مع دخول الولايات المتحدة وإيران في محادثات مهمة برعاية باكستانية، يترقبها العالم أجمع من أجل وضع نهاية سياسية للحرب التي شنتها الأولى بالاشتراك مع إسرائيل على إيران، فإن إفريقيا، كما جرت العادة، تترقب هذه المحادثات عن كثبٍ أملاً في تخفيف وطأة تداعياتها على الاقتصادات الإفريقية في مختلف دول القارة.
يتناول المقال الأول: مسألة استغلال البعثات الدبلوماسية الإيرانية في إفريقيا منصات التواصل الاجتماعي لشن حرب «إعلامية» ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتصريحاته التي وصلت إلى حد التناقض في مراحل عدة من الحرب (منذ نهاية فبراير الفائت). ونلاحظ هنا أن المقال دالٌّ على طبيعة الاهتمام الغربي بكل تفاصيل الأمور؛ حتى تلك التي قد يعدّها جمهورٌ واسع في العالم الإفريقي محض تسلية ودعابة على وسائل التواصل الاجتماعي.
أما المقال الثاني: فيتناول أثر الهدنة الحالية على الاقتصادات الإفريقية، مع توقّع متشائم بألا تؤدي تسوية الحرب الأمريكية-الإيرانية سياسياً إلى خفضٍ فوري لأثر هذه التداعيات الثقيلة على دول القارة.
أما المقال الثالث والأخير: فإنه يتناول تداعيات تلك الحرب على المدى البعيد، وما يتقاطع منها جزئياً مع الدول الإفريقية.
▪ «مرحباً بالقوة العظمى العالمية الجديدة»: بعثات إيران في إفريقيا تصيب ترامب بالدوار![1]:
انخرطت حسابات وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية على منصات التواصل الاجتماعي في حرب معلومات، لكن السفارات الموجودة في إفريقيا قادت مثل هذه الهجمات على ترامب.
وبعد مطالبة الرئيس ترامب إيران بإعادة فتح مضيق هرمز في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم أحد الفصح؛ ردت السفارة الإيرانية في زيمبابوي بتعليق ساخر بشكلٍ حاد على منصة إكس: «لقد أضعنا المفاتيح!». ومنذ مهاجمة الولايات المتحدة وإسرائيل لإيران في فبراير نشرت الكثير من حسابات السفارات والقنصليات الإيرانية الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي في أرجاء العالم تعليقاتٍ لاقت ذيوعاً موازياً لتعليقات الرئيس ترامب المماثلة- إنْ لم تتفوق عليها، ويبدو أن السفارات الإيرانية في إفريقيا كانت تقود هذا المسار.
وعلى سبيل المثال: نشرت سفارة إيران في جنوب إفريقيا منشوراً على منصة إكس يوم الأربعاء الماضي (8 أبريل)، أو اليوم الذي سرى فيه اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، نصه: «لنقل مرحباً بالقوة العظمى العالمية الجديدة!»، وكانت الوخزة إشارةً واضحة لفشل واشنطن في القضاء على زعماء إيران رغم التفوق العسكري الأمريكي الهائل على إيران. كما استهزأ منشور سابق من السفارة في جنوب إفريقيا بادعاءات الرئيس ترامب أنه «صانع للسلام» وهو يقف مباشرةً إلى جانب رسمٍ لظل طائرة مقاتلة.
وبينما شاركت بعثاتٌ أخرى منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تتهكم من السيد ترامب؛ فإن حساب السفارة في جنوب إفريقيا يتفرد باستمراريته، وقدرته على الذيوع، وذلك بفضل العلاقات الدافئة بين بريتوريا وطهران.
ويبدو أن المسؤولين الإيرانيين قد قدّروا أن يكونوا بالغي العدوانية على حسابات التواصل الاجتماعي الرسمية للسفارات في الأماكن التي «لا يمكنها أن تجتذب تحفظات سلبية نحوهم من الحكومة المضيفة. وحيث يمكنهم نيل الدعم من جمهورهم داخل تلك الدولة»، حسبما يشير نعيم جينا المدير التنفيذي للمركز الإفريقي-الشرق أوسطي theAfro-Middle East Center في جوهانسبرج، الذي يرى أن «جنوب إفريقيا ربما تكون واحدة من أفضل الأمثلة على ذلك».
وقد اتهمت إدارة ترامب جنوب إفريقيا بتقاربها الوثيق مع إيران. وردّت حكومة جنوب إفريقيا بشكلٍ متكرر بتأكيد أهمية الصلات التاريخية بين البلدين، وكذا أهمية عدم الانحياز في دبلوماسيتها الدولية.
ولم تكن جميع المنشورات ذات روح دعابة أو ساخرة، فقد استخدمت السفارة (الإيرانية) في جنوب إفريقيا الذكاء الاصطناعي لإعادة تحريك بعض صور الأطفال وهم يقولون إن قنبلة أمريكية قتلتهم في قصف مدرسة في مدينة ميناب Minab في جنوبي إيران في بداية الحرب، وفي اللقطات المصورة يقوم الأطفال بمناقشة أحلامهم المستقبلية.
ويرى البعض أن إيران تُوظّف اللغة القصوى المسموح بها على الإنترنت من أجل القيام بحرب معلومات. ويقول المحللون إن الهدف من ذلك يرجع جزئياً إلى تحسين صورتها، والتأثير في جيل من الشباب الذي لا يعلم القمع الوحشي للمنشقين في إيران وعقود من التوتر الجيوسياسي مع الغرب.
وقد استخدمت سفارات إيرانية أخرى في إفريقيا حساباتها الرسمية في التملق للدول المستضيفة لها، وترك انطباع أن هذه الدول تدعم إيران في جهدها الحربي ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. ففي أحد هذه المنشورات بدأت سفارة إيران في تونس مع مجموعة من السفارات الإيرانية في القارة الإفريقية في تعزيز صورة أنها تدعم الدول المذكورة.
No more needs any key. pic.twitter.com/riBW9mCzLu
— Iran Embassy in Zimbabwe (@IRANinZIMBABWE) April 9, 2026
▪ هدنة إيران قد تكون متأخرة للغاية لكثير من الدول الإفريقية[2]:
يعاني سوتيني ويليامز نسامبا Suteny Williams Nsamba، في شمالي ملاوي، في سبيل شراء السماد لمزرعته الصغيرة، حيث يزرع الذرة والفول السوداني والتبغ. وقد أدت الحرب في إيران لارتفاع تكاليف المعيشة، ويُحذّر نسامبا من أنه في حالة استمرار اضطراب حركة النقل خلال موسم نمو المحاصيل في ملاوي حتى نوفمبر؛ فإن «المحصول المنخفض على نحو كارثي» سيكون أمراً محتوماً. كما «سترتفع أسعار الكثير من السلع، وستضحى الحياة دون قدرة البشر على التحمل».
وتنتشر معاناة نسامبا في أرجاء القارة الإفريقية، مع معاناة الاقتصادات المختلفة في القارة بقوة إثر ارتفاع أسعار الوقود واضطراب الحركة في طرق التجارة، مما أدى إلى نقصٍ في الأسمدة خلال موسم الزراعة الرئيسي في إفريقيا (جنوب الصحراء). وقد جلب اتفاق وقف النار المعلن لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران بعض الأمل، لكن لا يتوقع سوى عدد قليل، حتى في حال صمود الهدنة، عودة سريعة للحالة المعتادة قبل الحرب. وكان أليكو دانجوت Aliko Dangote، صاحب أكبر مصفاة تكرير بترول في إفريقيا والموجودة في نيجيريا، قد قال لقناة «سي إن إن» في مارس الماضي: «إن الأمر قد يستغرق شهوراً عدة قبل استقرار أسعار البترول».
وفيما لم ينج موقع على الأرض من أثر حرب إيران؛ فإن الدول الإفريقية، التي تعتمد بقوة على واردات الوقود والغذاء والأسمدة، تعاني من هشاشةٍ أكثر وضوحاً. وأكد سيمون مولونجو Simon Mulongo، وهو مبعوث خاص سابق للاتحاد الإفريقي إلى الصومال والساحل، أن وقف إطلاق النار الحالي قد أتى متأخراً تماماً على نحوٍ لا يمكن معه تخفيف المعاناة والصعوبات التي مرت بها الدول الإفريقية التي تواجه ارتفاع أسعار الموارد. وقال إن وقف إطلاق النار «متأخر وغير متناسب»؛ لأنه يترك بعض الدول المستوردة للبترول في القارة تتعامل مع «ضغط العملة، وقيود الدعم، وارتفاع الأسعار، بشكلٍ مبالغ فيه».
وقد ارتفعت أسعار الوقود في إفريقيا ارتفاعات بالغة وصلت إلى ما بين 15% إلى 40%، مما زاد من تعقيدات الاقتصادات الإفريقية التي كانت تعاني مصاعب بالفعل قبل نهاية فبراير 2026م. وفي ملاوي ارتفعت أسعار البترول بنحو 34%، فيما قفزت أسعار وقود الطائرات بنسبة 81%. ومرّةً أخرى وجدت الاقتصادات الإفريقية نفسها ضحيةً لحرب بعيدة لا شأن لها بها. وحسب فولا أينا Fola aina، عالم السياسة ومحلل الأمن الدولي، فإن «الصدمات السابقة، مثل جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية، تُظهر استمرار انكشاف الاقتصادات الإفريقية بعمق أمام التقلبات العالمية».
حرب بعيدة، عبء محلي:
إن الأثر الاقتصادي للصراعات في أماكن أخرى مؤلم كما هو الحال في إفريقيا، وهي قارة كانت تتعافى بالكاد من صدمات الأسعار التي أحدثتها حرب روسيا الجارية في أوكرانيا. وقبل غزو روسيا الشامل لأوكرانيا في عام 2022م فإن البلدين المتجاورين كانا موردين كبيرين للسلع الزراعية للكثير من الدول الإفريقية. وكشفت دراسة مسحية قام بها مركز التفكير ODI Global في عام 2024م عن أن مصر وكينيا– وهما من أكبر الاقتصادات في إفريقيا- اعتمدتا على روسيا وأوكرانيا لتأمين حصة كبيرة من وارداتهما من القمح لتأمين 85% و67% من احتياجاتهما من القمح على الترتيب.
ويرجع أغلب الأثر إلى الغلق المحكم لمضيق هرمز. وبينما كان أغلب الاهتمام العالمي منصباً على البترول؛ فإن الغلق أثّر أيضاً في الأسمدة، مما وضع الحصاد والوجبات اليومية على المحك. حتى مع مضي العمل بالهدنة؛ فإنه لا يمكن إلا لسفن محدودة المرور من المضيق حتى هذه اللحظة.
وتتسم الأرقام التي تُظهر اعتماد إفريقيا على سلاسل الإمداد العالمية بالوضوح التام، إذ تتكلف واردات إفريقيا من الطعام– على سبيل المثال- ما بين 70 بليون دولار و100 بليون دولار وفقاً للأمم المتحدة. كما تستورد القارة أكثر من 6 ملايين طن من الأسمدة سنوياً. إضافةً إلى ذلك؛ فإن إنفاق إفريقيا على المنتجات البترولية المكررة يتجاوز 120 بليون دولار سنوياً. ووفقاً لتقرير صدر العام الماضي، عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD، فإن «الاقتصادات الإفريقية واجهت حالة عدم يقين أكبر خلال الصدمات العالمية» مقارنةً ببقية العالم، مما يشير ليس فحسب إلى الاستخدام الثقيل للواردات؛ بل أيضاً إلى المستويات المرتفعة من الدين والبنية الأساسية الضعيفة.

▪ ما الذي تعنيه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران على المدى البعيد[3]:
أثار الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران سلسلةً من التحليلات من قِبل طائفة واسعة من المتخصصين في الكثير من المنصات الإعلامية التي يألفها الجمهور العام. ويتحدث بعض هؤلاء الخبراء من وجهة نظر الاقتصاد، وآخرون من رؤية الأمن الإقليمي، ويتحدث غيرهم بوضوح عن النطاقات السياسية فحسب. وأثار عددٌ قليل منهم تساؤلات حول الآثار البيئية المرجحة لهذه الحرب.
وعلى سبيل المثال؛ فإن المحرر الاقتصادي لصحيفة الجارديان البريطانية هيثر ستيوارت Heather Stewart تكتب بشكلٍ منتظم عن الأثر الاقتصادي السلبي للحرب في هذا المقال، وبالتأكيد فإنها معنية بارتفاع سعر برميل البترول في أسواق التبادل العالمية والأثر السلبي الذي سيكون له على الفقراء.
وفي مقالٍ آخر؛ فإنها توضح الأثر الكارثي للحرب على سلعة مهمة أخرى وهي الغذاء، وترى أن الدول الإفريقية مثل كينيا وتنزانيا قد تعرضتا لكارثة خاصةً في قطاعات الزراعة، لأنه لم يعد بإمكانهما بيع منتجاتهما من الشاي والأفوكادو لدول الخليج العربي الغنية ولا إلى باكستان بسبب غلق مضيق هرمز، ويُمثل هذا– مرّةً أخرى- أثراً اقتصادياً بعيد المدى.
وليس هناك شكٌّ في أن الأزمة في الشرق الأوسط التي أحدثتها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران قد خلقت مجموعة من الصدمات الكبيرة التي انتشرت في أرجاء العالم. وامتداداً من آسيا إلى إفريقيا، وإلى أوروبا وحتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الآثار الاقتصادية تصبح أكثر وضوحاً مع مرور يوم بعد آخر دون توقّع وجود نهاية للأزمة.
وكانت قنوات تليفزيونية رائجة قد أكدت أن جميع الاقتصادات الكبرى قد تأثرت سلباً بهذه الحرب؛ على أي حالٍ فإن دولةً مثل المملكة المتحدة كانت في وضعٍ بالغ السلبية، وكانت تُظهر أكبر قدرٍ ممكن من الهشاشة.
وثمة نتيجة مهمة لهذه الحرب يجدر بنا ملاحظتها، ألا وهي ظهور نظام عالمي جديد، حيث تصبح فيه إيران القوة العالمية الكبرى الرابعة إلى جانب القوى الثلاث المعروفة: الولايات المتحدة وروسيا والصين. وتلك خلاصةٌ توصّل إليها الأكاديمي الرصين روبرت أ. بابي Robert A. Pape في مقالٍ له منشور في جريدة النيويورك تايمز، وجاءت بعنوان: «الحرب تحوّل إيران إلى قوة عالمية عظمى» The War Is Turning Iran Into a Major World Power، ويمكن تلخيص مضمونه على النحو التالي: إن التحكم في مضيق هرمز يمنح إيران قوةً ونفوذاً كافيَيْن لجعلها مركزاً رابعاً في القوة العالمية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
[1] John Eligon, Hello to the New World Superpower’: Iran’sAfrica Missions Troll Trump, The New York Times, April 10, 2026. at:
https://www.nytimes.com/2026/04/10/world/africa/iran-south-africa-trump-war-ceasefire.html
[2] Nlml Princewill, The Iran truce may be too late for many African countries, CNN, April 10, 2026. at:
https://edition.cnn.com/2026/04/10/africa/africa-us-iran-conflict-truce-intl
[3] Zalghi Khan, What the US-Israel War on Iran Means for the Long Term, Modern Diplomacy, April 11, 2026. at:
https://moderndiplomacy.eu/2026/04/11/what-the-us-israel-war-on-iran-means-for-the-long-term/










































