قضت محكمة كينية، بسجن بول ماكنزي، زعيم طائفة مسيحية مرتبطة بأفكار “نهاية العالم” وذات توجهات خمسينية، لمدة 200 عام؛ بعد إدانته بقتل 191 شخصًا، جميعهم أطفال باستثناء شخص واحد.
وأُدين ماكنزي، إلى جانب 27 متهمًا آخر، بتهم القتل، على خلفية توجيهاته لأتباع طائفته بتجويع أطفالهم حتى الموت، اعتقادًا منهم بأن ذلك سيمكنهم من “لقاء المسيح”.
المحتويات
مقابر غابة شاكا هولا تكشف الجرائم
وأُلقي القبض على ماكنزي، الذي كان يقدم نفسه باعتباره قسًا، عام 2023، عقب اكتشاف أكثر من 400 جثة مدفونة في قبور ضحلة داخل غابة شاكا هولا، بالقرب من الساحل الكيني.
وسبق أن ذكر تقرير صادر عن لجنة برلمانية كينية، تناول مجزرة غابة شاكا هولا، وقُدّم إلى مجلس الشيوخ الكيني في أكتوبر 2023، أن زعيم الجماعة المتهم، بول ماكنزي، “تأثر بديف ماكاي وشيري ماكاي (ديف وشيري ماكاي) من أستراليا، مؤسسي حركة دينية تُعرف باسم “صوت في الصحراء” (A Voice in the Desert)”.
وأوضح التقرير أن هذا التأثير “تأكد إلى حد كبير من خلال الروابط الافتراضية ووسائل التواصل الاجتماعي”، كما أشار إلى أن أحد المقربين من ديف ماكاي ألقى عظة في كنيسة ماكنزي، “الأخبار السارة الدولية”، عام 2019.
وفي مايو 2023، نشر الحساب الرسمي لجماعة “صوت في الصحراء” على منصة “إكس” منشورًا جاء فيه: “وقعت مؤخرًا مأساة في كنيسة بكينيا كانت تربطنا بها صلات. لقد جوع أكثر من 100 عضو في الكنيسة أنفسهم حتى الموت!”.
وأحال المنشور إلى مقال نُشر على الموقع الإلكتروني للجماعة، لكنه حُذف لاحقًا، حسبما أفادت صحيفة الغارديان البريطانية آنذاك.
وقد أثارت التحقيقات الموسعة في القضية صدمة داخل كينيا، كما استقطبت اهتمامًا دوليًا واسعًا.
وقبل صدور الحكم، طالب الادعاء العام أمام المحكمة في مدينة مومباسا بتوقيع عقوبة الإعدام على ماكنزي، نظرًا لخطورة الجرائم المرتكبة، مشيرًا كذلك إلى ما وصفه بعدم إبدائه أي ندم على أفعاله، فيما طالب بإنزال عقوبات السجن المؤبد بالمتهمين الآخرين.
وقبل بدء جلسة النطق بالحكم، صباح الجمعة، قال فرانسيس وانجي، الذي فقد 8 من أقاربه في غابة شاكا هولا، بينهم حفيدان، لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، إنه يأمل في صدور “حكم يتناسب مع أفعاله في الغابة”.
وطلب ماكنزي والمتهمون الآخرون رسميًا الرأفة من المحكمة وتخفيف العقوبات الصادرة بحقهم.
وكان جميع المتهمين قد دفعوا ببراءتهم في 19 أكتوبر، قبل إدانتهم، وكرروا تأكيداتهم بأن أحدًا لم يُجبر على الموت.

“لسان المسيح”.. تعاليم ماكنزي وطقوس الموت
وقالت القاضية ديانا موشاشي، خلال تلاوتها حيثيات حكم استمر 8 ساعات الشهر الماضي، إن أتباع ماكنزي كانوا يعتقدون أنه “لسان المسيح”.
وأضافت أن الأشخاص الذين عارضوا تعاليم ماكنزي تعرضوا للضرب حتى الموت.
وقال أحد المتهمين في القضية إن ماكنزي أبلغ أتباعه بأن كل من “يرفض توجيهات الصيام يجب إجباره على الذهاب إلى الجنة بالركل والضرب”.
وأوضحت القاضية أن عمليات الدفن داخل الغابة التي اتخذتها الطائفة مقرًا لها كانت تُسمى “حفلات زفاف”، وأن المتوفين “كان يُحتفى بهم باعتبارهم تزوجوا المسيح”.
وخلصت المحكمة إلى أن الوفيات نتجت عن نظام منظم شمل تعاليم دينية وتوجيهات أجبرت الأتباع على الالتزام بالصيام القاتل.
وأظهرت نتائج تشريح الجثامين أن المجاعة كانت سبب الوفاة في معظم الحالات، بينما توفي آخرون اختناقًا أو خنقًا أو نتيجة إصابات في الرأس.
وتعذر تحديد سبب الوفاة في بعض الحالات بسبب تحلل الجثامين، فيما توفي آخرون بعد وقت قصير من إنقاذهم، نتيجة وصولهم إلى مراحل متقدمة من الهزال.

تحقيقات تكشف تقاعس السلطات الكينية
سلطت وفيات شاكا هولا الضوء على غياب الرقابة على الأنشطة الدينية غير القانونية، وإمكانية استمرارها لفترات طويلة دون تدخل السلطات.
ودفعت خطورة القضية الرئيس الكيني ويليام روتو إلى تشكيل لجنة تحقيق، قبل أن يُعلن لاحقًا عدم دستورية تشكيلها.
وكشفت تحقيقات أجرتها اللجنة الوطنية الكينية لحقوق الإنسان، وهي هيئة ممولة من الدولة، أن مسؤولين في الإدارة المحلية وأجهزة إنفاذ القانون تغاضوا مرارًا عن أنشطة الطائفة.
وقال وانجي إنه كان يتوقع تحرك الشرطة فور إبلاغها بالقضية لإنقاذ بقية أعضاء الطائفة، لكن ذلك لم يحدث، موضحًا أنه تقدم ببلاغ إلى الشرطة في مارس 2023.
وأضاف أن أحد أقاربه العاملين في الشرطة، بمساعدة شخص سبق له المشاركة في الطائفة، تمكنا آنذاك من إنقاذ حفيده.
وأوضح أن الطفل أبلغ الشرطة بما حدث، وأرشدها إلى قبر أشقائه، مضيفًا: “كان ذلك يومه الأخير.. كانوا سيقتلون حفيدي”.
وكان زعيم الطائفة قد اعتُقل في وقت سابق، قبل الإفراج عنه لعدم كفاية الأدلة.

من تأسيس الكنيسة إلى جرائم شاكا هولا
أسس ماكنزي كنيسة “الأخبار السارة الدولية” (Good News International Ministries) عام 2003.
وخلال السنوات الـ16 التالية، توسعت الكنيسة ونالت شعبية، وجذبت آلاف الأتباع عبر فروعها المنتشرة في أنحاء كينيا.
كما أدارت الكنيسة محطة تلفزيونية حملت اسم “تايمز تي في” (Times TV)، بثت من خلالها عظات ماكنزي من كنيسته في مدينة ماليندي.
وتضمنت عظاته المتعلقة بنهاية العالم نظريات مؤامرة وصفت التعليم بأنه “شر”، والرعاية الصحية بأنها “مخالفة للعقيدة”، وبطاقات الهوية الرقمية بأنها “علامة الشيطان”.
تنتمي كنيسة “الأخبار السارة الدولية” إلى البيئة المسيحية الإنجيلية ذات التوجهات الخمسينية، التي تنتشر في البلاد عبر كنائس وجماعات مستقلة.
وتُعرف الخمسينية بتركيزها على ما يعرف بعمل الروح القدس والمواهب الروحية، مثل الشفاء والتنبؤ والتحدث بألسنة، إلى جانب التبشير والوعظ الديني.
غير أن ماكنزي تبنى خطابًا دينيًا خاصًا اتسم بالتشدد في تفسير نبوءات نهاية العالم، ورفض التعليم والرعاية الصحية، وربط بطاقات الهوية الرقمية بعلامة الشيطان، وصولاً إلى الدعوة إلى الصيام حتى الموت باعتباره طريقًا للقاء المسيح.
وأُغلقت الكنيسة الرئيسية عام 2019، وانتقل ماكنزي إلى غابة شاكا هولا، داعيًا أتباعه إلى اللحاق به.
ورغم أن انتهاء محاكمات القتل قد يمنح الضحايا وأسرهم شعورًا بتحقق العدالة، فإن الإدانات الصادرة تتعلق بمقتل 191 شخصًا فقط، بينما تجاوز عدد الجثامين التي استُخرجت من الغابة 400 جثة.
ولا تزال ماكنزي وعدد من قادة الطائفة يواجهون سلسلة أخرى من القضايا، تشمل تهم الإرهاب والتطرف وحرمان الأطفال من التعليم.

الخمسينية في إفريقيا
تعد كنيسة “الأخبار السارة الدولية”ذات توجهات خمسينية، وحسب دراسة سابقة نشرتها مجلة قراءات إفريقية (يونيو 2025)، يحتل الخمسينيون الأفارقة مركز النمو المسيحي في القرن 21، ففي عام 2020 كان ربع المسيحيين البالغ عددهم 2.5 مليار حول العالم من الخمسينيين/الكاريزميين.
وكانت إفريقيا تتصدر معدلات النمو لهذه الفئة على مستوى العالم، وبالإضافة إلى قوتهم السكانية، انتقل الخمسينيون الأفارقة من الهامش إلى مركز النقاش في المجال العام، إذ يتضح تأثيرهم في إفريقيا جنوب الصحراء من خلال السياسة، والإعلام، والفنون.
وفي عام 2015، قُدِّر عدد الخمسينيين بنحو 36% من إجمالي المسيحيين في إفريقيا جنوب الصحراء المقدر عددهم آنذاك بـ564.5 مليون نسمة، بعد أن كانت نسبتهم عام 1970 حوالي 13% فقط من المسيحيين.
وغذى هذا النمو الهائل عوامل منها: التحولات من الديانات الإفريقية التقليدية، والترجمات العامية للكتاب المقدس، والنمو السكاني الإجمالي، وتحسين أنظمة النقل والاتصالات، والتبشير من قبل الأفارقة أنفسهم بدلاً من المبشرين الأجانب.
كما أن عموم الكنائس الخمسينية الإفريقية، تتراوح في الحجم بين كنائس صغيرة مكونة من بضع عشرات الأفراد إلى الكنائس الضخمة التي لها عشرات الفروع في إفريقيا وخارجها.
وعادة ما يصف رعاة الكنائس الخمسينية وقساوستها أثناء صلاتهم الكاريزمية أنفسهم أنهم يمتلكون روح الله في أجسادهم، ورغم أن حديثهم قد يبدو للمتابع “مجازيًا” إلا أنهم يقدمونه باعتباره واقعيًا.
كما تتبنى هذه الكنائس التي تنسجم مع أفكار الصهيونية العالمية ودعم إسرائيل، خطابًا يركز على التفسير اللاهوتي للفقر والازدهار، من خلال التبشير بـ”إنجيل الرخاء”، الذي يقول إن الله يريد أن يكون الجميع أغنياء، ويربط بين الإيمان (المسيحي) والثروة المادية والروحانية.
وذلك عبر تسليط الضوء على حياة القساوسة الكاريزماتيين، على غرار منازلهم وسياراتهم بل وحتى طائراتهم الفخمة الخاصة، وغيرها من المظاهر شديدة البذخ.
وقد يفسر الأمر وضع رعاة الكنائس الخمسينية ومؤسسوها ضمن قائمة أثرياء إفريقيا والعالم، في وقت تعاني فيه نسبة معتبرة من مواطني إفريقيا من ارتفاع نسب الفقر، ما يثير بدوره تساؤلات حول أسباب تصاعد الفقر في إفريقيا جنوب الصحراء بالتوازي مع النمو السريع للمسيحية الخمسينية التي تركز على الرخاء.
المصدر: بي بي سي والغارديان وقراءات إفريقية











































