تطورات متلاحقة تشهدها أزمة شرق الكونغو الديمقراطية خلال 48 ساعة؛ تمثلت في فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات جديدة على قادة جماعات مسلحة وكيانات تنشط في المنطقة، بالتزامن مع انعقاد الجولة الخامسة لاجتماعات آلية التنسيق الأمني المشتركة في جنيف؛ لمتابعة تنفيذ اتفاق واشنطن للسلام الموقع بين كينشاسا وكيغالي.
وتعد أزمة شرق الكونغو واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في منطقة البحيرات العظمى وإفريقيا في العموم، تعود جذورها إلى تداعيات الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا المجاورة عام 1994.
وتصاعدت حدة القتال في شرق الكونغو خلال العام الماضي، بعدما سيطر تحالف المتمردين “نهر الكونغو/ 23 مارس”، الذي تقول الأمم المتحدة وحكومات غربية إنه يحظى بدعم رواندي، على مساحات واسعة من شرق البلاد، بينما تنفي رواندا تقديم أي دعم للمتمردين.
جذور أزمة شرق الكونغو
منذ السنوات الأولى لاستقلالها عن بلجيكا عام 1960، تعاني جمهورية الكونغو الديمقراطية من غياب الاستقرار السياسي والاجتماعي، وفي منتصف التسعينات شهدت رواندا المجاورة إبادة جماعية نفذها متطرفون من عرقية الهوتو أدت إلى مقتل ما يقدر بنحو مليون شخص من أقلية التوتسي العرقية والهوتو المعتدلين.
في أعقاب هذه الإبادة عَبرَ ما يُقدر بنحو مليوني لاجئ من الهوتو الحدود الكونغولية، استقر معظمهم في مخيمات اللاجئين في مقاطعتي شمال كيفو وجنوب كيفو.
لاحقًا، شكلَّ متطرفون روانديون من مرتكبي الإبادة ميلشيات مسلحة داخل الكونغو، وخططوا لشن هجمات ضد حكومة ما بعد الإبادة في رواندا، التي كان يقودها -الرئيس الحالي- بول كاجامي، وهو من إثنية التوتسي، وسط اتهامات متبادلة بين كينشاسا وكيغالي بإيواء المتمردين حتى اليوم.
بينما يعود التصعيد الراهن إلى صيف 2022، وذلك بعد نحو عقد من الهدوء النسبي، حين سيطرت حركة 23 مارس على مساحات شاسعة في مقاطعة شمال كيفو وتقدمت نحو عاصمتها جوما.
بالتوازي تصاعدت التوترات بين كينشاسا وكيغالي بسبب حركة 23 مارس، إذ كررت الحكومة الكونغولية اتهاماتها لرواندا بدعم الحركة، في وقت دعّم فيه محققو الأمم المتحدة هذا الاتهام مع نفي رواندي متكرر.
وفي يناير 2025 سيطر متمردو 23 مارس على جوما، وهددوا بالتقدم صوب العاصمة كينشاسا مقابل تأهب عسكري كبير للجيش الكونغولي، أدى إلى تعقد المشهد الإقليمي وتوجيه اتهامات من قبل الكونغو الديمقراطية وجنوب إفريقيا لرواندا بدعم المتمردين وإعلان الحرب، لحقه إعلان تحالف المتمردين وقف النار والتراجع عن السيطرة على مزيد من الأراضي.
وفي ديسمبر الماضي، وقعت رواندا والكونغو اتفاق سلام في واشنطن، في إطار مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوسط في السلام وجذب مليارات الدولارات من الاستثمارات الغربية.
لكن بعد أيام من ذلك التوقيع، دخل متمردو 23 مارس مدينة أوفيرا شرق الكونغو، بالقرب من الحدود البوروندية، مجددًا في أكبر تصعيد للحرب منذ أشهر، ثم انسحبوا لاحقًا تحت ضغط أمريكي.
طريق السلام مفروش بالمعادن
شهدت الأشهر الأخيرة حراكًا دبلوماسيًّا نشطًا ومبادرات في رعاية السلام بين الأطراف المنخرطة في شرق الكونغو، مِن قِبَل الولايات المتحدة، وقطر، والاتحاد الإفريقي، ومجموعة دول شرق إفريقيا، ومجموعة التنمية للجنوب الإفريقي “سادك”.
وجاء هذا الحراك عقب انهيار مباحثات توسطت فيها أنجولا –أحد أبرز رعاة جهود السلام في الأزمة الكونغولية– بين كينشاسا والمتمردين، بعد أن انسحب تحالف المتمردين قبل ساعات من انطلاق المباحثات في مارس 2025؛ ردًّا على فرض الاتحاد الأوروبي آنذاك عقوبات على عدد من قادة رواندا والمتمردين، بالتزامن مع ترحيب الحكومة الكونغولية بالعقوبات الأوروبية.
وإلى جانب رواسب ومظالم إثنية تاريخية تعود إلى زمن الإبادة الجماعية في رواندا، أضافت ثروات المنطقة عاملاً محوريًّا في تعقيد الأزمة، خاصةً مع تمتعها بحوالي 80% من احتياطيات معدن الكولتان في العالم، وهو معدن مُهِمّ في صناعة جميع الأجهزة الإلكترونية، إلى جانب الذهب والألماس والكوبالت والمعادن النادرة الأخرى.
وبالتوازي مع الاعتبارات الأمنية، ظهرت أبعاد دولية، لا سيما في ظل التنافس الأمريكي الصيني على الموارد؛ حيث لعبت الشركات الصينية دورًا رئيسيًّا في قطاع التعدين الكونغولي لسنوات، في حين تسعى واشنطن إلى تقليص هذا النفوذ من خلال اتفاقيات مثل “اتفاق المعادن” مع كينشاسا، في إطار أوسع لإعادة تشكيل خارطة النفوذ الاستراتيجي في إفريقيا.

اتفاق واشنطن
وتعزز الحضور الأمريكي في الأزمة مع رعاية الرئيس دونالد ترامب توقيع اتفاق السلام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا في ديسمبر الماضي، بهدف وضع إطار أمني وسياسي لخفض التوترات في شرق الكونغو.
تضمن هذا الاتفاق التزامات متبادلة تشمل تحييد عناصر “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا”، وفصل القوات، كما نص على إنشاء آليات التنسيق الأمني المشتركة التي تمثل مباحثات جنيف جولتها الخامسة، وإنشاء آليات للتحقق من تنفيذ الالتزامات، إلى جانب تعزيز التنسيق الأمني بين كينشاسا وكيغالي، مع استمرار الوساطة الأمريكية بالتعاون مع قطر والاتحاد الإفريقي.
ومنح الاتفاق الولايات المتحدة موطئ قدم اقتصاديًا في واحدة من أغنى مناطق العالم بالمعادن الإستراتيجية، إذ تمتلك شرق الكونغو احتياطيات ضخمة من الكولتان والكوبالت والذهب ومعادن تدخل في الصناعات التكنولوجية والسيارات الكهربائية.
وكان ترامب قد ربط الاتفاق بفرص استثمارية للشركات الأمريكية في قطاع المعادن، معتبرًا أنه يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي واسع بين واشنطن وكل من الكونغو ورواندا.

مباحثات جنيف
خلال يومي الأربعاء والخميس، جددت كيغالي وكينشاسا التزامهما بالمضي قدمًا في تنفيذ اتفاقات واشنطن الرامية إلى إنهاء التوترات الأمنية في شرق الكونغو، وذلك خلال الاجتماع الخامس لآلية التنسيق الأمني المشتركة الذي استضافه مقر البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة في مدينة جنيف السويسرية، بمشاركة الولايات المتحدة وقطر وتوغو بصفتها وسيط الاتحاد الإفريقي، إلى جانب مفوضية الاتحاد الإفريقي.
وأوضح بيان مشترك أن المباحثات ركزت على تعزيز الفهم المشترك للوقائع على الأرض، وقد أكدت الكونغو ورواندا مجددًا التزامهما بالتنفيذ السريع لاتفاقات واشنطن، مع الاتفاق على تسريع الخطوات العملية الخاصة بتنفيذ البنود الأمنية.
وشدد الطرفان على ضرورة الإسراع في تنفيذ الإجراءات المتعلقة بتحييد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، إلى جانب المضي قدمًا في عملية فصل القوات ورفع التدابير الدفاعية المتخذة على جانبي الحدود.
البيان أشار إلى أن تنفيذ هذه الالتزامات يمثل أولوية خلال المرحلة المقبلة، باعتبارها تشكل الركيزة الأساسية لتعزيز الاستقرار وتهيئة الظروف اللازمة لتطبيق اتفاق السلام بصورة كاملة.
وفي إطار تعزيز الثقة بين الطرفين، اتفق المشاركون على دراسة آليات تحقق يمكن أن تسهم في مراقبة تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقات واشنطن.
هذه الآليات تستهدف تعزيز الشفافية والمساءلة خلال مراحل التنفيذ، بما يساعد على متابعة الالتزامات المتبادلة بصورة أكثر فاعلية، لكن لم يحدد البيان طبيعة هذه الآليات أو موعد اعتمادها، مكتفيًا بالإشارة إلى الاتفاق على مواصلة بحث الخيارات المتاحة خلال الاجتماعات المقبلة.
كما تلقى المشاركون خلال الاجتماع إحاطة من بعثة منظمة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (مونوسكو)، ركزت على أنشطة برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
وناقش المشاركون مساهمة البرنامج في دعم أهداف اتفاقات واشنطن، لا سيما ما يتعلق بإعادة عناصر القوات الديمقراطية لتحرير رواندا إلى بلادهم، باعتبار ذلك أحد المسارات المرتبطة بتحقيق الاستقرار في شرق الكونغو.
واتفق الجانبان كذلك على تبادل المعلومات بصورة منتظمة للحفاظ على تقييم مشترك للتطورات الميدانية في شرق الكونغو، بما يعزز التنسيق الأمني خلال تنفيذ الاتفاق.
ووصف البيان اتفاقات واشنطن بأنها تمثل “فرصة تاريخية” لتعزيز الأمن والازدهار لشعوب منطقة البحيرات العظمى، مؤكدًا أن نجاح تنفيذها من شأنه الإسهام في تحسين الأوضاع الأمنية وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا في المنطقة.
مع تأكيد الأطراف المشاركة التزامها بمواصلة تنفيذ عملية السلام، مع الاتفاق على عقد اجتماع جديد خلال الأسابيع المقبلة لتقييم مستوى التقدم المحرز ومراجعة الخطوات التالية في مسار التنفيذ.
عقوبات أممية على أفراد وكيانات
بالتوازي مع اجتماعات جنيف، أعلن مجلس الأمن الدولي، في بيان الخميس، أن اللجنة المعنية بالإشراف على حظر الأسلحة المفروض على جمهورية الكونغو الديمقراطية أضافت ستة أفراد وكيانين إلى قائمة العقوبات.
شملت القائمة كورني نانغا، زعيم تحالف “نهر الكونغو” الذي يضم أيضًا حركة 23 مارس، وجون إيماني نزينزي رئيس جهاز الاستخبارات في الحركة ،وغوستاف كوبوايو، أحد قادة “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا.
كما أدرجت اللجنة تحالف “نهر الكونغو”، وجماعة “تويروانيهو” المسلحة ضمن قائمة الكيانات الخاضعة للعقوبات.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت الشهر الماضي عقوبات على جون إيماني نزينزي وغوستاف كوبوايو، متهمةً إياهما بتأجيج الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، رغم جهود الوساطة التي تقودها واشنطن.
وتشمل عقوبات الأمم المتحدة حظر توريد الأسلحة، وحظر السفر، وتجميد الأصول المالية.
مسارات الوساطة
لم يقتصر التعامل مع أزمة شرق الكونغو على مسار تفاوضي واحد، بل تداخلت خلال العامين الماضيين عدة مبادرات إقليمية ودولية، لكل منها أهداف مختلفة، قبل أن يتحول اتفاق واشنطن إلى الإطار الرئيسي لتنظيم الجهود السياسية والأمنية.
وقادت أنغولا، عبر “مسار لواندا”، جولات متكررة من الوساطة بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، ركزت على خفض التصعيد وإعادة بناء الثقة بين الجانبين، غير أن هذا المسار واجه انتكاسة بعدما انسحب تحالف المتمردين من محادثات كان من المقرر عقدها في مارس 2025، بالتزامن مع فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على عدد من قادة حركة 23 مارس ومسؤولين روانديين.
بالتوازي، واصل “مسار نيروبي” الذي تقوده مجموعة شرق إفريقيا التركيز على الحوار مع الجماعات المسلحة المحلية، بينما عمل الاتحاد الإفريقي على توحيد جهود الوساطة المختلفة من خلال تكليف الرئيس التوغولي فور غناسينغبي بمتابعة الملف، وعقد اجتماعات دورية بمشاركة الأمم المتحدة والتجمعات الإقليمية، منها اجتماع لومي في يونيو الماضي، الذي ناقش سبل تنسيق المبادرات المختلفة وتجنب تداخلها.
كما جاءت قطر وسيطًا في الاتصالات غير المباشرة بين الحكومة الكونغولية وحركة 23 مارس، مستضيفة جولات تفاوض موازية ركزت على الملفات السياسية والأمنية.
في حين دخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة عبر رعاية اتفاق واشنطن الموقع بين كينشاسا وكيغالي في ديسمبر 2025، والذي وضع إطارًا جديدًا لمعالجة الجوانب الأمنية، وفي مقدمتها تحييد عناصر “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا”، وفصل القوات، وإنشاء آليات للتحقق من تنفيذ الالتزامات.
ومع انعقاد الاجتماع الخامس لآلية التنسيق الأمني المشتركة في جنيف، بات مسار واشنطن يمثل الإطار التنفيذي الرئيس لمتابعة تنفيذ الاتفاق، مع استمرار أدوار الوساطة التي تضطلع بها قطر والاتحاد الإفريقي وتوغو، في وقت لا تزال فيه بقية المسارات تشكل مظلة سياسية ودبلوماسية داعمة لجهود احتواء الصراع.
وبينما تمثل العقوبات الأممية واجتماعات جنيف أحدث اختبار لتنفيذ اتفاق واشنطن، فإن نجاح ما تحقق خلال 48 ساعة سيظل مرهونًا بترجمة الالتزامات إلى خطوات ميدانية، في ظل استمرار نشاط الجماعات المسلحة، وتعقيد العلاقات بين كينشاسا وكيغالي، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية في شرق الكونغو.
المصدر: قراءات إفريقية
نرشح لك:
الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية من منظور مقاربة مُرّكب الأمن الإقليمي
الأزمة في شرقي الكونغو: أطماع رواندية ومساومات أمريكية
الصراع في شرق الكونغو.. 4 أسئلة تشرح فرص مباحثات جنيف في تجاوز إرث الدوحة
العقوبات الأوروبية على رواندا ومتمردي 23 مارس.. لغم يفجّر طاولة لواندا!











































