تتوجه الأنظار راهنًا إلى التطورات الخطيرة في إقليم القرن الإفريقي، بالتزامن مع تحولات سياسية مهمة ليس أقلها مستجدات الحوار الوطني الإثيوبي التي توحي بتحول دستوري ملفت في أكبر دول الإقليم. ويبدو أن حالة الفوضى المستدامة تظل واقعًا ملموسًا في الإقليم لاعتبارات داخلية وتدخلات خارجية.
يتناول المقال الأول تحليل مهم لاحتمالات تجدد الحرب بين إثيوبيا وإريتريا حسب رؤية شاهد عيان على الأحداث في الإقليم.
أما المقال الثاني فيتناول توقعات مثيرة للقلق بشأن ظاهرة النينو وتأثيراتها المناخية في الإقليم في الربع الأخير من العام الحالي، والتي سيكون لها دورها في تصعيد عدد من الزمات السياسية بوجه أو بآخر.
ويتناول المقال الثالث رؤية تركية مهمة لأزمات إقليم القرن الإفريقي وموقع إثيوبيا كطرف رئيس في أغلب هذه الصراعات حسب رؤية كاتب المقال.
حرب أخرى تندلع في القرن الإفريقي([1])
لقد قضيت قدر كبير من حياتي الأكاديمية أكتب عن إثيوبيا والقرن الإفريقي. وكنت أتمنى أنه يمكنني القول إن مخاوفي اليوم مبالغًا فيها. لكن لا أوقن بذلك. إن الإشارات التحذيرية التي سبقت الحرب في تيجراي تعود الآن بسرعة مثيرة للقلق. إن الانقسامات السياسية داخل تيجراي قد تعمقت، كما تدهورت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا بشكلٍ كبير.
ويستمر الصراع المسلح في مناطق أخرى داخل إثيوبيا، بينما يعاني السودان من ويلات الحرب. وقد قدم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، مرارًا وتكرارًا، مطلب بلاده بالوصول المباشر إلى البحر الأحمر على أنه يقترب من كونه مسألة قومية وجودية. ومن المفهوم أن تنظر إريتريا إلى هذا الخطاب بنظرة مختلفة تمامًا عن نظرة أديس أبابا.
ففي فبراير الفائت أفادت وكالة رويترز اتهام إثيوبيا لإريتريا رسميًا بالعدوان العسكري ودعم الجماعات المسلحة، في حين رفضت إريتريا هذه الاتهامات ووصفتها بأنها ملفقة. والأمر المثير لمزيد من القلق أن هذه الاتهامات هي كلمات حرب مباشرة.
وفي يناير 2026 خاضت القوات الفيدرالية والتيجراوية القتال مجددًا للمرة الولى منذ وضع اتفاق بريتوريا نهاية لحرب 2020-2022. كما علقت شركة الطيران الإثيوبية رحلاتها إلى تيجراي وسط الصدامات، وفي فبراير ذكرت جريدة لوموند عمليات انتشار عسكري موسع من قبل القوات افليدرالية حول تيجراي، مع وصف مصدر أمني للإقليم بانه بات محاطًا بفعالية تامة.
بأي حال فإنه لا ينبغي النظر إلى القتال الذي اندلع هناك في الأول من أغسطس (الجاري) على أنه مجرد مناوشات حدودية مألوفة. فقد وصفت قناة الجزيرة الاشتباكات في غرب تيجراي (الحدودية مع إرتيريا والسودان) بأنها من أخطر التهديدات التي تواجه السلام وفق اتفاق بريتوريا حتى الآن.
وأشارت تقارير أخرى إلى أن القتال دار حول شيريرينا، بالقرب من الحدود السودانية، وذكرت استخدام المدفعية الثقيلة والطائرات المسيرة. وثمة تفسير شائع لشيريرينا يستحق دراسة متأنية.
ربما كانت المواجهة اختبارًا من الحكومة الفيدرالية: محاولة لمعرفة مدى القدرة العسكرية التي لا تزال قوات دفاع تيغراي تمتلكها بعد سنوات من الانقسام السياسي والضغوط الاقتصادية وعدم اكتمال تنفيذ اتفاقية بريتوريا. وقد طرح الصحفي مارتن بلاوت هذا الرأي تحديدًا، واصفًا شيريرينا بأنها اختبار متعمد للروايات العسكرية والسياسية المتنافسة.
إذا كان هذا هو القصد؛ فإن النتيجة تبدو مفاجئة لأديس أبابا. لقد أوقف اتفاق بريتوريا الحرب، لكنه لم يرسخ السلام.قبل أقل من أربع سنوات، رغم احتفاء العالم بالاتفاق كوسيلة لإنهاء واحدة من أكثر الصراعات دموية في هذا القرن. ولا شك أن الاتفاق أنقذ أرواحًا، لكن وقف القتال وبناء السلام ليسا شيئًا واحدًا.
وعلى سبيل المثال، تركت الاتفاق مسائل جوهرية دون حل؛ إذ بقيت تيجراي الغربية (المتاخمة للحدود مع السودان) خارج سيطرة إدارة تيجراي. وظل مئات الآلاف من النازحين عاجزين عن العودة إلى ديارهم. وتأخرت عملية إعادة الإعمار كثيرًا بسبب حجم الدمار.
وبقيت قضايا من قبيل التمثيل السياسي والإدارة الإقليمية والمساءلة معلقة. وحتى يوليو 2026، كان هناك أكثر من 700 ألف نازح داخليًا لا يزالون غير قادرين على العودة.
ويلاحظ هنا أنه كثيرًا ما تفشل اتفاقيات السلام بهذه الطريقة. فهي لا تنهار بالضرورة في لحظة حاسمة، بل تتآكل تدريجيًا، إذ تنقضي المواعيد النهائية (المحددة سلفاًا وبتفاؤل مبالغ فيه أحيانًا) وتتحول الترتيبات المؤقتة إلى ترتيبات دائمة، وتُؤجل المسائل السياسية، ثم يهنئ الوسطاء الدوليون أنفسهم وينصرفون لقضايا أخرى.
لقد تغيرت التحالفات
خلال تلك الحرب، قاتلت إثيوبيا وإريتريا معًا ضد جبهة تحرير شعب تيجراي. أما اليوم، فقد تدهورت علاقتهما بشكلٍ كبير، لدرجة أن إثيوبيا تتهم إريتريا علنًا بدعم جماعات مسلحة معادية لأديس أبابا، بينما تتهم إريتريا إثيوبيا باستغلال هذه الادعاءات لتمهيد الطريق للعدوان.
في الوقت نفسه، يستمر الصراع في إقليمي أمهرة وأوروميا. أما السودان فإنه غارقٌ بالفعل في حرب أهلية. وأصبح البحر الأحمر ساحةً جيوسياسيةً أكثر ازدحامًا. فقد ذكرت رويترز في وقتٍ سابق من هذا العام أن التنافس الذي يشمل السعودية والإمارات ومصر وتركيا وقطر قد أعاد تشكيل التحالفات عبر القرن الأفريقي.
في ظل هذه الخلفية، تُصبح حملة آبي المتكررة بلا كلل للوصول المباشر إلى البحر الأحمر خطيرةً للغاية. وبالنسبةلإثيوبيا، فإنه ثمة مصالح اقتصادية مشروعة في الوصول إلى الموانئ بأسعار معقولة وبشكلٍ موثوق (دون رقابة لصيقة).
لكن الوصول التجاري والسيادة ليسا شيئًا واحدًا. فميناء عصب ليست ساحلًا مجردًا تنتظر إثيوبيا استعادته؛ بل هو أرضٌ إريترية ذات سيادة. ينبغي أن يكون هذا التمييز واضحًا، لا سيما بعد حرب الحدود الكارثية بين إثيوبيا وإريتريا في الفترة 1998-2000. لكن بدلًا من ذلك، بات يُنظر إلى مسألة الوصول إلى البحر في إثيوبيا على أنها قضية مرتبطة بالمصير الوطني.
وهذا يحوّل قضية اقتصادية (على نحو مفترض بدقة) إلى قضية إقليمية. وتقع تيجراي الآن في قلب هذا الصراع المتصاعد (وسط أنباء نهاية أغسطس الجاري بتشديد القوات الفيدرالية هجماتها على الإقليم). وهكذا بات ممكنًا لمنطقة كان من المفترض أن يبعدها اتفاق بريتوريا عن مركز الحرب الإقليمية أن تصبح مجددًا نقطة التقاء جغرافية تربط صراعًا داخليًا إثيوبيًا بمواجهة بين إثيوبيا وإريتريا.
النينو يؤثر على القرن الأفريقي الكبير([2])
يتوقع أن يشهد القرن الأفريقي الكبير مناخًا أكثر حرارة ورطوبة من المعتاد في الربع الأخير من العام الجاري 2026 مع تزايد قوة ظاهرة النينو.
وتمثل الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر فترة امطار هامة بالنسبة للأجزاء الاستوائية والجنوبية من القرن الأفريقي الكبير، وتسهم بما يصل إلى 70% من إجمالي الأمطار السنوية الساقطة في أجزاء من إثيوبيا وكينيا والصومال، ونحو 40% من إجمال الأمطار السنوية في أجزاء من رواندا وبوروندي وتنزانيا وأوغندا.
كما أنه ثمة احتمالية مرجحة على نحو متزايد بحالة رطوبة أكثر من المعتاد في الربع الأخير من العام 2026 في الإقليم وفقًا لتقرير تطلعات المناخ الموسمي الجديد الصادر عن مركز توقعات وتطبيقات المناخ التابع لإيجاد IGAD Climate Prediction and Applications Centre (ICPAC).
ويرجع هذا التغير إلى حدث النينو الذي تطور ويتوقع أن تزداد قوته خلال ما تبقى من العام الجاري. علاوة على ذلك فإن يتوقع أن تتطور مرحلة إيجابية من ثنائية القطب بالمحيط الهندي Indian Ocean Dipole (IOD) في لافترة أغسطس- أكتوبر 2026. وتؤدي هذه الأحوال تلقائيًا إلى تحسن سقوط الأمطار في الإقليم خلال الموسم المطير.
كيف يعيد تدخل إثيوبيا في السودان تشكيل القرن الأفريقي([3])
عندما اندلعت الحرب الأهلية في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية نُظر للصراع على أنه مأساة سودانية. بأي حال فإنه بحلول أغسطس 2026 تغيرت جغرافية الحرب والفاعلون فيها بشكل ملفت للغاية.
فقد كان اعتراض الجيش السوداني لقافلة تابعة لميليشيا الدعم السريع قوامها 150 عربة تعبر الحدود من إثيوبيا، حسبما أوردت رويترز في تقرير كشف عن تدريب آلاف المقاتلين من عناصر الميليشيا في معسكر قرب الحدود السودانية في قاعدة ترتبط بالجيش الإثيوبي، وتقارير عن نشر الميليشيا وحداتها في بني شنقول-قمز على مقربة من سد النهضة الإثيوبي، وأشار كل ذلك إلى تحول إثيوبيا لطرف واقعي في حرب السودان متعددة الأطراف الفاعلة بها.
إن تكاليف هذا التحول لن تقع على عاتق السودان وحده. إذ تختار إثيوبيا إعادة كتابة كل كلف في الأجندة الإقليمية، من مفاوضات النيل إلى بناء الأمن في البحر الأحمر، ويدفع الإثيوبيون بلدهم، حتى في ظل تعمق أوجه هشاشتها الداخلية، لتصبح في حالة تطويق يصعب استمرارها.
بناء التبعية
يكمن مفتاح فهم سياسة السودان الإثيوبية ليس في الخرطوم ولكن في أبو ظبي. ومنذ العام 2018 خدمت الإمارات العربية كضامن خارجي رئيس لاستقرار حكومة آبي أحمد الاقتصادي، بينما حال الدعم العسكري والمالي الإماراتي دون سقوط الحكومة الفيدرالية خلال حرب التيجراي، مما يعطى العلاقة (الإثيوبية الإماراتية وانعكاسها في السودان) بعدًا أمنيًا متماسكًا.
وتدخل هذه العلاقة الآن مرحلة جديدة، ومع تخفيض الإمارات وجودها في قاعدة بوصاصو في بونتلاند فإنها بدأت في إعادة توجيه معداتها العسكرية إلى إثيوبيا. ومع عمل القوات الجوية المصرية على ضرب قوافل الإمداد لميليشيا الدعم من ليبيا نحو السودان، وتراجع أهمية قاعدة الكفرة الجوية عن المراحل السابقة من الحرب، تم خنق خطوط إمداد قوات الدعم السريع الغربية، تحولت خطوط الإمداد إلى الظهير الشرقي الجديد.
قلعة خربة من الداخل
تبدو إثيوبيا دولة تواجه مشكلات داخلية مستعصية منذ سنوات. فالصراع مع جيش تحرير الأورومو في إقليم أوروميا استمر لسنوات دون أية تسوية عملية؛ كما حولت الحرب الفيدرالية ضد ميليشيات فانو في إقليم أمهرا ثاني أكبر أقاليم البلاد عددًا في السكان إلى إقليم خارج الحكم في أغلب أجزائه.
ولا تزال عملية إعادة بناء إقليم التيجراي غير مكتملة، وينخرط الجيش الفيدرالي في جبهات داخلية متعددة. وتوجه النظرية الاستراتيجية الكلاسيكية الدول التي لم تكمل عملية التماسك الداخلي بتفادي أية مغامرات خارجية؛ وتفعل حكومة آبي أحمد نقيض ذلك تمامًا.
إن العواقب المرتقبة ستتمثل في أن الأسلحة والمقاتلين الذين تدفقوا في المناطق الحدودية ستتحول في النهاية إلى فاعلين خارج سيطرة الدولة، وربما على جماعات مسلحة على التراب الإثيوبي نفسه.
عامل أسمرا
ومما يكمل هذه الصورة التصعيد المتجدد مع إريتريا. إذ ان مطالب آبي أحمد للوصول إلى البحر، والتي تحولت إلى تهديدات مبطنة بالاستيلاء على ميناء عصب في إريتريا، حولت أسياس أفورقي إلى واحد من أهم الداعمين للجيش السوداني بالتزام واضح.
فقد تم نقل الطائرات المقاتلة السودانية إلى قواعد جوية إرتيرية لحمايتها من هجمات مسيرات الدعم السريع، بينما تقوم أسمرا بتدريب آلاف المقاتلين من مؤيدي القوات المسلحة السودانية على أراضيها كما نشرت أصولًا بحرية لحماية الساحل السوداني.
وكانت النتيجة تناقضًا استراتيجيًا بالنسبة لإثيوبيا. إذ ان دعم الخيرة لقوات الدعم السريع لم يخلق سودانًا معاديًا للغرب فحسب، بل إنه عزز محورًا بين غريتريا ومصر والسودان، مما يمكن معه استعادة صورة وجود الجيشان الإريتري والإثيوبي في العام 1999-2000 على طرفي النقيض من نفس الصراع. وتبدو مواجهة إثيوبية- إريترية مباشرة الآن أكثر احتمالًا للتحققق من اية لحظة مضت منذ حرب 1999-2000.
تسميم مياه النيل
لعل الضرر الأشد وطأةً من هذا الاستقطاب يتجلّى في ملف النيل. إذ لم تكن المشكلة الأساسية المحيطة بسد النهضة الإثيوبي اتقنيةً فحسب، بل مؤسسية: غياب إطار عمل تشغيلي ملزم لتبادل البيانات بين الدول الثلاث المتشاطئة.
ولقد كان الاتفاق الفني الثنائي الذي وقّعته السودان وإثيوبيا سرّا عام ٢٠٢٢، والذي ينص على تبادل البيانات يوميًا، وضمانات الحد الأدنى للتصريف المياه، والإخطار في حالات الطوارئ، آليةً نادرةً سدت هذا الفراغ جزئيًا. لكن لم يكن لمثل هذه الآلية أن تصمد في ظل نشرت فيها الخرطوم أدلةً تُورّط أديس أبابا في غاراتٍ جويةٍ بطائراتٍ مسيّرةٍ على عاصمتها، واستدعت سفيرها، وردّت إثيوبيا بالمثل.
وهكذا فإنه عندما انحسر النيل الأزرق في السودان في يوليو ٢٠٢٦، وانقطعت المياه عن أحياء كاملة في أم درمان، لم تكن هناك آليةٌ مشتركةٌ فعّالةٌ واحدةٌ للتحقق من المسؤوليات. إذ لا يمكن – في نهاية المطاف- توقّع أن تعمل عاصمتان تخوضان حربًا بالوكالة (داخل السودان) نهرًا مشتركًا بشفافية. هذه هي المشكلة تحديدًا.
[1] Yohannes Woldemariam, Another War is Starting in the Horn of Africa, Democracy in Africa, August 14, 2026 https://democracyinafrica.org/another-war-is-starting-in-the-horn-of-africa/
[2] El Nino impacts Greater Horn of Africa, World Meteorological Organization, August 19, 2026 https://wmo.int/media/news/el-nino-impacts-greater-horn-of-africa









































