توسّع الولايات المتحدة استخدام سياسة “الدولة الثالثة الآمنة”؛ لترحيل مهاجرين وطالبي لجوء إلى بلدان إفريقية لا يحملون جنسيتها ولا تربطهم بها صلات سابقة، في إطار اتفاقات مع حكومات هذه الدول، وتشمل الحالات أشخاصًا تعذّرت إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية بسبب مخاطر الاضطهاد أو التعذيب، ما يثير تساؤلات بشأن ضمانات حمايتهم القانونية بعد الترحيل.
ويشير تعبير “الدولة الثالثة الآمنة” في سياق سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اتفاقيات تقوم فيها الولايات المتحدة بترحيل المهاجرين غير الشرعيين أو طالبي اللجوء إلى دول أجنبية أخرى (ليست بلدانهم الأصلية)، بشرط أن توافق تلك الدول على استقبالهم.
في تقرير حديث، مكون من 125 صفحة، بعنوان “لترهيب الناس: عمليات الطرد الأمريكية لمواطني دول ثالثة إلى بلدان في إفريقيا”، وثّقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية الدولية، نقل أكثر من 500 شخص من الولايات المتحدة إلى دول إفريقية، قالت إن السلطات الأمريكية لم تمنحهم فرصة فعلية للطعن في ترحيلهم إلى هذه الدول أو توضيح المخاطر التي قد يواجهونها فيها.
الأفكار العامة
- أرسلت الولايات المتحدة أكثر من 500 شخص إلى دول إفريقية لا تربطهم بها أي صلات، بعدما تعذّر ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية بسبب المخاطر التي كانوا سيواجهونها هناك، من دون منحهم فرصة فعلية للطعن في قرارات ترحيلهم إلى تلك الدول.
- احتُجز بعض هؤلاء الأشخاص فور وصولهم، فيما لم يجد كثيرون، وربما غالبيتهم، خيارًا عمليًا سوى العودة إلى بلدانهم الأصلية، رغم الأضرار والمخاطر التي يواجهونها فيها.
- ينبغي للولايات المتحدة التوقف عن ترحيل طالبي اللجوء واللاجئين إلى دول ثالثة لا تملك القدرة على توفير إجراءات لجوء كاملة وعادلة، كما ينبغي لهذه الدول رفض استقبال أشخاص في ظل هذه الظروف.
يرصد التقرير أيضًا حالات احتجاز تعسفي، وإعادة بعض المرحّلين إلى بلدانهم الأصلية رغم مخاطر الاضطهاد أو التعذيب.
محتويات التقرير
ترحيل أكثر من 500 شخص إلى إفريقيا
قالت “رايتس ووتش”، إن إدارة الرئيس ترامب ترسل مئات الأشخاص الذين يتعذر ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية بسبب المخاطر التي قد يتعرضون لها هناك، إلى دول إفريقية لا تربطهم بها أي صلات، موضحة أن كثيرين منهم لم يجدوا خيارًا عمليًا سوى العودة إلى بلدانهم الأصلية، رغم الأضرار التي يواجهونها فيها.
وأشارت في تقريرها إلى أن بعض الدول احتجزت بصورة تعسفية أشخاصًا وافقت على استقبالهم، فيما أعادت دول أخرى بعض المرحّلين إلى بلدانهم الأصلية، حيث يواجهون خطر الاضطهاد أو التعذيب، في انتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي.
وقال مايكل غارسيا بوخينك، المدير المؤقت لبرنامج الولايات المتحدة في هيومن رايتس ووتش “إن ترحيل أشخاص إلى دول لم تطأها أقدامهم من قبل جزء من سياسة أمريكية تهدف إلى التسبب في معاناة إنسانية باعتبارها وسيلة لردع الهجرة”.
وأضاف “لأن الحكومة الأمريكية تستخدم هذه الاتفاقيات للتنصل من مسؤولياتها وحرمان الأشخاص من حقوقهم في الإجراءات القانونية الواجبة، ينبغي للحكومات الإفريقية التي أبرمت هذه الاتفاقيات إنهاؤها أو تعليقها”.
وأجرى باحثو هيومن رايتس ووتش مقابلات عن بُعد، وفي بعض الحالات وجهًا لوجه، خلال الفترة الممتدة من فبراير إلى يوليو 2026، مع 24 شخصًا من مواطني دول ثالثة نُقلوا من الولايات المتحدة إلى ست دول إفريقية، هي: الكاميرون، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغينيا الاستوائية، وإسواتيني، وجنوب السودان.
ويواجه بعض الأشخاص الذين أُرسلوا إلى هذه الدول احتمال التعرض للاضطهاد وغيره من الأضرار الجسيمة داخل البلدان المستقبِلة، وشمل هؤلاء لاجئين حصلوا على الحماية في الولايات المتحدة استنادًا إلى احتمال تعرضهم للاضطهاد في بلدانهم الأصلية بسبب ميولهم الجنسية أو هويتهم الجندرية.
وأدى ترحيلهم إلى وضعهم في ظروف لا يكون فيها الرجوع إلى بلدانهم الأصلية آمنًا، في حين يتعذر عليهم الحصول على حماية فعالة في الدول الثالثة التي نُقلوا إليها.

تقييد المرحّلين وحرمانهم من معرفة وجهاتهم
وصف الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات، تعرضهم لمعاملة مسيئة خلال رحلات نقلهم من الولايات المتحدة؛ إذ قُيّدوا بالأغلال، وفي بعض الحالات لمدة 18 ساعة أو أكثر، ولم يحصلوا إلا على معلومات قليلة أو لم يحصلوا على أي معلومات بشأن وجهاتهم.
وتختلف معاملة المرحّلين من الولايات المتحدة عند وصولهم باختلاف الدولة المستقبِلة. وفي بعض الحالات، لم يتمكن الأشخاص المرحّلون من الحصول على الأدوية أو العلاجات اللازمة للتعامل مع حالات طبية خطيرة يعانون منها بالفعل.
وكان رجل إثيوبي يبلغ من العمر 35 عامًا قد فرّ إلى الولايات المتحدة بعدما سُجن وتعرّض للتعذيب في بلده الأصلي. ورُفض طلب لجوئه بسبب عبوره الحدود بصورة غير نظامية، لكن قاضي هجرة أمريكيًا منحه وضعًا قانونيًا يُعرف باسم “الحماية من الترحيل”، يمنع إعادته إلى إثيوبيا بسبب احتمال تعرضه للتعذيب مجددًا هناك.
وقال الرجل إنه عندما رفض التوقيع على استمارة المغادرة الطوعية لترحيله إلى تشاد، وقّع أحد موظفي إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية الاستمارة نيابة عنه.
وأضاف واصفًا ظروف الرحلة: “كنا مقيّدين بالسلاسل والأصفاد، في أرجلنا وأيدينا وبطوننا. لم يكن بإمكاننا الوقوف. وعندما كنت أحتاج إلى استخدام الحمام، لم يزيلوا حتى القيود”، وبعد وصوله إلى الكاميرون، تكررت زيارات ممثلين عن المنظمة الدولية للهجرة له.
وقال لهيومن رايتس ووتش في مارس “في كل مرة يأتون فيها، يطرحون السؤال نفسه: هل تريد العودة إلى بلدك؟ وفي كل مرة أجيبهم: لن أعود. توقفوا عن سؤالي، فأنا لا أريد أن أموت”.
انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية
يشكّل التهديد بالترحيل إلى دولة ثالثة جزءًا من سياسة الترحيل الجماعي التي تنتهجها إدارة ترامب. وعمليًا، استُخدمت عمليات الترحيل هذه لتخويف الأشخاص ودفعهم إلى المغادرة قبل أن يجدوا أنفسهم في دوامة متصاعدة من الاحتجاز والترحيل إلى وجهات مجهولة.
وقال مسؤول أمريكي لم يُكشف عن اسمه، أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، إن الغرض الفعلي من نقل مواطني الدول الثالثة هو بث الرعب في نفوسهم.
ونقل التقرير عن المسؤول قوله: “في حالة دول مثل بالاو (دولة جزرية تقع غرب المحيط الهادئ) أو إسواتيني، تكمن الفكرة في أن الإدارة تستطيع تهديد الأشخاص بأنها ستلقي بهم حرفيًا في مكان مجهول وسط اللا مكان. الهدف هو تخويف الناس”.
تقول “رايتس ووتش” إن الحكومة الأمريكية تنتهك التزاماتها بموجب القانونين المحلي والدولي المتعلقة بمبدأ عدم الإعادة القسرية، من خلال إرسال أشخاص إلى أماكن قد يتعرضون فيها للاضطهاد أو التعذيب أو غير ذلك من التهديدات الجسيمة لحياتهم أو سلامتهم، أو يُرجّح أن يتعرضوا فيها للترحيل لاحقًا إلى بلدان يواجهون فيها مثل هذه المخاطر.
وأضافت المنظمة أن السلطات الأمريكية تحرم هؤلاء الأشخاص أيضًا من فرصة فعلية للطعن في قرارات ترحيلهم إلى تلك الدول والتعبير عن أي مخاطر قد يتعرضون لها فيها.
ومن المقرر أن تنظر المحكمة العليا الأمريكية، في ديسمبر المقبل، في المرافعات المتعلقة بما إذا كانت سياسة الترحيل إلى دول ثالثة تنتهك بند الإجراءات القانونية الواجبة في الدستور الأمريكي، أو تخالف الأحكام القانونية التي تحظر ترحيل الأشخاص إلى أماكن يواجهون فيها خطر التعذيب.
وكانت المحكمة قد سمحت للحكومة بمواصلة عمليات الترحيل إلى دول ثالثة في الوقت الراهن.
الترحيل إلى دول لا توفر إجراءات لجوء عادلة
دعت هيومن رايتس ووتش الولايات المتحدة إلى التوقف عن ترحيل طالبي اللجوء واللاجئين إلى دول ثالثة لا تملك القدرة على توفير إجراءات لجوء كاملة وعادلة، أو في غياب اتفاقيات رسمية وشفافة تضمن تمكّن المرحّلين من الوصول إلى هذه الإجراءات.
كما دعت حكومات الدول المستقبِلة إلى احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وضمان كرامة جميع الأشخاص الخاضعين لولايتها القضائية وأمنهم وحقوقهم الأساسية، بمن فيهم مواطنو الدول الثالثة الذين وافقت على استقبالهم.
وذكرت أن عددًا من هذه الحكومات الإفريقية لا يكتفي بالتواطؤ في الانتهاكات الأمريكية، بل انتهك بنفسه حقوق الإنسان لهؤلاء المرحّلين، بما في ذلك من خلال الاحتجاز التعسفي، وفي بعض الحالات إعادتهم إلى بلدان فرّوا منها هربًا من الخطر.
وشدد على أنه ينبغي لهذه الدول ألا تحتجز الأشخاص من دون أساس قانوني واضح، وألا تُكره أي شخص على العودة إلى بلده الأصلي أو ترسله إليه، أو إلى أي دولة أخرى قد يواجه فيها خطر الاضطهاد أو التعذيب أو غير ذلك من الأضرار الجسيمة”.
حالات من الترحيل القسري إلى دولة الثالثة
الترحيل القسري الأمريكي إلى إفريقيا
حالات موثقة لنقل مواطنين من دول ثالثة إلى بلدان إفريقية
وجهات الترحيل في إفريقيا
اضغط على اسم الدولة أو نقطتها لعرض تفاصيل الحالة
استعرض الحالات حسب الدولة
اضغط على اسم الدولة لعرض تفاصيلها.











































