مرة أخرى، تشتعل حرب جديدة في القرن الإفريقي. عقب الحرب الأهلية الإثيوبية المدمرة التي شهدت مشاركة إريترية ضد جبهة تحرير تيجراي الشعبية (TPLF) بين عامي 2020 و2022، استهدفت إريتريا، -من خلال التعاون مع تحالف متمردين بقيادة جبهة تحرير تيجراي الشعبية-، الحكومة المركزية الإثيوبية في أديس أبابا خلال فصل الخريف.

على هذه الخلفية، أجرت صحيفة “دير شتاندرد/ Der Standard” النمساوية حوارًا مع ” كيتيل ترونفول/Kjetil Tronvoll”، باحث وبروفيسور نرويجي في دراسات السلام والصراعات في جامعة أوسلو، وأحد أبرز الخبراء العالميين المتخصصين في شؤون القرن الإفريقي، وتحديدًا في السياسة والصراعات المتعلقة بإثيوبيا.
في هذه المقابلة، يشرح “ترونفول” دوافع إريتريا بشأن اتخاذ هذه الخطوة، وكيف يمكن أن تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام في إريتريا؟ ولماذا قد تتحوَّل الحرب إلى صراع موسع في المنطقة؟ ويتوقع “كيتيل” أن هجوم إريتريا على إثيوبيا ربما يضطر الرئيس الإريتري “أسياس” إلى إبرام اتفاق معها، أو ربما يتعرَّض للإطاحة به.
أجرى الحوار: فابيان سومافيلا
ترجمة: شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
يا لها من مهمة شاقة محاولة الحصول على معلومات موثوقة من المنطقة. تُرى، ماذا تقول مصادركم؟ هل توغل الجيش الإريتري في عمق الأراضي الإثيوبية؟
أجل، لقد توغل الجيش الإريتري في عمق إثيوبيا، وهو أمر تؤكده مصادر عديدة ومواد مصورة. فقد وصلوا إلى مشارف “ميكيلي”، عاصمة إقليم تيجراي، وكانت لديهم نية التوغل أكثر نحو الجنوب. وكانت القوات المشاركة حاشدة، ومزوّدة بمعدات ثقيلة ومدفعية ومركبات مدرعة؛ وقد دارت اشتباكات مباشرة مع الجيش الإثيوبي و”قوات سلام تيجراي” (Tigray Peace Force)، وهو فصيل يعارض أيضًا قيادة “جبهة تحرير تيجراي الشعبية” (TPLF) في الإقليم.
ومع استعادة الجيش الإثيوبي السيطرة على المناطق، وشنّ الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيرة، انسحبت إريتريا بسرعة نسبية، فيما تركّز القتال في المناطق الريفية، وليس داخل المدن. ولا تزال هناك مناطق في جبال وسط تيجراي وعلى طول الحدود توجد فيها قوات تابعة لـ”جبهة تحرير تيجراي الشعبية”، إلا أن العديد من المقاتلين يغادرون مواقعهم على عَجل، ويعودون إلى قُراهم. كما قام قادة عسكريون رفيعو المستوى بتسليم أنفسهم للقوات الحكومية.
لماذا أقدمت إريتريا على هذه الخطوة؟ إنها تمنح إثيوبيا -التي كانت تنتظر منذ سنوات حربًا قد تُمكِّنها من الاستيلاء على منفذ بحري- ذريعة قانونية، بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، لشنّ حرب دفاعية.
منذ تسعينيات القرن الماضي، دأبت إريتريا على التدخل في الشؤون الإثيوبية بطرق مزعزعة للاستقرار، وذلك على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية. هذه الممارسات ليست جديدة. فقد عملت إريتريا على تمويل وتنظيم جماعات معارضة إثيوبية مسلحة، واستمر ذلك حتى وصول “آبي أحمد” إلى السلطة في أديس أبابا عام 2018.
وفي الفترة ما بين عامي 2020 و2022، خاضت إريتريا وإثيوبيا الحرب جنبًا إلى جنب ضد إقليم تيجراي. ولكن، عقب توقيع “اتفاق بريتوريا” الذي أنهى الحرب الأهلية الإثيوبية، عادت العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا إلى التدهور؛ وذلك لأن الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، لم يُحقِّق هدف القضاء على “جبهة تحرير شعب تيجراي”.
هل كان عدم إشراك إريتريا في اتفاق بريتوريا -المُبْرَم بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيجراي الشعبية- بمثابة خطأ جوهري منذ البداية؟
أجل! لقد أُبرِم الاتفاق باعتباره شأنًا داخليًّا في أعقاب حرب أهلية، وليس باعتباره صراعًا ذا أبعاد دولية. لم يكن هدف أديس أبابا القضاء التام على جبهة تحرير تيجراي الشعبية، بل دفعها إلى الاستسلام. وعندما حاولت الحكومة الإثيوبية في عام 2023 نزع سلاح الأمهرة على خلفية الاضطرابات في إقليمهم، تعزَّزت قوة ميليشيات “فانو”، وسارعت إريتريا مجددًا إلى تزويدها بالموارد. ومؤخرًا، حين تشكّل “تحالف البقاء” لمناهضة الحكومة في أديس أبابا، لعبت إريتريا دور المُحرّك الخفي، ساعيةً إلى دَمْج قوات “فانو” و”جبهة تحرير تيجراي الشعبية” في كيان واحد.
ولكن، لماذا جاء هجوم إريتريا في هذا التوقيت تحديدًا؟
كان الهجوم نتاج حسابات عسكرية عقلانية بَحْتة أجرتها إريتريا؛ فإريتريا دولة صغيرة المساحة، ويبلغ عدد سكانها 2,5 مليون نسمة فقط، مقارنةً بإثيوبيا التي يبلغ عدد سكانها 140 مليون نسمة. لذا، سعت إريتريا إلى خلق “عمق إستراتيجي” من خلال إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي الإثيوبية على طول الحدود؛ إذ ساورت الرئيس الإريتري مخاوف مُبرَرة -خلال السنوات الماضية- بشأن خطط الحكومة الإثيوبية الرامية لتأمين منفذ بحري. فلا يرغب الرئيس “أسياس” في أن تقوى شوكة إثيوبيا، لذلك يرفض مَنْحها هذا المنفذ البحري، رغم أن القيام بذلك ربما يُحقّق منفعة مزدوجة للطرفين.
والواقع أن إريتريا لا تستغل حتى ميناء عصب في الوقت الراهن. لكن “أسياس” يرى أن أمن إريتريا مقترن بهشاشة إثيوبيا. وفي المقابل، يعتقد كثير من الإثيوبيين أنه يتعين استعادة إريتريا -التي كانت في السابق إقليمًا تابعًا لبلادهم- وضمّها مجددًا إلى الوطن الأم.
إذن، هل كان الهجوم محاولة يائسة؟
أجل، لم يكُن سوى محاولة للإطاحة بـ”آبي أحمد”. لكنّ ثمة عاملًا آخر مؤثرًا يتمثل في غطرسة “إريتريا” التي تعتقد إنها الأقوى. لقد فشلت القوات الإريترية في مواكبة تطور الحروب الحديثة، وتحديدًا استخدام الطائرات المسيرة. كما بالغت إريتريا في تقدير قوة “جبهة تحرير تيجراي الشعبية”، التي أصبحت منفصلة عن سكان تيجراي؛ ولم تَعُد المُدافع عن مصالح الإقليم، بل تحوَّلت إلى جيش يخدم النُخبة السياسية الحاكمة في إثيوبيا.
ما دليلكم على ذلك؟
تتصرف القوات الحكومية حاليًّا بطريقة تختلف تمامًا عما كانت عليه قبل بضع سنوات. ففي الفترة التي سبقت الحرب الأهلية، بدءًا من عام 2020، عمل “آبي أحمد” على مدى عامين على تأجيج العداء ضد إقليم تيجراي؛ وهو ما دفَع سكان الإقليم إلى التكاتف بدافع الرغبة البحتة في البقاء.
أما هذه المرة، فيلتزم “آبي أحمد” الهدوء التام، ولا يعلق إطلاقًا على تجاوزات “جبهة تحرير تيجراي الشعبية”، كما يسعى الجيش الإثيوبي جاهدًا للتمييز بين المقاتلين والمدنيين. ويشعر السكان أيضًا بقدر أكبر من الأمان، لا سيما وأن الحكومة تستعين بـ”قوات سلام تيجراي” الحليفة لها في عمليات استعادة المناطق. لقد أخطأت إريتريا في حساباتها وقلّلت من تقدير ديناميكيات الوضع، وبات من الصعب التراجع الآن. منذ سنوات، يُحذّر الإثيوبيون من حدوث هذا السيناريو، حتى أمام الأمم المتحدة، كما استعدوا منذ زمن طويل لممارسة حقهم المشروع في الدفاع عن النفس.
هذا الانفصال بين “جبهة تحرير تيجراي الشعبية” وعامة الناس يُفسِّر، نسبيًّا، كيف أمكن إبرام تحالف مع إريتريا؛ التي سبق أن تورطت في العديد من جرائم الحرب ضد سكان تيجراي خلال النزاع الذي دار بين عامي 2020 و2022.
هذا صحيح، إلى حد ما. لكنّ تغيير التحالفات وفقًا للمصلحة الآنية يُعدّ أيضًا مسألة معتادة في السياسة، وجزءًا من ثقافة سياسية متجذرة في هذه المنطقة تعود إلى التاريخ الإقطاعي.
ما هي الخيارات المتاحة أمام “آبي أحمد” بعيدًا عن الاستيلاء على منفذ بحري؟ لقد ادّعى الرئيس الصومالي مؤخرًا أنه لم يتلقَّ أيّ تواصل بشأن صفقة من هذا القبيل.
هذا محض هراء؛ لقد جرت محادثات عدة. لكن الحكومة في مقديشو لا تستطيع حتى بَسْط سيطرتها على مقديشو نفسها، فكيف لها إذن أن تضمن ساحلًا آمنًا لتجارة مستدامة؟ لقد قُوبلت مفاوضات إثيوبيا مع “أرض الصومال” بمعارضة من جانب الصومال والاتحاد الإفريقي.
أما جيبوتي، فميناؤها مكتظ وتفرض رسومًا باهظة على الجميع. وحتى مع إريتريا، تمكّن “آبي أحمد” من التوصل إلى ثلاث اتفاقيات بعد مفاوضات استمرت عامًا ونصف، لكن (أفورقي) لم يُوقّع عليها قط.
على أقل تقدير، يسعى “آبي أحمد” إلى الحصول على سيطرة سيادية وعقد إيجار طويل الأمد لإنشاء قاعدة بحرية وميناء تجاري؛ إذ ترى إثيوبيا في امتلاك كليهما ضرورةً لتأمين سلاسل الإمداد اللوجستية، كما تطمح إلى تعزيز نفوذها في المنطقة من خلال امتلاك قوات جوية وبحرية.
أهي بداية نهاية نظام “أسياس” في إريتريا؟
سبق أن طرحت هذا الاحتمال. لكن يعتمد ذلك على ما إذا كانت إثيوبيا ستُواصل هجومها داخل الأراضي الإريترية. لا يمكنني الجزم بذلك حاليًّا، رغم وقوع اشتباكات على الحدود بالقرب من “عصب”، فمن المرجّح أن تكون إثيوبيا هي من بادرت بها.
ومن الواضح أنه في حال توغلت إثيوبيا أكثر، لن يكون أمام “أسياس” سوى خيارين؛ إما اعتقال عناصر “جبهة تحرير تيجراي الشعبية” الموجودين في إريتريا وإبرام صفقة تتعلق بميناء عصب لإنقاذ نظامه، أو ربما تعرض “أسياس” نفسه للإطاحة به. وهذا بالضبط ما يُخطّط له “آبي أحمد”.
كيف سيتعامل “آبي أحمد” مع حركات التمرد الأخرى المناهضة له، في حال تمكَّن من إلحاق هزيمة ساحقة بـ “جبهة تحرير تيجراي الشعبية”؟
لا ينبغي استبعاد “جبهة تحرير تيجراي الشعبية” تمامًا من المشهد، رغم أن الوضع الراهن يُوحي بذلك. لكن من الواضح أنه في حال هزيمتها، لن يتبقَّى ضمن التحالف سوى ميليشيا “فانو” (Fano) -وهي جماعة تتبع أساليب حرب العصابات التقليدية- كقوة فاعلة ومؤثرة.
ولا يمكن مواجهة هذه الجماعة باستخدام الطائرات المسيرة وَحْدها؛ إذ يتطلب الأمر وجود قوات برية. وسوف يستمر هذا الصراع، لكنه لا يُشكِّل مصدر قلق كبير لـ”آبي أحمد”، طالما ظل قصره في أديس أبابا بمنأى عن أي خطر.
إنها مسألة معتادة في إثيوبيا، التي دائمًا ما واجهت، عبر تاريخها، حركات تمرُّد في مختلف أقاليمها.
…………………..
رابط الحوار:










































