بقلم: محمد انديونغ Mouhamet Ndiongue
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– يتجاوز الشلل اللوجستي في هرمز (نتيجة التصعيد العسكري) تعطيل النفط ليشمل تجارة الأسمدة العالمية.
– تضرب هذه الأزمة إفريقيا المعتمدة على الخليج في إمدادات الأسمدة في ذروة موسمها الزراعي، مفاقمةً التحديات اللوجستية.
– تُحذّر الأونكتاد والفاو من أن اضطراب إمدادات الطاقة والشحن والمدخلات الزراعية قد يؤدي إلى انهيار المحاصيل ويهدد الأمن الغذائي.
– انخفضت الملاحة عبر المضيق بنسبة 97%، إذ هبط المتوسط اليومي من 129 سفينةً (1-27 فبراير) إلى 4 سفن (7 مارس).
– تعتمد إفريقيا على 5 شركات خليجية لتزويدها باليوريا وDAP وMAP والأمونيا السائلة.
– يهدد النقص 1.4 مليار إفريقي، حيث تمثل الواردات الخليجية 30-40% من احتياجات نيجيريا ومصر والسنغال.
– ارتفع سعر الغاز الأوروبي 74% (55.8 يورو/ميغاواط ساعة) بين 27 فبراير و9 مارس، وزاد سعر اليوريا في مصر 60 دولاراً/ للطن وتضاعف خلال 72 ساعة.
– جددت الأزمة الحديث عن تطوير الإنتاج الإفريقي المحلي (المغرب والجزائر ونيجيريا)، لكن القدرات الحالية لا تعوّض الانقطاع العالمي.
* * *
لا يقتصر الشلل اللوجستي شبه التام في مضيق هرمز، الناتج عن التصعيد العسكري الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، على تعطيل تدفقات النفط العالمية، بل يمتد تأثيره إلى حلقة حيوية في سلاسل التوريد الزراعية عبر التجارة الدولية للأسمدة. وبالنسبة لإفريقيا، التي تعتمد على منتجي الخليج في جزءٍ كبير من إمداداتها من الأسمدة، يأتي هذا التعطيل في ذروة الدورة الزراعية الموسمية، مما يفاقم التحديات اللوجستية.
تُحذّر تحليلات صادرة عن منظمات دولية، مثل تقارير الأونكتاد ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، من أن الاضطراب المتزامن في أسواق الطاقة والنقل البحري والمدخلات الزراعية قد يؤدي إلى انهيار إنتاجي حاد للمحاصيل، مع ضغوط غير مسبوقة على الأمن الغذائي القاري.
يُعدّ مضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، شرياناً حيوياً لتدفقات الطاقة والصناعات الأساسية في الاقتصاد العالمي. يُبرز تقرير سريع نشره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) بتاريخ 10 مارس 2026م، بعنوان «اضطرابات مضيق هرمز: تداعياتها على التجارة والتنمية العالميتين»، حجم الانهيار اللوجستي الناجم عن التصعيد العسكري.
وفقاً للتقرير؛ انخفضت حركة الملاحة البحرية عبر المضيق بنسبة 97% خلال أيام معدودة، حيث تراجع المتوسط اليومي لعدد السفن العابرة من 129 سفينة (بين 1 و27 فبراير) إلى 4 سفن فقط بحلول 7 مارس، مما يعكس توقفاً شبه كامل لتجارة الشحن العالمية.
تأثرت الأسواق المالية فوراً بارتفاع أسعار النفط، حيث تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل (وفق بيانات الأونكتاد)، إلا أن التقرير يؤكد أن الآثار الأكثر استدامة تطال تجارة الأسمدة، فقد كان نحو ثلث الشحنات البحرية العالمية للأسمدة، أي 16 مليون طن سنوياً، يمر عبر المضيق قبل الأزمة، ويُعيق إغلاقه تدفق المدخلات الزراعية الجوهرية لإنتاج الغذاء العالمي.
في السياق الإفريقي؛ تظل القارة معتمدة بشكلٍ حاسم على واردات الأسمدة المعدنية لتعزيز الإنتاج الزراعي، وسط ضغوط النمو السكاني والتوسع الحضري التي تهدد التوازن الغذائي.
الدول الإفريقية الأكثر اعتماداً على استيراد الأسمدة من الخليج العربي:

اعتماد إفريقيا على الأسمدة الخليجية: صدمة إمدادات تهدد الإنتاج الزراعي:
يُشير مركز تطوير الأسمدة الدولي IFDC إلى أن خمس شركات خليجية رئيسية تُغطي احتياجات إفريقيا الأساسية من اليوريا، فوسفات ثنائي الأمونيوم DAP، فوسفات المونوأمونيوم MAP، والأمونيا السائلة، وهي من المدخلات الحاسمة للتسميد النيتروجيني والفوسفاتي الداعم للإنتاجية الزراعية في القارة.
وسط شلل مضيق هرمز؛ فرضت مجموعات صناعية خليجية تعليقاً فورياً على تصديرها البحري. أعلنت «قطر للطاقة» حالة «القوة القاهرة» على عقود الغاز الطبيعي منذ 4 مارس 2026م، مما أدى إلى إيقاف إنتاج اليوريا والأمونيا في مجمع رأس لفان. وتبعتها «صناعات قطر القابضة» و«سابك للمغذيات الزراعية» بتعليق التسليمات، مستندةً إلى مخاطر الملاحة.
يُعرّض هذا الانهيار إفريقيا، التي يغذي قطاعها الزراعي 1.4 مليار نسمة، لنقص حاد في الإمدادات، إذ تشكل الواردات الخليجية 30-40% من الاحتياجات في دول رئيسية مثل نيجيريا ومصر والسنغال.
دول شرق إفريقيا على خط المواجهة:
يُسلط تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) الضوء على هشاشة الدول الإفريقية أمام إغلاق مضيق هرمز، حيث تُشكّل خمس دول، من بين العشر الأكثر اعتماداً عالمياً على واردات الأسمدة عبر الخليج، نقاطاً ساخنة: السودان (54% من الواردات البحرية)، تنزانيا (31%)، الصومال (30%)، كينيا (26%)، وموزمبيق (22%). وتُصنف الأمم المتحدة أربعاً منها ضمن «أقل البلدان نمواً» LDCs.
يُجسّد السودان المخاطر الإنسانية، إذ يعاني من نزاع داخلي منذ أبريل/نيسان 2023م– أسوأ أزمة إنسانية عالمياً حسب الأمم المتحدة. يُهدد انقطاع الأسمدة بتفاقم انعدام الأمن الغذائي الذي يعصف بالبلاد.
في شرق إفريقيا؛ يتزامن التعطيل مع موسم الأمطار (مارس-يونيو)، حيث تتطلب الزراعة مدخلات فورية. يُحذّر التقييم الزراعي من تراجع المساحات المزروعة أو خسائر في المحاصيل جراء التأخير اللوجستي.
تحذيرات الخبراء والإحصائيات الهيكلية:
أكد المركز الدولي لتنمية الأسمدة IFDC، في بيان بتاريخ 10 مارس، أن قرارات البذر تُتخذ قبل أسابيع، مما يُحوّل أي خلل لوجستي إلى خسائر مباشرة في الإنتاج. كما تُظهر بيانات منصة «أفريكا فيرتيلايزر» (مدعومة دولياً) أن 19% من واردات 18 دولة إفريقية جنوب الصحراء (2020-2022م) جاءت من الشرق الأوسط، مُعزّزة الدور الإستراتيجي لهذه المسارات.
في سياقٍ أوسع؛ يبقى استهلاك الأسمدة الإفريقي أقل من المتوسط العالمي، مما يجعل أيّ انقطاع صدمةً مُضخَّمة للمحاصيل والأمن الغذائي.
تجارة الأسمدة العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز:

صدمة طاقة مركبة ترفع تكاليف الأسمدة والشحن الزراعي:
تمتد أزمة مضيق هرمز إلى قطاعَي الطاقة واللوجستيات معاً، مما يُشكّل صدمة مدخلات زراعية مُضاعفة. يعتمد إنتاج الأسمدة النيتروجينية على الأمونيا، المُصنّعة من الغاز الطبيعي عبر عملية هابر-بوش، حيث يُؤثر ارتفاع أسعار الغاز مباشرةً على تكاليف الإنتاج.
تُظهر بيانات الأونكتاد، المستمدة من منصة LSEG، قفزةً بنسبة 74% في أسعار الغاز الأوروبي بين 27 فبراير و9 مارس، لتصل إلى 55.8 يورو/ميغاواط ساعة. وارتفعت أسعار اليوريا الحبيبية في مصر، وهي مركز إمداد رئيسي لإفريقيا، بمقدار 60 دولاراً/للطن، مع تضاعفها في بعض الأسواق خلال 72 ساعة.
أدى التعطيل إلى ارتفاع مؤشرات بورصة البلطيق لشحن النفط 54-72% أسبوعياً. ففي سنغافورة؛ قفز زيت الوقود منخفض الكبريت بنسبة 99%، وعالي الكبريت 100%، مع ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، والتي قد تتضاعف إلى تكلفة رحلة ناقلة نفط (تبلغ قيمتها 100 مليون دولار) أربع مرات. ويُفاقم هذا الضغط الثلاثي (طاقة، إنتاج، نقل) التحديات الزراعية في إفريقيا خلال ذروة الموسم.
الكبريت: عنصرٌ غالباً ما يُغفل عنه:
يُشكّل الكبريت، وهو عنصر أساسي للأسمدة الفوسفاتية، مصدر توتر إضافي، إذ يأتي نحو 50% من صادراته العالمية من دول أعالي مضيق هرمز- بحسب معهد الأسمدة. ولذلك لا يقتصر إغلاق مضيق هرمز على الحد من شحنات الأسمدة الخليجية، بل يُهدد أيضاً القدرة الإنتاجية لدول أخرى معتمدة عليه كمُدخل أولي.
يصبح الأمر بالغ الخطورة للمغرب، أكبر مصدر فوسفات عالمي، عبر شركة OCP، الذي يعتمد جزئياً على واردات الكبريت الخليجية لإنتاج أسمدته الفوسفاتية، مما يُعرّض سلاسل توريده لصدمة غير مباشرة.
يُحذّر الأونكتاد من أن الأزمة تُصيب اقتصادات ناشئة هشّة أصلاً: موارد مالية محدودة، ديون مرتفعة، ومالية عامة مضغوطة. حيث يُفاقم الارتفاع الثلاثي (طاقة، مدخلات، شحن) التضخم، مع انعكاس فوري في الأسواق، فقد بلغت عوائد سندات العراق 7.1%، والبحرين 7%، والأردن 6.4%.. كما يؤدي ارتفاع قيمة الدولار، كملاذ آمن تقليدي، إلى زيادة تكلفة واردات إفريقيا بالعملات المحلية.
دروس أزمتي كوفيد-19 وأوكرانيا 2022م:
يُحذّر الأونكتاد من هشاشة النظام الغذائي العالمي أمام الاضطرابات الجيوسياسية، كما أثبتت جائحة كوفيد-19 وبداية الحرب في أوكرانيا 2022م. فقد أدت تلك الأزمات إلى قفزات سعرية حادة في الأسمدة، مما أدى إلى تخفيض استخدامها في إفريقيا جنوب الصحراء وأضر بالمحاصيل الزراعية مباشرة.
ومن نافلة القول: إن الأزمة الحالية تتميز بتعطيل ممر بحري إستراتيجي كامل، وهو ما حَدّ من خيارات إعادة توجيه السفن، على عكس أزمة البحر الأحمر (حيث كانت قابلةً للتجاوز عبر رأس الرجاء الصالح)، فإغلاق مضيق هرمز يمنع الوصول إلى الخليج العربي نفسه.
وعليه؛ يطالب برنامج «استدامة إفريقيا»، المركز الدولي لتنمية الأسمدة IFDC، ومنصة «أفريكا فيرتيلايزر» برصد سوق الأسمدة في الوقت الفعلي، وآليات تمويل طارئة: تسهيلات ائتمان مستندي، وضمانات حكومية، وأدوات تمويل تجارة للمحافظة على تدفقات الإمداد.
ويرى المحللون أن الأزمة أعادت النقاش حول ضرورة تطوير الإنتاج الإفريقي المحلي، عبر مزايا بعض الدول، مثل المغرب والجزائر ونيجيريا، في مواردها من (الفوسفات والغاز)، لكن القدرات الحالية غير كافية للتعويض السريع لانقطاع الإمدادات العالمية.
وتؤكد الأونكتاد أن التداعيات تتوقف على مدة وشدة التوترات ونطاقها الجغرافي. أما بالنسبة لدول إفريقيا الأكثر اعتماداً على إمدادات الأسمدة من الخليج؛ فإن كل أسبوع حصار يُعادل صدمةً زراعية متفاقمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:










































