صدر العدد السبعون من مجلة “قراءات إفريقية” (أكتوبر – 2026م)، وجاءت موضوعاته موزعة بين الدين والاقتصاد والتنمية والاجتماع والثقافة.
تطرح الافتتاحية، وعنوانها (إفريقيا المستقبل: من اقتصاد الموارد إلى مجتمع المعرفة)، سؤالًا جوهريًّا: هل تظل إفريقيا قارة تُستخرج ثرواتها لتُصنع قيمتها في أماكن أخرى، أم تنجح في تحويل مواردها إلى معرفة وتكنولوجيا وقيمة مضافة؟ وتلفت إلى أن النظرة إلى القارة بوصفها مخزنًا للمواد الخام لم تختفِ، بل تجددت مع السباق العالمي على المعادن الحرجة، في وقت لا يتجاوز فيه إنفاق إفريقيا جنوب الصحراء على البحث والتطوير نحو 0.38% من ناتجها المحلي، وتقل مساهمة القارة في المنشورات العلمية العالمية عن 3%.
وتقترح الافتتاحية خريطة طريق من أربع مراحل: توطين المعرفة في صناعات الاستخراج، واستثمار عوائد الموارد في رأس المال البشري، وبناء البنية التحتية المعرفية والسيادة الرقمية، وصولًا إلى تصدير الابتكار الإفريقي، مستشهدةً بتجارب فنلندا والنرويج ورواندا. فالثروة الكامنة في باطن الأرض لا تصنع وحدها مستقبل الدول؛ تصنعه طريقة إدارتها، وما يتحول من عوائدها إلى تعليم وبحث علمي وقدرات بشرية.
موضوع الغلاف للعدد 70 من مجلة قراءات إفريقية
وجاء موضوع الغلاف بعنوان (نحو رؤية حضارية.. لتفكيك الاستعمار المعرفي وأنماط الحكم الإفريقية)، للأستاذ الدكتور حمدي عبد الرحمن حسن.
تنطلق الدراسة من مفارقة تعيشها الدولة الإفريقية في مرحلة ما بعد الاستعمار؛ فهي وريثة حدود مصطنعة وأطر بيروقراطية وقانونية صاغها المستعمر، وهي في الوقت ذاته مطالبة بالتعبير عن سيادة شعوب سبقت تقاليدُها السياسية الحقبةَ الاستعمارية. وتبين أن الاستعمار لم يكتفِ بفرض مؤسساته، بل جعل المعرفة نفسها أداة للسيطرة.
ومن هنا لا يتحقق تفكيكه بإدماج رمزي لمفاهيم محلية في مؤسسات موروثة، ولا باستعادة رومانسية لأشكال الحكم السابقة على الاستعمار، وإنما بإعادة بناء معرفية نقدية. وتعود الدراسة إلى تجارب مثل نظام «الجادا» لدى الأورومو، وفلسفة «أوبونتو»، ومجالس «الكغوتلا»، وتجربة صوماليلاند، ومحاكم «غاكاكا» في رواندا، فتقرؤها مصادرَ للنظرية السياسية لا مجرد تراث فلكلوري، لتنتهي إلى اقتراح إطار لحوكمة إفريقية تقوم على السيادة المعرفية واحترام الحقوق والتعددية.
كما اشتمل العدد على الموضوعات التالية:
– جغرافيا الخلاص في المسيحية الإفريقية: تشكُّل المكان المقدس ووظائفه وتحولاته / أ. أحمد محمد أحمد إسماعيل – صحفي وباحث سوداني متخصص في الشؤون الإفريقية.
تتناول الدراسة ظاهرة تشييد المدن والقرى المقدسة لدى الحركات المسيحية الخلاصية في إفريقيا، وتربطها بمفهوم «لاهوت التحرر الإفريقي» وبتيار «أفرقة المسيحية» الذي قادته الكنائس الإفريقية المستقلة وما تفرّع عنها من طوائف.
وتسعى إلى الإجابة عن سؤال: كيف تتحول هذه الأماكن إلى فضاءات مقدسة تؤدي وظائف دينية واجتماعية وسياسية، وكيف تتفاوض مع الدولة الحديثة وتحولات العصر؟ كما تكشف عن البعد المادي في اللاهوت الإفريقي، حين يتحول الخلاص من فكرة مجردة إلى مكان يُسكن ومجتمع بديل للمدينة العلمانية الحديثة. وتعتمد الدراسة منهجًا سوسيو-أنثروبولوجيًّا وتاريخيًّا مقارنًا، مع دراسة حالات نموذجية لقرى مختارة.
وفي التاريخ والحضارة:
– مدينة جِيدِي (المدينة التاريخية المندثرة) على الساحل الشرقي لإفريقيا: قراءة في تاريخها وحضارتها في ضوء الأدلة الآثارية / أ.د. بطل شعبان محمد غرياني – أستاذ التاريخ الإسلامي، كلية الدراسات الإفريقية العليا، جامعة القاهرة.
تتخذ الدراسة من مدينة «جِيدِي» نموذجًا للميناء السواحيلي الذي جمع بين الموروث الإفريقي والإرث العربي الإسلامي وشبكات التجارة الآسيوية، وبلغ ذروة ازدهاره بين القرنين الثامن والتاسع الهجريين (الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين)، قبل أن ينحسر ويُهجر تحت وطأة عوامل بيئية وضغوط خارجية.
وتستند إلى التقارير الآثارية والحفائر التي أُجريت في الموقع على مدى سبعة عقود، لتتتبع أثر الموقع الجغرافي في نشأة المدينة، وتطورها العمراني والمعماري، ودور التجارة الدولية في بناء ثروتها، والقيمة الرمزية للخزف الآسيوي في حياة مجتمعها، وصولًا إلى العوامل التي أفضت إلى اندثارها.
ومن القرن الإفريقي:
– توظيف التعداد السكاني في صراع الهوية / د. خالد رمضان – إريتريا.
تقرأ الدراسة التعداد السكاني في إريتريا وإثيوبيا بوصفه ظاهرة سياسية لا عملية فنية محايدة، متسائلة عن الكيفية التي يتحول بها من أداة للتخطيط التنموي إلى أداة للهيمنة والإقصاء، وعن أثر ذلك في أزمة بناء الدولة في القرن الإفريقي. وتخلص إلى أن غياب أي تعداد رسمي شامل في إريتريا منذ استقلالها عام 1993م ليس قصورًا فنيًّا، بل خيار مقصود للإبقاء على «الغموض الديموغرافي».
بينما تحوّل التعداد في إثيوبيا، في ظل الفيدرالية القائمة على الإثنية، إلى ساحة مفتوحة للصراع على الهوية والموارد، حتى أُرجئ التعداد الرابع ثلاث مرات على الأقل منذ 2017م. وتقارن الدراسة الحالتين بتجارب السودان ونيجيريا وميانمار وجنوب إفريقيا، وتقترح أسسًا لتعداد عادل وشامل، في مقدمتها استقلالية هيئات الإحصاء والمشاركة المجتمعية.
وضمّ العدد كذلك ثلاث دراسات أخرى:
– حوكمة الإنفاق العام في إفريقيا جنوب الصحراء: الكفاءة والشفافية في خمس دول خلال الفترة 2021–2024م.
– التفاوت الاقتصادي الريفي–الحضري والفقر في إفريقيا: دراسة مقارنة متعددة الأبعاد لدول مختارة.
– الاغتراب في الرواية السنغالية العربية المعاصرة: مقاربة نقدية ثقافية لرواية «زوارق الموت» لعمر لي.
ورصد باب «المشهد الإفريقي» أبرز أخبار القارة ومستجداتها وفعالياتها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، إلى جانب طائفة من التصريحات والمعلومات المتنوعة.
ويُختتم العدد بملخصات باللغة الإنجليزية لموضوعاته.









































