنية والممارسات الشيطانية المنظمة، يشترك فيها فئة معيّنة من الناس، تدّعي فيها الاتصال بعالم الأرواح والتعامل مع القوى الخفية، واسترضائها (بأعمالٍ شركية)؛ لاستجلابها، ومن ثَمّ الحصول على إعانتها على قضاء حوائجها وحوائج مريديها، بوسائل خبيثة، وكيفيات ماكرة، وأساليب شيطانية، وحيل متعددة.
وإذا أردنا تقديم واقع السحر والشعوذة في المجتمعات الإفريقية؛ فإنه يتجلى في حيثيات وأنواع عدة، سنسرد أهمها:
1- سحر التخيل والتمويه:
في هذا النوع من السحر؛ يقوم الساحر بعمليات الخداع والتخييل التي ليس لها حقيقة في الأصل، بأن يحوّل الأوراق العادية إلى النقود الورقية، أو يحوّل الأحجار إلى الذهب والفضة، أو العصا إلى حية، كما نقل القرآن الكريم عن سحرة فرعون في قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: 66]، وفي غالب الأحيان لا يكون للساحر، في هذا النوع من السحر، اتصال بقوى خارجية عنه، حيث يعتمد على مهاراته في الخداع والتخييل.
2- سحر العنصر النسائي:
يُعدّ هذا النوع من السحر سائداً ومنتشراً في المجتمعات الإفريقية، وبخاصةٍ المجتمع النسائي، ويعتريه الكثير من الغموض والتعقيد، حيث يعتقد الكثيرون بأنّ الخداع والتخييل قدرات خارقة تمكنهنّ من الإقدام على فعل الأعمال الخبيثة والممارسات الشيطانية، وأنّ قدراتهنّ المارقة تُكتسب من شياطين الجنّ والأرواح الخبيثة في الطبيعة، وتتمثل هذه الأعمال في أكل اللحوم البشرية، والتحوّل إلى حيوانات مختلفة، والطيران كالطيور في الليل. وكثيراً ما تُتهم النساء العجائز بهذا النوع من السحر، ويُطلق عليهنّ في لغة اليوربا كلمة: أجيي Ajee، وفي لغة البمبارا: سوباغا Soubaga.
3- الأطفال السحرة:
من الظواهر المنتشرة في بعض المجتمعات الإفريقية استخدام الأطفال في السحر، فالأطفال السحرة بحكم اتصالهم بالعالم الآخر وتعاملهم مع القوى الخفية، حسب زعمهم، يشكلون منظومة سحرية يملك أفرادها قدرات خارقة على التصرف في الخفاء، والقيام بعمليات خبيثة متعددة في المجتمع.
إنّ جملة من الدراسات الميدانية والتحقيقات العلمية التي قام بها علماء السلالات البشرية، بإشراف يونيسيف، قد أثبتت انتشار الاعتقاد في قدرات الأطفال السحرة على إرسال الأرواح الخبيثة؛ لإلحاق الأذى والمرض وأسباب الشقاء وسوء الحظ والإخفاق بأفراد العائلة، الأمر الذي يجعلهم- في بعض الأحيان- عرضةً لاتهاماتٍ ولأعمال العنف والقتل[23].
لا يفوتك: أضواء على المعتقدات الإفريقية قبل الإسلام
يقول الباحث الكونغولي باتريس ينغو: «إنّ الأطفال السحرة والاتهامات الموجهة إليهم ظاهرة لم تعد جديدة في المجتمعات الإفريقي، وخاصةً في خليج بنين، واتهامات حديثي الولادة منهم، قديم قدم الزمان، وما زالت إلى يومنا هذا».
وقد جاء في بعض الدراسات: أنّ الآلاف من الأطفال المتهمين بالسحر تمّ طردهم من بيوتهم، وهم يعيشون في شوارع كنشاشا ولوبومبا في جمهورية الكنغو الديموقراطية، وكذلك تمّ تسجيل عدد كبير في ولاية أكوا-إبوم النيجيرية.
ويتنوع الأطفال المتهمون بالسحر بين أطفال يتامى الأب والأم، أو يتامى أحدهما، والأطفال المعاقين، والأطفال المرضى نفسياً، والأطفال الذين وُلدوا بظروفٍ غير طبيعية[24].
4- سحر التوائم:
يعتقد كثيرٌ من الوثنيين بالمجتمعات الإفريقية أنّ للتوائم قدرات سحرية عجيبة، وقوى خفية خطيرة للتحكم في الطبيعة؛ ولذا تمثّلهم قبائل البانتو بالحيوانات؛ لقدرتهم على التحويل من حالةٍ إلى أخرى، وتصفهم قبائل اليكوما في إفريقيا الوسطى بـ«امبوو» ngbooأي الحية، وهم وسطاء بين الناس والآلهة (في زعمهم) بحكم قدرتهم اللامتناهية. وفي اعتقاد البعض هم أكبر قدراً من الإنسان، وفي الوقت نفسه أصغر منه.
5- سحر المصابين بمرض المهق:
يُعدّ مرض المهق (البرص) في اعتقاد الأفارقة الوثنيين قوة خارقة، وقدرة سحرية كبيرة في التحكم على الطبيعة، قد يُمثل المصاب به مصدر تعاسة وشقاوة للمجتمع إذا لم يتمّ التخلص منه؛ ففي اعتقاد قبائل دوغون Dogon أنّ المصاب بالمهق خَلْقٌ ملعون، وأنه- في ظنهم- وُلد بعلاقة جنسية غير مشروعة بين الآلهة، واكتسب بذلك هذه القوة التي تسمح له بالتوسط بين آلهة الأرض وآلهة السماء- بزعمهم، وهو وأعضاؤه الجسدية بسبب ذلك يمثّل مصدراً غنياً لأعمال الطقوس والقرابين السحرية؛ ولذا يُقدّم شخصٌ مصاب بالمهق قرباناً في كلّ ثلاث سنوات بعد تنصيب الملك؛ من أجل تقوية سلطته في بلاد دوغون[25].
وكذلك في بلاد البمبارا؛ يُقدّم شخصٌ مصاب بالمهق قرباناً في مهرجان تنصيب ملك سيغو الجديد، حيث يُقتل ويصبّ دمه على رأس الملك. وكلما كانت المملكة في خطر يُقدّم شخصٌ مصاب بالمهق قرباناً لآلهة الأنهار.
ويتعرض كثيرٌ من الأطفال المصابين بالمهق للعنف والقتل؛ من أجل القوى الخارقة التي يظنّ السحرة والجهلة أنها تكمن فيهم، ويعتقد الوثني أنّ عضواً من جسم المصاب بالمهق (جلده ولسانه ويديه وأذنيه وجمجمته وقلبه وعضوه التناسلي) يمثّل قوةً خارقة في إسعاد الإنسان وفي جعله قوياً وثرياً؛ ولذا تزخر الأسواق السحرية بأعضاء المصابين بمرض المهق[26].
المبحث السابع: السحر الإفريقي في العصر الحاضر:
كان من المتوقع في شأن التعليم والتحضر والتمدن الغربي خصوصاً، في القارة الإفريقية، أن يحدّ من انتشار السحر في المجتمعات الإفريقية، ولكن على العكس نجد أنّ السحر لا يزال وجوده وحضوره قوياً بين الأفراد، ويتمّ استخدامه على نطاقٍ واسع في العديد من المجالات، وذلك لأنّ التعليم والتحضر والتمدن الغربي لا يصحح العقائد الباطلة، بالإضافة إلى أنّ الاستعمار حارب الدعوة الإسلامية في إفريقيا، مما عطل جهود نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة لعقودٍ طويلة.
السحر الإفريقي ميدان الساسة وصناع القرار:
تعاطي السحر والتعامل مع المشعوذين من القضايا السائدة في أوساط الساسة وصنّاع القرار في المجتمعات الإفريقية.
وقد بات الأمر واضحاً، لمن يتابع مجريات الأحداث والقضايا السياسية، أنّ التنافس المستميت، والرغبة في الحفاظ على المناصب وكراسي الحكم، قد دفعت بعض الرؤساء والقادة والوزراء ومديري البلديات إلى التعامل مع القوى الخفية، وطلب العون والمدد من السحرة بواسطة الطقوس والشعائر الشيطانية التي قد تتطلب قرابين بشرية أحياناً.
وقد جاء ما يؤكد ذلك في الدراسة النقدية التي قام بها الباحث روبير بيجتنهجس Robert Buijtenhuijs حول كتاب (السحر والسياسة في إفريقيا) لعالم السلالات البشرية بتير شيشير Peter Geschiere: من اليقين الذي لا يضع للشك مجالاً أنّ بعض رجال السياسة الأقوياء في إفريقيا يستدعون السحرة والمرابطين؛ ليستعينوا بهم في اكتساب القوة والبقاء في السلطة طويلاً. لقد نقلت الصحف العالمية، بإسهابٍ، خبر الساحر ماتيه كريكو Mathieu Kerekou رئيس جمهورية بنين الأسبق[27].
وقليلٌ من الرؤساء الأفارقة يتجرؤون على التباهي بقدراتهم السحرية، وتعاملهم مع القوى الخفية من أجل دعم سلطتهم، كما يُشاع في الكاميرون أنّ الرئيس بول بيا Biya استطاع البقاء في الحكم طويلاً بسبب القوى السحرية التي امتلكها، بفعل القرابين البشرية التي قدّمها للآلهة بواسطة السحرة المشعوذين. وقد كان الفكر الشعبي في الغابون يصوّر الرئيس عمر بونغو بأنه رجل القوة وصاحب السلطة بامتياز، وأنّ لديه قدرة سحرية تمكّنه من النظر إلى عورات الناس، وقدرة على استراق السمع في كلّ ما يُقال عنه[28].
ممارسة السحر الإفريقي في ميدان الرياضة:
عرفت ميادين كرة القدم الإفريقية، في السنوات الأخيرة، ظاهرة تعاطي أعمال السحر والشعوذة، وأضحى تنافس المنتخبات من أجل إحراز الألقاب والأوسمة من أقوى الدوافع التي تدفع الرؤساء والقادة والمسؤولين عن الأندية والمنتخبات والفرق الرياضية؛ للبحث عن عون السحرة والمشعوذين للفوز والنجاح، الأمر الذي يؤكده مدرب المنتخب الغاني غوران ستيفانوفيتش بقوله: «إنه منذ سنين وإلى يومنا هذا ما زالت الفرق الإفريقية تلجأ إلى السحر والسحرة والمشعوذين طلباً للمساعدة أو لزعزعة الفريق المنافس».
والأمر المثير للاستغراب والتعجب هو تنافس أفراد المنتخب الواحد بتعاطي السحر بعضهم ضدّ بعضهم الآخر، وهذا ما لفت انتباه مدرب المنتخب الغاني بلاك ستار Black Star، بعد هزيمته في مباراة النصف النهائي في إحدى منافسات كأس إفريقيا للأمم ضدّ منتخب زامبيا، فقال في تقرير له: «علينا جميعاً أن نسهم في تغيير عقليات بعض اللاعبين الذين استخدموا «السحر الأسود» لتدمير بعضهم بعضاً»[29].
وأشار خبير الأنثروبولوجيا أرنولد بانبورغ، في تحقيقات عام 2008م حول موضوع (كرة القدم الإفريقية والدجل)، إلى أنّ أقوى أشكال السحر في كرة القدم هو الاستعانة بإله مائي يُدعى «مامي واتا»؛ لحماية حارس المرمى ومنع دخول الكرات في شباكه. ويوضح بانبورغ ذلك قائلاً: «للتصدي لذلك؛ ينبغي إلقاء حبة جوز الهند في الملعب، لأنه أكثر ما يحب أكله مامي واتا»[30].
المبحث الثامن: مبادرات للحد من ظاهرة السحر:
لقد انطلقت مبادراتٌ للتصدي للسحر، وبُذلت جهودٌ لمعالجة الظاهرة والحدّ من أضرارها، ومحاربة الاتهامات الناجمة عنها، ولكن هذه المبادرات والجهود لم تؤت أكلها بشكلٍ يليق بجسامة خطر السحر وضرره على المجتمع الإفريقي؛ لأنّ السحر يمثّل جزءاً مهماً من المعتقدات الإفريقية القديمة، وتقف القوانين العرفية القديمة مساندةً له، وتحاول منع أيّ تدخل في شؤونه.
وتتمثل هذه المبادرات فيما يأتي:
1- جهود الدعاة والمصلحين:
إنّ الدروس والمجالس العلمية والحلقات التوعوية، التي تُعقد في العديد من المساجد في إفريقيا، والتي يعالج فيها العلماء مباحث العقيدة الإسلامية والمسائل التي تتعلق بالسحر والشعوذة وأضرارهما على المجتمع، هي مبادرات دعوية وأساليب تربوية مهمة لمحاربة ظاهرة السحر، وتطهير المجتمع الإفريقي منها، أو الحدّ من انتشاره؛ لأنّ التربية الإسلامية الجادة وسيلة فعّالة من وسائل غرس العقيدة الإسلامية الصحيحة في قلوب الأطفال والمراهقين والشباب، التي تحميهم من الوقوع في ممارسات السحر؛ إذا اشتملت على الخطوات الإجرائية التي رسمها النبي صلى الله عليه وسلم للبيت والمجتمع والمؤسسات التعليمية؛ لأنها تسعى- في مجملها- إلى تحقيق أهداف إسلامية عُليا على مستوى الأفراد والجماعة[31].
2- جهود الحكومات الإفريقية:
لقد قامت بعض الدول الإفريقية جنوب الصحراء بمبادرات قانونية لمحاربة ظاهرة السحر؛ حيث عملت هذه الدول- مثل مالي والسنغال وكاميرون والغابون وبنين وموريتانيا وساحل العاج وتشاد (الناطقة بالفرنسية)- على إدانة ممارسة السحر في القانون الوطني الجنائي، وقامت دولٌ- مثل جنوب إفريقيا وزمبابوي وتنزانيا وكينيا وأوغندا وغيرها من الدول الناطقة بالإنجليزية- بإدانة ممارسة السحر والاتهام به؛ ولكن القوانين بقيت حبراً على الأوراق، فقلّما تُطبق لإدانة السحرة، حيث يتهم البعض به أشخاصاً ولا يملكون حجةً لإثبات التهم، إلا في دولٍ كإفريقيا الوسطى وتشاد وغابون وكاميرون. وقد لوحظ في الآونة الأخيرة وجود رغبة شديدة في تجريم ممارسة السحر وإدانته في أجزاء أخرى من القارة[32].
3- مبادرات المنظمات غير الحكومية:
إنّ المنظمات غير الحكومية، المعتمدة لدى الدول الإفريقية، لم تقف مكتوفة الأيدي تجاه ظاهرة تفشي ممارسة السحر واتهام شريحة الأطفال والنساء والمستضعفين الأبرياء بممارسته؛ إنما جعلتها من الأمور ذات الأولوية. إنّ أعمال العنف المختلفة، كسوء المعاملة والطرد والتخلي والقتل والانتقام الشعبي التي يتعرض لها الإنسان والأطفال، انتهاك صارم لحقوقهم الأساسية.
وقد كانت التقارير التي يعدّها مراقبو تلك المنظمات عن ظاهرة السحر والاتهام به في دول إفريقية مؤلمة ومأساوية، الأمر الذي وضع تلك المنظمات أمام مسؤولية المواجهة ومحاربة الظاهرة؛ لتوفير جوّ الحماية والأمن والأمان لهؤلاء المستضعفين. وعلى سبيل مثال: على الرغم من أنّ جمهورية الكنغو الديمقراطية قننت إدانة الناس المشتغلين بالسحر، وتجريمهم في القانون الجنائي الوطني؛ إلا أنّ القانون يبقى أحياناً بلا تطبيق.
لقد اعتبرت المنظمات العالمية مشكلة الأطفال المتهمين بالسحر مشكلة إنسانية، ويجب رفض معالجتها تقليدياً، ولهذا عملت على إنشاء كيانات ومنظمات من أجل النهوض بمشكلة الأطفال السحرة ومعالجة التهم التي تُوجّه إليهم، كمنظمة حماية الأطفال ONG save children التي عملت على إعادة 8000 طفل إلى أسرهم في جمهورية الكنغو الديمقراطية.
وقد نجحت- كغيرها من المنظمات- في اكتشاف مناهج وأساليب جيدة لحماية الأطفال ضحايا العنف والتمييز والطرد بسبب اتهامهم بممارسة السحر. وكما عملت على تنظيم حملات التوعية والتعليم والتثقيف في أوساط الأسر؛ لتوعيتهم بحقوق الأطفال ومراعاتها، وقد أسهمت في إغلاق إحدى عشرة كنيسة؛ لتورطها في عملية العنف الموجهة إلى الأطفال والنساء في قضية ممارسة السحر[33].
خاتمة
أخلص في هذه الجولة العلمية حول السحر الإفريقي وتأثيراته على الحياة الاجتماعية؛ إلى صياغة جملة من الأفكار الختامية، وهي ما يأتي:
1- لا يمكن تحديد مكان ظهور السحر والشعوذة في إفريقيا؛ لكونه ظاهرة اجتماعية يصعب رصدها، وارتباط السحر بالديانة التقليدية يجعلنا نجزم بظهورهما معاً، منذ وقتٍ بعيد.
2- عاش الشعب الإفريقي حياته القديمة في ظلّ منظومة متكاملة، وقد جعل الدين الوثني ركيزتها الأساسية، والتدين بشعائرها أسس انطلاقاتها نحو أيّ سلوك أو أيّ عمل يعتزم القيام به.
3- من أهمّ المعتقدات الإفريقية المنحرفة الإيمان بالسحر بوصفه القوة الفائقة التي لها القدرة على التأثير بذاتها في حياة أفراد المجتمع، وأنّ لدى السحرة سُلطة قاهرة في إنهاء معاناة الإنسان الإفريقي، وتقديم حلول لكلّ المشاكل والصعاب والعراقيل التي كان يعاني منها.
3- الإيمان بالسحر والاعتقاد بقوة السحرة وقدرات المشعوذين الخارقة ظلّ سائداً في التنظيمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الممالك والدول التي قامت في إفريقيا.
4- تطور السحر الإفريقي مع تطور الحياة، على أصعدتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإعلامية، ولم ينظر جزءٌ كبير من الشعب الإفريقي اليوم إلى السحر بوصفه ظاهرة ينبغي التخلي عنها ومحاربتها لما فيها من المفاسد والمضرات، وإنما راح يبحث لها عن وجهٍ يتوافق مع مجريات الحياة الجديدة وأسلوب العصر، وذلك لأنّ التعليم والتمدن الغربي لا يصحح العقائد الباطلة، بالإضافة إلى أنّ الاستعمار حارب الدعوة الإسلامية في إفريقيا، مما عطل جهود نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة لعقودٍ طويلة.
5- الجهود ومبادرات التصدي للسحر لم تؤت أكلها؛ لأنّ السحر يمثل جزءاً مهماً من معتقدات إفريقيا الوثنية، وتقف القوانين العرفية القديمة مساندةً له، وتحاول منع أيّ تدخل في شؤونه.
وللتوسع والاطلاع على جانب آخر من التراث الإفريقي، يمكن مشاهدة الفيديو التالي: “أسرار الجنيزة.. كنز مخفي يعيد كتابة تاريخ إفريقيا”.
…………………….
المراجع والإحالات
[1] الصحاح، الجوهري، دار العلم للملايين– بيروت، ط4- 1407هـ-1987م، (2/ 679).
[2] المرجع السابق، (2/ 679).
[3] المصباح المنير، الفيومي، المكتبة العصرية، (5/ 22).
[4] أحكام القرآن للجصاص، دار إحياء التراث العربي- بيروت، 1405هـ، (1/ 51).
[5] صحيح البخاري، كتاب الوصايا/ باب قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10].
[6] حوارات مع مشايخ، وانظر:
les enfants accusés de sorcellerie:etude anthropologique des pratiques contempraines relatives aux enfants en Afrique, p.12.
[7] Dieu peut-il mourir en Afrique/Eloi Messi Metogo, p.10-11.
[8] idem.
[9] المرجع السابق، نقلاً عن: Idowu 1973/ p.130.
[10] الديانات في إفريقيا السوداء، هوبير ديشان، الهيئة المصرية العامة- القاهرة، 2011م، ص87.
[11] الديانات التقليدية في غرب إفريقيا بين القرنين 15و20م /بحث مقدم لنيل الماستر/إيمان بطاهر ورميساء خاودة/ جامعة الجيلالي بونعامة خميس مليانة/ د:ب/ 2017م-2018م.
[12] الديانات في إفريقيا السوداء، ص86.
[13] تاريخ إفريقيا العام، مجموعة من الباحثين، ط1983م، جين أفريك اليونسكو، باريس- فرنسا، (4/ 189).
[14] تاريخ إفريقيا العام، (4/ 137).
[15] موسوعة تاريخ مالي، عبد القادر بن تيجان، طبعة مؤسسة كجيرى للتربية والبحوث التاريخية- مالي، ص83 وما بعدها. متاح على الرابط
[16] المرجع السابق.
[17] موسوعة تاريخ مالي، ص108.
[18] تاريخ إفريقيا السوداء، كي زربو/5، تر: يوسف شلب الشام، ط1994م، منشورات وزارة الثقافة– دمشق/ سوريا-1994م، (1/331).
[19] أسكيا الحاج محمد وإحياء دولة السنغهاي الإسلامية، فاي منصور علي، ط1، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس- ليبيا- 1997م، ص (35-36).
[20] المرجع السابق، ص34، وتاريخ إفريقيا السوداء (1/232)، وتاريخ إفريقيا العام (4/204)، مرجعان سابقان.
[21] الديانات في إفريقيا السوداء، ص 88 وما بعدها.
[22] قصة الحضارة، ويل ديورنت، مطابع الدجوي- القاهرة- 1971م، (1/111).
[23] les enfants accusés de sorcellerie:étude anthropologique des pratiques contemporaines relatives aux enfants en Afrique, p.19-22.
[24] المرجع السابق، ص (19-22).
[25] les enfants accusés de sorcellerie:etude anthropologique des pratiques contempraines relatives aux enfants en Afrique, p.33-35.
[26] المرجع السابق، ص (33-35).
[27] palabre de la sorcellerie comme mode populaire d’action politique, p.134.
[28] les enfants accusés de sorcellerie:etude anthropologique des pratiques contempraines relatives aux enfants en Afrique, p.12.
[29] https://www.france24.com/ar/20120302-african-cup-black-magic-football
[30] المرجع السابق.
[31] الفكر الإلحادي في غرب إفريقيا ومنهجية التصدي له، ص364.
[32] les enfants accusés de sorcellerie:étude anthropologique des pratiques contemporaines relatives aux enfants en Afrique, p.46.
[33] les enfants accusés de sorcellerie:étude anthropologique des pratiques contemporaines relatives aux enfants en Afrique, p.52-54.
مصادر ومراجع أخرى:
أ- مصادر ومراجع عربية:
1- السحر.. مقدمة قصيرة، أوين ديفيز، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة- القاهرة- مصر، ط1- 2014م.
2- عالم السحر والشعوذة، د. عمر سليمان الأشقر، ط3، دار النفائس- عمان- الأردن- 1997م.
3- الدعوة الإسلامية في إفريقية، عبد الرحمن عمر الماحي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية- لبيبا-1999م.
أ- مصادر ومراجع أجنبية:
1- African Religions and Philosophy/J.M/.Heinemann.Kenya Ltd Nairobi-1969.p.7
2- cahiers d etudes africains/ sorcellerie envers et contre tous /Christine Henry et autre/num 189-190/2008.
3- Impact de la sorcellerie en Afrique francophone subsaharienne:des femmes agissantes dans les nouvelles de Florent Couao-Zotti et d’Eveline Mankou/Laura Coakley/ontario/Canada- 2015.
4- sorcellerie et modernité: retour sur une étrange complicité / Peter Geschiere/ politique africaine num:79/octobre 2000.
المصدر: مجلة قراءات إفريقية- العدد 46: أكتوبر 2020م / صفر 1442هـ
متاح على الرابط











































