مايكل أولو توسين بدورين، عبد الرحمن كوكو، نهاد عمر
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
تفتح تقنيات الطاقة النظيفة في إفريقيا فرصة لتحويل الثروات المعدنية من خامات مُصدّرة إلى مواد متقدمة وتطبيقات مبتكرة لتخزين الهيدروجين، إذ تنتج نحو ثلاثة أرباع المنغنيز عالميًّا، و70% من الكوبالت، ونحو خُمس النحاس، لكنها لا تحصل إلا على أقل من 1% من القيمة المضافة للتقنيات القائمة على هذه المعادن.
وبينما تصدّر القارة خاماتها وتستورد منتجات مصنّعة أعلى قيمة، تفتح التطورات في أبحاث المواد المعدنية، ولا سيما السبائك عالية الإنتروبيا، مسارًا محتملًا لتغيير هذه المعادلة، عبر تطوير مواد متقدمة لتخزين الهيدروجين ونقله ضمن سلاسل إمداد الطاقة النظيفة.
المحتويات
الأفكار العامة:
- طوّر العلماء، على مرّ القرون، معادن مفيدة بإضافة كميات محدودة من عناصر إلى عنصر رئيسي، لإنتاج مواد متعددة الاستخدامات.
- تنتج إفريقيا نحو ثلاثة أرباع المنغنيز عالميًّا، و70% من الكوبالت، ونحو خُمس النحاس، لكنها تحصل على أقل من 1% من القيمة المضافة لتقنيات الطاقة النظيفة القائمة عليها.
- تُصدّر إفريقيا خاماتها، ثم تستوردها مُنتَجات مصنّعة أعلى قيمة. ويتطلب تصحيح ذلك معالجتها وتكريرها وتصنيع المواد المتقدمة داخل القارة.
- يفتح تطور مهم في أبحاث المواد المعدنية آفاقًا واعدة للسبائك عالية الإنتروبيا، بما قد ينقل اقتصادات إفريقيا من الاستخراج والتصدير إلى ريادة تصميم مواد تخزين الهيدروجين، أحد أبرز تحديات الطاقة النظيفة.
- ندرس السبائك عالية الإنتروبيا كحلّ محتمل لتخزين الهيدروجين، ونقله بأمان ضمن سلاسل إمداد الطاقة النظيفة.
- تسرّع تقنيات المحاكاة تحديد المواد عالية الأداء، عبر كشف التركيبات الواعدة قبل اختبارها في المختبرات.
- يقدم عملنا، عبر توظيف المعارف المتاحة وتحديد الثغرات البحثية، خارطة طريق لتطوير استخدام السبائك عالية الإنتروبيا في تخزين الهيدروجين مستقبلا.
على مرّ القرون، اعتاد العلماء تطوير معادن مفيدة بالاعتماد على عنصر رئيسي وإضافة كميات صغيرة من عناصر أخرى لتحسين خصائصه وإنتاج مواد تناسب استخدامات متعددة. فالصلب، على سبيل المثال، يقوم على الحديد يُضاف إليه الكربون بنِسَب متفاوتة لإنتاج أنواع مختلفة، بينما يتكون البرونز من النحاس والقصدير. وتُعرف هذه المركبات المعدنية باسم “السبائك”.
تمتلك إفريقيا بالفعل العديد من المعادن الأساسية المستخدَمة في صناعة السبائك. لكنّ العائد الذي تُحققه القارة من تصميم وتصنيع المواد المتقدمة يبقى أقلّ بكثير من العائد الناتج عن استخراج تلك المعادن.
على سبيل المثال، تنتج إفريقيا نحو ثلاثة أرباع المنغنيز العالمي، و70% من الكوبالت، وخمس النحاس تقريبًا. ومع ذلك، لا تحصل إلا على أقل من 1% من القيمة المضافة لتصنيع تقنيات الطاقة النظيفة التي تعتمد على هذه المعادن.
في الواقع، تُصدّر إفريقيا مواردها الأولية ثم تستوردها مجددًا كمنتجات مُصنّعة بقيمة أعلى. لمعالجة هذا الخلل، يجب الانتقال من تصدير الخامات إلى معالجتها وتكريرها فتصنيع المواد المتقدمة داخل الدول الإفريقية. هذا التحول يمكن الدول من الاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة الاقتصادية لمواردها، مع تسريع التصنيع، وتعزيز الابتكار، ودعم التنمية المستدامة.
في هذا السياق، يفتح اكتشاف مهم في أبحاث المواد المعدنية آفاقًا واعدة لإفريقيا. يركز هذا التقدُّم على السبائك عالية الإنتروبيا، وهي فئة حديثة من المواد يمكنها إحداث تحوُّل في اقتصادات القارة، من نموذج قائم على استخراج الموارد وتصديرها إلى نموذج متقدّم تصبح فيه إفريقيا رائدة في تصميم مواد مخصَّصة لتطبيقات تخزين الهيدروجين، وهو تحدٍّ رئيسي في قطاع الطاقة النظيفة.
على عكس السبائك التقليدية التي غالبًا ما تعتمد على معدن أساسي واحد، تجمع السبائك عالية الإنتروبيا عدة عناصر، عادة أكثر من ثلاثة، بنِسَب متساوية أو متفاوتة. بعد تحسين تركيبها، تتميز هذه المواد في كثير من الحالات بصلابة أكبر، ومقاومة أعلى للحرارة والتآكل، وعمر تشغيلي أطول مقارنةً بمعظم السبائك التقليدية.
مثال بارز على ذلك هو سبيكة “كانتور” ومشتقاتها، التي تتمتع بمتانة عالية ومقاومة ممتازة للتآكل. كما تتحسَّن خواصها الميكانيكية في درجات الحرارة المنخفضة جدًّا، مما يجعلها واعدة لتطبيقات متقدمة متعددة.
يكمن التحدي العلمي الرئيسي في التنبؤ بالتركيبات المعدنية التي يمكن أن تنتج خصائص عملية ومفيدة. وفي هذا الإطار، يضم فريقنا البحثي متعدد التخصصات خبرات متكاملة في علوم وهندسة المواد والهندسة الكيميائية والنمذجة الحاسوبية للمواد، إضافةً إلى خبرة متخصصة في أبحاث المواد النشطة.
وقد ركزنا على دراسة السبائك عالية الإنتروبيا باعتبارها حلًّا محتملًا لأحد التحديات المُلِحّة في عصر الطاقة النظيفة، وهو تخزين الهيدروجين ونقله بأمان ضمن سلاسل إمداد الطاقة.
وراجع الفريق نتائج عدد من دراسات المحاكاة بهدف فهم أفضل لتأثير تركيب السبائك في قدرتها على تخزين الهيدروجين. وتوضح النتائج أن تقنيات المحاكاة يمكنها تسريع عملية تحديد المواد عالية الأداء من خلال الكشف عن التركيبات المعدنية الواعدة قبل إخضاعها للاختبارات المعملية. ويتمثل الهدف النهائي في تطوير مواد قادرة على تخزين الهيدروجين وإطلاقه بكفاءة، بما يسمح باستخدامه في المركبات.

الهيدروجين واستدامة الطاقة النظيفة في إفريقيا
يُعتبر الهيدروجين ناقلًا للطاقة النظيفة؛ نظرًا لأن استخدامه يرتبط بمستويات منخفضة من الانبعاثات. وقد بلغ الطلب العالمي على الهيدروجين نحو 100 مليون طن في عام 2024، مع توقعات بارتفاعه خلال العقود المقبلة.
ومع ذلك، لا يزال تخزين الهيدروجين يواجه تحديات متعددة، من بينها حاجته إلى حيّز كبير فضلًا عن القيود المرتبطة بمتطلبات السلامة. وتتمثل إحدى طرق التخزين في الاحتفاظ بالهيدروجين في صورة صلبة؛ بحيث تُمتص ذراته داخل معدن ثم تُطلق عند الحاجة.
وتكمن الميزة الأساسية لتخزين الهيدروجين باستخدام هذا النمط من التخزين بواسطة الهيدريدات المعدنية في قدرتها على تخزين كمية أكبر من الطاقة ضمن حجم أصغر، وبمستوى أمان أعلى مقارنةً بعدد من طرق التخزين الأخرى. وتشير الدراسات إلى إمكانية تصميم سبائك عالية الإنتروبيا قادرة على امتصاص كميات أكبر من الهيدروجين مع الحفاظ على استقرار مرتفع، حتى بعد إخضاعها لدورات متعددة من الامتصاص والإطلاق.
كما يمكن لهذه السبائك أن تعمل ضمن درجات حرارة وضغوط قريبة من الظروف البيئية المحيطة، وهو ما يُعزّز فرص استخدامها في تطبيقات الطاقة النظيفة.
رغم هذه الإمكانات، يظل الاعتماد الكامل على التجارب المخبرية لتطوير سبائك عالية الإنتروبيا مخصصة لتخزين الهيدروجين أمرًا غير عملي. فمع العدد الهائل من التركيبات المحتملة للعناصر، قد يستغرق اختبار كل سبيكة يتم تحضيرها في المختبر وقتًا طويلًا ويستهلك موارد كبيرة.
وهنا تبرز أهمية علم المواد الحاسوبي، الذي يتيح للباحثين نمذجة سلوك الذرات داخل المادة قبل تصنيعها باستخدام تقنيات من بينها نظرية الكثافة الوظيفية. وتستند هذه النظرية إلى قوانين الفيزياء الكمية وإلى حسابات تنفّذها حواسيب فائقة القدرة بهدف التنبؤ بسلوك المواد على المستوى الذري.
وتساعد هذه النماذج في التنبؤ باستقرار السبيكة وتكوين بنيتها وقوة الروابط الهيدروجينية فيها. كما تتيح للعلماء تصميم المواد وتقييم خصائصها قبل إدخالها إلى الفرن أو بدء تصنيعها تجريبيًّا.
ومن شأن هذا النهج أن يُخفّض التكاليف ويختصر الوقت اللازم للاكتشاف ويفتح مجالات جديدة للبحث والابتكار التكنولوجي، دون الحاجة إلى الاعتماد منذ البداية على معدات تجريبية ضخمة.
ومن خلال الجمع بين المعلومات المتاحة وتحديد الثغرات البحثية القائمة، يقدم عملنا خارطة طريق لتطوير استخدام السبائك عالية الإنتروبيا في تخزين الهيدروجين مستقبلاً.

المزايا الطبيعية والتحديات التي تواجه إفريقيا
تتمتع إفريقيا بموقع إستراتيجي يُمكِّنها من الاستفادة بشكل أكبر من ثرواتها الطبيعية. التيتانيوم والفاناديوم والكروم والمنغنيز من أبرز المعادن المستخرَجة حاليًّا في مختلف أنحاء القارة، وتدخل في صناعة السبائك عالية الإنتروبيا.
لكن وفرة الموارد المعدنية وحدها لا تكفي لبناء صناعة متقدمة. فبحسب صندوق النقد الدولي، لا تزال دول إفريقيا جنوب الصحراء تُجري عمليات محدودة لمعالجة المعادن ذات القيمة المضافة المرتفعة، وذلك في مواجهة تحديات تتعلق بالتمويل والخبرات والبنية التحتية وأنظمة الطاقة وشبكات النقل وقدرات المعالجة.
الفرصة تكمن في تحويل هذه الموارد إلى سبائك ومُنتَجات متقدمة عالية القيمة، بدلاً من تصديرها خامًا. هذا التحوّل من شأنه أن يدعم التنمية الصناعية، ويُعزّز القيمة الاقتصادية للموارد، ويوفّر فوائد أوسع لاقتصادات الدول الإفريقية.
ولتحقيق ذلك، تحتاج الدول الإفريقية إلى الاستثمار في بنية تحتية بحثية، وتوسيع نطاق الوصول إلى تقنيات الحوسبة عالية الأداء، وتعزيز التعاون بين القطاع الخاص والجهات الحكومية والمؤسسات الأكاديمية.
ـــــــــــــ
رابط المقال:











































