استجابةً لأمر الصحة العامة الجديد الصادر عن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا، وأجندة الاتحاد الإفريقي 2063؛ يتزايد الإدراك بأن البحث والتطوير في مجال الصحة ليسا منفعة عامة فحسب، بل هما أيضًا مُحرّك للنمو الاقتصادي والمرونة. وانطلاقًا من هذا، أُجريت دراسة على مستوى القارة بهذا الشأن، تهدف إلى توليد أدلة خاصة بإفريقيا حول العائد على الاستثمار في القطاع الصحي، لتعزيز جدوى الاستثمار، وإثراء إستراتيجيات التمويل المستقبلية، وقرارات السياسات، والتفاعل مع رؤوس الأموال المحلية والخاصة.
حيث يُعدّ التحوّل نحو اقتصاد قائم على المعرفة أمرًا جوهريًّا. ويشمل ذلك بناء القدرات المحلية في مجالات البحث والابتكار والتصنيع المحلي. وسيكون تعزيز هذه القُدرات أمرًا بالغ الأهمية لتلبية الطلب المتزايد على الوظائف والخدمات والمنتجات.
تُبيِّن الدراسة كيف أن زيادة الاستثمارات في البحث والتطوير الصحي في إفريقيا ستخدم كلًّا من هذه الأولويات الرئيسية، وتُبشِّر بأن تكون محركًا للنمو الاقتصادي وتحسين الصحة العامة. بالإضافة إلى تقديم أدلة اقتصادية كلية جديدة، كما تُسلِّط الضوء أيضًا على رؤى قيِّمة من مجتمع المستثمرين الاجتماعيين والمؤثرين في إفريقيا.
وقد تناولنا ذلك بالتحليل من خلال عدة محاور رئيسية، مع إبراز نماذج بارزة في هذا السياق من خلال:
أولًا: إفريقيا نحو السيادة الصحية.
ثانيًا: الاستثمار في البحث والتطوير الصحي… أفق جديد للنمو الاقتصادي.
ثالثًا: الأثر الاقتصادي للاستثمار في البحث والتطوير الصحي.
رابعًا: إطلاق العنان للاستثمار: ما الذي يجب بناؤه؟
خامسًا: الفرص: ما تملكه إفريقيا ولا يملكه غيرها؟
سادسًا: دعوات للعمل: حوّل الطموح إلى استثمار
أولًا: إفريقيا نحو السيادة الصحية
تتحمّل إفريقيا ما يُقدّر بنحو 25% من عبء الأمراض في العالم. وتؤثر أمراض مثل الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، بالإضافة إلى قائمة طويلة من الأمراض المدارية، على مئات الملايين من سكان القارة سنويًّا. ومع ذلك، لا تمثل إفريقيا سوى جزء ضئيل من الإنفاق العالمي على البحث والتطوير في مجال الصحة، والذي يُسهم في إنتاج الأدوية والتشخيصات واللقاحات اللازمة لمكافحة هذه الأمراض. يُؤدي هذا إلى مشكلتين: أولًا، لا تجذب الأمراض الأكثر انتشارًا في إفريقيا دائمًا تمويلًا للبحوث، لأن تطوير المنتجات يتم في البلدان التي تُحقق عوائد تجارية. وعندما تحدث إخفاقات في السوق، لا يُسدّ النقص إلا من خلال الاستثمارات العامة والخيرية. ثانيًا، تفقد القارة العوائد الاقتصادية التي يُحققها الاستثمار في البحث والتطوير. فالوظائف وبراءات الاختراع وانتشار المعرفة ورأس المال الخاص الذي يتبع التمويل العام، تذهب إلى البلدان المُستثمرة، وليس إلى البلدان التي تستخدم المنتجات في نهاية المطاف.
يُكبّد نقص الاستثمار إفريقيا تكاليف باهظة: ضغوط على المالية العامة، وهجرة الكفاءات، والاعتماد على استيراد الأدوية والتشخيصات، وتدهور الموازين التجارية، وضياع فرص في مجال التكنولوجيا الصحية.
كشفت جائحة كوفيد-19 عن اعتماد إفريقيا على التصنيع العالمي مما جعل سكانها عُرضة للخطر. أدرك القادة الأفارقة لأول مرة ضرورة تغيير هذا الوضع، ولذا يدعو النظام الصحي العام الجديد الصادر عن مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا بجرأة إلى السيادة الصحية من خلال زيادة التصنيع المحلي.
في ظل انهيار البنية التحتية الصحية العالمية، كانت الاستثمارات في البحث والتطوير الصحي العالمي مدفوعة إلى حد كبير بالتمويل العام والخيري من الدول ذات الدخل المرتفع. حقّق هذا الاستثمار عوائد استثنائية؛ فقد أظهرت دراسة أجريت عام 2024 أن كل دولار يُستثمَر في البحث والتطوير للأمراض المهملة لديه القدرة على تحقيق عائد بقيمة 405 دولارات في مجال الصحة والمجتمع. واللافت للنظر أن 90% من الفوائد الاقتصادية لهذا الاستثمار، من وظائف تتطلب مهارات عالية، وقدرات علمية، ونمو صناعي، بقيت في البلدان التي موَّلته.
ومن بين 20,825 ألف تجربة سريرية بدأت في جميع أنحاء العالم عام 2023، أُجريت 819 تجربة فقط (4%) في الدول الإفريقية. ورغم أن إفريقيا تتحمل العبء الأكبر من الأمراض في العالم، إلا أنها لا تنتج سوى جزء ضئيل من العلوم اللازمة لمعالجة هذه الأمراض، مما يجعلها مستهلكة بدلًا من منتجة في اقتصاد البحث والتطوير الصحي العالمي. تُصمَّم وتُختَبَر وتُصنَّع الأدوية المُخصَّصة للأمراض التي تُصيب المرضى الأفارقة، والتي قد لا تُراعي بالضرورة الأولويات المحلية، في أماكن أخرى، وغالبًا دون مراعاة كافية لتنوُّع السكان، والوضع الوبائي المحلي، وتحديات النظم الصحية.
إلا أن السياق يتغيّر الآن بسرعة. فمنذ عام 2025، كشفت التغييرات الكبيرة في بيئة التمويل، والناجمة عن تخفيضات التمويل من حكومات البلدان ذات الدخل المرتفع، عن هشاشة هيكلية لنظام البحث والتطوير الصحي العالمي القائم على التبعية الخارجية. وتُشير أحدث الأرقام الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن تمويل المساعدات من لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لها انخفض بنسبة 23.1% بالقيمة الحقيقية في عام 2025 مقارنةً بالعام السابق، أي بخسارة قدرها 40.3 مليار دولار، أو ما يقرب من خُمس ميزانية المساعدات لعام 2024 البالغة 214.6 مليار دولار، في عام واحد. يُعدّ هذا أكبر انكماش سنوي مُسجّل في تاريخ المساعدات الإنمائية الرسمية؛ حيث أعادها إلى مستواها الذي كانت عليه في بداية خطة التنمية المستدامة لعام 2030. ولا يقتصر هذا التحوّل على الصحة فحسب، بل يعكس انتقالًا أوسع نطاقًا من الاعتماد على المعونة إلى السيادة الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، يتزايد الزخم السياسي. فقد حفّزت أجندة لوساكا لعام 2023 التزام مؤسسات الصحة العالمية بتنسيق جهود البحث والتطوير والتصنيع التي تُعطي الأولوية للاحتياجات الإفريقية. كما حشدت مبادرة أكرا لإعادة الضبط لعام 2025 مجتمع الصحة العالمي لدعم إستراتيجيات استثمارية بقيادة محلية لمنطقة إفريقيا جنوب الصحراء. تشمل التطورات الأخيرة في إدارة الصحة على مستوى القارة تعزيز التنسيق بين مؤسسات مثل وكالة الأدوية الإفريقية، ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، والمركز الإفريقي لمكافحة الأمراض. وتدعو أوراق نقاشية بتكليف من مؤسسة ويلكوم لإعادة تصور بنية صحية عالمية مُصلحة إلى إنشاء منصات إقليمية للبحث والتطوير، وتوفير التمويل بما يتماشى مع الأولويات التي تحددها الدول. وتُحدد الخطة الإستراتيجية للمركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها للفترة 2023- 2027: تعزيز البحث والابتكار في مجال الصحة كمحرّك رئيسي للتحول الاقتصادي. كما تُسلط الضوء على منصات تنسيق البحث والتطوير على مستوى القارة، وتعبئة التمويل المحلي والمختلط، ووضع دراسة جدوى استثمارية للبحث والتطوير في مجال الصحة، باعتبارها عوامل تمكين حاسمة للتحول من قطاع صحي استهلاكي في الغالب إلى قطاع يُحقق عوائد اقتصادية.
مع توافر الأدلة والحوافز والمسارات الاستثمارية المناسبة، يُمكن لتوسيع نطاق البحث والتطوير في مجال الصحة في إفريقيا أن يُحقق أكثر بكثير من مجرد تحسين النتائج الصحية. يمكن أن يدفع ذلك النمو الاقتصادي، ويخلق فرص عمل ذات قيمة عالية، ويحفّز الاستثمار الخاص، ويقلل الاعتماد على الواردات على المدى الطويل، ويُعيد تموضع الدول الإفريقية كمنتجة بدلًا من مستهلكة في اقتصاد الصحة العالمي. ويتطلب تحقيق هذه الفرصة دراسة جدوى استثمارية موثوقة وقائمة على الأدلة للانتقال من الالتزامات السياسية إلى إجراءات من جانب الوزارات والمستثمرين المحليين وحاملي رؤوس الأموال الإقليميين.
يهدف هذا التقرير إلى تقديم دراسة الجدوى الاستثمارية، المتوافقة مع أجندة إصلاح الصحة في إفريقيا والمصمَّمة لدعم التحوُّل نحو أنظمة صحية ممولة ذاتيًّا وذات سيادة وقادرة على الصمود. كما يقدّم الأدلة الاقتصادية اللازمة لترجمة الطموح السياسي إلى إستراتيجيات استثمارية قابلة للتنفيذ. ومن خلال تحديد العائدات على البحث والتطوير في مجال الصحة، يدعم التقرير قرارات التمويل المحلية. ويعيد صياغة البحث والتطوير في مجال الصحة باعتباره أصلًا اقتصاديًّا سياديًّا بدلًا من كونه نشاطًا مدفوعًا مِن قِبَل المانحين، ويطرح الحجة للاستثمار الإقليمي في الأنظمة اللازمة لبناء اقتصاد ابتكار صحي مستدام ذاتيًّا في إفريقيا.
ثانيًا: الاستثمار في البحث والتطوير الصحي… أفق جديد للنمو الاقتصادي
يُحفّز البحث والتطوير في مجال الصحة النمو الاقتصادي، ويخلق فرص عمل تتطلب مهارات عالية، ويبني القدرات المؤسسية اللازمة للمنافسة في الأسواق العالمية. ومع ذلك، لا تزال إفريقيا تعاني من نقص حاد في تمثيلها في مجال البحث والتطوير العالمي. فعلى الرغم من أن سكانها يُمثلون حوالي 19% من سكان العالم، إلا أن حصتها في الاستثمار العالمي في البحث والتطوير لا تتجاوز 1.1%. وتُعدّ هذه الفجوة اقتصادية أيضًا. فالدول التي تستثمر في البحث والتطوير تنمو بوتيرة أسرع، وتخلق فرص عمل تتطلب مهارات عالية، وتجذب رؤوس الأموال الخاصة، وتبني القدرات التكنولوجية اللازمة للمنافسة في الأسواق العالمية. ويعني نقص الاستثمار في إفريقيا أنها تُفوّت كل هذه العوائد عامًا بعد عام. وقد أقرّ الاتحاد الإفريقي بذلك في عام 2007، داعيًا الدول الأعضاء إلى استثمار ما لا يقل عن 1% من الناتج المحلي الإجمالي في البحث والتطوير.
وبعد ما يقرب من عقدين من الزمن، بلغ متوسط القارة 0.45%، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 1.7%. يستثمر أقل من عشر دول من أصل 55 دولة عضوًا في إفريقيا ما يزيد عن 0.6% من ناتجها المحلي الإجمالي في البحث والتطوير، وتستحوذ ثلاث دول (جنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر) على ما يقارب ثلثي إجمالي الإنفاق الإفريقي على البحث والتطوير. ويُموّل جزء كبير من الاستثمارات في البحوث الصحية من مصادر خارجية، مما يجعل أنظمة البحوث الصحية الوطنية عُرضة لتغير أولويات الجهات المانحة. علاوة على ذلك، تواجه الحكومات ضغوطًا متزايدة لتوفير فرص العمل والنمو وتعزيز القدرة على الصمود في ظل قيود مالية تزداد حدةً بفعل ضغوط المناخ والصراعات وارتفاع أسعار السلع. ويُسهم الاستثمار في البحث والتطوير الصحي في معالجة هذه الضغوط بشكل مباشر من خلال: خلق فرص عمل تتطلب مهارات عالية للشباب، وتقليل الاعتماد على التقنيات الصحية المستوردة، والحفاظ على الكفاءات العلمية، وبناء قطاعات صناعية جديدة.
أظهرت جائحة كوفيد-19 أنه مع التضافر الصحيح بين الإرادة السياسية والتنسيق التنظيمي والاستثمار المحفز، يمكن لنظام بيئي قوي للبحث والتطوير أن يُحقق ابتكارات واسعة النطاق بوتيرة أسرع. ويُبين هذا التقرير أن العوائد الاقتصادية ليست قوية فحسب، بل هي أيضًا إستراتيجية للغاية وقريبة المدى.
- تحقيق عوائد خلال دورة سياسية واحدة: تظهر المكاسب المبكرة خلال أربع سنوات. تقليل الاعتماد على الواردات: بناء الصناعة المحلية وتعزيز القدرة الشرائية المحلية.
- التوفيق بين الإستراتيجية الصحية والاقتصادية: توفير فرص عمل، وتأسيس شركات، والحفاظ على الكفاءات.
على عكس العديد من الاستثمارات العامة، يُحقّق البحث والتطوير عوائد اقتصادية وصحية في آنٍ واحد. تمتلك إفريقيا بالفعل القدرات البحثية الأساسية والجودة اللازمة لإنتاج أصول رعاية صحية قابلة للتطبيق.
ثالثًا: الأثر الاقتصادي للاستثمار في البحث والتطوير الصحي
بالتعاون مع علماء ومدافعين وقادة سياسيين في جميع أنحاء إفريقيا، قمنا بإنشاء نموذج مبسَّط للعائد على الاستثمار لتقييم الأثر الاقتصادي الكلي لزيادة الاستثمار العام في البحث والتطوير الصحي في إفريقيا.
يستخدم النموذج أفضل الأدلة العالمية المتاحة والمعايير الإفريقية للتنبؤ بالنتائج الاقتصادية لاستثمارات البحث والتطوير، ويحدد العوائد عبر خمسة سيناريوهات استثمارية على مدى ٢٠ عامًا (٢٠٢٥ -٢٠٤٤) من خلال خمس قنوات اقتصادية: الناتج المحلي الإجمالي، والتوظيف، والاستثمار الخاص، والموازين التجارية، واستبقاء الباحثين.
تعمل هذه القنوات الاقتصادية الخمس على أُطر زمنية مختلفة ومن خلال آليات مختلفة، ولكنها مجتمعة ترسم صورة لاستثمار يُؤتي ثماره لعقود بعد الالتزام الأولي.
-لمحة موجزة عن منهجية النمذجة:
يحوّل النموذج مدخلات السياسة العامة، وهي قرار بزيادة أو خفض الإنفاق على البحث والتطوير في مجال الصحة العامة، إلى مخرجات اقتصادية من خلال ثلاث خطوات متسلسلة:
- الخطوة الأولى: تُحوّل استثمارات البحث والتطوير السنوية إلى رصيد تراكمي من المعرفة باستخدام طريقة الجرد الدائم؛ حيث يُضاف الإنفاق الجديد إلى الرصيد بينما تتناقص المعرفة الحالية بمرور الوقت بمعدل 12.5%.
- الخطوة الثانية: تُترجم هذه المعرفة المتراكمة إلى أثر اقتصادي من خلال خمس قنوات متوازية، تعمل كل منها بفترة تأخير خاصة بها.
- الخطوة الثالثة: يقارن النموذج خمسة سيناريوهات استثمارية (من S1 إلى S5) (الجدول 1)، مع عرض جميع النتائج نسبةً إلى الوضع الراهن (S1)، لتوضيح المكاسب الناتجة عن زيادة الاستثمار أو الخسائر المرتبطة بخفض الإنفاق أو انعدامه.
تُعدّ كل خطوة من الخطوات معيارية في الأدبيات الاقتصادية، ولكنها تُخصّص لإفريقيا من خلال المعايير المُطبّقة في كل خطوة. تندرج المعايير الرئيسية ضمن ثلاث فئات: (1) مُستقاة مباشرةً من الأدبيات الاقتصادية العالمية للبحث والتطوير، (2) مُعدّلة بالخفض لتناسب إفريقيا، و(3) مُستمدة من مصادر بيانات إفريقية. كل تعديل خاص بإفريقيا يجعل النموذج أكثر تحفظًا مما تُنتجه الأدبيات العالمية.
وبتطبيق هذا الإطار، تُعرض النتائج من خلال دراسة كل قناة من القنوات الاقتصادية الخمس، مُبيّنةً كيف تُؤثّر سيناريوهات الاستثمار المختلفة على النتائج الاقتصادية بمرور الوقت.

بالإضافة إلى ذلك، يتضمن النموذج مصفوفة من ثمانية سيناريوهات تُغير حزمة المعايير بشكل مستقل مع تغيير مستويات الاستثمار. هذا يفصل تأثيرات مستوى الاستثمار عن عدم اليقين في المعايير.
-النتائج الرئيسية: ما الذي يحققه الاستثمار؟
كل ما يلي هو نتائج نموذجية تم التوصل إليها في ظل السيناريو 3؛ حيث تحقق إفريقيا هدف الاتحاد الإفريقي المتمثل في خفض معدل التدهور الاقتصادي بنسبة 1% على مستوى القارة بحلول عام 2030، وتخصص 15% من هذا التمويل للبحث والتطوير في مجال الصحة.
عندما تُموّل الحكومة البحث والتطوير في مجال الصحة، فإنها تخلق فرص عمل. فهي توظف بشكل مباشر علماء، وفنيي مختبرات، ومنسقي تجارب سريرية، ومحلّلي بيانات. لكنّ هذه الوظائف المباشرة ليست سوى البداية. فالباحثون يحتاجون إلى معدات، مما يعني وظائف تصنيع. كما يحتاجون إلى مرافق، مما يعني أعمال بناء وصيانة. وينفقون رواتبهم في المطاعم المحلية، وعلى الرسوم الدراسية، وعلى السكن، مما يخلق طلبًا في قطاعات أخرى من الاقتصاد.
تشير الأدلة الدولية إلى أن كل مليون دولار يُستثمر في البحث والتطوير في مجال الصحة يدعم حوالي عشر وظائف في مختلف قطاعات الاقتصاد. عند تطبيق نموذجنا على التنفيذ الكامل لهدف الاتحاد الإفريقي، نجد أنه سيدعم 4.56 مليون وظيفة بحلول عام 2044. وهذه ليست وظائف مؤقتة في قطاع البناء أو وظائف تحفيزية قصيرة الأجل، بل هي وظائف مستدامة تتطلب مهارات عالية في أحد أكثر القطاعات إنتاجية في أيّ اقتصاد حديث. ويرفع الاستثمار في البحث والتطوير الصحي إنتاجية الاقتصاد ككل، وتنتقل نتائج الاكتشافات البحثية إلى الصناعات المجاورة؛ حيث يمتلك العلماء مهارات قيّمة في مختلف القطاعات. كما أن المعرفة المؤسسية التي تُبنَى من خلال نظام بحثي فعَّال، وقدرات تنظيمية، وبنية تحتية للبيانات، ومعايير تصنيع، تزيد من قدرة الاقتصادات على الإنتاج والتصدير.
تشير التوقعات الرئيسية إلى أن التنفيذ الكامل لهدف الاتحاد الإفريقي سيضيف 0.4 نقطة مئوية إلى معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لإفريقيا بحلول عام 2030، وسيُحقّق مكاسب تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 668 مليار دولار بالقيمة الاسمية على مدى 20 عامًا. ويبلغ عائد مستوى الناتج المحلي الإجمالي، أي الفرق في الناتج المحلي الإجمالي المطلق بين الاستثمار وعدم الاستثمار، 71.9 مليار دولار سنويًّا بحلول عام 2044. وهذا رقم سنوي، وليس إجماليًّا تراكميًّا. وتتسع الفجوة سنويًّا. ويُترجم هذا كله إلى عائد على الاستثمار؛ حيث يُحقّق كل دولار مُستثمر عائدًا قدره 137 دولارًا كقيمة اقتصادية إجمالية بمرور الوقت.
ومن النتائج الثابتة في أدبيات الاستثمار في البحث والتطوير أن التمويل العام يجذب الاستثمار الخاص بدلًا من إزاحته. فعندما تُموّل الحكومات البحث والتطوير في مجال الصحة، فإنها تُهيِّئ المنصات والنتائج والباحثين المُدرّبين والوضوح التنظيمي الذي تحتاجه الشركات الخاصة قبل استثمار رؤوس أموالها.
ويُشير النموذج إلى أن كل 5 دولارات تُستثمر في البحث والتطوير في مجال الصحة العامة تُولّد أثرًا مضاعفًا في القطاع الخاص؛ حيث يتبع ذلك إنفاق خاص بقيمة دولار واحد تقريبًا، بدءًا من السنة الثالثة تقريبًا. وعلى مدار فترة التقييم الكاملة، يصل هذا إلى 17 مليار دولار من تعبئة رأس المال الخاص.
بالنسبة لمؤسسات تمويل التنمية ومناصري التمويل المختلط، يُعدّ هذا الأثر التراكمي جوهريًّا في فرضية الاستثمار: فالاستثمار العام في البحث والتطوير الصحي هو أحد أكثر الطرق موثوقية لتحرير رأس المال الخاص لأنظمة الرعاية الصحية الإفريقية.
تستورد إفريقيا غالبية منتجاتها الصيدلانية والطبية. ويُساهم الاستثمار في البحث والتطوير الصحي في تغيير هذا الوضع بمرور الوقت. فمع نمو القدرات المحلية، تُنتج الدول المزيد مما تحتاجه وتبدأ في تصدير التقنيات الصحية إلى الأسواق الإقليمية.
خلال فترة التقييم الكاملة، يصل التحسن التراكمي في الميزان التجاري إلى ما يقارب 14 مليار دولار، وهو انخفاض مستمر في فاتورة واردات الصحة، ومساهمة متزايدة في عائدات التصدير.
يؤدي نقص الاستثمار في البحث والتطوير الصحي إلى هجرة الكفاءات إلى الخارج. حيث تُدرّب إفريقيا العلماء والباحثين على نفقة الدولة، ثم تفقد الكثير منهم لصالح مؤسسات أخرى ذات موارد أفضل. هذا رد فعل منطقي على نظام لا يستطيع توفير بنية تحتية تنافسية، أو رواتب مجزية، أو فرص بحثية كافية في الداخل. يُغيّر نظام محلي أقوى هذه المعادلة. فهو يُنشئ مسارات وظيفية بحثية مُجدية، ويبني شبكات علمية، ويحتفظ بالكفاءات التي تُحفّز نمو الإنتاجية على المدى الطويل. يُساهم كل باحث يبقى في إفريقيا في بناء قاعدة المعرفة وتطوير برامج التدريب التي تجذب المزيد من الاستثمارات.
إن زيادة الاستثمار في البحث والتطوير الصحي كعنصر أساسي لتحقيق هدف الاتحاد الإفريقي المتمثل في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1%، يُولّد عوائد اقتصادية إيجابية تتجاوز أي عتبة معقولة للاستثمار العام (حتى في ظل أكثر الافتراضات تحفظًا بشأن القدرة المؤسسية والاستيعابية لإفريقيا). ويُحقق هذا الاستثمار عائدًا ماليًّا بنسبة 35% تقريبًا، مما يعني أنه في غضون 10 سنوات، ستتجاوز الإيرادات الضريبية الإضافية الناتجة عن النمو تكلفة الاقتراض. وبخصم جميع الفوائد المستقبلية إلى قيمتها الحالية بمعدل 5%، يُنتج الاستثمار صافي قيمة حالية قدرها 85.8 مليار دولار وفقًا لنهج التدفقات النقدية القياسي، أو 1007 مليار دولار عند احتساب الزيادة الكاملة والدائمة في مستوى الناتج المحلي الإجمالي لإفريقيا.
-متى تتحقق العوائد؟
من الاعتراضات الشائعة على الاستثمار في البحث والتطوير أن العوائد بعيدة المنال بحيث لا تُحدث فرقًا يُذكر على الصعيد السياسي. إلا أن البيانات لا تدعم هذا الادعاء، بل تُظهر في الواقع تحقيق نقطة التعادل خلال أربع سنوات. يتتبع نموذجنا الجدول الزمني للعوائد عامًا بعد عام. الصورة كالتالي:
- السنوات 1- 3 (2026- 2028): يزداد الاستثمار تدريجيًّا. يرتفع الإنفاق على البحث والتطوير في مجال الصحة العامة ليصل إلى هدف 1%. لم يلمس الاقتصاد بعدُ فوائد الاستثمار، لكن رأس المال المعرفي يتراكم ويجري بناء الأساس. تتحقق فرص العمل في مجالات البحث والتجارب والتصنيع، ويتم حشد الاستثمارات الخاصة المبكرة.
- السنة الرابعة (2029): الوصول إلى نقطة التعادل. تتحقق أولى العوائد الاقتصادية. يبدأ الناتج المحلي الإجمالي بالارتفاع فوق مستواه المتوقع. تتحول العوائد التراكمية إلى إيجابية، ويبدأ الاستثمار بالفعل في تغطية تكاليفه.
- السنة الخامسة (2030): الوصول إلى هدف 1%. يستقر الاستثمار. تظهر آثار الاستثمار على التوظيف بوضوح. بلغ هامش نمو الناتج المحلي الإجمالي 0.4 نقطة مئوية فوق المسار الأساسي.
- من السنة السابعة فصاعدًا: يبدأ تحسن الميزان التجاري مع ازدياد القدرة التصنيعية المحلية. وتتعزز سلاسل التوريد، ويتدفق الاستثمار الخاص باستمرار، مما يضاعف أثر كل خطوة.
- السنوات من 15 إلى 20: تحول اقتصادي كامل. 4.2 مليون وظيفة. هامش نمو سنوي في الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 55 مليار دولار، ومكاسب إجمالية في الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 668 مليار دولار. تحسن سنوي في الميزان التجاري بقيمة 1.9 مليار دولار.
-ماذا تعني هذه النتائج؟
إنها ليست مكاسب بعيدة المدى، بل إستراتيجية اقتصادية قصيرة الأجل ذات عوائد تراكمية. تُرسّخ هذه النتائج مكانة البحث والتطوير في مجال الصحة كبنية تحتية اقتصادية، بحجمٍ يُضاهي ثورة الاتصالات السلكية واللاسلكية في إفريقيا، والتي تُساهم اليوم بأكثر من 220 مليار دولار سنويًّا في الناتج المحلي الإجمالي، وتُوفر ملايين الوظائف. يُتيح الاستثمار في البحث والتطوير في مجال الصحة فرصة مماثلة لإنشاء قطاع صناعي جديد، وبناء قدرات تصديرية، وترسيخ نمو الإنتاجية على المدى الطويل. هذا ليس نموًا تدريجيًا، بل هو تحوّل هيكلي.
شكل (1) الزيادة التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي (2026 -2044)

-تكلفة التقاعس
إذا انخفض الإنفاق على البحث والتطوير في مجال الصحة في إفريقيا بنسبة 25% عن المستوى الحالي، فإن القارة ستخسر أكثر من 1.1 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي على مدى 20 عامًا. ويترتب على غياب الاستثمار الكافي تكاليف باهظة، منها: ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض والوفيات، وإجهاد الأنظمة الصحية، وهجرة الكفاءات، وتفاقم الاختلالات التجارية، وضياع فرص الريادة التكنولوجية. إن تكلفة التوقف عن العمل ليست معدومة.
دراسة حالة (1)
جنوب إفريقيا: أفريجين وبرنامج نقل تقنية الحمض النووي الريبوزي
بتمويل قدره 117 مليون دولار حتى أبريل 2023، يُعدّ برنامج منظمة الصحة العالمية لنقل تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) نموذجًا رائدًا من نوعه لتطوير التكنولوجيا بقيادة دول الجنوب ونقل المعرفة فيما بينها. وتتمحور هذه المبادرة حول شركة أفريجين بيولوجيكس، التي عيّنتها منظمة الصحة العالمية ومجمع براءات اختراع الأدوية في عام 2021 مركزًا عالميًّا لبرنامج نقل تقنية الحمض النووي الريبوزي؛ حيث تُنتج لقاح أفريفاك 2121، وهو أول لقاح بتقنية الحمض النووي الريبوزي تم تصميمه وتطويره في إفريقيا.
-رأس المال المعرفي والآثار الجانبية: تعمل أفريجين على تطوير ستة لقاحات جديدة مرشحة (فيروس الجهاز التنفسي المخلوي، وحمى الوادي المتصدع، والسيلان، وفيروس نقص المناعة البشرية، وجدري الماء، والسل)، بالتعاون مع مجلس البحوث الطبية في جنوب إفريقيا (SAMRC) وجامعات جنوب إفريقية. نقل برنامج الحمض النووي الريبوزي التابع لمنظمة الصحة العالمية التكنولوجيا إلى 14 شريكًا في مجال التصنيع عبر ستة أقاليم تابعة للمنظمة، بما في ذلك مصر وكينيا ونيجيريا والسنغال وبنغلاديش، ما يُعدّ دليلًا مباشرًا على آلية نقل المعرفة الدولية.
-استقطاب الكفاءات: ساهمت كلٌّ من شركة أفريجين ومركز تدريب القوى العاملة في مجال المستحضرات الصيدلانية الحيوية في بناء كادر من علماء الأحياء الجزيئية، وعلماء المناعة، ومهندسي العمليات الحيوية، الذين يعملون في إفريقيا بدلًا من الهجرة. وقد حضر أكثر من 200 عالم من الدول الشريكة دورات تدريبية في كيب تاون؛ وتلقى 14 من أصل 15 شريكًا في مجال التصنيع تدريبًا عمليًّا في المركز. وتُساهم برامج الأمراض المعدية في جامعة كيب تاون، وجامعة ستيلينبوش، وبيوفاك، ومجلس البحوث العلمية والصناعية، وجامعة ويتس، في توسيع نطاق هذه الجهود، من خلال تدريب باحثي الدكتوراه وما بعد الدكتوراه الذين يبقون في القارة.
وقد تمكنت شركة بيوفاك على تعبئة الحمض النووي الريبوزي والذي طرح في السوق عام 2024، بفضل المعرفة وأنظمة الجودة التي طُوّرت من خلال نظام البحث والتطوير. ويجري معالجة عجز واردات الأدوية في البلاد تدريجيًّا مع نمو القدرة التصنيعية المحلية.
رابعًا: إطلاق العنان للاستثمار: ما الذي يجب بناؤه؟
يتوقع النموذج تدفق 17.1 مليار دولار من استثمارات القطاع الخاص التراكمية في البحث والتطوير، مع بدء الاستثمار المُشترك من القطاع الخاص في السنة الثالثة تقريبًا بمعدل 0.20 دولار لكل دولار مُخصص من القطاع العام. يعتمد هذا الرقم على وجود بيئة حاضنة تُمكّن رأس المال الخاص من إيجاد الفرص وتقييمها والالتزام بها. وبتلخيص رؤى نوعية مُستقاة من مقابلات شبه مُهيكلة مع مُستثمرين، ومُختصين في تمويل التنمية، وبُناة بيئات الابتكار، ورواد أعمال يعملون في جميع أنحاء القارة، حول أسباب عدم اكتمال هذه البيئة الحاضنة حتى الآن، وما يلزم لبنائها.
تتفق إجاباتهم على وجهة نظر مُشتركة مفادها أن المشكلة لا تكمن في نقص الأبحاث الإفريقية، ولا في نقص اهتمام المُستثمرين. ثمة حاجة إلى بناء بيئة حاضنة أوسع نطاقًا تُتيح لهذين الجانبين الازدهار.
-خلل جوهري في النظام: الحلقة المفقودة
يتّسم مشهد البحث والتطوير الصحي في إفريقيا بفجوة هيكلية أساسية. فهناك قاعدة متنامية من البحوث العلمية تُنتج أعمالًا منشورة ذات جودة عالمية. إضافةً إلى ذلك، هناك رؤوس أموال استثمارية، تتراوح بين صناديق التأثير ومؤسسات تمويل التنمية، تبحث بنشاط عن فرص في القارة. ما ينقص هو الرابط بين كل ذلك: منظومة حاضنات الأعمال، ومكاتب نقل التكنولوجيا، وشبكات التجارب السريرية، والتمويل الانتقالي، ومسارات التسويق التي تحوّل البحوث المختبرية إلى منتجات وشركات قابلة للاستثمار. يصف المشاركون في المقابلات هذا الوضع بأنه “الحلقة المفقودة”: فراغ هيكلي يقع بين مرحلة الاكتشاف المبكرة والنقطة التي يمكن عندها لرأس المال التجاري أن يدخل بشكل مسؤول. هذه ليست فجوة هامشية، بل هي خلل في النظام يؤثر على كل مرحلة من مراحل سلسلة قيمة الابتكار، وفي كل دولة في القارة. وفهم هذا الأمر، وما هو مطلوب لإغلاقه، هو نقطة البداية لأي إستراتيجية استثمارية ذات مصداقية في مجال البحث والتطوير الصحي في إفريقيا
-المعوقات والتحديات:
تُحدّد المقابلات خمسة معوقات مترابطة تُفسّر مجتمعةً سبب استمرار غياب التمويل اللازم لتسويق الأبحاث.
- ضعف مسارات التسويق التجاري: يُركز هيكل الحوافز السائد في الجامعات الإفريقية على النشر والاستشهاد، وليس على النتائج التجارية. لا يملك الباحثون أي مصلحة مالية في تسويق أعمالهم. وتفتقر معظم المؤسسات إلى مكاتب نقل التكنولوجيا أو بنية تحتية للشركات المنبثقة. والنتيجة هي وجود كمّ هائل من الأبحاث ذات الإمكانات التجارية الحقيقية التي لم تتجاوز مرحلة النشر في المجلات العلمية. ولا تزال الإصلاحات التي أثبتت جدواها استثناءً لا قاعدة. ومن الأمثلة على النماذج التي يبدو أنها ناجحة نموذج إثيوبيا في نقل حقوق الملكية الفكرية الكاملة إلى الباحث مع ترتيبات لتقاسم العائدات إلى الجامعة، وبرامج التفرغ البحثي التي تمنح الباحثين وقتًا مدفوع الأجر لتسويق الاكتشافات المُثبتة.
- تضارب الحوافز في جميع أنحاء النظام البيئي: يتجلّى تضارب الحوافز على جميع المستويات في الجامعات، والهيئات التنظيمية، وبين المستثمرين. تُشجَّع الهيئات التنظيمية في إفريقيا ضمنيًّا على الموافقة على المنتجات المصنعة في الخارج والحاصلة على شهادات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أو علامة المطابقة الأوروبية؛ لأن ذلك يقلل من مخاطرها المؤسسية. تواجه الابتكارات المطورة محليًّا عبئًا غير متناسب في الموافقة، ليس بسبب ضعف الأدلة، بل بسبب التحيُّز الهيكلي في الثقافة التنظيمية. وكما أشار أحد المشاركين في المقابلات، لا توجد مؤشرات أداء رئيسية لعدد الابتكارات المحلية التي وافقت عليها أو سهّلتها هيئة تنظيمية، وتُعامل الموافقة على جهاز محلي الصنع كعبء وليس كإنجاز. إلى أن تُصلح هياكل الحوافز هذه، ستظل عملية تحويل الأبحاث الإفريقية إلى منتجات مصنعة في إفريقيا معطلة في المرحلة التنظيمية.
- تجزئة تنظيمية على مستوى القارة: تُدير كل دولة من دول إفريقيا أُطرًا تنظيمية مستقلة للأدوية والأجهزة الطبية والتجارب السريرية. يتطلب المنتج الذي تمت الموافقة عليه في دولة ما إعادة موافقة كاملة في كل سوق مجاورة. يجعل هذا الأمر التوسع على مستوى القارة مكلفًا للغاية، ويُثني المستثمرين عن دعم الابتكارات المطورة محليًّا التي لا يُمكنها الوصول إلى حجم السوق اللازم لتحقيق الجدوى التجارية. توجد جهود للتنسيق، بما في ذلك جهود الوكالة الإفريقية للتنمية التابعة للأمم المتحدة (AUDA-NEPAD) بالتعاون مع شركاء، في قيادة مبادرة التنسيق التنظيمي للأدوية في إفريقيا (AMRH)، لكنها لا تزال متفرقة. ويقترح من تمت مقابلتهم إستراتيجية نموذجية: تطبيق التنسيق في سوق أو سوقين ذواتي قدرة إنتاجية عالية أولًا، وإثبات النتائج، ثم التوسع تدريجيًّا في إطار أُطُر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
- ثغرات جوهرية في سلسلة التمويل: حتى في حال وجود شركات مبتكرة وصلت إلى مرحلة إثبات جدوى الفكرة، فإن بيئة التمويل تعاني من ثغرات هيكلية تمنعها من النمو على نطاق واسع. ويغيب التمويل الرأسمالي الذي يتراوح بين 2 و5 ملايين دولار (والذي يُنظر إليه عادةً على أنه حلقة الوصل بين الاستثمار الأولي ورأس مال النمو) إلى حد كبير عن المشهد الإقليمي. العديد من الشركات عالقة: فهي كبيرة جدًّا بالنسبة للمستثمرين الأوليين، وفي مراحل مبكرة جدًّا، ومحفوفة بالمخاطر بالنسبة لرأس مال النمو. ويغيب أيضًا التمويل اللازم لتطوير التطبيقات السريرية، والذي يربط بين الاكتشافات الأكاديمية وتطوير المنتجات في المرحلة السريرية. ولعل الأهم من ذلك، أن آليات الخروج، بما في ذلك أسواق الاندماج والاستحواذ، ومسارات الاكتتاب العام، وشبكات المشترين الإستراتيجيين التي تُمكّن المستثمرين من تحقيق عوائد، تكاد تكون غير مُطوّرة. فبدون آليات خروج فعّالة، لن يدخل المستثمرون العقلانيون هذا المجال.
- غياب البنية التحتية للبيانات: لا يستطيع المستثمرون تخصيص رؤوس أموالهم لأسواق لا يمكنهم الاطلاع عليها. تفتقر إفريقيا حاليًّا إلى البنية التحتية الأساسية للبيانات اللازمة لاتخاذ قرارات الاستثمار، بما في ذلك سجلات موحدة للتجارب السريرية، ومخرجات البحوث، ومشاريع تطوير المنتجات؛ وأُطر موحدة للعناية الواجبة؛ أو بيانات تدفق الاستثمار المتاحة للجمهور. يؤدي هذا النقص في الشفافية إلى تثبيط ثقة المستثمرين، وإلى ازدواجية الجهود بين المؤسسات البحثية التي لا تعرف بعضها البعض، ولا عمل بعضها البعض.
- ما يفتقده المستثمرون: النظام البيئي، وليس المنتج فحسب. يُعدّ أحد المواضيع المتكررة والبارزة في المقابلات أن المستثمرين لا يبحثون عن شركات جيدة فحسب، بل يبحثون عن أنظمة بيئية متكاملة؛ أنظمة فعّالة من البنية التحتية الداعمة التي تُهيّئ للشركات الفردية الظروف اللازمة للتوسع. فلن يحقق أي منتج تقني صحي مستقل، مهما كان تصميمه جيدًا، جدوى تجارية دون وجود مسارات تنظيمية تُجيز له الموافقة، وقوى عاملة ماهرة قادرة على تشغيله، وسلاسل إمداد قادرة على توزيعه، وشبكات تمويل لاحقة قادرة على دعم نموه.
وخلاصة القول يصف المشاركون في المقابلات مكونات منظومة البحث والتطوير الصحي الفعّالة بعبارات متسقة. فهي تتطلب حاضنات ومسرعات أعمال قادرة على دعم الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة حتى إثبات جدوى الفكرة. كما تتطلب مديري صناديق استثمار محليين: مُخصِّصي رأس المال الذين يمتلكون معرفة ميدانية حقيقية، وعلاقات في مجال البحث عن الصفقات، وفهمًا للسياق الذي تعجز الحوكمة عن بُعْد عن توفيره باستمرار. وتتطلب أيضًا بنية تحتية للدعم التقني: بناء القدرات القانونية والمالية والتشغيلية للباحثين ورواد الأعمال ومديري الصناديق الذين قد يتمتعون بكفاءة تقنية عالية، ولكنهم يفتقرون إلى الخبرة التجارية. كما تتطلب بنية تحتية للتخارج قادرة على توفير سيولة للمستثمرين، وتتطلب البنية التحتية للبيانات المذكورة أعلاه. ويعني هذا أن وحدة التدخل ليست شركة أو منتجًا، بل المنظومة نفسها. فالاستثمار العام الذي يدعم الابتكارات الفردية دون تعزيز النظام المحيط بها في الوقت نفسه، من غير المرجّح أن يحقّق عوائد مستدامة ودائمة.
خامسًا: الفرص: ما تملكه إفريقيا ولا يملكه غيرها؟
في ظل هذه الصورة الصعبة للفجوات الهيكلية، يُبدي المشاركون في المقابلات وضوحًا بشأن نقاط القوة الفريدة التي تتمتع بها إفريقيا. وإذا ما تم تفعيل هذه المزايا، فإنها تجعل الفرصة جذابة حقًّا وليست مجرد طموح.
-التجارب السريرية كمنصة إستراتيجية: يُشكل التنوع الجيني في إفريقيا، والاختلاف العالمي في عبء الأمراض فيها، وانخفاض تكلفة إجراء التجارب في القارة بشكل ملحوظ، ميزة تنافسية عالمية لا تزال غير مُستغلة بشكل كامل تقريبًا. إن بناء بنية تحتية للتجارب السريرية ليس مجرد استثمار في مجال الصحة، بل يُسهم في خلق كتلة حرجة من العلماء المُدربين، ويُعزّز ثقة المستثمرين، ويُرسّخ مسار اكتشاف الأدوية، ويبني القدرات التنظيمية والمؤسسية التي يتطلبها البحث والتطوير الصحي على نطاق أوسع. وقد بدأت المبادرة الرئاسية النيجيرية لإطلاق العنان لسلسلة قيمة الرعاية الصحية في بناء هذه البنية التحتية، وهي تجذب بالفعل اهتمام منظمات البحث التعاقدي الدولية الكبرى.
في ظل هذه الصورة الصعبة للفجوات الهيكلية، يُؤكد المشاركون أيضًا على نقاط القوة الفريدة التي تتمتع بها إفريقيا. يقترح من أجريت معهم المقابلات منطقًا تسلسليًّا غير بديهي، ولكنه مقنع: فبدلًا من انتظار اكتشاف الأدوية ليسبق البنية التحتية للتجارب (كما هو الحال في البلدان ذات الدخل المرتفع)، يمكن لإفريقيا بناء القدرة على إجراء التجارب السريرية أولًا، وتطوير القوى العاملة العلمية من خلال تلك العملية، وتهيئة الظروف لاكتشاف الأدوية محليًّا لاحقًا.
-التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كعامل مُحفّز للنمو السريع: يمثل كل من الصحة الرقمية، والتشخيص بالذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية باستخدام الطائرات بدون طيار، والطب عن بُعد، أكثر المجالات نشاطًا في استثمارات البحث والتطوير الصحي في إفريقيا؛ حيث يُمكن أن يُشكل غياب البنية التحتية التقليدية ميزةً لا عائقًا. وتُعد أدوات التشخيص المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي تكشف عن مرض السل باستخدام سماعات طبية متصلة، وأدوات الترجمة التي تُسهل التواصل السريري عبر حواجز اللغة، وشبكات توصيل الإمدادات الطبية باستخدام الطائرات بدون طيار، جميعها في مراحل إثبات المفهوم والتجريب، وتجذب اهتمام المستثمرين الأوائل. ومن الأهمية بمكان أن هذه الفرص تتطلب أطرًا تنظيمية لمواكبة هذا التطور؛ فالتشتت التنظيمي نفسه الذي يُعيق الابتكار في مجال الأدوية يُهدّد أيضًا بنشر الصحة الرقمية.
-المسار الديموغرافي لإفريقيا كرأس مال قابل للاستثمار: يُعيد المشاركون في المقابلات باستمرار صياغة مفهوم سكان إفريقيا الكبير والمتزايد، والذي من المتوقع أن يصل إلى ملياري نسمة بحلول عام 2050؛ حيث يُمثل ربع سكان العالم من أصول إفريقية، باعتباره موردًا استثماريًّا إستراتيجيًّا بدلًا من كونه تحديًا تنمويًّا. فالسوق الكبير والمتنامي، والخصائص المرضية الفريدة، والموارد الجينية المتميزة، والقوى العاملة المتنامية من العلماء المدربين، تُشكّل مزيجًا لا تُضاهيه أيّ منطقة أخرى في العالم. وكما يقول أحد المشاركين في المقابلات: “يتمتع المغتربون بمهارات تقنية عالية، ولديهم شبكات عالمية، وغالبًا ما يكون لديهم دافع للاستثمار في بلدانهم الأصلية، مما يُمثّل موردًا آخر غير مُستغَلّ؛ حيث لا تزال المسارات المنظمة لتمويل البحث والتطوير في مجال الصحة والحوكمة غير مُطورة إلى حد كبير”.
-هيكلية الاستثمار القادرة على فتح آفاق النظام: تتبلور من خلال المقابلات، هيكلية واضحة لنوع الاستثمار الذي من شأنه سدّ الفجوة في المراحل المتوسطة وتفعيل إمكانات البحث والتطوير الصحي في إفريقيا. وتتألف هذه الهيكلية من ثلاثة عناصر مترابطة.
- يجب أن يتحمّل التمويل العام والخيري مخاطر المراحل المبكرة: يتفق المشاركون في المقابلات على أن رأس المال التجاري لا يمكنه، بل لا ينبغي له، أن يدخل المراحل الأولى من البحث والتطوير الصحي دون وجود آليات قوية للحدّ من المخاطر مِن قِبَل القطاعين العام والخيري. يجب أن تدعم المنح ورأس المال الميسر الاكتشاف من خلال إثبات المفهوم، تمامًا كما هو الحال في الدول ذات الدخل المرتفع؛ حيث يحدث الانتقال إلى التمويل التجاري عادةً في المرحلة الثانية من التطوير السريري. ما تفتقر إليه إفريقيا حاليًّا هو البنية التحتية للتمويل العام اللازمة لتمويل هذه المراحل المبكرة بشكلٍ كافٍ. يُعدّ إنشاء صناديق بحثية وطنية متجددة، ذات معايير تسويقية واضحة ولكن دون ضغط على العائدات قصيرة الأجل، مطلبًا أساسيًّا.
- يجب أن تُسهّل هياكل التمويل المختلط عملية الانتقال إلى رأس المال التجاري:
- بعد تقليل المخاطر، تتطلب فجوة التمويل أدوات تمويل مختلطة مصمَّمة خصيصًا لهذا الغرض: شرائح رأس مال للخسارة الأولى تحمي عوائد المستثمرين التجاريين حتى حدٍّ مُحدَّد، وقسائم مراجعة ذات أولوية تُغيّر اقتصاديات التجارب السريرية في مراحلها الأخيرة للأمراض المهملة، وآليات تمويل مؤقتة لمديري الصناديق الذين يحتاجون إلى إتمام الصفقات مع الاستمرار في جمع التمويل.
- من المرجح أن تستهدف الآفاق الزمنية من 10 إلى 20 عامًا، وهو ما يُقارن بالجداول الزمنية لتطوير الأدوية عالميًّا. يجب تصميم هياكل الصناديق وفقًا لذلك، مع فترات استدامة أطول، وأحداث سيولة مرحلية قائمة على مراحل محددة، وفئات رأس مال تحفيزية مصمَّمة خصيصًا لاستيعاب الخسائر المبكّرة مقابل مكاسب لاحقة على مستوى النظام.
- يجب أن يُساهم الاستثمار العام في تشكيل السوق، لا أن يقتصر على تمويل مخرجات فردية:
- ولعلّ أهم ما توصلت إليه المقابلات هو أن ثقة المستثمرين لا تنبع أساسًا من فرص الاستثمار الفردية، بل من إشارات الحكومات والمؤسسات العامة التي تُؤكد انفتاح السوق ودعمه وأمانه. وتُعدّ الحوافز الضريبية، والتأمين ضد المخاطر السياسية، ومؤشرات الأداء الرئيسية التنظيمية للابتكار المحلي، وإشارات الطلب المنسقة (مثل الشراء الجماعي الإقليمي والتزامات الشراء المسبق)؛ الأدوات التي تُهيئ من خلالها الجهات الحكومية الظروف المواتية لتدفق رؤوس الأموال الخاصة. وتختلف هذه الوظيفة في تشكيل السوق عن التمويل المباشر للبحوث، وهي لا تقل أهمية عنها.
دراسة حالة (2)
رواندا: مرفق بيونتك لتقنية الحمض النووي الريبوزي والتمويل المختلط في الممارسة العملية
تُعد شركة بيونتيك BioNTech لإنتاج لقاح mRNA في كيغالي أكبر استثمار أجنبي مباشر في مجال البحث والتطوير الصحي في منطقة جنوب الصحراء خارج جنوب إفريقيا. كما يُمثّل أوضح مثال عملي على دور التمويل المختلط في تحفيز استثمارات القطاع الخاص في مجال البحث والتطوير الصحي في القارة.
الاستثمار والهيكلة: استثمرت BioNTech ما يقارب 150 مليون دولار في مصنع كيغالي؛ حيث بدأ البناء في يونيو 2022، وافتُتحت أولى وحدات التصنيع في ديسمبر 2023. وقد استقطب المشروع تمويلًا مختلطًا بقيمة 95 مليون يورو من بنك الاستثمار الأوروبي والمفوضية الأوروبية (35 مليون يورو منحة + 60 مليون يورو قروض)، و130 مليون يورو من التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة CEPI لتطوير اللقاح، بالإضافة إلى 40 مليون يورو أخرى من دعم بوابة الاتحاد الأوروبي العالمية لتدريب القوى العاملة وسلاسل التوريد. إجمالي رأس المال المُلتزم به: أكثر من 500 مليون دولار من مصادر عامة وميسرة وخاصة.
التوظيف ونقل التكنولوجيا: يوظّف المرفق حوالي 100 موظف متخصص في مرحلته الأولى، ويتم تنسيق التدريب من مواقع شركة بيونتيك في ألمانيا، ويشمل إنتاج الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)، وضمان الجودة، والعمليات المختبرية. تبلغ الطاقة الإنتاجية الأولية 50 مليون جرعة لقاح سنويًّا، تستهدف الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية وجدري الماء؛ وهي الأمراض الأكثر انتشارًا في إفريقيا.
نموذج التمويل المختلط: تُظهر حزمة الاستثمار نسبة رافعة مالية تتراوح بين 3 و4:1 تقريبًا (تمويل عام ميسر إلى استثمار خاص). وقد أدى تخفيف المخاطر العامة -من خلال ضمانات الاتحاد الأوروبي، وقروض بنك الاستثمار الأوروبي، والتزامات التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة- إلى تهيئة الظروف اللازمة لرأس المال التجاري لشركة بيونتيك.
-ضرورة ملحة: الفرصة سانحة: يتفق المشاركون في المقابلات على أن اللحظة الراهنة ملحة للغاية وفي الوقت نفسه مواتية. إن تدهور مشهد المساعدات العالمية، الذي يتسم بانخفاضات كبيرة في المساعدات الإنمائية الرسمية وانسحاب المانحين الرئيسيين، يكشف عن هشاشة هيكلية لنظام البحث والتطوير الصحي القائم على التبعية الخارجية. لكن اللحظة نفسها التي خلقت هذه الهشاشة خلقت أيضًا الظروف السياسية للتغيير: أجندة إصلاح قارية ذات زخم حقيقي، وقاعدة متنامية من رأس المال والخبرات بقيادة إفريقية، وإعادة هيكلة عالمية لسلاسل التوريد تجعل الابتكار الإقليمي الموزع أكثر جاذبية من أي وقت مضى.
ويبرز في المقابلات قناعة متكررة وقوية مفادها أن البحث والتطوير المدفوع خارجيًّا، يُديم التبعية بدلًا من بناء قدرات إفريقية مستدامة. وإنّ فكرة امتلاك إفريقيا لسلسلة الابتكار، بما تشمله من ملكية فكرية إفريقية، ومديري صناديق استثمار أفارقة، وموافقات تنظيمية إفريقية، ومنتجات مصنَّعة محليًّا، لا تقتصر على مسألة الإنصاف فحسب، بل هي أيضًا البنية التحتية التي ستُحقق العوائد المحلية، وتُحافظ على الكفاءات، وتُعزّز القوة المؤسسية اللازمة لجعل الاستثمار في البحث والتطوير الصحي مستدامًا على المدى الطويل.
إن المستثمرين وبناة النظام البيئي الذين أُجريت معهم مقابلات لهذا التقرير لا يصفون نظامًا مستحيلًا، بل يصفون نظامًا لم يكتمل بعد، ولكنه قيد الإنشاء بالفعل، على مراحل، وتتضح معالم هذا النظام: أجندة إصلاحية مدعومة بزخم سياسي وقيادة إفريقية، وجيل من العلماء وروّاد الأعمال الأفارقة المستعدين للقيادة، ومجتمع متنامٍ من المستثمرين المؤثرين يبحثون عن فرص الاستثمار المناسبة، ودراسة جدوى اقتصادية مُقاسة بدقة. ما كان ينقص ليس الطموح أو الأدلة، بل التنسيق والالتزام وترجمة الأفكار إلى واقع ملموس.
دراسة حالة (3)
كينيا: كيمري، مركز إقليمي لتعزيز قدرات البحث والتطوير في مجال الصحة
يُقدّم النظام البيئي للبحوث الصحية في كينيا أحد أوضح الأمثلة على كيفية بناء قدرات بحثية عالمية المستوى في إفريقيا من خلال الاستثمار المستدام والشراكات الإستراتيجية، مع فوائد تمتد لتشمل المنطقة بأَسْرها.
– عوائد الاستثمار المستدام: تطوّر معهد كينيا للبحوث الطبية (كيمري)، الذي تأسس عام ١٩٧٩، ليصبح أحد أبرز مراكز التميز في إفريقيا. يدير المعهد ١٥ مركزًا بحثيًّا في جميع أنحاء البلاد، ويعمل فيه ما بين ١٠٠٠ و٥٠٠٠ موظف. تستثمر كينيا ما يقارب ٠.٨٪ من ناتجها المحلي الإجمالي في البحث والتطوير، وهو ثاني أعلى معدل في القارة. وقد أصبح برنامج كيمري-ويلكوم ترست للبحوث (KWTRP) مركزًا رائدًا لبحوث النظم الصحية، والتدريب على التجارب السريرية، وتطوير برامج الدكتوراه، مما يُخرّج باحثين يبقون في البلاد.
تُعزّز شبكتا GC ADDA وRAFIKI، المُموّلتان من برنامج Horizon Europe التابع للاتحاد الأوروبي، مكانة كينيا كمركز رائد في شرق إفريقيا لاكتشاف الأدوية الانتقالية. ساهم معهد كيمري في تطوير القدرات البحثية الصحية في منطقة شرق إفريقيا؛ حيث استضاف أنشطة لجنة أبحاث الصحة في شرق إفريقيا، والمجلة الإفريقية للعلوم الصحية، وبرامج التدريب الإقليمية حول مكافحة الأوبئة والأمراض. وتجذب البنية التحتية للتجارب السريرية في كينيا، المدعومة من كيمري وشراكاته الدولية، استثمارات أجنبية كبيرة في مجال البحوث الصحية. وتجري شركات الأدوية العالمية وشراكات تطوير المنتجات تجارب من خلال شبكة كيمري، مما يجلب تمويل البحوث والتكنولوجيا والخبرات إلى البلاد. ويضع اتحاد اكتشاف الأدوية التابع لكيمري (وهو جزء من شبكتي GC ADDA وRAFIKI) كينيا في صدارة مراكز شرق إفريقيا لاكتشاف الأدوية التطبيقية.
-استدامة النموذج وتوسيع نطاقه: في حين أن مسيرة كيمري توضح ما هو ممكن، فإنها تُسلّط الضوء أيضًا على أهمية نماذج التمويل المستدامة والمتوازنة. فعلى الرغم من قوته العلمية، لا يتلقى كيمري سوى حوالي 14% من ميزانيته من الخزانة المحلية. أدّى التراجع المستمر في الدعم الثنائي إلى أزمة تمويل حادة؛ حيث تواجه مشاريع البحث الحيوية خطر التأخير أو التوقف. ولا يزال التزام كينيا المعلن (2% من الناتج المحلي الإجمالي للبحث) غير مُتحقّق. ويبلغ الإنفاق الفعلي 0.8%، بينما يقل التمويل المخصص للبحث والتطوير في مجال الصحة بنسبة 83% عن التزامات الحكومة. ومن شأن تعزيز الاستثمار المحلي، بما يتماشى مع التزامات كينيا السياسية الحالية، أن يُسهم في ترسيخ المكاسب وضمان استدامتها على المدى الطويل.
-أهمية هذا الأمر: يُظهر نظام كيمري البيئي أن المؤسسات الإفريقية قادرة على بناء قدرات بحثية عالمية المستوى عند استدامة الاستثمار. وتُبين أزمة التمويل التي أعقبت تراجع الدعم الثنائي، بوضوح مماثل، أن القدرات المبنية على التمويل الخارجي هشّة بطبيعتها. إن سدّ الفجوة بين التزام كينيا القانوني وإنفاقها الفعلي لن يُعزز مكانة كيمري فحسب، بل سيؤكد أيضًا جدوى منطق الاستثمار الذي يُقدّمه هذا التقرير لكل حكومة إفريقية تُفكر في اتخاذ الخطوة نفسها.
سادسًا: دعوات للعمل: حوّل الطموح إلى استثمار
الجدوى الاقتصادية قوية، والفرصة حقيقية. لقد حان الوقت لتحويل الطموح إلى استثمار، والانتقال من الالتزام السياسي إلى العمل الممول والمنسق عبر نظام مشترك. ويتطلب هذا إعطاء الأولوية لثلاثة إجراءات رئيسية:
- بناء أسس سوق فعّالة بقيادة الحكومات:
- أ- ترسيخ هدف الاتحاد الإفريقي المتمثل في تخصيص 1% من الناتج المحلي الإجمالي في الميزانيات الوطنية، مع ضمان تخصيص حدّ أدنى قدره 15% لأبحاث وتطوير الصحة.
- ب- المساهمة الفعّالة في تشكيل الأسواق الوطنية والإقليمية. فإلى جانب التمويل المباشر، يجب على الحكومات أن تضطلع بدور فعّال في تشكيل السوق، وأن تستخدم كافة أدوات السياسة المتاحة للقطاع العام: الحوافز الضريبية، وضمانات المخاطر السياسية، والتزامات الشراء المسبق، والمشتريات الإقليمية المنسقة. هذه المؤشرات هي التي تُحوِّل النوايا السياسية إلى فرص استثمارية.
- ت- تعزيز التنظيم ومواءمة الحوافز. تشمل الإصلاحات الأساسية ما يلي:
- تحديث الأُطر التنظيمية وتوحيدها بموجب اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية، مع تحديثها بشكل مثالي لتشمل مؤشرات أداء رئيسية واضحة لمعدلات الموافقة على الابتكارات المحلية.
- نقل ملكية الملكية الفكرية إلى الباحثين، مع وضع ترتيبات لتقاسم العائدات بما يتماشى مع الحوافز الأكاديمية والتجارية.
- ث- الاستثمار في أنظمة البيانات الأساسية. يجب أن يستند كل ذلك إلى الاستثمار في أنظمة البيانات والبنية التحتية الأساسية لتتبع استثمارات البحث والتطوير، والإنفاق، ومشاريع التطوير، والتجارب السريرية، والنتائج.
- ج- بدون بيانات موثوقة وقابلة للتشغيل البيني، لا يمكن توجيه الاستثمارات بشكلٍ فعَّال، ولا يمكن تقييم المخاطر، ولا يمكن إثبات العوائد. لذلك، يُعدّ تعزيز أنظمة البيانات شرطًا أساسيًّا لتوسيع نطاق الاستثمار.
٢. تنسيق نظام استثماري قاري بقيادة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بحيث يتم:
- وضع مخطط استثماري قاري مشترك: صياغة مخطط استثماري قاري للبحث والتطوير في مجال الصحة، يترجم الأولويات الإستراتيجية إلى مسار منظم لفرص استثمارية، مع تحديد واضح لاحتياجات رأس المال وهياكل تقاسم المخاطر.
- منصة لتنسيق السوق: تجميع فرص الاستثمار عبر البلدان والمناطق، والعمل بنشاط على تنسيق الجهود الوطنية، والحد من التشتت، وخلق مقترحات استثمارية فعَّالة من حيث الحجم، مما يُعزّز ثقة المستثمرين، ويُخفّض تكاليف المعاملات.
- جمع الشركاء لتوحيد رأس المال والأولويات والتنفيذ: عقد قمة قارية للاستثمار في البحث والتطوير في مجال الصحة، تجمع الحكومات ومؤسسات التمويل الإنمائي والمستثمرين من القطاع الخاص للاتفاق على الأولويات وآليات التمويل ومسارات التنفيذ.
- توظيف رأس المال بما يتناسب مع واقع البحث والتطوير في مجال الصحة:
بقيادة مشتركة من مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا، ومؤسسات التمويل التنموي، والمستثمرين، والجهات الداعمة، وغيرهم من الفاعلين في النظام البيئي. على أن يتم:
- أ- مزج آليات التمويل: مع وجود الأسس والإشارات الصحيحة، يجب هيكلة رأس المال بما يتناسب مع واقع البحث والتطوير في مجال الصحة. ينبغي لمؤسسات التمويل التنموي والمستثمرين من القطاع الخاص التوافق مع خطة الاستثمار القارية، والمشاركة في تصميم آليات تمويل مختلطة تتضمن شرائح أولية مُحفّزة حقيقية تتحمّل مخاطر المراحل المبكرة، وتجذب رؤوس الأموال التجارية.
- ب- التخطيط لجداول زمنية واقعية: يجب أن تعكس هياكل الصناديق دورات التنمية الطويلة، والتي تتراوح عادةً بين 10 و20 عامًا، مدعومة بآليات سيولة قائمة على تحقيق أهداف محددة. ومن الأهمية بمكان أيضًا التطوير المدروس لمسارات التخارج، بما في ذلك تسهيل عمليات الاندماج والاستحواذ، وشبكات المشترين الإستراتيجيين، وشركات الأغراض الخاصة. فبدون بنية تحتية موثوقة للتخارج، لا يمكن إعادة تدوير رأس المال، ولا يمكن للنظام أن يتوسع.
- ت- الاستثمار في المنافع العامة المشتركة من خلال:
- بنية تحتية متكاملة للبيانات: ينبغي إنشاء سجل موحّد ومتاح للعموم للتجارب السريرية، ومخرجات البحوث، وتدفقات الاستثمار في البحث والتطوير، وذلك لتعزيز الشفافية، وتمكين إجراءات التدقيق اللازمة، وإظهار نُضْج السوق للمستثمرين وصناع السياسات.
- منصات التجارب والبحوث الإستراتيجية: ينبغي التعامل مع البنية التحتية للتجارب السريرية والبحوث كأصل إستراتيجي على مستوى القارة، وليس كخدمة مجزأة، مُصمَّمة لتوليد القدرات العلمية، والأدلة الموثوقة، ونقاط إثبات قابلة للاستثمار، مما يُعزّز ثقة المستثمرين بمرور الوقت.
- سرديات النجاح وأنظمة الشفافية: ينبغي توثيق نجاحات البحث والتطوير في مجال الصحة في إفريقيا بشكل منهجي، وإبرازها، والاحتفاء بها من خلال آليات شفّافة ومستدامة، مع إدراك أن تصورات المستثمرين وصُناع السياسات لا تتشكل فقط من خلال البيانات والعوائد، بل أيضًا من خلال إثبات موثوق ومتسق للأثر.
في الختام:
خلصت الدراسة إلى حاجة اقتصادات إفريقيا إلى توسُّع وتنويع عاجلين، ولا يمكنها الاستمرار في التركيز بشكل ضيّق على المواد الخام والعمالة.
لا يمكن تفويت عوائد بقيمة 668 مليار دولار، وملايين الوظائف التي تتطلب مهارات عالية، وبيئة ابتكار صحي تخدم سكان إفريقيا وفقًا لشروطهم، إذا تم الاستثمار في البحث والتطوير الصحي بشكل جماعي منسَّق. والقارة لن تبدأ من الصفر؛ فالعلم والمواهب والطلب متوافرة، لكن ما ينقصها هو النظام الذي يربط بينها.
الفرصة سانحة والأولويات واضحة. السؤال الآن هو: هل سيُقابل الطموح أخيرًا باستثمار مُنسَّق وجهود جماعية؟










































