نشر معهد «كلينجنديل»/Clingendael Institute الهولندي للعلاقات الدولية، مقالاً تحليلياً بقلم كل من «لورانس ويليم»/Laurens Willeme و«كاميل شينكنبرج»/ Camille Schenkenberg، من وحدة أبحاث النزاعات التابعة لبرنامج غرب إفريقيا ومنطقة الساحل بالمعهد. يستعرض المقال ما تكشفه هجمات جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»/JNIM و«جبهة تحرير أزواد»/FLA منذ أبريل 2026م عن هشاشة جهود بناء السلام في مالي. علاوةً على ما تعكسه من ترابُط وثيق بين ثورة الطوارق في مالي، والتمرد المسلح، والصراعات بين المجتمعات المحلية، ومن ثَمّ ضرورة معالجتها معاً. تُجسّد قبائل دوسحاق، المهيمنة على منطقة ميناكا، مثالاً واضحاً على هذا الترابط. وتُقدّم عملية السلام في باماكو بعض السُّبل لتحقيق المصالحة، إلا أنها تتعرض لإخفاقات جراء استبعاد المعارضة المسلحة والمجتمع المدني.
بقلم: لورانس ويليم/ Laurens Willeme – كاميل شينكنبرج/ Camille Schenkenberg
ترجمة وتقديم: شيرين ماهر – ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
ملخص:
في 25 أبريل 2026م، شنّت «جبهة تحرير أزواد»/ FLA الانفصالية و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»/JNIM موجةً من الهجمات على الأراضي المالية. أسفرت هذه الهجمات عن مقتل شخصيات حكومية بارزة، والاستيلاء على مدن إستراتيجية، وإغراق البلاد في حالة من الفوضى. وفي 4 يوليو 2026م، عاودت الجماعتان الهجوم، وهاجمتا مدن: أغيلهوك، وأنيفيس، وغاوا، وسيفاري، وسجناً قرب باماكو. لقد بات النظام في مالي على حافة الانهيار مجدداً، وبدا السلام بعيد المنال. يحلل هذا المقال عملية السلام التي تقودها باماكو منذ انسحاب المجتمع الدولي عام 2023م، وذلك بالتركيز على قبائل دوسحاق، إحدى المجتمعات المحلية في شمال مالي، ومكانتها في السياسة المحلية وبناء السلام.
قبائل دوسحاق، شعبٌ رُحّلٌ ورعويٌّ تاريخياً، ويُعدّ جزءاً من مجتمع الطوارق رغم لغتهم المُميزة. يُشكّلون المجموعة المهيمنة في ميناكا وأنسونغو، ويُقدّر عددهم بين 100,000 و150,000 نسمة. كانوا في الأصل قبيلةً تابعةً لطوارق إيوليميدان، وبرزوا في تسعينيات القرن الماضي بفضل انخراطهم في شبكات الميليشيات. اليوم، يقف مجتمع دوسحاق على مفترق طرق بين عدة تيارات سياسية مُتنافسة: الاستقلال، والولاء لـ«باماكو»، والإسلام السياسي. تُحدّد هذه القوى الثلاث مجتمعةً المناخ السياسي المحلي، وتجعل من هذا المجتمع مؤشراً مهماً لشمال مالي عموماً. ومن ثَمّ، يركز المقال على الجهات الفاعلة الرئيسية وراء هذه التوجهات ومكانتها ضمن جهود بناء السلام الحالية، من منظور قبائل دوسحاق. ومن خلال هذا المنظور، يتضح كيف أن عملية «السلام والمصالحة» في مالي معرضة لخطر الانهيار بسبب تعاملها الانتقائي مع الجماعات المسلحة.
حرب مالي.. نظرة عامة:
شهدت مالي ثورات متكررة للطوارق منذ استقلالها. يشعر العديد من الطوارق بالعزلة عن الحكومة المركزية، ويسعون إلى حُكم المنطقة الممتدة من الصحراء الكبرى إلى نهر النيجر حكماً ذاتياً، التي يطلقون عليها اسم «أزواد». في عام 2012م، تحالفوا مع جماعات مسلحة، وتمكنوا من إزاحة القوات المسلحة المالية إلى ما وراء «تمبكتو» و«غاوا». ثم أطاحت هذه الجماعات المسلحة بحلفائهم السابقين قبل أن يلقوا الهزيمة على يد تحالف دولي بقيادة فرنسا. أفضت مفاوضات مطولة بين باماكو والجماعات الانفصالية، في النهاية، إلى توقيع اتفاقيات الجزائر عام 2015م. وساعدت بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مالي (مينوسما) في تنفيذ الاتفاقية، بينما تولت عملية «برخان» الفرنسية محاربة الجماعات غير الموقعة.
بحلول عام 2023م، أخذت اتفاقيات أزواد تتداعى وتنهار. سنوات من جهود بناء السلام غير الفعّالة، وفشل فرنسا في دحر الجماعات المسلحة، أقنعت مجلساً عسكرياً بطرد شركائه الدوليين وتبنّي نهج أكثر عدوانية. سيطر المجلس على كيدال ودفع جماعات الاستقلال نحو الحدود الجزائرية، لكنه لم يتمكن من ضمان السيطرة الكاملة على الأراضي. في غضون ذلك، أطلقت باماكو عملية سلام خاصة بها، تُوّجت بـ«الميثاق الوطني للسلام والمصالحة» في يوليو 2025م. جدير بالذكر أن الانفصاليين الأزواد، والجماعات المسلحة، وبعض قطاعات المجتمع المدني، استُبعدوا (ولا يزالون) من صياغة الميثاق وتنفيذه. وكما أشار رئيس الوزراء السابق موسى مارا، فإن السلام لا يُقام إلا مع من لا يقاتلون الدولة، بينما تُستبعد الجماعات المسلحة. وتساءل: «كيف لنا أن نحقق السلام، فضلاً عن المصالحة، بينما لم يشارك المقاتلون في العملية؟»، يُطرح هذا السؤال المحوري هنا من منظور سياسات مجتمع دوسحاق.

خريطة منطقة ميناكا، بناءً على مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA:
شبكات مؤيدة لـ«باماكو»:
تأسست «حركة إنقاذ أزواد» MSA عام 2016م عندما انفصل زعيم المتمردين «موسى أغ أشاراتوماني» عن تنسيقية حركات أزواد CMA. سعت «حركة إنقاذ أزواد» إلى تمثيل مصالح كل من سكان دوسحاق وفصيل شاماناماس على نحو أفضل ضمن عملية السلام. وكان للدعم الفرنسي والنيجري دور مؤثر، إذ رأت الدولتان في «حركة إنقاذ أزواد» حليفاً محتملاً ضد المتطرفين، واستثمرتا بكثافة في هذه العلاقة. وسرعان ما انقسمت الجماعة المسلحة بين مجتمعيها المكونين لها، مما عزز طابعها الجماعي.
شكّل «أغ أشاراتوماني» حركة الدفاع الذاتي للدوسحاق MSA-D كأداة لتحرير شعب دوسحاق داخل مالي، وهو تطور ملحوظ بالنظر إلى الدور القيادي الذي لعبه سابقاً في الحركة الاستقلالية في أزواد. وقد انضمت الحركة إلى تحالف «المنصة» الموالي لباماكو في عام 2019م وظلت إلى حدٍّ كبير ضمن هذا المعسكر. وداخل ميناكا، أكسب صعود حركة الدفاع الذاتي للدوسحاق MSA-D رصيداً سياسياً، مما أدى إلى زعزعة التسلسل الهرمي التقليدي. وتحالفت مع جماعة إيمغاد للدفاع الذاتي للطوارق وحلفائها GATIA في عام 2016م، والتي تشاركها المصالح في هذا الصدد. من جانبها، استخدمت الحكومة المالية «حركة الدفاع الذاتي للدوسحاق» كقناة لبسط نفوذ الدولة في منطقة يصعب الوصول إليها. ويتعاون الطرفان بانتظام في المسائل الأمنية. وكان هذا هو الحال سابقاً مع النيجر وفرنسا، في حين أقامت «مجموعة فاجنر» و«فيلق إفريقيا»، التابعتان لروسيا، علاقات مماثلة.
مرّ جزءٌ كبير من هذا التعاون عبر «أغ أشاراتوماني» نفسه، حيث مُنح مقعداً في المجلس التشريعي الانتقالي عام 2020م. ويتماشى هذا النهج مع إستراتيجية الحكم العامة لـ «باماكو» في الشمال، والتي عملت منذ تسعينيات القرن الماضي على بناء شبكات زبائنية، مانحةً السلطة والامتيازات الاقتصادية للجهات الفاعلة المحلية، ومُقوضةً أي معارضة محتملة. ويُمثل صعود حركة «الدفاع الذاتي للدوسحاق» إحدى الخطوات العديدة ضمن إعادة تشكيل علاقات القوة الهرمية في ميناكا لصالح قبائل دوسحاق. إلا أن هذه الإستراتيجية الزبائنية لا تخلو من المُنتقدين، وقد عمّقت الانقسامات داخل القيادة المجتمعية، وربما تواجه قريباً منافسة متجددة من منافسها الاستقلالي، جبهة تحرير أزواد.
حق «أزواد» في تقرير المصير:
أدى انقلاب «أغ أشاراتوماني» على موقفه المؤيد لـ«باماكو» إلى نفور بعض فئات مجتمع دوسحاق التي لا تزال ملتزمة بمشروع أزواد. ونتيجةً لذلك؛ أعاد العديد منهم الانضمام إلى تنسيقية حركات أزواد. وفي عام 2017م، انضم أيضاً عدد من القادة البارزين إلى المجلس الأعلى لوحدة أزواد HCUA المؤيد للاستقلال. وكان من بينهم «سيغيدي أغ ماديتي»، رئيس فصيل قبيلة إيدوغوريتان المؤثرة. وقد عارضوا صعود «أغ أشاراتوماني» إلى زعامة القبيلة بسبب علاقاته بـ«باماكو». كما رفضوا عمليات «حركة الدفاع الذاتي للدوسحاق» MSA-D ضد «تنظيم الدولة – ولاية الساحل» ISSP، التي اعتبروها غطاءً لاستهداف مجتمعات الفولاني وسرقة مواشيهم.
كانت الفترة من 2017م إلى 2023م مضطربة للغاية. لقد ترددت شائعات بأن اعتقال نجل «أغ ماديتي» في يناير 2018م، بزعم مساعدته للجماعات المسلحة، كان مدبراً من قِبل «أغ أشاراتوماني» لإعادة والده إلى صفوف الحركة. كما اندلعت اشتباكات بين حركتي «الدفاع الذاتي للدوسحاق» و«جماعة إيمغاد للدفاع الذاتي للطوارق وحلفائها» MSA-D/GATIA و«المجلس الأعلى لوحدة أزواد» HCUA في شمال ميناكا. وشهد عام 2020م تحولاً طفيفاً في الأوضاع مع عودة بعض المنشقين إلى حركة «الدفاع الذاتي للدوسحاق». ولعل تقاعس الجماعات المؤيدة للاستقلال عن مواجهة الجماعات المسلحة كان له دور في ذلك.
وفي نهاية المطاف، تم طرد تنسيقية حركات أزواد CMA من ميناكا عام 2023م بعد تجدد الأعمال العدائية مع باماكو. واختارت حركة الدفاع الذاتي للدوسحاق MSA-D عدم التدخل. ولذلك؛ لم يكن لقرار تنسيقية حركات أزواد CMA بتشكيل جبهة تحرير أزواد FLA في نوفمبر 2024م تأثير مباشر يُذكر على الصعيد المحلي. بينما لا يزال فصيل دوسحاق نشطاً ضمن صفوفها. إلا أن نفوذهم محدود، في الوقت الراهن، ولم يتمكنوا من توفير الحماية أو التمثيل السياسي الفعّال. ولكن مع عودة كيدال إلى أيدي الانفصاليين، وإعلان جبهة تحرير أزواد رغبتها في السيطرة على ميناكا، قد يصبحون قريباً ذوي أهمية بالغة. وربما يُعقّد الأمور ظهور الجماعات المسلحة كـ«طرف ثالث».
الجماعات الدينية المسلحة:
في حين انضم العديد من مجتمع دوسحاق إلى الحركة الوطنية لتحرير أزواد MNLA عام 2012م على خطى «أغ أشاراتوماني»، انضم آخرون إلى جماعات مسلحة ناشئة. وكان هؤلاء في الغالب أفراداً شعروا بالعزلة عن كلٍّ من مالي وهياكل السلطة المجتمعية في الدولة. وقد انضم العديد من معارضي «أغ ماديتي» داخل مجموعات «الإيدوغوريتان»، وكذلك بعض شباب دوسحاق من بلدة «إندليماني». وكان للمجندين الآخرين خلفيات مهمشة مماثلة، بما في ذلك- بشكل ملحوظ– قبائل الفولاني. وينحدر العديد من هؤلاء الأخيرين من شبكات ميليشيات تشكلت في التسعينيات خلال صراعات الرعاة بين الفولاني ودوسحاق. ومن خلال انقسامات واندماجات مختلفة، شكّل هؤلاء المقاتلون تنظيم الدولة -ولاية الساحل ISSP عام 2015م. وسيطر التنظيم على جزء كبير من ميناكا بعد انسحاب القوات الدولية في الفترة 2022-2023م. وهو يحاصر حالياً العاصمة الإقليمية، بعد أن سيطر عليها لفترة وجيزة في أواخر أبريل.
يُوصَف القتال بين حركة الدفاع الذاتي للدوسحاق MSA-D وتنظيم الدولة -ولاية الساحل ISSP أحياناً بأنه صراع طائفي بين قبيلتي «الفولاني» و«دوسحاق»، ولا سيما بسبب المجازر العرقية التي ارتكبها كلا الجانبين. ويُعدّ الخوف من العنف دافعاً رئيسياً لانضمام الفولانيين إلى الجماعات المسلحة. ولكن، بالأحرى وُصف هذا الصراع باعتباره صراعاً بين بعض أفراد قبائل دوسحاق والفولاني من جهة، وبعض أفراد قبائل دوسحاق الآخرين من جهةٍ أخرى.
اتجه بعض أعضاء قبائل دوسحاق إلى تنظيم «الدولة -ولاية الساحل»، المُنافِس لجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، طلباً للدعم. وفي عام 2023م، حصل زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، «إياد أغ غالي»، على ولاء عدد من الشخصيات البارزة قرب بلدة «إينيكار». ويُقال إنه يُقدّم نفسه كشخصية توحّد الصفوف، قادرة على حل النزاعات بين المجتمعات. ومع النجاحات الأخيرة التي حققها في المناطق المجاورة، قد يلجأ إلى هذه الولاءات مجدداً. في الوقت الراهن، لا تزال جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» بمنزلة القوة المهيمنة في ميناكا. وقد عززت دورها في الحكم المحلي منذ عام 2023م، ودشنت «شبكات متداخلة ومتنافسة من الحكم غير الرسمي» موازية للدولة المالية. ومع استبعاد الجماعات المسلحة من المحادثات، ليس من المرجح أن تُحرز جهود باماكو الحالية لبناء السلام الكثير على هذا الصعيد.
ما الذي يمكن أن تقدمه عملية السلام؟:
توفر العملية الحالية عدة مسارات واعدة نحو السلام:
أولاً: تُدخل آليات جديدة لحل النزاعات. في أوائل عام ٢٠٢٥م، تم إطلاق جمعية «تموزوك»/Tamouzokh باحتفال كبير في باماكو، بقيادة وزير الاتصالات الحمدو أغ إيليين- وهو نفسه من قبيلة دوسحاق، يتمثل هدفها المعلن في «بناء جسر» لحل المشكلات التي أضرت «بالنسيج الاجتماعي» لشمال مالي. ومنذ ذلك الحين، نظمت «تموزوك» عدة اجتماعات بين مجموعات الطوارق لحل المظالم التاريخية.
ثانياً: أطلقت الحكومة حملة جديدة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج DDR، تهدف إلى نزع سلاح الميليشيات الموالية. ومن شأن ذلك أن يحد من احتمالية تصاعد النزاعات الطائفية. بدأت المرحلة الأولى من الحملة في نوفمبر 2025م، وتهدف إلى دمج 2000 مقاتل في القوات المسلحة و1000 آخرين في الحياة المدنية. ويشارك حالياً 350 عضواً من «حركة إنقاذ أزواد» MSA و«جماعة إيمغاد للدفاع الذاتي للطوارق وحلفائها» GATIA في ميناكا.
ما هي المخاطر؟:
يعاني بناء السلام من إطار مؤسسي غير واضح المعالم. يُقدّم الميثاق العديد من التوصيات لتعزيز المصالحة، لكنه يفتقر إلى التدابير الملموسة. وفي مارس 2026م، تم تعيين هيئة رقابية حكومية لمراقبة تنفيذه، إلا أنها تفتقر إلى آليات تنفيذ فعّالة. لا يتضمن النهج الحالي سوى القليل من الابتكارات الجوهرية مقارنةً باتفاقيات الجزائر، كما أنه أكثر تقييداً في نطاقه. علاوةً على ذلك، لا يزال العنف متفشياً في مالي. من غير المرجح أن تتخلى المجتمعات عن أسلحتها إذا لم تفِ الحكومة بوعدها بتوفير الحماية. ويؤكد الهجوم الأخير الذي شنته جماعات المعارضة، المستبعدة من المرحلة الأولى من برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، هذا الخطر. كما أدت مبادرات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج المالية السابقة، على نحوٍ متناقض، إلى زيادة وتيرة العنف. فقد أدى التطلع إلى مكاسب السلام إلى التنافس والتشرذم، بينما شرّع استخدام العنف كوسيلة للتفاوض. يتعين على باماكو أن تتوخى الحذر الشديد إذا أرادت تجنب أخطاء الماضي.
في غضون ذلك، لا يزال الحوار بين المجتمعات قاصراً على الجماعات الموالية للحكومة. ورغم أن الصراع بين الفولاني ودوسحاق- من المرجح كونه أبرز الصراعات المجتمعية في ميناكا- فإن المحادثات بينهما لم تُعقد بعد في ظل الإطار الحالي. كما أن المفاوضات التي تشمل القوى المناهضة للحكومة غير واردة على الإطلاق. علاوةً على ذلك، فإن باماكو تخاطر بإثارة استياء الماليين من خلال إستراتيجيتها الأمنية. فمنذ عام 2023م، تصاعدت أعمال العنف ضد المدنيين على يد القوات الحكومية وحلفائها من مجموعة فاجنر/فيلق إفريقيا. وقد نجت ميناكا من أسوأ هذه الأعمال، وربما يعكس ذلك، بشكل أو بآخر، محدودية الانخراط في المنطقة.
تنطوي سياسات المحسوبية التي تنتهجها الحكومة في ميناكا على مخاطرها الخاصة، حيث تدنت ثقة السكان المحليين بالسلطات التقليدية للغاية، بينما لا يزال العديد من شعب دوسحاق ملتزمين أيديولوجياً بمشروع أزواد. في المقابل، لم تستفد الجماعات العرقية الأخرى من تحرر قبيلة دوسحاق. هذا التهميش المزدوج- داخل الدولة المالية ومشروع أزواد- من شأنه أن يؤجج المظالم الطائفية المتأصلة منذ زمن طويل. الأمر الذي يعزز جاذبية الجهات الفاعلة التي تُقدّم وعوداً بالاندماج السياسي، ولا سيما الجماعات المسلحة.
خاتمة:
تُمثل قبائل دوسحاق، التي مزقتها النزعة القومية الأزوادية، الجماعات المسلحة، والولاء لـ«باماكو»، نموذجاً مصغراً لشمال مالي. وهنا، كما في أي مكان آخر، يتأثر بناء السلام بنهج الحكومة المالية تجاه هذه القوى. وتوفر عملية «السلام والمصالحة» آفاقاً واعدة لحل النزاعات طويلة الأمد. إلا أنها تتعرض للتقويض بسبب تعامل الحكومة الانتقائي مع الجهات الفاعلة المحلية، ولا سيما بالنظر إلى الطبيعة المترابطة للصراعات الانفصالية والدينية والطائفية في مالي. في أحسن الأحوال، سيعيق هذا النهج حلها. وفي أسوأها، ينطوي ذلك على خطر زيادة التأييد للجماعات المناهضة للحكومة.
ليست قبائل دوسحاق وحدها التي تقف عند مفترق طرق. تواجه مالي أخطر أزمة منذ عام ٢٠١٢م. ويُهدد هجوم جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» و«جبهة تحرير أزواد» استقرار البلاد بأكملها، وليس الشمال فحسب. كما أنه يمثل فرصة؛ فالمسار الإقصائي الحالي نحو السلام مُستهلَك وفاشل على حدٍّ سواء، وربما تتطلب المصالحة الحقيقية الخروج عن المألوف وإشراك الأطراف المعنية كافةً. يا لها من لحظة حاسمة، يقع على عاتق جميع القوى السياسية في مالي اغتنامها!
ــــــــــــــــــــــــــ
رابط التقرير:
https://www.clingendael.org/publication/idaksahak-malian-peace-process











































