مقدمة:
يحاول هذا المقال تسليط الضوء على المؤتمر البرلماني الإفريقي الرابع حول الأسرة والسيادة والقِيَم، الذي عُقِدَ في مدينة أكرا، عاصمة غانا؛ تعريفًا به، وبتوقيت انعقاده، وبالجهة أو الجهات، التي ظلت تقف خلف انعقاده وتمويله، منذ نسخته الأولى، وتبرير اختيار دولة أوغندا نقطة انطلاق لأنشطة هذا المؤتمر الدوري المهم في الفترة من 2023 إلى 2025. إضافةً إلى التعريف باختصار بالميثاق، الذي اعتمده المؤتمر، وما ترتّب على انعقاد المؤتمر من تداعيات، قادها معارضوه.
انعقد في العاصمة الغانية أكرا في الفترة من 3- 6 يونيو 2026م “المؤتمر البرلماني الإفريقي الرابع حول الأسرة والسيادة والقِيَم”. وقد جمع المؤتمر -الذي نُظِّم تحت شعار “تعزيز التوافق البرلماني: النهوض بالميثاق الإفريقي بشأن القيم الأسرية والسيادة”-، ممثلين عن عشرين دولة إفريقية.
وسعى المؤتمر إلى الدفع قُدمًا بميثاق للأسرة والسيادة والقِيَم؛ من أجل تعزيز التعاون في الدفاع عن الأسرة والهوية الثقافية والسيادة الوطنية. ومِن ثَم يُستشرَف، من خلال حَشْد الدعم الكافي، عَرْضه على الجمعية العامة للاتحاد الإفريقي في فبراير المقبل؛ حيث سيُطرَح للتصويت.
تتمثل روح المؤتمر في أن حلول المشكلات الإفريقية لا يمكن إيجادها إلا من خلال الوحدة الإفريقية؛ إذ لا يمكن حلّ القضايا المُعقَّدة، التي تُواجه القارة مِن قِبَل دولة واحدة، بل تتطلب تعاونًا راسخًا بين البرلمانات، والحكومات، والزعماء التقليديين، والجماعات الدينية، والمعلمين، والمجتمع المدني([1]). وذلك من منطلق أن القِيَم والثقافة الإفريقية تتعرَّض لهجوم من “أيديولوجيات أجنبية”. وأن الأسرة في المجتمعات الإفريقية تحتاج إلى حماية عاجلة.
تتمثل الأهداف الرئيسية لهذا المؤتمر في حماية بنية الأسرة الإفريقية التقليدية، ومقاومة الضغوط الخارجية لتبنّي أجندات يُروّج لها الغرب والشرق تحت مسمى “حقوق الإنسان”، وتعزيز الاكتفاء الذاتي الإفريقي في جميع المجالات. والغاية من ذلك تتمثل في أنه من خلال التوحُّد حول القِيَم التقليدية والأسرية الأساسية؛ تستطيع الدول الإفريقية تشكيل كتلة كبيرة بما يكفي من حيث عدد السكان والموارد، لرفض أيّ أجندة غير مرغوب فيها، تحاول الكتل الغربية أو الشرقية فَرْضها عليها([2]).
توقيت انعقاد المؤتمر:
في البدء لابد من الإشارة إلى أن هذا المؤتمر، في دورته الرابعة، يأتي ضمن سلسلة مؤتمرات في المسار ذاته؛ حيث يعود أصل المؤتمر إلى جهود قادتها شارون سلاتر، ومنظمة “فاميلي ووتش إنترناشونال” الأمريكية، التي جمعت مشرّعين، مثل: سام جورج حول أجندة “القيم الأسرية” في عام 2022م في ولاية يوتا الأمريكية، قبل أن يُنقل المؤتمر إلى أوغندا؛ حيث عُقد من عام 2023 إلى عام 2025م([3]). وسنتعرف لاحقًا على منظمة “فاميلي ووتش إنترناشونال” الأمريكية، باعتبارها المنظمة الحريصة على الدفع بانعقاده وتمويله. وعلى عبقرية اختيار أوغندا منطلقًا لهذه السلسلة من المؤتمرات الدورية.
الأمر المهم أن هذا المؤتمر ينعقد في ظروف بالغة الحساسية، تمر بها قارة إفريقيا بأقطارها المختلفة، لا سيما إفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث يطرح المناخان الغربي والشرقي تعريفًا جديدًا للأسرة، يخالف الفطرة السليمة. وفي السياق ذاته يتم الترويج للتكيُّف مع مجتمع الشواذ بحقوق الاعتراف به، وإباحة المثلية الجنسية والتحول الجنسيّ، وحقوق للمرأة في التصرف بجسدها. إضافة إلى إتاحة خدمات الإجهاض، والدعوة لممارسة الجنس في التربية الجنسية، وغيرها من الممارسات، التي تُعدّ دخيلة على مجتمعات القارة الإفريقية.
من وراء المؤتمر؟ ولماذا تم اختيار أوغندا نقطة لانطلاقه؟
تمَّت الإشارة قبل قليل إلى أن منظمة “فاميلي ووتش إنترناشونال” الأمريكية هي التي تقف وراء انعقاد هذا المؤتمر. وتفصيلًا لذلك نشير إلى أن هذه المنظمة، هي منظمة ضغط مسيحية، مقرها ولاية أريزونا، تُعارض الإجهاض، وتُدير حملة مناهضة للاستغلال الجنسي للأطفال. وقد زعمت شارون سلاتر، المؤسسة المشاركة لـ”فاميلي ووتش إنترناشونال”، -مرارًا وتكرارًا- أن الأمم المتحدة، والدول المانحة الغربية، تفرض “أجندة متطرفة للحقوق الجنسية”. وذلك وفقًا لما تورده منظمة “إيباس” الدولية المعنية بالحقوق الإنجابية، ومقرها الولايات المتحدة، التي اعترفت بأن المؤتمرات السنوية، التي ظلت تعقدها البرلمانيات الإفريقية حول الأسرة والسيادة والقِيَم، ظلت مدعومة مِن قِبل “فاميلي ووتش إنترناشونال”([4]).
وأغلب الظن أن منظمة “فاميلي ووتش إنترناشونال”، بدأت انطلاقة هذه المؤتمرات من دولة أوغندا، ليس اعتباطًا، ولكن لأن هذه الدولة الإفريقية عُرفت جهرًا بتجريمها لما يطرحه المناخان الغربي والشرقي من محاولات لنقل الشذوذ الجنسية والتحوُّل الجنسي، وما شابَه ذلك من مستجدات، لم تكن تعرفها المجتمعات على مستوى المعمورة، وإفريقيا على وجه الخصوص.
ويُضاف في هذا السياق أن هذا المؤتمر، قَيْد الدراسة، على الرغم من خصوصيته الإفريقية، إلا أنه تأثر بشكل كبير بدعم جهات محافظة أجنبية، بما في ذلك منظمة “فاميلي ووتش إنترناشونال” في الولايات المتحدة، و”المجلس المسيحي الدولي”، وهي منظمة مقرها هولندا بقيادة هينك يان فان شوتورست([5]). ويُفهَم من ذلك أن أجندة بعض المنظمات الغربية (بالذات ذات الطابع الكنسي)، -وهنا يمثلها النموذجان الأمريكي والهولندي- تتماهى مع المصلحة الإفريقية في مناهضة، ما أسميناه سابقا بـ “أيديولوجيات أجنبية”؛ أخذت تغزو أقطار القارة، وتطرح مفاهيم دخيلة على ثقافات تلك الأقطار.
اعتماد ميثاق الأسرة والسيادة والقِيَم:
تجدر الإشارة هنا إلى أن المندوبين المشاركين في المؤتمر البرلماني الإفريقي الرابع حول الأسرة والسيادة والقيم، اعتمدوا “ميثاقًا للأسرة والسيادة والقِيَم”. ويهدف هذا الميثاق إلى حماية بنية الأسرة الإفريقية التقليدية، ومقاومة الضغوط الخارجية. ويرتكز على أنه من خلال التوحُّد حول القِيَم التقليدية والأسرية الأساسية، تستطيع الدول الإفريقية تشكيل كتلة كبيرة، بما يكفي من حيث عدد السكان والموارد، لرفض أيّ أجندة غير مرغوب فيها، تحاول الكتل الغربية أو الشرقية فَرْضها عليها([6]).
تورد بعض التقارير أن هذا الميثاق، الذي تقف من ورائه جماعات محافظة دولية، مثل: منظمة “فاميلي ووتش إنترناشونال”، وبترويج مكثّف من الحكومة الأوغندية-، يهدف واضعوه إلى إقناع الحكومات الإفريقية بالتوقيع عليه. وأن مشروع هذا الميثاق يقع ضمن التيار العالمي الحالي نحو اليمين، الذي يُعطي الأولوية للقومية، وسياسات الهجرة الأكثر صرامة. ويُقدَّم الميثاق على أنه جهد لحماية الأسرة، ويحثّ الحكومات على تبني إجراءات تتمثل في: معارضة التثقيف الجنسي الشامل. ورفض أجندة الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، وخاصة الإجهاض. وترسيخ السيادة الإفريقية على الصحة والغذاء والتعليم والتنمية الاقتصادية والحفاظ على القيم والتقاليد الثقافية الإفريقية([7]).
ينص مشروع الميثاق، في سياق الصحة والحقوق الإنجابية، من بين أمور أخرى، على أنه لا ينبغي للدول الإفريقية التصديق على أيّ اتفاقيات تُشير إلى الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية. كما يدعو إلى إلغاء التثقيف الجنسي الشامل، وأيّ شكل من أشكال خدمات الإجهاض. ويشجّع مشروع الميثاق الدول على تعريف جميع المصطلحات، ذات الصلة لاستبعاد أيّ حق في الإجهاض بشكل واضح([8]).
تدعو مسودة الميثاق، في إطار التربية الجنسية الشاملة، إلى التركيز على الامتناع عن ممارسة الجنس في التربية الجنسية، بحجة أن التربية الشاملة ستُضفي طابعًا جنسيًّا على الأطفال الأفارقة، وتُقوّض براءتهم، وتنتهك حقوق الوالدين. إضافة إلى ذلك في ما يخص تعريف الأسرة؛ يقدم مشروع الميثاق تعريفًا لها ينص على أن الأسرة تُعرف بأنها قائمة على الزواج بين رجل وامرأة([9]).
صفوة القول: إنه بعد أن تُوِّجت أعمال المؤتمر باعتماد الميثاق الإفريقي حول قِيَم الأسرة والسيادة بعد سلسلة من المشاورات والمداولات بين الوفود المشاركة؛ تم التوافق في ختام أعمال المؤتمر على إسناد تنظيم الدورة الخامسة للمؤتمر إلى بوركينا فاسو خلال شهر مايو 2027م، فيما ستحتضن إسواتيني الدورة السادسة خلال شهر أغسطس من السنة نفسها، بما يضمن استمرارية هذا الإطار البرلماني الإفريقي المخصص لتعزيز قِيَم الأسرة والسيادة، وتبادل التجارب والخبرات بين الدول الإفريقية([10]).
تداعيات المؤتمر: تضارب الأجندات في عالم متغير
بالنظر لحساسيات الموضوعات المطروحة في هذا المؤتمر، إضافة إلى انعقاد مؤتمر في غانا في شأنٍ ليس ببعيد عن أجندة المؤتمر قيد الدراسة، قبل أسبوع فقط من انعقاد هذا المؤتمر؛ تم فيه إقرار برلمان غانا أحد أشدّ القوانين المناهضة للشاذين جنسيًّا في القارة، وهو قانون يُجرِّم الترويج للشواذ والمتحولين جنسيًّا. بالنظر إلى ذلك وغيره، ويتوقع أن يُلقي هذا المؤتمر بظلاله على المستوى الداخلي والخارجي، لا سيما أن أجندته تتقاطع مع أجنداتٍ، من مصلحة أصحابها فرض توجهات، تتعارض مع المطروح في الميثاق، الذي تم اعتماده.
كلمة أخيرة:
يظل المؤتمر البرلماني الإفريقي الرابع حول الأسرة والسيادة والقِيَم واحدًا من الفعاليات ذات الثِّقل التي تطرح قضايا القارة الملحة، في ظل عالم متغير، يحاول فيه الغرب والشرق يدًا بيد فرض أجنداتهم على الشعوب الإفريقية، استغلالًا لحالة السيولة على مستوى الأمن والاقتصاد، التي تَمُرّ بها أعداد معتبرة من أقطار إفريقيا. وبغَضّ النظر على قدرة إفريقيا في مواجهة ما يُطرَح على مستوى إباحة الشذوذ، والتحول الجنسي، والتكيُّف مع مجتمع الشواذ، وتقديم مفهوم جديد للأسرة لا تقبل به الفطرة السليمة، وما شابَه ذلك؛ فإنه يُعوّل كثيرًا أن يزداد رَفْض تلك المفاهيم المستوردة، تدريجيًّا، وأن تُسَنّ تشريعات تُجرّمها، وتقف سدًّا مانعًا للترويج لها.
……………………………………………
[1] The 4th African Inter-Parliamentary Conference on Family, Sovereignty and Values, in: https://www.parliament.gh/news?CO=297
[2] Africa’s family charter: a Catholic view, in: https://thecatholicherald.com/article/africas-family-charter-a-catholic-view
[3] ‘Imported hate’ is on the agenda for today’s African anti-gay conference, in: https://76crimes.com/2026/06/03/rightify-on-african-value-conference
[4] Family values’ African charter condemned by rights groups as in: https://www.theguardian.com/global-development/2026/jun/05/ghana-african-charter-family-values-gender-women-sex-lgbtq-reproductive-rights
[5] , Op. cit.‘Imported hate’ is on the agenda for today’s African anti-gay conference
, Op. cit. [6] Africa’s family charter: a Catholic view
[7] A draft African charter on ‘family values’ is on the cards: why it’s flawed and dangerous, in: https://theconversation.com/a-draft-african-charter-on-family-values-is-on-the-cards-why-its-flawed-and-dangerous-282423
[8] Ibid.
[9] Ibid.
[10] السيد محمد غيات نائب رئيس مجلس النواب يدعو في أكرا إلى ميثاق إفريقي أكثر توافقًا وتوازنًا حول الأسرة والسيادة، على الرابط: https://www.chambredesrepresentants.ma/ar/Ghayate060626










































