وليد وفيق
كاتب ومحلل سياسي
الإطار المفاهيمي: الجغرافيا الحبيسة وإعادة صياغة النفوذ:
لم تعد القارة الإفريقية قادرةً في الآونة الأخيرة على تحمّل حالة من السيولة الجغرافية المتسارعة، حيث لم تعد الحدود الموروثة عن حقبة الاستعمار التقليدي قادرةً على احتواء ديناميكيات التنافس الإقليمي الجديد. في قلب هذا التحول تبرز ظاهرة جيوسياسية معقدة تُشكّل المحرك الأساسي لإعادة هندسة النفوذ، وهي معضلة «الدول الحبيسة» وسعيها المحموم لتأمين منافذ بحرية مستدامة.
عند قراءة الخريطة الإفريقية في مداها الإستراتيجي، يتضح أن هذا المسعى ليس مجرد رغبة لوجستية أو تجارية معزولة، بل يمكن تتبعه كحزام جيوسياسي متصل يمتد من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً، وينقسم بوضوح إلى مدرستين متباينتين في سلوكهما السياسي: مدرسة «التبادل التعاقدي» التي تتبلور في الساحل الإفريقي، مقابل مدرسة «الاندفاع الأحادي لإسقاط القوة» التي تقودها إثيوبيا في القرن الإفريقي.
الترس اللوجستي والأمني: مربع النزاعات العابرة للحدود:
ما بين الشرق والغرب، لا يتحرك هذا الحزام في فراغ، بل يمر عبر مربع جغرافي حرج يضم: تشاد، وإفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، والسودان، هذه الجغرافيا المأزومة بالنزاعات المسلحة والشبكات العابرة للحدود تُمثل «الترس اللوجستي والأمني» الذي ينقل الأزمات ويؤمن التحام قضايا هذا الحزام الممتد من المحيط إلى البحر، حيث تحولت هذه الدول الحبيسة إلى ساحات تدافع ضمن جيل جديد من التنافس الدولي متعدد الأقطاب. لم يعد السودان في هذا المشهد مجرد معبر للأزمات، بل أصبح بؤرة الاحتقان الكبرى التي يؤثر انفجارها الداخلي على خطوط إمداد الحزام بالكامل، ويحرم أطرافه من أي استقرار لوجستي بري ممتد.
مدرسة التبادل التعاقدي: دول الساحل والمبادرة الأطلسية:
في الغرب الإفريقي، وتحديداً في إقليم الساحل، تتحرك دولٌ حبيسة مثل مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، ضمن سياق مشترك عنوانه: البحث عن النفاذ التجاري والفكاك من العزلة الإقليمية الخانقة، ولا سيما بعد قطيعتها السياسية مع المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس) في 28 يناير 2024م[1]. تبنت دول الساحل في بحثها عن منفذ بحري سلوكاً براجماتياً تعاقدياً. فهذه الدول، بدافع من قيودها الجغرافية والسياسية، لا تملك القدرة على قضم أراضي جيرانها أو فرض وجود عسكري سيادي على شواطئ الآخرين، بل يتركز طموحها في الحصول على تسهيلات جمركية وممرات لوجستية آمنة تضمن خفض تكلفة الواردات وتأمين بقاء الأنظمة الحاكمة. ويتجلى هذا النموذج في التعاطي الإيجابي لدول الساحل مع «المبادرة الأطلسية» التي طرحها الملك المغربي محمد السادس في 6 نوفمبر 2023م[2]، بهدف وضع البنية التحتية اللوجستية للمملكة في خدمة هذه الدول عبر ربطها بميناء «الداخلة الأطلسي» الواعد ذي القدرة الاستيعابية الضخمة والاستثمارات المليارية، أو عبر محاولة الحفاظ على قنوات النقل التقليدية مع دول ساحلية مثل توغو وغينيا، حيث يجري احترام سيادة الدولة الساحلية، ويُصاغ المطلب البحري كأداة للمناورة الاقتصادية والهروب من الحصار بما يتسق تماماً مع المبادئ العامة لاتفاقيات البحار للدول الحبيسة.
مدرسة الاندفاع الأحادي: السردية الإثيوبية ومذكرة صوماليلاند:
على الجانب الآخر من الحزام الإفريقي، يُقدّم القرن الإفريقي نموذجاً مغايراً تماماً تقوده أديس أبابا؛ فالطموح الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر لا يدار عبر الدبلوماسية التعاقدية التقليدية، بل عبر خطاب هجومي يعتمد على إثارة السرديات التاريخية وحشد القومية الداخلية. وترتكز السردية الإثيوبية الرسمية على ربط غياب الميناء السيادي بتعثر التنمية لأكثر من مائة وعشرين مليون نسمة، معتبرةً أن سجن إثيوبيا الجغرافي هو خطأ تاريخي يجب تصحيحه، في إشارة إلى استقلال إريتريا في 24 مايو 1993م، الذي حُرمت إثيوبيا بموجبه من موانئها التاريخية عصب ومصوع[3]. غير أن التحليل الجيوسياسي يكشف أن إثيوبيا لم تكن ممنوعة من استخدام الموانئ التجارية لجيرانها، إذ تعتمد أديس أبابا بشكل شبه كلي على جيبوتي لتمرير ما يربو على 95٪ من تجارتها الخارجية، وهو ما يُكبّل الموازنة الإثيوبية المنهكة بفاتورة باهظة تقترب من ملياري دولار سنوياً كرسوم عبور وموانئ، وهو عبء مالي ضخم يضغط بشدة على ميزانية الدولة المثقلة بالديون والاضطرابات الداخلية.
غير أن تفكيك المشهد، وتجاوز القشرة السطحية للأحداث، يكشف أن المسعى الإثيوبي لانتزاع شريط ساحلي يتجاوز بكثير التسهيلات التي تقرها اتفاقيات الأمم المتحدة لقانون البحار للدول الحبيسة، خاصةً المادة 124 والمادة 125[4]، والتي تضمن حرية العبور اللوجستي دون أن تمنح الحق في اقتطاع ممرات سيادية أو بناء قواعد عسكرية رغماً عن الدولة المضيفة.
وقد تكشفت الأبعاد الحقيقية للمطلب الإثيوبي في أعقاب توقيع «مذكرة التفاهم» في 1 يناير 2024م مع إقليم «صوماليلاند» الانفصالي[5]، حيث تجاوز الطموح الإثيوبي الرصيف التجاري إلى محاولة الحصول على موطئ قدم عسكري، وقاعدة بحرية، وممر بعقد إيجار يمتد لنصف قرن على طول شريط ساحلي ممتد. مما يُلقي بسؤال أهم وهو: كيف يمكن لإثيوبيا تأمين الموارد والميزانية اللازمة لإيجاد قاعدة بحرية على البحر الأحمر؟ في المقابل، قبلت «صوماليلاند» هذه المخاطرة الجيوسياسية ليس استفادةً من عوائد الإيجار فحسب، بل رغبةً في نيل الاعتراف الدبلوماسي الرسمي الموعود من أديس أبابا بوصفها دولة مستقلة، وهو ما يهدد بتفكيك الفيدرالية الصومالية بالكامل. وتبحث إثيوبيا هنا عن «إسقاط القوة العسكرية» وإعادة إحياء بحريتها لتتحول إلى لاعب أمني مباشر في شريان التجارة العالمي بالبحر الأحمر وباب المندب، مستغلةً الملف الخارجي لتخفيف الضغوط الداخلية وتوجيه القومية الإثيوبية المتشظية عرقياً في أقاليم أمهرة وأوروميا وتيغراي نحو هدف قومي اتحادي جامع.
تجدر الإشارة هنا إلى أن اندفاع أديس أبابا الأحادي لا ينبغي قراءته بوصفه محض خيار سياسي حر، بل هو أيضاً انعكاس لموازين القدرة العسكرية القائمة في الإقليم؛ فإثيوبيا، بجيشها الكبير نسبياً وتجربتها القتالية الممتدة داخلياً وخارجياً، تملك من أدوات فرض الأمر الواقع ما لا تملكه دول الساحل الحبيسة الأضعف عسكرياً والأكثر هشاشةً أمام جيرانها. بعبارة أخرى، الفارق بين «التعاقدية» و«الاندفاع الأحادي» ليس فارقاً في طبيعة الإرادة السياسية بقدر ما هو دالة على تفاوت القدرة، هذا التمييز مهم لأنه يعيد صياغة السؤال الإستراتيجي: «لماذا تتصرف إثيوبيا بعدوانية؟» إلى «ما الذي يردع أو يُمكّن كل طرف من ترجمة طموحه الجغرافي إلى أمر واقع؟».
إستراتيجية الاعتراف التراكمي: حسابات صوماليلاند الإقليمية والدولية:
كما يستحق الطرف الصوماليلاندي نفسه قراءةً أكثر استقلالية عن الرواية الإثيوبية. فصوماليلاند ليست مجرد أداة سلبية تنتظر عرضاً خارجياً؛ فهي تدير منذ عام 1991م كياناً شبه مستقر يمتلك عملته ومؤسساته الأمنية وانتخاباته الدورية، ويستند في حساباته إلى إرث تاريخي مختلف عن بقية الصومال (كونها كانت محمية بريطانية منفصلة قبل الاستقلال والاندماج الطوعي مع الصومال الإيطالي عام 1960م)، وإلى ميناء بربرة الذي استثمرت فيه موانئ دبي العالمية قبل مذكرة التفاهم الإثيوبية بسنوات. وبذلك، فإن قبول هرجيسا للشراكة مع أديس أبابا ليس مجرد مخاطرة مفروضة عليها، بل خطوة ضمن إستراتيجية طويلة الأمد للحصول على اعتراف دولي تراكمي، بدأته فعلياً مع الإمارات ثم عززته لاحقاً مع إسرائيل التي أصبحت في 26 ديسمبر 2025م أول دولة تعترف رسمياً بصوماليلاند بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة[6]، في خطوة وصفتها تل أبيب بأنها تسير في روح اتفاقيات أبراهام، ورفضتها الصومال ومصر والسعودية والجامعة العربية بشكلٍ قاطع. أي أن هرجيسا تلعب لعبة اعتراف تراكمي متعدد الأطراف، وليست مجرد تابع لأديس أبابا في مشروعها البحري.
التنافس الدولي بالوكالة: الصراع على ضفاف الأطلسي والبحر الأحمر:
إن المستوى الأكثر عمقاً في هذا المشهد يكمن في التداخل بين الحاجة الذاتية للدول الحبيسة والمصالح الإستراتيجية للقوى الدولية والإقليمية، مما يُحوّل هذه الممرات إلى ساحات للتنافس بالوكالة. ففي الغرب يرتبط السعي نحو الأطلسي بصراع النفوذ الدولي، حيث تسعى دول الساحل لاستبدال بقايا النفوذ الفرنسي، وتحييد النفوذ الأمريكي، بحضور روسي مكثف عبر الفيلق الإفريقي، واستثمارات إنشائية وتنموية صينية لشبكات الطرق، إدراكاً من موسكو وبكين أن دعم دول الساحل للوصول إلى منافذ أطلسية يمنحهما نفوذاً غير مباشر على المحيط الأطلسي، مما يمثل تحولاً إستراتيجياً في المجال الحيوي لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
الاستجابات العربية والإقليمية: ردود الفعل المصرية والخليجية:
في الشرق أصبح المشهد أكثر تعقيداً وازدحاماً باللاعبين، وتتشابك فيه الحسابات السياسية بشكلٍ يمس الأمن العربي مباشرة. فمن جهة، تشكل الخطوة الإثيوبية ضغطاً مزدوجاً على القاهرة؛ فبعد فرض الأمر الواقع في ملف «سد النهضة» مائياً، يمثل السعي نحو قاعدة بحرية في صوماليلاند محاولة واضحة لمحاصرة النفوذ المصري في مجاله الحيوي البحري في البحر الأحمر المرتبط بقناة السويس، خصوصاً في أعقاب خطوة الاعتراف الإسرائيلي بإقليم صوماليلاند. لم تقف القاهرة مكتوفة الأيدي، بل سارعت إلى تطويق الحركة الإثيوبية عبر إبرام اتفاقية دفاع مشترك مع مقديشو في 14 أغسطس 2024م[7]، كخطوة تطويقية لم يتأخر الصدى المصري فيها سوى أشهر قليلة على مذكرة التفاهم الإثيوبية، متبوعة بإرسال دعم عسكري ومعدات ثقيلة لتثبيت السيادة الصومالية وصياغة خط دفاع عربي متقدم في مواجهة الأطماع الإثيوبية.
النفوذ اللوجستي والحياد النشط: أدوار الإمارات والصين:
في غمرة هذا الصراع، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب لوجستي ثقيل ومؤثر في الإقليم عبر ذراعها العملاق «موانئ دبي العالمية» التي تدير استثمارات حيوية وإستراتيجية في موانئ المنطقة، وتحديداً في بربرة وبوساسو، وهو تمدد لوجستي يتماهى مع السياسة الإثيوبية حيث ترى أبوظبي في الشراكة مع أديس أبابا وسيلة لتأمين وتغذية استثماراتها في الموانئ الساحلية، مما يخلق تحالفاً لوجستياً واقعياً يثير قلق الأطراف العربية الأخرى الحريصة على إبقاء ميزان القوى لصالح الدول المركزية الموحدة مثل الصومال الفيدرالي.
لا يكتمل رصد لاعبي البحر الأحمر دون التوقف عند الحضور الصيني، الأقل بروزاً إعلامياً في هذا الملف تحديداً لكنه الأثقل عسكرياً على أرض الواقع. فمنذ أغسطس 2017م تستضيف جيبوتي أول قاعدة عسكرية صينية خارج الأراضي الصينية[8]، في موقع يشرف مباشرةً على مضيق باب المندب ويجاور قواعد أمريكية وفرنسية. وعلى البعد نفسه وخلافاً للاعبين الإقليميين الذين ينخرطون في اصطفافات سياسية علنية، تنتهج بكين في القرن الإفريقي سياسة «الحياد النشط»، فهي تحرص على عدم الانحياز الصريح لا لأديس أبابا ولا لمقديشو ولا للقاهرة، وتركز بدلاً من ذلك على تأمين خطوط إمدادها التجارية والطاقوية عبر باب المندب وحماية استثماراتها الضخمة في مبادرة الحزام والطريق بمختلف موانئ المنطقة، بما فيها استثمارات متصلة بشبكة السكك الحديدية الإثيوبية الجيبوتية، وهو ما يجعل من الصين لاعباً كابحاً (لا محرضاً) للتصعيد شرقاً، في مقابل دورها التمويلي والبنيوي الأكثر انخراطاً في دعم دول الساحل غرباً، لتكتمل بذلك صورة «التطويق الإستراتيجي المتوازي» الذي تمارسه بكين على طرفي الحزام معاً.
المخاطر الاقتصادية الإقليمية: تهديد مستهدفات رؤية السعودية 2030:
ثمّة بُعد آخر بالغ الأهمية وغير متداول إعلامياً لكنه تحت الفحص والتدقيق، وهو تهديد مستهدفات رؤية المملكة 2030[9]؛ إذ إن عدم الاستقرار في القرن الإفريقي وتزايد احتمالات الصراع العسكري على سواحل البحر الأحمر يمثل خطراً داهماً على الطموحات التنموية للرياض. ويتزامن هذا مع تحديات أمنية إقليمية ممتدة، من تجدد التوترات مع جماعة الحوثي في اليمن، إلى بقاء حالة اللاحسم في الصراعات الدولية التي تهدد سلامة مضيق هرمز وممرات الطاقة العالمية.
تستثمر السعودية مئات المليارات لتطوير الساحل الغربي للمملكة كمحور سياحي واقتصادي عالمي رائد يضم مشروعات عملاقة مثل نيوم ومشروع البحر الأحمر وبوابة الدرعية، وأي توتر أمني أو عسكري عند مضيق باب المندب وبوابة البحر الأحمر الجنوبية من شأنه أن يرفع كلفة التأمين والشحن البحري، ويعوق تحوّل البحر الأحمر إلى شريان مستقر وآمن للسياحة وسلاسل الإمداد العالمية التي تعوّل عليها الرياض في مرحلة ما بعد النفط.
التوازنات الدولية والإقليمية: أدوار واشنطن، وأنقرة، والاتحاد الإفريقي:
مع تصاعد هذا الاستقطاب، يواجه التحرك الإثيوبي تحفظاً أمريكياً معلناً التزاماً بوحدة الصومال، خشية أن يؤدي تفكيك الدولة الصومالية إلى إنعاش حركة «الشباب»، بينما تدخل تركيا كلاعب براجماتي ذكي عبر الاتفاقية الإطارية للدفاع والأمن التي وقعتها مع الصومال في فبراير 2024م[10]، حيث تُقدّم الحماية البحرية للشواطئ الصومالية بالتوازي مع النفوذ المصري مقابل استثمارات واعدة في مجال الطاقة، وتثبيت وجودها كلاعب إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة أمن البحر الأحمر، خاصةً مع رعايتها لوساطة دبلوماسية بين مقديشو وأديس أبابا للبحث عن بدائل لوجستية لا تمس السيادة. هذا التداخل الإقليمي يعكس عدم قدرة الاتحاد الإفريقي على فرض مخرجات حاسمة تضمن احترام ميثاقه التأسيسي بشأن سلامة أراضي الدول الأعضاء، مما يرسخ تآكل مصداقية منظومة العمل الإفريقي المشترك ويدفع الصومال إلى البحث عن حماية أمنية خارج المظلة الإفريقية التقليدية.
المآلات الاستشرافية: السيناريوهات الثلاثة القادمة:
إن تداخل الأزمات الداخلية والخارجية يضع المنطقة أمام ثلاثة مسارات مستقبلية محتملة:
1- مسار الصدام العسكري المباشر: ويتحقق إذا شرعت أديس أبابا فعلياً في فرض وجودها العسكري في صوماليلاند وتجاوزت الرفض الفيدرالي الصومالي، مما يفجر فتيل مواجهة مسلحة تُفعّل اتفاقية الدفاع المشترك المصرية-الصومالية، لتتحول المنطقة إلى ساحة حرب إقليمية واسعة النطاق تشترك فيها أطراف بالأصالة والوكالة.
2- مسار الاحتواء والمقايضة البراجماتية: وهو سيناريو التراجع تحت وطأة العزلة الدبلوماسية والضغط الاقتصادي على أديس أبابا. وبموجبه، يتم استبدال «الموطئ العسكري السيادي» باتفاق تجاري بحت يعيد إثيوبيا إلى مظلة قانون البحار للعبور الآمن عبر موانئ جيبوتي أو كينيا أو الصومال، دون المساس بالسيادة السياسية للجيران، وهو المخرج الوحيد الذي يضمن الحفاظ على مصالح جميع الأطراف بما فيها أمن الملاحة الخليجية والعربية.
3- مسار الجمود المشحون: وهو بقاء الأزمة في حالة «لا حسم» مع طول الزمن، حيث تعجز إثيوبيا عن فرض الاتفاقية ميدانياً لعدم قدرتها على الحسم، وتستمر في المماطلة السياسية، بينما تستغل القوى الدولية والإقليمية هذا الجمود لتثبيت مخالبها اللوجستية، مما يحوّل «الدول الحبيسة» إلى بؤر توتر جاهزة للانفجار عند أي اهتزاز في النظام الدولي المنهك بطبعه بجبهات ملتهبة في مناطق أخرى من العالم.
بين هذه المسارات الثلاثة، يبقى مسار «الجمود المشحون» الأقرب ترجيحاً في المدى المنظور، ذلك أن التحول نحو الصدام العسكري المباشر يتطلب من أديس أبابا قدرات لوجستية وعسكرية بحرية لا تملكها اليوم، بينما يتطلب مسار الاحتواء البراجماتي تنازلاً داخلياً مكلفاً سياسياً لحكومة تستخدم أصلاً الملف البحري لتصريف احتقانها القومي الداخلي. ومن أبرز المؤشرات التي تستحق المتابعة لتحديد أي المسارات يترجح فعلياً: مدى تقدّم إثيوبيا في بناء قدرات بحرية فعلية (سفن، تدريب، تمويل) بدلاً من الاكتفاء بالخطاب السياسي، ومسار العلاقة المصرية الإثيوبية في ملف سد النهضة كمؤشر غير مباشر على استعداد القاهرة للتصعيد في الملف البحري، ومدى صمود الجبهة الداخلية الإثيوبية أمام الصراعات العرقية المشتعلة في أمهرة وأوروميا وتيغراي.
الخاتمة والمخرج الإستراتيجي: أمن لوجستي عربي إفريقي موحد:
المفارقة التاريخية هنا أن جغرافيا إفريقيا الحبيسة تعيد اليوم صياغة أمن الممرات المائية العالمية، ولم يعد صراع القوى محصوراً في المياه المفتوحة، بل بات يُصنع في كواليس العواصم الداخلية للقارة السمراء. وإذا استمرت الإستراتيجيات الحالية القائمة على تغليب الاندفاع الأحادي والاستقواء بالاختراقات الدولية، فإن القرن الإفريقي والغرب الإفريقي يمضيان نحو تحولات هيكلية تفرض أسئلة حاسمة مثل: إلى أي مدى يمكن للجبهة الداخلية الإثيوبية الصمود أمام كلفة المراهنة على المخلب البحري في صوماليلاند، في وقتٍ تتآكل فيه السيطرة الفيدرالية تحت وطأة الصراعات العرقية المشتعلة، مع تنامي الأدوار المصرية والتركية في المنطقة؟ وهل ينجح التنسيق العسكري المصري الصومالي في فرض خط أحمر يحمي التوازن الأمني في البحر الأحمر وباب المندب بما يخدم المصلحة القومية والإستراتيجية لمصر والسعودية؟ وفي الغرب الإفريقي، هل تمثل المبادرة الأطلسية المغربية طوق النجاة التنموي الحقيقي لدول الساحل، أم أن جغرافيا الأطلسي ستتحول بدورها إلى ساحة احتكاك غير مباشر بين الناتو والفيلق الإفريقي الروسي؟
إن المخرج الإستراتيجي لتجنيب القارة الانفجار يكمن في ضرورة صياغة «إستراتيجية أمن لوجستي عربي إفريقي موحد»، تربط بين مبادرة المغرب الأطلسية والتحالفات الأمنية البحرية في البحر الأحمر التي تقودها مصر والسعودية. هذا الترابط كفيل بتحويل الاحتياجات التجارية واللوجستية للدول الحبيسة من «فتيل لإشعال الحروب» إلى «أداة تكامل اقتصادي متزن»، يستند إلى قواعد القانون الدولي وقواعد السيادة الوطنية، بعيداً عن السيطرة العسكرية والهيمنة الأحادية لأي طرف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمصادر الموثقة Specific Document References:
[1] انسحاب دول الساحل من إيكواس: البيان المشترك الصادر عن الرؤساء الانتقاليين للنيجر ومالي وبوركينا فاسو، إعلان الخروج الفوري للتحالف الثلاثي من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ECOWAS، الصادر بالتزامن في نيامي وباماكو أواغادوغو، بتاريخ 28 يناير 2024م.
https://documents.un.org/api/symbol/access?s=S/2024/120&l=en&t=pdf
https://x.com/MaliMaeci/status/1751898490110714080
[2] المبادرة الأطلسية المغربية: الديوان الملكي المغربي، نص الخطاب السامي للملك محمد السادس الموجّه للشعب بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء (إطلاق المبادرة الإستراتيجية لتمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي)، وكالة المغرب العربي للأنباء MAP، الرباط، 6 نوفمبر 2023م.
[3] استقلال إريتريا وعزلة إثيوبيا البحرية: الأمم المتحدة، تقرير الأمين العام حول بعثة الأمم المتحدة لمراقبة الاستفتاء في إريتريا UNOVER والاعتراف الدولي باستقلال إريتريا، وثيقة الجمعية العامة رقم (A/48/283)، نيويورك، 24 مايو 1993م.
https://digitallibrary.un.org/record/197208
https://digitallibrary.un.org/record/283201
[4] اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS: الأمم المتحدة – شعبة شؤون المحيطات وقانون البحار، اتفاقية قانون البحار: الجزء العاشر (حق الدول الحبيسة في النفاذ إلى البحر ومنه وحرية العبور – المادتان 124 و125)، مونتيغو باي، 10 ديسمبر 1982م.
https://www.un.org/Depts/los/convention_agreements/texts/unclos/part1.htm
https://www.informea.org/en/treaties/unclos/text
[5] مذكرة التفاهم الإثيوبية – الصوماليلاندية: مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي PMO، البيان الرسمي حول توقيع مذكرة التفاهم للشراكة الإستراتيجية والنفاذ البحري بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وإقليم صوماليلاند، أديس أبابا، 1 يناير 2024م.
https://www.ena.et/web/eng/w/eng_3805670
[6] الاعتراف بصوماليلاند: وزارة الخارجية الإسرائيلية، البيان الرسمي المشترك بشأن الاعتراف الدبلوماسي الكامل بإقليم صوماليلاند وتبادل التمثيل، القدس، 26 ديسمبر 2025م.
https://www.gov.il/en/pages/fm-sa-ar-speaks-with-president-of-somaliland-26-dec-2025
[7] اتفاقية الدفاع المشترك المصرية – الصومالية: المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية، البيان الرئاسي بشأن توقيع بروتوكول التعاون العسكري لاتفاقية الدفاع المشترك بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، القاهرة، 24 أغسطس 2024م.
https://english.ahram.org.eg/News/530159.aspx
[8] القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي: وزارة الدفاع الوطني الصينية، البيان الرسمي الصادر عن جيش التحرير الشعبي بمناسبة افتتاح قاعدة الدعم اللوجستي الأولى للصين في الخارج في جيبوتي، جيبوتي/بكين، 1 أغسطس 2017م.
https://www.xinhuanet.com/english/2017-08/01/c_136491533.htm
https://news.cgtn.com/news/35636a4e77557a6333566d54/index.html
[9] مستهدفات البحر الأحمر في رؤية 2030: مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وثيقة رؤية المملكة العربية السعودية 2030: الإستراتيجية الوطنية لتطوير واجهة البحر الأحمر والمشاريع الساحلية الكبرى، الرياض، 2016 (المحدثة 2023).
https://www.vision2030.gov.sa/en/explore/projects/red-sea-global
https://www.vision2030.gov.sa/en/explore/strategies/the-national-red-sea-sustainability-strategy
https://www.mofa.gov.sa/en/ksa/Pages/vision.aspx
[10] الاتفاقية الإطارية التركية – الصومالية: وزارة الدفاع الوطني التركية، البيان الرسمي لإنفاذ اتفاقية الإطار الإستراتيجي للتعاون الاقتصادي والدفاعي البحري بين جمهورية تركيا وجمهورية الصومال الفيدرالية، أنقرة، 8 فبراير 2024م.
https://www.middleeasteye.net/news/somalia-authorises-turkey-defend-its-sea-waters-deal
https://www.military.africa/2024/02/turkey-and-somalia-sign-defence-and-economic-pact/











































