بقلم: كارل مانلان
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل يهدئ الأسواق، ويكشف أن كل أزمة دولية تُضعف الدول الإفريقية المعتمدة على واردات الغذاء.
– في أوائل السبعينيات، دخل الأرز إلى الساحل كمساعدات خلال الجفاف، وانتشر لأنه سريع الطهي ولا يحتاج إلى نقع أو طحن مثل الدخن والذرة الرفيعة.
– بعد خمسة عقود، تغادر امرأة في نيروبي قبل السابعة صباحاً وتعود ليلاً، لتجد رفوف المتجر مليئة بالأرز المستورد ودقيق القمح المصنّع.
– فاتورة الغذاء في إفريقيا، حوالي 100 مليار دولار سنوياً، تستنزف احتياطيات العملة الصعبة؛ الأزمة أساساً في السلوك الاستهلاكي والهياكل المؤسسية أكثر من الإنتاج الزراعي.
– بين الحقل والطبق، يُهدر 30 إلى 40% من الغذاء الإفريقي بسبب ضعف التصنيع وغياب المطاحن وسلاسل التبريد والتغليف.
– القرار السنغالي عام 2018م بتفضيل الحليب المبستر المحلي مثال صغير لكنه كاشف؛ تعديل اقتصادي بسيط دعم شركة نظمت قطاعاً كاملاً.
– إفريقيا تملك تقاليد طهي عميقة، ومكونات غنية، وسكاناً شباباً متصلين رقمياً؛ العلامات المحلية تتكاثر، والطهاة الأفارقة يلمعون، والمنصات الرقمية توسع حضور المذاق الإفريقي عالمياً.
* * *
في حين أن إعلان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل يخفف من حدة التوترات على الأسواق، تُذكّرنا الحادثة بحقيقة جوهرية: كل أزمة دولية تُضعف الدول الإفريقية المعتمدة على واردات الغذاء، وقد حان الوقت لمراجعة النموذج الاقتصادي الحالي.
في أوائل السبعينيات دخل الأرز إلى منطقة الساحل كمساعدات غذائية خلال موجة جفاف شديدة، فغيّر المشهد بهدوء لأنه يُطهى في دقائق؛ لا يحتاج إلى نقع أو طحن أو ساعات من التحضير قبل الفجر كما يحدث مع الدخن أو الذرة الرفيعة.
بالنسبة لهؤلاء النساء اللواتي كنّ يتحملن العبء الأكبر في اقتصادات المنازل، لم يكن الأرز مجرد طعام غريب بل وسيلة راحة؛ وبداخل هذه الراحة ترسّخت تبعية هيكلية تواصل إفريقيا دفع ثمنها بفاتورة تفوق 100 مليار دولار سنوياً.
بعد خمسة عقود، تخرج امرأة في نيروبي من منزلها قبل السابعة صباحاً وتعود بعد حلول الظلام، وتغص رفوف متجر الحي بالأرز المستورد ودقيق القمح المصنع؛ يجمع هذان المنتجان خصائص واضحة: سرعة التوريد، وثبات التوفر، وقابلية التنبؤ، خياراتها إذاً منطقية. ومع تعاظم التحضُّر في القارة، يُشكّل هذا النمط أحد أبرز التحديات الاقتصادية لإفريقيا، لكن الخبر السار يكمن في كون هذا المسار غير حتمي.
فاتورة الغذاء في إفريقيا، التي تستنزف احتياطيات العملات الأجنبية سنةً بعد أخرى، ليست في جوهرها أزمة إنتاج زراعي بقدر ما هي أزمة سلوك استهلاكي وهياكل مؤسساتية. الحل لا يمرّ أساساً عبر مطالبة المستهلك الإفريقي بتغيير عاداته الغذائية، بل عبر توفير قدرات تصنيع محلية متاحة وبأسعار معقولة وسهلة الاستخدام، بما يفتح الطريق أمام هدف واقعي: خفض هذه الفاتورة بنحو 20 مليار دولار خلال عشر سنوات، عبر تفعيل ثلاثة محاور متكاملة في الوقت نفسه.
السيادة الغذائية… سيادة مالية:
كل عام، يغادر نحو 100 مليار دولار من العملات الأجنبية القارة الإفريقية لتمويل واردات الغذاء، فيما يُضعف موازين المدفوعات ويُقلّص هامش الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة. ليست مسألة الاعتماد الغذائي مجرد سؤال عن السعرات الحرارية، بل هي سؤال عن السيادة المالية: فحين تُستنزف الاحتياطيات لدفع ثمن القمح الأوكراني أو الأرز التايلاندي، تضيق قدرة الدولة على المناورة، وتصبح عملتها أكثر عرضةً للتقلبات الحادة، وتتراجع قدرتها على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمالية.
المحور الأول: تطوير ما تنتجه إفريقيا بالفعل:
بين الحقل والطبق، يُهدر ما بين 30 و40% من الغذاء المنتج في إفريقيا بسبب ضعف التصنيع، وغياب المطاحن وسلاسل التبريد والتغليف المناسبة. في شمال نيجيريا مثلاً، يمكن خفض الفاقد من الطماطم من 40% إلى نحو 10% فقط عبر استخدام صناديق بلاستيكية بسيطة قابلة لإعادة الاستخدام أثناء النقل؛ نموذج صغير يبيّن ما يمكن أن تحققه تدخلات مركّزة في مجالَي التصنيع والخدمات اللوجستية.
هذا النموذج موجود بالفعل، وإن كان بشكل جزئي ومتفرق في القارة، وهو لا يحتاج إلى اختراع مفاهيم جديدة بقدر ما يحتاج إلى رأس مال وتوسيع نطاق التجارب القائمة. تجربة «لايتري دو بيرجيه» في السنغال تُجسّد هذا المنطق بوضوح: ففي عام 2005م، لاحظ الطبيب البيطري باجوري باثيلي أن 90% من الحليب المستهلك في السنغال يأتي في شكل مسحوق مستورد، في حين يستطيع نحو أربعة ملايين شخص، غالبيتهم من رعاة الفولاني، إنتاج حليب طازج محلياً. من هنا انطلقت فكرة إنشاء شركة في ريتشارد-تول شمال البلاد، تقوم على فرضية بسيطة وقوية في آن واحد: أن الزبادي المصنوع من حليب طازج محلي سيُحدث فرقاً يلمسه المستهلك ويقدّره في اختياره اليومي.
كانت المغامرة في بداياتها رهاناً جريئاً، لكنها سرعان ما أثبتت جدواها. في 2008م، دخلت «دانون كوميونيتيز» على خط المشروع، حاملةً خبرتها الصناعية في مجال التصنيع الغذائي ومساهمةً في تنظيم سلسلة التوريد من المنتج إلى المستهلك. عندها أُطلقت علامة «دوليما» التجارية («أريد المزيد»)، التي سرعان ما ترسخت في السوق المحلية، وقفزت بالمبيعات من 250 مليون فرنك إفريقي في 2007م إلى أكثر من 9 مليارات في 2020م، بنمو سنوي تراوح بين 15 و20% على مدى سنوات.
وفي عام 2023م، أنهت «دانون كوميونيتيز» مشاركتها الرأسمالية بشكل منظم، في إشارة إلى نضج الشركة وقدرتها على الاستمرار، لتُستبدل بشراكة إستراتيجية جديدة تدعم مرحلة توسع ثانية. هذا التوسع تجسد عملياً في مصنع ثانٍ بسنديـارا، بطاقة إنتاجية تبلغ 30 ألف طن سنوياً، دخل حيز التشغيل في 2026م، موفّراً دخلاً يومياً لنحو 900 مزارع، ومساهماً في ترسيخ علامة تجارية وطنية قوية. إلى جانب ذلك، سمحت الحوافز الضريبية المصاحبة للمشروع بجعل الاستثمار في هذا القطاع مجدياً ومستداماً، مقدّماً مثالاً حياً على المحور الثاني الضروري لتقليص فاتورة الغذاء: بنية تصنيع وتمويل وضريـبة تشجع الإنتاج المحلي وتحرر السيادة المالية عبر السيادة الغذائية.
المحور الثاني: تحويل الحكومات إلى مشترين معتمَدين:
في عام 2009م، تحوّل برنامج التغذية المدرسية في البرازيل إلى سابقة عالمية حين ألزم بتخصيص ما لا يقل عن 30% من الموارد الفيدرالية للمشتريات المباشرة من صغار المزارعين، وهو قرار بسيط في مظهره لكنه أعاد تدريجياً تشكيل اقتصاد المنتجين الصغار برمّته. اليوم، تطعم الحكومات الإفريقية ملايين الأطفال والجنود والمرضى وموظفي الخدمة المدنية يومياً، وكل دولار يُحوَّل من استيراد الغذاء إلى شراء الإنتاج المحلي هو لبنة في بناء سلسلة قيمة جديدة، بدل أن يكون حلقة أخرى في مسلسل استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي.
هذه المقاربة ليست «حمائية» بالمعنى التقليدي، بل هي عمل واعٍ لتشكيل السوق، وهو بالضبط ما رافق نشأة كل قطاع غذائي ناجح في التاريخ، بما في ذلك القطاعات التي تزوّد إفريقيا بوارداتها في الوقت الراهن. ففي كل عام، يغادر القارة نحو 100 مليار دولار من العملات الأجنبية لسداد فاتورة غذائية خارجية، بينما يمكن لسياسات الشراء العمومي أن تحوّل هذا النزيف إلى استثمار في القدرة الإنتاجية المحلية.
القرار السنغالي الصادر عام 2018م لصالح الحليب المبستر المحلي مثال متواضع، لكنه كاشف للغاية: لم يكن إعادة اختراع للعجلة بل تعديلاً ذكياً في المعادلة الاقتصادية، وكان كافياً لتعزيز مسار شركة نجحت في تنظيم قطاع كامل حولها. فلنتخيّل الأثر المضاعف لسياسة شراء عامة منسجمة تُطبَّق على مستوى قاري، وتوجّه ميزانيات تغذية المدارس والمستشفيات والمؤسسات نحو المنتج الإفريقي، ليصبح الإنفاق العام محركاً لنمو الصناعات الغذائية المحلية لا مجرد بند إنفاق استهلاكي.
المحور الثالث: الهوية الطهوية كاستثمار ثقافي:
في عام 2009م أطلقت حكومة كوريا الجنوبية حملة «المطبخ الكوري إلى العالم» باستثمار أوّلي قدره 40 مليون دولار، هدفها الواضح: ترسيخ الهوية الطهوية الوطنية على الساحة الدولية. النتيجة اليوم ملموسة؛ الكيمتشي حاضر في أكثر من 80 سوقاً حول العالم، والصادرات الغذائية الكورية تتجه نحو رقم قياسي يناهز 13.62 مليار دولار في 2025م، بعدما أصبح فن الطبخ الكوري قطاعاً تصديرياً إستراتيجياً قائماً بذاته. إنها «دبلوماسية الطعام»، التي ترى في الغذاء أصلاً ثقافياً واقتصادياً في آنٍ واحد، لا مجرد سلعة استهلاكية.
إفريقيا، من جهتها، تمتلك تقاليد طهي أعمق، ومكونات محلية أكثر ثراءً، وسكاناً أصغر سناً وأكثر اتصالاً بالعالم الرقمي. العلامات التجارية المحلية تُولد وتترعرع، والطهاة الأفارقة يكتسبون شهرة دولية متزايدة، والمنصات الرقمية تُضخّم الحضور الإفريقي على خريطة المذاقات العالمية. من «دوليما» في السنغال، إلى صلصات المافيه والتيبوديين التي تصل إلى موائد الجاليات الإفريقية في المهجر، إلى الفونيو الذي عاد إلى الساحة كغذاء فائق الجودة في الأسواق الإفريقية والأوروبية والأمريكية… هذه ليست حكايات جانبية، بل مؤشرات على نشوء قطاع اقتصادي كامل يحتاج إلى الاعتراف به كفاعل إستراتيجي، لا كفولكلور لطيف على هامش سياسات التنمية.
سؤال الجيل الحالي:
المرأة التي اختارت الأرز المستورد على الساحل في سبعينيات القرن الماضي كانت تتخذ قراراً منطقياً وفق الخيارات المتاحة لها آنذاك، والمرأة في نيروبي اليوم، التي تملأ سلتها بالمنتجات المصنَّعة، تتخذ هي الأخرى قراراً منطقياً في ضوء معروض السوق الحالي. لهذا، لا يدور السؤال الحقيقي حول «المستهلك» بقدر ما يدور حول طبيعة الخيارات المطروحة أمامه.
الإنتاج المحلي وحده لم يعد كافياً. المطلوب أن نُحوِّل المنتجات الإفريقية، وأن نوزعها بكفاءة، وأن نجعلها مرغوبةً ومنافسةً في السعر والجودة، حتى تصبح في متناول المستهلك تلقائياً. تبدأ السيادة الغذائية، عملياً، في اليوم الذي يتحوّل فيه «الخيار الإفريقي» إلى الخيار الأبسط والأقل كلفة والأكثر عملية؛ عندها يتغيّر منطق الاستهلاك، ويتحوّل الإنفاق اليومي للأسر والمؤسسات من عبء على ميزان المدفوعات إلى استثمار مباشر في السيادة الاقتصادية والثقافية للقارة.
ـــــــــــــــــــــ
رابط المقال:











































