بعد صعود رئيس الوزراء أبي أحمد في 2018، بدا أن المشهد السياسي في إثيوبيا قد تغيَّر، مما أثار تفاؤلًا واسع النطاق على الصعيدين المحلي والدولي بخصوص قدرته على قيادة انتقال ديمقراطي حقيقي في إثيوبيا.
لكنّ تقييم المشهد بعد 2018 يكشف بكل وضوح عن استمرار متتابع لصعود السياسات الاستبدادية لنظام آبي أحمد. ومع أن حزب الشعب حلّ محل الجبهة الشعبية الديمقراطية الثورية الإثيوبية، وقدم الفلسفة السياسية المعروفة باسم الميديمر (التآزر)؛ فإن هذا التغيير لم يزل الجهاز القمعي للدولة. لقد استمرت الإدارة في قمع التعددية السياسية، وقمع الحريات المدنية، وسجن قادة المعارضة بموجب قوانين مُقيّدة.
وهكذا، انتقلت صورة رئيس الوزراء الإثيوبي من التبشير بدور القائد التاريخي لتحقيق السلام والاستقرار في إثيوبيا وإقليم القرن الإفريقي بعد وصوله للسلطة في العام 2018، إلى صورة الحاكم المستبدّ الذي يكتسب نظامه يومًا بعد آخر طابعًا إمبراطوريًّا بحسب وصف الإيكونومست (نهاية مايو الماضي)، كما تبدَّل الاحتفاء الغربي بآبي أحمد، ومنحه جائزة نوبل للسلام في مقتبل حياته السياسية تكريمًا لمنجزات لم تتم بالفعل، إلى الإشارة له على أنه لا يُمثّل تهديدًا لاستقرار بلاده فحسب، بل لمجمل إقليم القرن الإفريقي. وبالتالي مثَّلت هذه الفترة انتقالًا نحو “استبداد انتخابي غير متكافئ”، بدلًا من عملية ديمقراطية ناجحة، ويخشى مراقبون من أن تمثل الانتخابات الأخيرة (1 يونيو 2026) مجرد حلقة جديدة في هذا المسار.
ما بعد الانتخابات: نمو الصراع؟
شهد اليوم الأول من إجراء الانتخابات الإثيوبية (1 يونيو) أعمال عنف وعدوان على ممتلكات المواطنين (مثل الاعتداء على أكثر من 200 موقع من ممتلكات الكنيسة الأرثوذوكسية في منطقة آرسي Arsi بإقليم أوروميا). وفي التوقيت نفسه هدّدت حركة فانو القومية بإقليم الأمهرا بزعزعة سلامة عملية الانتخابات في إقليم الأمهرا عبر عمليات مثل إغلاق الطرق، ما دفَع الحكومة إلى المبادرة بمنع السيارات من الحركة في طرق الإقليم في يوم الانتخابات، غير أن “فانو” بادرت بالفعل بشنّ ما وصفتها بعملية Operation Ayisha Seid، والتي أدَّت إلى وقوع ما لا يقل عن 90 اشتباكًا مع قوات الأمن الفيدرالية في أرجاء الإقليم.
ويطالب مراقبون إثيوبيون (Ethiopia Insight, June 13, 2026) بتبنّي حكومة آبي أحمد الجديدة ما أطلقوا عليه “إعلان السلام كخيار إستراتيجي”، لا سيما مع إنهاك المواطنين بالحرب المستمرة. ولفت هؤلاء إلى حاجة مثل هذه الخطوة لشجاعة ورجال دولة، وقادة يرغبون في استيعاب الأعباء السياسية مقابل تحقيق استقرار بعيد الأجل. وتحتاج إثيوبيا لمثل هذه القيادة بشكل مُلِحّ، الأمر الذي يبدو من سياقه استبعادًا للقيادات السياسية الإثيوبية الجالية، وفي مقدمتها آبي أحمد.
وفي المقابل ترى قطاعات من الحكومة الفيدرالية (15 يونيو) أنها ماضية في طريق الإصلاحات التي أطلقتها، بقيادة آبي أحمد، منذ ثمانية أعوام، وأنها قادرة على تجنُّب سيناريو الصراع في البلاد، وذلك عبر ديناميات مثل توسيع بيئة التعاون المدني، وتمكين منظمات المجتمع المدني من الانتقال من المواجهة إلى الشراكة البنَّاءة مع الحكومة.
على أيّ حال؛ فإن الأزمات الأمنية والسياسية المتلاحقة في إثيوبيا لا تُوحي بمستقبل مستقر للبلاد، أو بتراجع قبضة آبي أحمد الأمنية المحكمة على قوى المعارضة السياسية على الأقل. ومما يؤكد اتجاه الأمور نحو تصعيد سياسي وأمني في ظل ولاية آبي أحمد الجديدة تعهُّد قادة جبهة تحرير التيجراي في يونيو 2026 بمقاومة سلطة آبي أحمد؛ مما يثير تكهنات بتجدد الصراع الذي ضرب البلاد لمدة عامين كاملين (حرب التيجراي نوفمبر 2020 وحتى نوفمبر 2022). ويؤكد هذا التصعيد ما يراه مسؤولون في حكومة آبي أحمد من وجوب عدم نظر المجتمع الدولي “لادعاءات” جبهة تحرير التيجراي الشعبية، وأن سكان الإقليم هم ضحايا سياسات آبي أحمد، “مع التقليل من حجم مسؤوليتهم عن الحرب” وتصاعد التوتر بشكل مزمن.
تحالف تسيمدو Tsimdo: تصعيد أم تراجع؟
ظهر تحالف سياسي واسع بين مناوئي نظام آبي أحمد، وحمل اسم “تسيمدو” Tsimdo والتي تلخص باللغة التيجرانية أفكار الترابط والتعاون والتفاهم المتبادل، على نحوٍ يُمثّل رؤية مقابلة لأفكار آبي أحمد عن التآزر. ورغم أنه ليست هناك معلومات مفصَّلة أو موثوقة بشكل رسمي عن هذا التحالف وأهدافه وبنيته، ويؤكد الإريتريون أن “التحالف” سياق لتعزيز الارتباطات بين الشعبين الإريتري والإثيوبي.
ويرى المسؤولون في نظام آبي أحمد أن هذا التحالف السياسي المعروف باسم تسيمدو (والممتد بين إقليم التيجراي وإريتريا وبعض الجيوب في أقاليم إثيوبية أخرى) هو تحالف سري يربط الفاعلين الإريتريين والمتشددين بجبهة تحرير تيجراي الشعبيية وغيرهم من مناوئي الحكومة الفيدرالية. وبات “التحالف” التهديد الأمني الأكبر لنظام آبي أحمد ومحددًا رئيسيًّا في مستقبل اتفاق بريتوريا. وتم تداول تسمية “تسيمدو” وسط الدوائر السياسية والأمنية الإثيوبية بشكل مكثف منذ نهاية العام الماضي، وتجدد هذا الاهتمام في يونيو الجاري على خلفية التوجس من إحكام آبي أحمد قبضته على مفاصل الدولة سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا في الفترة المقبلة، وتحويل مشروعه الوطني إلى أداة لمزيد من القمع والهيمنة على مكونات المجتمع الإثيوبي. وعبَّر الفيلدمارشال بيرهانو جولا B. Jula، رئيس قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، في يونيو الجاري عن مخاوف نظام آبي أحمد من تسيمدو خلال حفل تخرج عسكري بإصدار تحذير قوي مما وصفه بـ”التحالف الخطر الذي يعمل ضد مصالح إثيوبيا الوطنية”. ويرى مسؤولون إثيوبيون أن تسيمدو يضم عناصر مسلحة تمتد من جبهة تحرير التيجراي إلى القوات المسلحة السودانية إلى عناصر عسكرية من إريتريا، وقد وحَّدتهم جميعًا رؤيتهم لحكومة أديس أبابا الفيدرالية، مع تأكيد عدد من المراقبين على صعوبة وصف التحالف بأنه “تحالف رسمي”.
ويثير الحديث عن تعزيز تسيمدو أنشطته في الآونة الأخيرة مخاوف جديدة، واحتمالات بقدرته على إحداث معارضة قوية لحكومة أديس أبابا في ظل ما يُؤكّده بعض المسؤولين في إقليم التيجراي من أن التحالف له جذور تاريخية، “وأن هدفه الرئيس هو تفكيك إثيوبيا”.
سياسات آبي أحمد الخارجية: إعادة إنتاج الفوضى
يدخل آبي أحمد ولايته الجديدة وهو مُحاط بأزمات إقليمية متلاحقة، وأغلبها من صُنع يده أو نتيجة لخياراته الصفرية منذ وصوله للسلطة، ولا توجد في يده ورقة محسومة، بحسب مراقبين إثيوبيين، سوى ورقة سد النهضة الذي تم تدشينه رسميًّا في 9 سبتمبر 2025، مما جعل إثيوبيا القوة المهيمنة على منابع النيل الأزرق للمرة الأولى في التاريخ. ويمكن تلمُّس أهم ملفات آبي أحمد الإقليمية في فترة إدارته الجديدة على النحو التالي:
1-ملف سد النهضة:
تدور تقارير أخيرة حول إطلاق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قنوات اتصال جديدة مع حكومة آبي أحمد لتنشيط ملف التفاوض مع مصر في ملف سد النهضة في الفترة المقبلة. أخذًا في الاعتبار امتلاك القاهرة مجموعة من الأوراق التي نجحت في حَشْدها في العامين الأخيرين؛ فقد كان ردّ مصر تجاه مناورات آبي أحمد في الملف هو نقل الصراع. فالقاهرة ظلت عاجزة عن فك الحصار دبلوماسيًّا، لذا نقلت الصراع إلى الجبهة التي تُعرّض إثيوبيا للخطر؛ ألا وهو منع إثيوبيا من الوصول لمنفذ بحري مهما كانت تكلفة هذا الجهد المصري. فإثيوبيا دولة حبيسة، وتمرّ نحو 90% من تجارتها عبر جيبوتي بتكلفة 1.5 مليار دولار سنويًّا. وهي لا تملك أسطولًا بحريًّا، ولا ميناءً سياديًّا. وقد وُقّعت مذكرة التفاهم مع أرض الصومال في يناير 2024 -والتي تنص على مقايضة الاعتراف الدبلوماسي بعقد إيجار لمدة 50 عامًا على ساحل قرب بربرة-، وسط احتفالات كبيرة، ثم انهارت تحت ضغط الوساطة التركية. وقد أضفى إعلان أنقرة في ديسمبر 2024 الطابع الرسمي على هذا التراجع. وتوقفت المفاوضات الفنية بحلول أبريل 2025، ولم تُستأنف منذ ذلك الحين، مع ملاحظة مستويات التقارب المصري-التركي غير المسبوق منذ العام 2011 تقريبًا.
2-الوصول لمنفذ بحري:
يتصل هذا الملف بملف سد النهضة كما أوضحنا؛ ومع ملاحظة انتهاج أديس أبابا، في تلك المرحلة الانتقالية الممهدة لولاية جديدة لآبي أحمد، لغة دبلوماسية هادئة في ملف “الوصول للبحر الأحمر، كما اتضح مؤخرًا في تأكيد وفد إثيوبي رفيع المستوى (برئاسة جيرما بيرو Girma Birru مستشار آبي أحمد) خلال وجوده في واشنطن مؤخرًا على لسان الناطق باسم الخارجية الإثيوبية نيبيات جيتاتشو Nebiat Getatchew أن “موقف إثيوبيا يقوم على وجوب أن يتحقق الوصول للبحر الأحمر عبر مقاربة دبلوماسية سلمية”، فإن جهود الأولى على الأرض تكشف عن نهج برغماتي بكل الوسائل الممكنة بما فيها التنمّر على سيادة دول الجوار (بما فيها السودان) من أجل جعل خيار منح إثيوبيا منفذًا بحريًّا سياديًّا مفتاحًا لحل للكثير من القضايا الحالية التي تُواجه دول القرن الإفريقي وعلاقاتها بدول من مثل مصر.
3-الأزمة في السودان:
يُتوقع تصعيد التدخل الإثيوبي في ملف أزمة السودان بمقاربة احتواء الأطراف المتصارعة، وممارسة الضغوط عليها عندما يحين الوقت المناسب (مثل: استضافة القوى المدنية ومنها قطاع كبير داعم لميليشيات الدعم السريع بمستويات متفاوتة، وادعاء الوقوف في صف مؤسسات الدولة السودانية ووحدة البلاد). ومع بدء آبي أحمد ولايته الجديدة تتزايد اتهامات الخرطوم له بالتدخل العسكري واللوجستي في الحرب الجارية في السودان لصالح الدعم السريع؛ وهي الاتهامات التي عززتها تقارير دولية محايدة كان من آخر تقرير عن جامعة ييل Yale (مطلع يونيو الجاري)، الذي أعده فريق من الباحثين بمعمل البحوث الإنسانية في كلية الصحة العامة Yale School of Public Health’s Humanitarian Research Lab (HRL) وتوصل إلى “وجود سلسلة لوجستيات عسكرية داخل إحدى قواعد قوات الدفاع الوطني الإثيوبية؛ حيث يتم باستمرار تعديل العربات المدنية (أخذًا في الاعتبار نقل الإمارات لشحنات ضخمة من العربات المدنية في الشهور الأخيرة إلى اليمن وإقليم أرض الصومال وغيرهما من المواقع المختلفة)، وتسليحها ودهانها قبل نقلها لقوات الدعم السريع في السودان” (10 يونيو 2026).
4- الحرب مع إريتريا
تتبنّى إدارة آبي أحمد رؤية أن الحرب مع إريتريا ستحدث إن آجلًا أم عاجلًا، وأن “أسمرا” تحشد قواتها استعدادًا لمثل هذه الحرب؛ وبغضّ النظر عن مدى دقة هذه الرواية الإثيوبية فإن خيار التلويح بتهديد الحرب مع إريتريا يظل ورقة دائمة في يد نظام آبي أحمد؛ إما لتهديد مناوئيه في الداخل، أو لتعزيز موقف بلاده التفاوضي في الملفات الإقليمية كافة؛ ومن بينها سد النهضة وتعظيم تهديدات ما تعتبره أديس أبابا “تحالفًا” إريتريًّا مع كل من مصر والسودان يستهدفها في المقام الأول.
إجمالًا، يمكن تصوُّر رؤية آبي أحمد لإعادة إنتاج الفوضى محليًّا وإقليميًّا خيارًا مثاليًّا لإدارته للاستمرار، وتعظيم مكاسبها من التناقضات ذات الصلة، وكسب مواقف أطراف دولية وإقليمية مؤيدة لخيارات الفوضى في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وحوض النيل. وستتضح المؤشرات الدالة على هذه الخيارات مع بدء آبي أحمد إدارته الجديدة وأُفق نزوعه لاستكمال تصوراته الشخصية لمستقبل إثيوبيا والإقليم المحيط بها.










































