تُعد صناعة النشر في إفريقيا أحد أهم القطاعات الثقافية والمعرفية التي تسهم في إنتاج المعرفة ونقلها عبر الأجيال، ويظل الكتاب أداتها الرئيسية في حفظ الذاكر الجمعية للشعوب وتعزيز التفاعل الفكري والثقافي بين المجتمعات المختلفة، وعلى امتداد التاريخ ارتبط ازدهار الأمم بقدرتها على إنتاج المعرفة وتداولها، وهو ما يمنح هذه الصناعة مكانة خاصة ضمن القطاعات والصناعات الثقافية والإبداعية المختلفة.
صناعة النشر تزداد أهمية في إفريقيا في ظل التحولات الديموغرافية والثقافية المتسارعة التي تشهدها القارة، حيث تضم نحو 532 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاماً، وهو ما يوفر قاعدة واسعة من القراء والمبدعين والفاعلين في قطاع المعرفة. كما يتيح التنوع الثقافي واللغوي الذي تتميز به إفريقيا فرصاً كبيرة لإنتاج محتوى يعكس خصوصية مجتمعاتها وتعدد هوياتها وتطلعاتها التنموية والثقافية.
وفي ظل هذه المعطيات، أصبحت صناعة النشر من القطاعات الثقافية والاقتصادية الصاعدة في إفريقيا، مدعومةً بالنمو المتزايد في الطلب على الكتب التعليمية والأدبية، إلى جانب التوسع المستمر في استخدام المنصات الرقمية والمحتوى الإلكتروني.
وتشير التقديرات إلى أن إيرادات سوق الكتاب في القارة بلغت نحو 7 مليارات دولار عام 2023م، بما يمثل قرابة 5.4% من إجمالي سوق النشر العالمي، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 18 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.
كما تُقدَّر القيمة المحتملة لسوق النشر التعليمي بنحو 13 مليار دولار، الأمر الذي يعكس ما تمتلكه هذه الصناعة من فرص نمو كبيرة، ويؤكد تنامي دورها في دعم الاقتصاد المعرفي، وتعزيز مسارات التنمية الثقافية والتعليمية في القارة الإفريقية.
ورغم ما تمتلكه صناعة النشر الإفريقية من مقومات وفرص واعدة، فإنها لا تزال تواجه مجموعة من التحديات الهيكلية التي تحدّ من قدرتها على النمو والتوسع. وتتجلى هذه التحديات في ضعف سلاسل الإنتاج والتوزيع، وارتفاع تكاليف الطباعة والتمويل، ومحدودية البنية التحتية الثقافية، فضلاً عن أوجه القصور في الأطر القانونية والمؤسسية المنظمة للقطاع.
وفي هذا السياق، يكتسب تقرير «صناعة النشر في إفريقيا 2025م» الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أهمية خاصة، إذ يقدّم قراءة مفصلة لواقع صناعة الكتاب والنشر في القارة، ويرصد أبرز الاتجاهات التي تشكل ملامحها الراهنة، والتحديات التي تعترض مسارها، والفرص المتاحة لتعزيز نموها وتطوير دورها في دعم التنمية الثقافية والمعرفية.
من هذا المنطلق؛ يحاول هذا المقال تقديم قراءة لأبرز ما جاء في تقرير اليونسكو حول صناعة النشر في إفريقيا لعام 2025م، من خلال الوقوف على ملامح القطاع واتجاهاته الرئيسية، واستعراض الفرص التي يمتلكها للنمو والتوسع، فضلاً عن التحديات التي لا تزال تعيق تطوره. كما يسلط الضوء على التباينات الإقليمية في صناعة الكتاب عبر الأقاليم الإفريقية الخمسة (الشمال، الجنوب، الشرق، الغرب، الوسط)، بما يتيح فهماً أعمق لواقع القطاع وآفاقه المستقبلية في القارة.
في هذا المقال
- أولاً: كيف يرصد تقرير اليونسكو واقع صناعة النشر في إفريقيا؟
- ثانياً: إلى أين وصلت صناعة النشر في إفريقيا؟
- ثالثاً: ما الذي تكشفه القراءة الإقليمية لصناعة النشر في إفريقيا؟
- رابعاً: أين تكمن أزمة سوق الكتاب والنشر في إفريقيا؟
- خامساً: كيف يمكن تعزيز صناعة النشر الإفريقية؟
- ختاماً: هل تنجح إفريقيا في بناء صناعة نشر أكثر تكاملاً وتنافسية؟
أولاً: كيف يرصد تقرير اليونسكو واقع صناعة النشر في إفريقيا؟
يتناول التقرير الصادر عن اليونسكو واقع صناعة النشر في إفريقيا من خلال أربعة محاور رئيسية، يبدأ باستعراض الاتجاهات العامة التي تشكل ملامح القطاع، بما في ذلك تطور البيئة المؤسسية والقانونية، وكيف تحاول صناعة النشر التأقلم مع التحولات التكنولوجية والرقمية، ولاسيما مع ما شهدته من تطورات خلال السنوات الأخيرة.
ثم ينتقل إلى تحليل أبرز التحديات التي تواجه الصناعة، مثل ضعف السياسات الداعمة، والاعتماد على الأسواق والموارد الخارجية، ومحدودية الوصول إلى الكتاب في بعض مناطق القارة، وتراجع معدلات القراءة، فضلاً عن محدودية النشر باللغات الإفريقية المحلية، ونقص برامج التأهيل والتدريب المتخصصة في هذه الصناعة.
وفي القسم الثالث، يركز التقرير على الفرص المتاحة لتعزيز نمو القطاع، من خلال تطوير الأطر القانونية والمؤسسية، ودعم الناشرين المحليين، وبناء سوق إفريقية أكثر قدرة على إنتاج وتوزيع الكتاب، إلى جانب توسيع فرص الوصول إلى المعرفة وتشجيع القراءة، بما يعزز دور صناعة النشر في التنمية التعليمية والثقافية بالقارة.
ويختتم التقرير بقراءة مفصلة لواقع قطاع النشر في الأقاليم الفرعية الخمسة بالقارة الإفريقية، من خلال استعراض الخلفية التاريخية لتطور صناعة الكتاب والنشر في كل منطقة، والأطر القانونية والمؤسسية المنظمة لها، وهيكل السوق والفاعلين الرئيسيين فيه، فضلاً عن أبرز التحديات والفرص التي تميز كل إقليم. وتتيح هذه الزاوية الإقليمية في التناول فهماً أكثر دقة لتباين أوضاع صناعة النشر داخل القارة، وتكشف عن اختلاف مستويات التطور والقدرات المؤسسية بين الأقاليم والبلدان الإفريقية المختلفة.
ومن هنا؛ تنبع أهمية التقرير من كونه أول دراسة شاملة تسعى إلى تقديم صورة متكاملة لصناعة الكتاب والنشر في الدول الإفريقية كافة، إذ يغطي أوضاع القطاع في 54 دولة، بما يسهم في سد فجوة معرفية طالما أحاطت بهذا المجال على مستوى القارة. ويوفر التقرير قاعدة معلومات مهمة تساعد الباحثين وصناع السياسات والفاعلين في القطاع على فهم واقع صناعة النشر واتجاهاتها وتحدياتها بصورة أكثر دقة.
كما تزداد قيمته بالنظر إلى المنهجية التي استند إليها، والتي جمعت بين الاستبيانات الميدانية، ومساهمات الخبراء المحليين، والمراجعة الواسعة للأدبيات والبيانات المتاحة، وهو ما أتاح بناء تقديرات ومؤشرات تعكس الاتجاهات العامة للصناعة في إفريقيا، رغم ما يواجهه البحث في هذا المجال من تحديات تتعلق بندرة البيانات الرسمية واتساع نطاق القطاع غير الرسمي في العديد من الدول الإفريقية.
ثانياً: إلى أين وصلت صناعة النشر في إفريقيا؟
تكشف بيانات تقرير اليونسكو 2025م عن حيوية متزايدة في صناعة النشر الإفريقية، تستند إلى إرث ثقافي ومعرفي عريق. فمن المنطقي أن تمتلك قارة يبلغ عدد سكانها نحو 1.44 مليار نسمة، ويتحدث سكانها قرابة 2000 لغة- تمثل ما يقرب من ثلث لغات العالم- ثراءً استثنائياً في القصص والسرديات والإنتاج الفكري.
وقد تجسد هذا الثراء عبر قرون طويلة من التقاليد الشفاهية التي أسهمت في حفظ الذاكرة الجمعية للمجتمعات الإفريقية، إلى جانب تقاليد راسخة في إنتاج المخطوطات والمعارف المكتوبة، كما يتضح في بردية بريس المصرية التي تعود إلى نحو 1800 قبل الميلاد، ومخطوطات اللغة الجعزية في إثيوبيا منذ القرن الرابع الميلادي، ومخطوطات تمبكتو في مالي منذ القرن الرابع عشر، وهو ما يعكس عمق العلاقة التاريخية بين القارة والكتاب.
وقد أثمر هذا الإرث حضوراً أدبياً وفكرياً بارزاً، جعل إفريقيا أحد المصادر المهمة للإبداع الأدبي العالمي. فالقارة أنجبت كتّاباً أصبحوا جزءاً من الكلاسيكيات الأدبية العالمية، مثل تشينوا أتشيبي (نيجيريا)، وكامارا لاي (غينيا)، وليوبولد سيدار سنغور (السنغال)، ونغوغي واثيونغو (كينيا)، وأوكوت بتيك (أوغندا)، وبيبيتلا (أنغولا)، والطيب صالح (السودان).
كما برزت أسماء معاصرة حققت انتشاراً عالمياً واسعاً، من بينها تشيماماندا نغوزي أديتشي (نيجيريا)، وهشام مطر (ليبيا)، وإسماعيل بيا (سيراليون)، ومحمد مبوغار سار (السنغال)، والطاهر بن جلون (المغرب). كذلك حصد عدد من الأدباء الأفارقة جائزة نوبل في الأدب، مثل عبد الرزاق قرنح (تنزانيا)، ونادين غورديمر (جنوب إفريقيا)، ونجيب محفوظ (مصر)، وولي سوينكا (نيجيريا).
إلى جانب ذلك، برز العديد من الفائزين بالجوائز الأدبية المرموقة، مثل أحمدو كوروما (كوت ديفوار)، وفيستون موانزا موجيلا (جمهورية الكونغو الديمقراطية)، وجيرمانو ألميدا (الرأس الأخضر)، وكانغني أليم (توغو)، ومبارك ولد بيروك (موريتانيا)، وتيرنو مونينيمبو (غينيا).
ومع التحولات الرقمية المتسارعة، بدأت تظهر أشكال جديدة من الإنتاج والنشر الأدبي، حيث برز جيل من الروائيين الرقميين الذين استفادوا من المنصات الإلكترونية لتوسيع دائرة الوصول إلى أعمالهم، ومن أبرزهم ألكسندر نديريتو (كينيا)، الذي أصبح عمله الروائي الرقمي المفتوح الوصول «عندما تمر الزوبعة» When the Whirlwind Passes من أكثر الكتب تحميلاً في إفريقيا منذ عام 2020م.
وحول واقع الصناعة في الوقت الراهن، يشير تقرير اليونسكو إلى أن إفريقيا تضم نحو 6400 دار نشر، تنتج ما يقرب من 86 ألف مؤلَّف سنوياً، إلى جانب 13 ألف مكتبة لبيع الكتب و8 آلاف مكتبة عامة، فضلاً عن نحو 250 معرضاً وفعالية للكتاب، و200 جمعية مهنية.
وتعكس هذه المؤشرات اتساع البنية الثقافية المرتبطة بالكتاب، وتنامي حضور المحتوى الإفريقي محلياً وعالمياً. كما يشهد قطاع النشر التجاري والأدب الموجّه للأطفال والقصص المصورة نمواً ملحوظاً في العديد من الدول الإفريقية، بينما تواصل الجوائز الأدبية ومعارض الكتب لعب دور مهم في دعم صناعة النشر، وتعزيز مكانة الكتاب الإفريقي، وإبراز أصوات جديدة في المشهد الثقافي للقارة.

المصدر: من إعداد الباحثة، استناداً لتقرير اليونسكو 2025م.
وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى أن الصناعة تتجه تدريجياً نحو مزيد من التنظيم المؤسسي والقانوني، إذ تمتلك غالبية الدول الإفريقية تشريعات لحماية حقوق المؤلف والإيداع القانوني، كما تتزايد أدوار المؤسسات الحكومية والجمعيات المهنية في دعم القطاع وتطويره.
وقد ساهمت الاستثمارات العامة في بعض الدول في إنشاء مكتبات كبرى وتمويل برامج دعم النشر والكُتّاب، بينما أصبحت معارض الكتب والاتحادات المهنية أدوات مهمة لتعزيز التعاون الإقليمي وتبادل الخبرات. وتؤكد هذه المؤشرات أن صناعة الكتاب في إفريقيا أكبر من أن تكون نشاطاً ثقافياً هامشياً، بل إنها جزء من إستراتيجيات التنمية الثقافية والتعليمية في عدد متزايد من الدول.
وفي الوقت نفسه، تشهد الصناعة تحولات رقمية متسارعة تفتح آفاقاً جديدة أمام النشر والتوزيع والوصول إلى القراء، فقد برزت منصات إفريقية متخصصة في الكتب الإلكترونية والكتب الصوتية والنشر الذاتي، كما توسعت المكتبات الرقمية والحلول التعليمية الإلكترونية في العديد من الدول الإفريقية، مستفيدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في الترجمة وصناعة المحتوى، فضلاً عن جهود ملموسة لإتاحة الكتب لذوي الإعاقة البصرية.
وتوضح هذه الاتجاهات أن واقع صناعة النشر الإفريقية يرتكز على الجمع بين الإرث الثقافي الغني والابتكار التكنولوجي، بما يعزز فرص نمو القطاع وقدرته على المنافسة عالمياً.
ثالثاً: ما الذي تكشفه القراءة الإقليمية لصناعة النشر في إفريقيا؟
لا تتسم صناعة النشر في إفريقيا بدرجة واحدة من التطور أو النمو، بل تتباين ملامحها بشكل واضح بين أقاليم القارة المختلفة، تبعاً لاختلاف الأوضاع الاقتصادية والثقافية والمؤسسية، فضلاً عن تباين أحجام الأسواق ومستويات التعليم والبنية التحتية الثقافية.
ومن ثَمّ؛ فإن فهم واقع النشر عبر أقاليم القارة الخمسة يقتضي النظر إلى الخصائص التي تميز كل إقليم على حدة، والوقوف على أبرز الفاعلين فيه، والتحديات التي يواجهها، والفرص المتاحة أمامه، وهو ما نتناوله على النحو التالي:
1- شمال إفريقيا.. بين الريادة الثقافية ومعوقات التطوير المؤسسي:
تُعدّ منطقة شمال إفريقيا من أبرز مراكز صناعة الكتاب والنشر في القارة الإفريقية، إذ تتصدر الأقاليم الإفريقية من حيث القدرة الإنتاجية للكتاب، مستفيدة من تاريخ طويل من النشاط الثقافي والتعليمي ووجود بنية مؤسسية راسخة نسبياً مقارنةً بأقاليم أخرى. ووفقاً لبيانات عام 2023م، استحوذت مصر وحدها على نحو 68% من إجمالي العناوين المنشورة في الإقليم، كما تضم المنطقة أكبر عدد من دور النشر على مستوى القارة.
ولا تقتصر ريادة شمال إفريقيا على الإنتاج فقط، بل تمتد إلى إتاحة الكتب للجمهور، حيث تحتل المرتبة الأولى إفريقيّاً من حيث عدد المكتبات العامة، وتأتي مصر في الصدارة بـ924 مكتبة عامة تمثل نحو 34% من إجمالي مكتبات الإقليم. كذلك تحظى المنطقة بحضور ثقافي لافت من خلال معارض الكتب والمهرجانات الأدبية، إذ تستضيف نحو 46% من هذه الفعاليات على مستوى إفريقيا، بينما تحتل المرتبة الثالثة في مجال توزيع الكتب عبر المكتبات التجارية، التي تتركز نسبة كبيرة منها في المغرب.
ورغم هذه المكانة المتقدمة، تواجه صناعة الكتاب في شمال إفريقيا عدداً من التحديات التي قد تحد من قدرتها على تحقيق مزيد من النمو، ويتمثل أبرزها في الدور الكبير الذي تلعبه المؤسسات الحكومية في قطاع النشر مقابل محدودية مساهمة الهيئات المهنية ومنظمات المجتمع المدني، وهو ما ينعكس في انخفاض عدد الجمعيات والاتحادات المهنية مقارنةً بحجم الصناعة. كما تعاني المنطقة من ضعف نسبي في البنية التحتية للتوزيع، إذ لا يتناسب عدد المكتبات التجارية مع حجم الإنتاج الكبير للكتب.
ومع ذلك، تظل آفاق التطور واعدة؛ فاشتراك دول الإقليم في اللغة العربية يخلق سوقاً ثقافية واسعة وعابرة للحدود، مدعومة بشبكات التعاون الثقافي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبالحضور القوي لمعارض الكتب العربية والدولية. كما تتميز المنطقة بنسبة مرتفعة من النشر التجاري مقارنةً ببقية الأقاليم الإفريقية، فضلاً عن استمرار التفاعل المجتمعي مع الكتاب والقراءة، وهي عوامل تمنح صناعة النشر في شمال إفريقيا فرصاً كبيرة لتعزيز مكانتها الإقليمية والقارية خلال السنوات المقبلة.
2- جنوب القارة.. هيمنة لجنوب إفريقيا وآفاق نمو واعدة:
يحتل إقليم جنوب القارة الإفريقية المرتبة الثالثة على مستوى القارة- كما يشير تقرير اليونسكو لصناعة النشر 2025م- من حيث القدرة الإنتاجية في قطاع النشر، إلا أن هذه المكانة ترتبط بدرجة كبيرة بالدور المحوري الذي تؤديه جنوب إفريقيا، والتي تستحوذ وحدها على نحو 82% من إجمالي إنتاج الكتب في الإقليم.
وعلى مستوى التوزيع، يأتي الإقليم في المرتبة الرابعة إفريقيّاً من حيث عدد المكتبات التجارية، مع تركز 61% منها في جنوب إفريقيا، بينما يحتل المرتبة الثانية من حيث إتاحة الكتب للجمهور عبر المكتبات العامة، حيث توجد 87% من هذه المكتبات داخل جنوب إفريقيا. كذلك يأتي الإقليم في المرتبة الثانية من حيث عدد الجمعيات المهنية العاملة في قطاع النشر، رغم احتلاله المرتبة الخامسة على مستوى القارة من حيث عدد معارض الكتب والمهرجانات الأدبية.
ورغم التحديات التي تواجه صناعة النشر في إقليم جنوب إفريقيا، من بينها تراجع دور بعض الجمعيات المهنية وعدم انتظام المهرجانات والفعاليات الثقافية، فإن المؤشرات المستقبلية تبدو إيجابية. فمنذ عام 2019م، شهدت بعض دول جنوب القارة انتعاشاً أدبياً ملحوظاً مدفوعاً بتزايد انخراط الشباب في الأنشطة الثقافية والإبداعية.
كما يتزايد الدعم الحكومي لقطاع النشر، وهو ما يتجلى في الخطة الوطنية للقراءة في أنغولا للفترة (2024-2027م)، والتي خُصّص لها نحو 490 مليون دولار، إلى جانب خطة العمل الخاصة بالنشر في جنوب إفريقيا. وإلى جانب ذلك، يشهد الإقليم نمواً متزايداً في الطلب على أدب الأطفال والمحتوى الإفريقي العابر للحدود، بما يعزز فرص توسع صناعة الكتاب ويمنحها آفاقاً جديدة للنمو خلال السنوات المقبلة.
3- شرق إفريقيا.. بين ريادة كينيا وفرص التوسع الإقليمي:
تمثل منطقة شرق إفريقيا إحدى المناطق النشطة في صناعة الكتاب والنشر بالقارة الإفريقية، حيث تحتل المرتبة الرابعة من حيث القدرة الإنتاجية للكتب وفق عدد العناوين المنشورة عام 2023م، وتبرز كينيا هنا كفاعل رئيسي في هذا المجال، ولاسيما مع استحواذها على حوالي 54% من إجمالي العناوين المنتجة في الإقليم.
كما تتصدر المنطقة القارة في مجال توزيع الكتب من خلال المكتبات التجارية، إذ تتركز 74% من هذه المكتبات في كينيا. وعلى مستوى إتاحة الكتب للجمهور، تحتل المنطقة المرتبة الرابعة إفريقيّاً من حيث عدد المكتبات العامة، مع استحواذ إثيوبيا على نحو 41% منها، كما تأتي في المرتبة الرابعة من حيث معارض الكتب والمهرجانات الأدبية، والثالثة من حيث عدد الجمعيات والهيئات المهنية العاملة في قطاع النشر.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تواجه صناعة الكتاب في شرق إفريقيا تحديات عدة، أبرزها ضعف البنية التحتية الخاصة بالنشر والتوزيع خارج المراكز الرئيسية مثل كينيا وإثيوبيا وأوغندا، ما يحد من وصول الكتب إلى قطاعات واسعة من السكان.
كما تمثل القرصنة، ولاسيما في الكتب التعليمية، أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع، في ظل تفاوت الأطر القانونية بين دول الإقليم. وإلى جانب ذلك، لا يزال التكامل الإقليمي محدوداً، بما يقلل من فرص بناء سوق موحدة للكتاب. ومع ذلك، تمتلك المنطقة فرصاً واعدة للنمو، مدعومة بالانتشار المتزايد للهواتف المحمولة والإنترنت، ووجود منصات رقمية للنشر والتوزيع في 13 دولة، فضلاً عن قوة النشر باللغات المحلية في عدد من بلدان الإقليم.
ويوفر انتشار الفعاليات الأدبية ومعارض الكتب، التي يتجاوز عددها 30 فعالية في 12 دولة، قاعدة مهمة لتعزيز القراءة وتوسيع السوق الثقافية، خاصةً إذا نجحت دول الإقليم في تعزيز التعاون بين الأسواق الناطقة بالإنجليزية والفرنسية.
4- غرب إفريقيا.. هيمنة نيجيرية وتحديات هيكلية:
تُظهر بيانات غرب إفريقيا- وفقاً لتقرير اليونسكو- أن المنطقة تمتلك مقومات بشرية وسوقاً واسعة يمكن أن تدعم نمو صناعة النشر والكتاب؛ إذ يبلغ عدد سكانها نحو 441 مليون نسمة، مع معدل تحضر يصل إلى 50%، وأكثر من 106% اشتراك في خدمات الهاتف المحمول. كما تضم المنطقة ما يزيد على 1015 دار نشر، ونحو 5058 مكتبة لبيع الكتب، و1546 مكتبة عامة، إلى جانب 60 معرضاً ومهرجاناً للكتاب و50 جمعية مهنية.
وتُعدّ منطقة غرب إفريقيا ثاني أكبر أقاليم القارة من حيث القدرة الإنتاجية في قطاع النشر وعدد دور النشر، حيث تستحوذ نيجيريا وحدها على نحو 86% من إجمالي إنتاج الكتب في المنطقة، مستفيدة من ثقلها السكاني الكبير، بينما تأتي غانا في المرتبة الثانية بحصة تبلغ 6%.
وتحتل المنطقة المرتبة الثانية إفريقيّاً من حيث شبكات التوزيع، إذ تتركز 88% من المكتبات التجارية في نيجيريا و9% في غانا. وعلى مستوى إتاحة الكتب للجمهور، تضم السنغال 32% من المكتبات العامة في الإقليم، تليها نيجيريا بنسبة 20%. كذلك تحتل غرب إفريقيا المرتبة الثانية من حيث عدد معارض الكتب والمهرجانات الأدبية، بينما تتصدر القارة في عدد الجمعيات المهنية العاملة في قطاع الكتاب والنشر.
وعلى الرغم من امتلاك غرب إفريقيا سوقاً واسعة للنشر والكتاب، فإن القطاع لا يزال يواجه مجموعة من التحديات التي تحد من وتيرة نموه، يأتي في مقدمتها انخفاض معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، إذ لا تتجاوز نسبة القادرين على القراءة والكتابة بين السكان الذين تزيد أعمارهم على 15 عاماً نحو 57%، إلى جانب ضعف شبكات توزيع الكتب في العديد من دول المنطقة، ومحدودية الوصول إلى المنافذ الثقافية، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي نتيجة انخفاض معدلات استخدام الإنترنت في بعض دول الإقليم.
ومع ذلك، تظل آفاق النمو إيجابية، مدفوعة بالتوسع التدريجي في المنصات الرقمية، وتزايد الاهتمام بإنتاج الكتب باللغات المحلية إلى جانب اللغتين الإنجليزية والفرنسية، فضلاً عن الجهود الإقليمية الرامية إلى تعزيز التجارة الثقافية والتعاون بين أسواق النشر، بما قد يسهم في توسيع قاعدة القراء ودعم صناعة الكتاب في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
5- منطقة إفريقيا الوسطى.. صناعة محدودة وإمكانات غير مستغلة:
تُعدّ منطقة إفريقيا الوسطى الأقل نشاطاً بين الأقاليم الإفريقية في قطاع النشر من حيث القدرة الإنتاجية وعدد دور النشر، إذ جاءت في المرتبة الخامسة على مستوى القارة في إنتاج الكتب خلال عام 2023م. من جهة أخرى، يتركز نحو 75% من إجمالي العناوين المنشورة في 3 دول فقط هي الكاميرون والكونغو والجابون، ما يعكس محدودية النشاط في قطاع النشر في بقية دول الإقليم.
كما تحتل المنطقة المرتبة الخامسة من حيث شبكات التوزيع وعدد المكتبات التجارية، وكذلك من حيث إتاحة الكتب للجمهور عبر المكتبات العامة، حيث تستحوذ تشاد والكونغو على نحو ثلثي المكتبات العامة في المنطقة. وفي المقابل، تبدو الصورة أكثر إيجابية على مستوى الفعاليات الثقافية، إذ تحتل إفريقيا الوسطى المرتبة الثالثة إفريقيّاً من حيث عدد معارض الكتب والمهرجانات الأدبية، فضلاً عن عدد الجمعيات المهنية العاملة في المجال الثقافي.
ولا تزال صناعة النشر في الإقليم تواجه مجموعة من التحديات الهيكلية التي تحد من توسعها وتكاملها الإقليمي. فمن بين دول المنطقة، لا تمتلك سوى 25% منها وكالات وطنية للترقيم الدولي الموحد للكتاب ISBN، الأمر الذي يدفع العديد من الناشرين إلى الاعتماد على أنظمة خارجية، بما يرفع تكاليف النشر ويضعف تنافسية السوق المحلية. كما يظل التعاون بين دول الإقليم في مجال النشر والكتاب محدوداً نسبياً، وهو ما ينعكس على ضعف حركة تداول الكتب والخبرات بين الأسواق المختلفة.
ومع ذلك، تمتلك المنطقة عدداً من المقومات التي يمكن أن تدعم نمو قطاع النشر خلال السنوات المقبلة. فبعض المبادرات العابرة للحدود، مثل تجمع «سيمبورا» The Sembura Collective في منطقة البحيرات العظمى، والذي يمثل نموذجاً مهماً للتعاون الأدبي، وبخاصة بين بوروندي والكونغو الديمقراطية ورواندا.
كما تبرز فعاليات متخصصة مثل مهرجان «بيليلي للقصص المصورة» Bilili BD Festival في الكونغو، الذي يعكس إمكانات واعدة لتطوير أسواق نشر متخصصة. وإجمالاً، فإن إحياء الأطر الإقليمية للتعاون الثقافي يمكن أن يسهم في تنشيط صناعة الكتاب، وتعزيز التكامل الثقافي، وخلق فرص جديدة لتوسيع سوق النشر في إفريقيا الوسطى.
رابعاً: أين تكمن أزمة سوق الكتاب والنشر في إفريقيا؟
تُظهر صناعة النشر في إفريقيا، وعلى امتداد أقاليمها بشكل عام، مجموعة من التحديات البنيوية التي تعيق تطورها واستدامتها، وفي مقدمتها ضعف الأطر التشريعية والتنظيمية. فعلى الرغم من وجود بعض القوانين في عدد محدود من الدول؛ فإن الغالبية تفتقر إلى تشريعات متخصصة تدعم قطاع النشر بشكل مباشر، كما أن المؤسسات الحكومية المسؤولة عن هذا القطاع غالباً ما تكون غير مستقلة أو مدمجة ضمن وزارات الثقافة أو التعليم، مما يحدّ من فاعليتها.
ويُضاف إلى ذلك غياب أنظمة أساسية مثل وكالات الرقم الدولي المعياري للكتاب ISBN في عدد كبير من الدول، مما يؤدي إلى ضعف التوثيق وغياب البيانات الدقيقة حول الإنتاج الأدبي والنشر. كما تعاني الصناعة من محدودية الدعم المالي والضريبي، حيث تظل الحوافز الحكومية غير كافية وغير منتظمة، وغالباً ما تقتصر على تخفيضات جمركية محدودة دون معالجة كلفة الإنتاج أو الطباعة. ويؤدي هذا الضعف في الاستثمار العام إلى اعتماد القطاع على مبادرات متفرقة أو تمويل غير مستدام.
في السياق نفسه، تبرز مسألة الاعتماد الكبير على دور النشر الأجنبية كأحد أبرز الإشكالات، حيث تستورد العديد من الدول الإفريقية الكتب والمواد التعليمية بشكل يفوق صادراتها، مما يخلق اختلالاً تجارياً واضحاً ويحدّ من نمو دور النشر المحلية.
أما على مستوى البنية الثقافية والمعرفية، فتواجه الصناعة تحديات تتعلق بضعف الوصول إلى الكتب، وندرة السياسات الرامية لتعزيز القراءة، إضافةً إلى محدودية البنية التحتية مثل المكتبات العامة ودور النشر. كما يفاقم غياب التدريب المهني المتخصص في مجالات التحرير والنشر والتسويق الرقمي من ضعف الكفاءات داخل القطاع. ويُضاف إلى ذلك استمرار النشر باللغات الأوروبية على حساب اللغات المحلية، مما يحد من تمثيل التنوع الثقافي الإفريقي.
في المحصلة، تكشف هذه التحديات عن حاجة ملحة لإعادة هيكلة قطاع النشر عبر سياسات متكاملة، تجمع بين التشريع، والاستثمار، وبناء القدرات، وتعزيز الهوية اللغوية والثقافية.
خامساً: كيف يمكن تعزيز صناعة النشر الإفريقية؟
يُبرز تقرير اليونسكو في هذا القسم (الأخير) أهمية إعادة هيكلة قطاع الكتاب في إفريقيا عبر بناء أطر قانونية ومؤسسية متكاملة قادرة على تنظيم سلسلة القيمة الكاملة للنشر، من الإنتاج إلى التوزيع، ولاسيما أن اعتماد سياسات وطنية للكتاب تمثل أداة مركزية لتعزيز الإنتاج المحلي، ودعم الهوية الثقافية، وضمان وصول عادل ومستدام للكتب.
وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن ضعف التنسيق المؤسسي (المحلي والإقليمي) وغياب البيانات الموثوقة من أبرز التحديات التي تعيق نمو القطاع، ما يستدعي تدخلات حكومية أكثر وضوحاً وتنظيماً. وفي هذا الإطار، يوصي التقرير بإنشاء مجالس وطنية لتطوير الكتاب تتولى التنسيق بين الفاعلين في القطاع، ووضع سياسات شاملة ومتابعة تنفيذها.
إلى جانب دعم جمع البيانات وتطوير البنية التنظيمية. كما يؤكد على ضرورة تقوية السوق المحلي عبر سياسات تفضيلية للناشرين المحليين، وتطوير سلاسل التوريد، وتعزيز دور الكتب المدرسية وسوق كتب الأطفال باعتباره أحد أكثر القطاعات نمواً وربحية.
أما على مستوى التوسع المستقبلي، فيركز التقرير على أهمية توسيع الوصول إلى الكتب عبر تطوير شبكات التوزيع والمكتبات، وإطلاق حملات وطنية للقراءة، وتوظيف التحول الرقمي لزيادة الانتشار خاصةً بين الشباب. وفي المجمل، يدعو إلى دعم النشر باللغات المحلية، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتبني برامج دعم التصدير والتدريب المهني، بما يضمن بناء صناعة نشر أكثر استدامة وقادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً.
ختاماً: هل تنجح إفريقيا في بناء صناعة نشر أكثر تكاملاً وتنافسية؟
في الأخير، يُظهر تقرير اليونسكو أن صناعة النشر في إفريقيا قطعت شوطاً مهماً خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتوسع دور النشر، وتنامي الفعاليات الثقافية، وتزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، إلى جانب اتساع أسواق واعدة مثل النشر التعليمي وكتب الأطفال.
وفي الوقت نفسه، تكشف المقارنة بين الأقاليم الإفريقية الخمسة عن تباين واضح في مستويات تطور القطاع؛ فبينما نجحت بعض الدول في ترسيخ موقعها كمراكز رئيسة للإنتاج والتوزيع وصناعة المحتوى (كمنطقة شمال إفريقيا)، لا تزال دول ومناطق أخرى (كمنطقة وسط إفريقيا) تواجه تحديات مرتبطة ببناء البنية المؤسسية وتطوير الأسواق المحلية للكتاب.
ورغم ما تفرضه مشكلات التمويل والتوزيع والقرصنة وضعف البنية التحتية من قيود على نمو القطاع، فإن التوسع الرقمي وتزايد الاهتمام بالمحتوى الإفريقي يفتحان المجال أمام فرص جديدة لتعزيز حضور الكتاب الإفريقي. ومن هنا؛ يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة دول القارة على ترجمة هذه المقومات إلى صناعة نشر أكثر تكاملاً وتنافسية، قادرة على توسيع قاعدة القرّاء وتعزيز مكانة الكتاب الإفريقي داخل القارة وخارجها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– The United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization “UNESCO”, The African Book Industry: Trends, Challenges & Opportunities for Growth, (Paris: UNESCO, Nov 2025)
متاح على الرابط
أحدث المقالات:
- تداعيات حرب إيران على القرن الإفريقي: التنافس الخليجي وإعادة تشكيل التوازنات
- صناعة النشر في إفريقيا 2025: الواقع والتحديات وفرص النمو
- أرض الصومال تفتتح سفارة لها في القدس بعد اعتراف إسرائيل باستقلالها
- تقنيات الاتصالات ستساهم بـ 290 مليار دولار في اقتصاد إفريقيا بحلول 2030
- غانا تستضيف قمة دولية لتعزيز مسار التعويضات عن العبودية والاستعمار











































