خلافًا للمعالجات والتحليلات التي تناولت الحرب في إثيوبيا خلال العقد الأخير من زوايا سياسية وعسكرية، يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة اقتصادية أعمق لجذور الصراع ومآلاته، وتحليل انعكاساته على مسار الاقتصاد الإثيوبي والتنمية في البلاد.
وفي هذا الإطار، يستعرض المقال، بإيجاز، اقتصاديات الحرب في إثيوبيا، من حيث أسباب اندلاعها وتجددها، وتداعياتها الاقتصادية والتنموية، وذلك من خلال المحاور الآتية:
أولاً: الدولة التنموية والوضع الاقتصادي ما قبل الحرب الأولى.
ثانياً: حرب تيغراي الأولى وتداعياتها الاقتصادية (2020-2022م).
ثالثاً: اتفاق بريتوريا وحالة عدم اليقين الاقتصادي.
رابعاً: التصعيد العسكري الثاني وتداعياته الاقتصادية الحالية.
خامساً: الموقف الراهن والتداعيات الاقتصادية المحتملة.
أولاً: الدولة التنموية والوضع الاقتصادي ما قبل الحرب الأولى:
في الغالب تركزت تفسيرات حربي تيغراي وتحليلاتها على الأبعاد الثقافية والإثنية متجاهلةً إلى حدٍّ ما الأبعاد الاقتصادية. كما تفسر أن انهيار نموذج الدولة التنموية يعود إلى خلل هيكلي في التوزيع القطاعي وشروط تحرير الأراضي وفي التوظيف. وقد تجسد التحول الاقتصادي في عهد رئيس الوزراء «هايلي مريام ديسالين»- خاصةً بعد عام 2013م- في إطلاق مشاريع كبرى مثل سد النهضة وشبكة السكك الحديدية، غير أن هذا المسار واجه إخفاقات بنيوية[1].
وفي حقيقة الأمر حقق هذا النموذج نجاحاً ظاهرياً، حيث شهد العقدان الماضيان نمواً اقتصادياً سريعاً وانخفاضاً ملحوظاً في معدلات الفقر، فقد بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي 10.1٪ بين عامي 2002م و2018م، وانخفض معدل الفقر من 48٪ إلى 23٪ خلال الفترة نفسها مدفوعاً بالاستثمار العام في البنية التحتية وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتأسيس المجمعات الصناعية[2].
وتفسير ظاهرية هذا النجاح يكمن في أنه لا يقف على أرض صلبة، فخلف أرقام النمو، كانت الأزمات الهيكلية تتراكم في شكل عُملة مبالغ في قيمتها، ومديونية خارجية تتراكم تباعاً، وقوانين تعرقل القطاع الخاص وتخنق المبادرات الحرة. وبحلول عام 2016م، تراجعت الصادرات الإثيوبية بشكل ملحوظ لتصبح أقل حتى من مستويات عام 2012م. وفي سوق العمل، عجز الاقتصاد عن استيعاب أكثر من 1.8 مليون شاب في سن العمل سنوياً، وارتد معدل الفقر صاعداً نحو 32٪[3].
في ظل هذه الأزمات تصاعدت التوترات بين الحكومة الفيدرالية وسلطات إقليم تيغراي لأسباب مرتبطة بتعطل طريق أديس أبابا-ديسي-ميكيلي، والتقارب الدبلوماسي مع إريتريا، فضلاً عن تأجيل الانتخابات الوطنية بسبب جائحة كوفيد-19 وإصرار تيغراي على إجراء انتخاباتها الإقليمية في سبتمبر 2020م[4].
أدى التعثر الاقتصادي إلى تصدع ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية EPRDF، حيث استغل أعضاء شبان صاعدون- خاصةً من المنظمة الديمقراطية لشعوب أورومو OPDO- الضغوط المعيشية لتأجيج الشعبوية اليمينية والمشاعر المناهضة لتيغراي. وتوج هذا المسار بصعود أبي أحمد وتأسيس حزب الازدهار في ديسمبر 2019م عبر إعادة تعريف أيديولوجية الائتلاف وتبنّي الليبرالية الجديدة مع تهميش الأسس الإثنية للتمثيل السياسي. وعلى الصعيد الدولي، حظيت هذه التحولات بدعم مالي وسياسي واسع، تمثل في توقيع البنك الدولي لمساعدات تجاوزت 1.5 مليار دولار في عام 2022م وحده، وسط غض الطرف عن تداعيات الصراع[5].
ثانياً: حرب تيغراي الأولى وتداعياتها الاقتصادية (2020-2022م):
تحولت التوترات بين الحكومة الإثيوبية والسلطات في إقليم تيغراي إلى حرب شاملة في 4 نوفمبر 2020م، إثر هجوم مزعوم على القيادة الشمالية لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية من قِبل قوات تيغراي. تسببت هذه الحرب في دمار البنية التحتية وتعطيل الإنتاج وتشريد أكثر من أربعة ملايين شخص، مخلفة صدمات اجتماعية واقتصادية عميقة. حيث تعرضت المرافق الحيوية، مثل المطارات والطرق والجسور والمرافق الصحية والتعليمية ومحطات الطاقة والوقود وخطوط الاتصالات والمصانع، للتدمير والأضرار، مما أدى إلى إغلاق الشركات، وشح النقد وانتشار البطالة. وقد ترجم ذلك تراجع مؤشرات الاقتصاد الكلي التي كانت تعاني من ضغوط ارتفاع الدين والعجز المالي والتضخم المفرط، حيث[6]:
▪ تراجع النمو من 6.1٪ في الفترة 2020-2021م إلى 3٪ في 2021-2022م، متأثراً بشكل مباشر بتكلفة الحرب.
▪ ارتفع الدين العام وتوسعت الديون المحلية لتمويل الإنفاق العسكري المتصاعد (حيث قدر لعام 2022-2023م بنحو 25٪ من إجمالي الموازنة، أي حوالي 160 مليار بر إثيوبي).
▪ سجل تضخم المواد الغذائية مستويات قياسية متجاوزاً 30٪ عامي 2021 و2022م، وبلغ ذروته عند 43.9٪ في مايو 2022م، بينما بلغ تضخم المواد غير الغذائية 31.5٪ في أغسطس 2022م؛ مما أدى إلى تآكل حاد في القدرة الشرائية.
▪ تراجع سعر صرف البر إثيوبي مقابل الدولار بشكل حاد (من نحو 38 برّاً إلى أكثر من 53 برّاً للدولار)، وتزامن ذلك مع نمو السوق السوداء وتطبيق البنك المركزي لضوابط رأسمالية جديدة.
شكل (1): التداعيات الاقتصادية لحرب تيغراي الأولى (2020-2022م):

المصدر: إعداد الباحث من:
Center for International Private Enterprise (CIPE), The Impact of the War in Northern Ethiopia on Micro, Small and Medium-Sized Enterprises (MSMEs) and Marginal Economic Actors (MEAs) (Addis Ababa: CIPE, December 2022).
وبحسب التقارير، فقد التهمت الحرب أكثر من 28 مليار دولار في شكل خسائر اقتصادية وأضرار مادية تراكمية، شملت تعطيل سلاسل الإمداد وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي[7]. وقد بلغت الخسائر التي لحقت بالقطاعات الاجتماعية الأساسية وحدها (الصحة والتعليم) نحو 10.86 مليار دولار، مما أدى إلى خروج الغالبية العظمى من المستشفيات عن الخدمة وحرمان ملايين الأطفال من التعليم[8].
وأشارت التقديرات إلى أن النزاع وجائحة كوفيد-19 أديا إلى وقوع مليوني شخص إضافي تحت خط الفقر وفقدان أكثر من نصف مليون وظيفة، وتوقفت خدمات النقل وحركة التجارة في تيغراي لأكثر من عام [9].
وعلى الصعيد التشغيلي والصناعي، ألحقت الحرب دماراً واسعاً بالبنية التحتية الاقتصادية؛ حيث تعرضت المجمعات الصناعية الكبرى في إقليم تيغراي والمناطق المجاورة (مثل مجمعات ميكيلي وهاواسا الصناعية) لأضرار بالغة وتوقف تام عن العمل. وأسفر ذلك عن إغلاق الشركات والمنشآت العاملة وتقليص عملياتها الإنتاجية بنسب تجاوزت 60٪ إلى 80٪، فضلاً عن فقدان مئات الآلاف من الوظائف المباشرة في قطاعات حيوية كالنسيج والملابس والصناعات التحويلية التي تعتمد على رأس المال الأجنبي والتشغيل الكثيف[10].
شكل (2): المؤشرات الكلية للاقتصاد الإثيوبي خلال الفترة (2018-2026م):

المصدر: رسم الباحث من بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
ومن ناحية الاستثمار، أدت حالة عدم الاستقرار إلى فقدان البلاد لمكانتها كواحدة من أبرز الوجهات الجاذبة للاستثمار الأجنبي في شرق إفريقيا. وتشير تقارير الأونكتاد إلى أن تدفقاته تعرضت لتراجع حاد بنسب تراوحت بين 24٪ و30٪ خلال أعوام النزاع، مقارنة بالفترات السابقة التي كانت تسجل فيها البلاد تدفقات تراوحت بين 3.5 و4 مليارات دولار سنوياً، مما أدى إلى تجميد مئات المشاريع الاستثمارية الكبرى[11].
كما شهد الإنفاق العسكري قفزات مالية حادة استنزفت موارد الدولة. وتشير البيانات إلى أن الإنفاق العسكري الإثيوبي صعد من نحو 750 مليون دولار في عام 2020م إلى مستويات قياسية بلغت نحو 1.79 مليار دولار في عام 2022م، مما فاقم أزمة عجز الموازنة وأغرق البلاد في أزمة مديونية خارجية خانقة[12].
وقدرت تكاليف إعادة إعمار المناطق المتضررة جراء الحرب- وفي مقدمتها إقليم تيغراي والأقاليم المجاورة مثل أمهرة وعفر- بنحو 20 مليار دولار، مما اضطر الحكومة الفيدرالية إلى توجيه نداءات للشركاء الدوليين ووكالات التنمية العالمية للمساهمة في تمويل برامج التعافي[13].
وإقليمياً، امتدت التداعيات لتضرب اقتصادات دول القرن الإفريقي عبر قنوات تجارية ومالية مباشرة؛ حيث أدى فرار أكثر من 60,000 لاجئ إثيوبي نحو شرق السودان إلى تحميل البنية التحتية في ولايتي القضارف وكسلا أعباء إضافية قدرت بملايين الدولارات من الإنفاق الطارئ في قطاعات الصحة والغذاء. بالتوازي مع ذلك، تسبب إغلاق الطرق البرية الرئيسية وتوقف الشحن نحو إريتريا وميناء جيبوتي في شلل شبه تام لممر التجارة الإستراتيجي الذي يعتمد عليه الإقليم، مما أدى إلى تراجع حجم التبادل التجاري البيني بنسب تجاوزت 30٪، وحرمان خزينة الدولة من عائدات ترانزيت حيوية ضاعفت من شح النقد الأجنبي[14].
وأخيراً، شهدت حرب تيغراي الأولى انخراطاً عسكرياً ولوجستياً خارجياً واسعاً، أبرزه التدخل المباشر لقوات إريترية في مسارح العمليات الشمالية، واستماتة أطراف النزاع في تأمين شبكات تمويل عابرة للحدود لشراء العتاد العسكري. وقد استدعى هذا الانخفاض الحاد في الاستقرار استخدام أدوات الضغط الاقتصادي الغربي، حيث أقدمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على تعليق حزم مساعدات تنموية وقروض مباشرة لإثيوبيا تجاوزت 1.2 مليار دولار خلال أعوام النزاع، وهو ما حرم الخزينة العامة من سيولة دولارية وأجبر الحكومة على البحث عن مصادر تمويل بديلة عالية التكلفة[15].
ثالثاً: اتفاق بريتوريا وحالة عدم اليقين الاقتصادي:
توقفت حرب تيغراي الأولى رسمياً بتوقيع اتفاقية وقف الأعمال العدائية في بريتوريا في الثاني من نوفمبر 2022م، بوساطة الاتحاد الإفريقي وبرعاية دولية وإقليمية. جاء هذا الاتفاق بعد أن استنزفت سنوات الحرب الموارد العامة وأوصلت البلاد إلى حافة الانهيار، حيث نص على نزع السلاح تدريجياً لقوات تيغراي، وإعادة ربط الإقليم بالخدمات الأساسية، واستعادة سيطرة الحكومة الفيدرالية على الحدود والمؤسسات الفيدرالية، مقابل عودة تدفق المساعدات الإنسانية ورفع الحصار[16].
وقد انعكس توقف الحرب بشكل إيجابي على مؤشرات الاقتصاد الكلي، إذ أسهم في تخفيف الضغوط على موازنة الدولة وإتاحة المجال لاستئناف الأنشطة الإنتاجية في الأقاليم الشمالية التي توقفت لأكثر من عامين. وتشير بيانات البنك وصندوق النقد الدوليين إلى أن عودة الاستقرار النسبي ساعدت على بدء تعافي الاقتصاد، حيث أشارت تقارير عام 2024م إلى أنه بدأ يسجل معدلات نمو مستقرة نسبياً تحوم بين 6٪ و7٪[17].
ولكن استمرت تداعيات الحرب وتأثيراتها في بقاء معدلات التضخم مرتفعة، حيث تراوحت لسنوات الحرب وما بعدها بين 30٪ و35٪، مما أضعف القوة الشرائية وأثقل كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة.
كما واجه البر الإثيوبي شحّاً غير معتاد في النقد الأجنبي بالبنوك الرسمية، مما أدى إلى اتساع الفجوة السعرية مع السوق الموازية بنسب تجاوزت 100٪، ودفع الحكومة لاحقاً نحو اعتماد نظام سعر صرف مرن بوصفه جزءاً من حزمة إصلاحات.
كما تسببت تكاليف الحرب في تقليص الاحتياطيات الأجنبية ووضع ضغوط قاسية على الخزينة العامة، مما أدى إلى تجاوز الدين مستويات حرجة تراوحت بين 28 و30 مليار دولار، ودفع البلاد لطلب إعادة هيكلة شاملة لديونها الخارجية تحت إطار مجموعة العشرين[18].
أما على صعيد الإنفاق العسكري، الذي بلغ مستويات قياسية غير مسبوقة أثناء ذروة المعارك، فقد شهد تراجعاً ملحوظاً في أعقاب توقيع اتفاقية بريتوريا والتفاهمات اللاحقة في نيروبي. فبعد أن قفز لتمويل الحرب، انخفض تدريجياً في السنوات اللاحقة مع انحسار العمليات القتالية. وقد أتاح هذا التراجع النسبي متنفساً للخزينة العامة، مما مكّن الحكومة الفيدرالية من توجيه جزء من الموارد نحو حزم الإصلاح الاقتصادي وإعادة جدولة الديون[19].
شكل (3): قيمة وحصة الإنفاق العسكري الإثيوبي خلال الفترة (2018-2026م):

المصدر: رسم الباحث من بيانات معهد ستوكهولم للسلام والبنك الدولي.
رابعاً: التصعيد العسكري الثاني وتداعياته الاقتصادية الحالية:
تعثرت اتفاقية بريتوريا تحت وطأة تعقيدات سياسية واسعة، مما دفع الأوضاع في إقليم تيغراي نحو الحرب. وتعود جذور هذا التآكل السريع إلى تعثر تنفيذ البنود الجوهرية للاتفاق، وتحديداً تلك المرتبطة بنزع السلاح، والتسريح، وإعادة دمج المقاتلين، وتخصيص الإدارة المؤقتة في تيغراي لأكثر من نصف ميزانيتها الشحيحة لإعاشة المقاتلين المنتظرين للتسريح. فضلاً عن تفاقم الخلافات حول المناطق الحدودية المتنازع عليها (ولا سيما غرب تيغراي)، إضافةً إلى التنافس السياسي الداخلي واعتراض الإدارة المحلية على خطط عودة النازحين التي طرحتها الحكومة الفيدرالية من جانب واحد، مما أدى إلى تصعيد الخطاب المتبادل وتحشيد القوات العسكرية على طول خطوط التماس[20].
انعكس هذا المناخ الجيوسياسي المتوتر مباشرةً على الاقتصاد الذي كان يعاني أصلاً من تركة النزاع السابق، حيث شهد الإنفاق العسكري والأمني تذبذبات، تراوحت تخصيصاته بين 528 و700 مليون دولار (ما يعادل تقريباً 0.49٪ إلى 0.65٪ من الناتج المحلي الإجمالي)، وهي مبالغ تستهلك نحو 6.9٪ من إجمالي الإنفاق الحكومي على حساب القطاعات الأخرى.
بالتوازي مع ذلك، تواجه الخزينة العامة ضغوطاً نقدية تمثلت في بقاء معدلات التضخم عند مستويات حرجة، فضلاً عن الهبوط الحاد في قيمة العملة نتيجة شح النقد الأجنبي وغياب الثقة الاستثمارية، ليصل سعر الصرف الرسمي إلى نحو 162 برّاً للدولار الواحد، متسعاً بفجوة هائلة عن السوق الموازية، تزامناً مع تفاقم أزمة مديونية[21].
كما دخلت بيئة الأعمال في حالة من عدم اليقين، وترقب المخاطر، حيث أدى تجدد الصراع إلى الحيلولة دون عودة تدفقات الاستثمار إلى معدلاتها الطبيعية. وبحسب تقارير البنك الدولي، فإن استمرار المخاطر الأمنية أبقى نمو الاستثمار الخاص محصوراً في قطاعات ضيقة وعالية المخاطر، مع ركود ملحوظ في الاستثمارات طويلة الأجل الموجهة لقطاعات البنية التحتية والتطوير الصناعي[22]. وكل ذلك خلق بيئة طاردة للمستثمرين الأجانب الذين واجهوا عقبات في تحويل أرباحهم[23].
كما أنتجت تلك الأوضاع كارثة إنسانية واجتماعية، حيث تشير البيانات إلى وجود نحو 900,000 نازح داخلي يعيشون في مخيمات الإيواء المؤقت داخل إقليم تيغراي، نسبة هائلة منهم تصل إلى 83٪ أمضوا أكثر من ثلاث سنوات بعيداً عن ديارهم دون القدرة على عودة آمنة، بينما تتجاوز أعداد النازحين على مستوى عموم البلاد مستويات 4.4 ملايين شخص.
وفي السياق ذاته، حذرت مكاتب الصحة الإقليمية من الشلل شبه التام للقطاع الصحي الذي يعمل بأقل من ثلث طاقته الفعلية، وسط نقص حاد في الأدوية، وتراجع إمدادات المساعدات الغذائية الدولية بنسب تجاوزت 56٪. أما قطاع التعليم، فلم يستقطب سوى 47٪ فقط من الطلاب المقيدين، بينما تبقى أكثر من 411 مدرسة خارج الخدمة جراء الدمار[24].
وإقليمياً، تجلت التداعيات في تقويض ثقة المستثمرين الدوليين والإقليميين في مشاريع التنمية العابرة للحدود، إذ أدت حالة «لا حرب حاسمة ولا سلم مستدام» إلى انكماش تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الموجه لمشاريع البنية التحتية المشتركة في ممر القرن الإفريقي بنسبة يقدرها الخبراء بنحو 15٪. كما اضطرت دول الجوار (مثل كينيا وجيبوتي والسودان) إلى إعادة توجيه جزء معتبر من مواردها المالية لتعزيز التدابير الأمنية وحماية الحدود للتعامل مع تداعيات تدفقات النزوح المحتملة، مما استنزف موارد مالية نادرة كانت موجهةً لدعم مشاريع التكامل الاقتصادي الإقليمي[25].
في المقابل، لعبت الهيئات الإقليمية والدولية الأخرى أدواراً اقتصادية وسياسية متشابكة في مرحلة ما بعد بريتوريا، حيث قادت (الإيغاد) ومجموعة البنك الدولي مسارات ضغط مشروط لربط تدفق حزم التمويل الجديدة للإصلاح الاقتصادي بالتزام الحكومة بمسار السلام ونزع السلاح، كما سعت قوى إقليمية ودولية كبرى لتعزيز نفوذها عبر تقديم قروض ومساعدات مالية مشروطة للاحتفاظ بموطئ قدم في حوض النيل والقرن الإفريقي، مما جعل الاقتصاد الإثيوبي رهيناً لصراع جيوسياسي دولي وشروط الدائنين[26].
خامساً: الموقف الراهن والتداعيات الاقتصادية المحتملة:
تخوض إثيوبيا في المرحلة الراهنة منعطفاً اقتصادياً بالغ الخطورة، إثر الانهيار التام للترتيبات السلمية واشتعال المواجهات العسكرية خارج أي إطار تفاوضي قائم. وفي ظل هذا المشهد، يتعرض الاقتصاد لصدمة هيكلية عميقة تهدد بتقويض كافة مساعي التعافي، مما يضعه أمام أكثر من سيناريو:
يأتي السيناريو الأول (الحرب الشاملة والتصعيد المفتوح) بوصفه أحد أخطر السيناريوهات المتوقعة؛ حيث يتوقع أن تؤدي توسعة رقعة المعارك مع إريتريا إلى قفزة هائلة في مخصصات الإنفاق الدفاعي والأمني لتتجاوز عتبة 1.8 مليار دولار (مقارنةً بذروة عام 2022م). هذا الاستنزاف سيجبر الحكومة الفيدرالية على تجميد النفقات الرأسمالية ومشاريع البنية التحتية والمجتمعية بشكل كامل، وتحويل كافة الموارد المالية المتاحة نحو المجهود العسكري، مما يقود بالضرورة إلى إشعال معدلات التضخم السنوي لتتجاوز حاجز 40٪، وانهيار إضافي حاد في قيمة العملة الوطنية[27].
كما يحمل هذا السيناريو تداعيات على المديونية الخارجية، إذ إن اندلاع حرب شاملة مع إريتريا سيكمل عزل البلاد دولياً ويؤدي إلى التجميد الفوري لمفاوضات إعادة هيكلة الديون، مما يضع الخزينة العامة في مواجهة مباشرة مع خطر التعثر المالي وفقدان الثقة الاستثمارية الدولية.
وفي المقابل، يجسد السيناريو الثاني (الاستنزاف المزمن والحرب المستمرة) الواقع الميداني الراهن القائم على استمرار الاشتباكات المتقطعة والجمود العسكري دون أفق حسم. وتتجسد الخسائر الاقتصادية لهذا السيناريو في استنزاف الخزينة العامة لتغطية الأعباء الهيكلية الباهظة، وعلى رأسها إعاشة النازحين في مخيمات الإيواء المؤقت، والإعاشة الطارئة لمقاتلي تيغراي المنتظرين للتسريح، إلى جانب بقاء الإنفاق العسكري مرتفعاً[28].
يمتد هذا السيناريو إلى ضرب بيئة الأعمال والاستثمار في صميمها، جراء إبقاء الاقتصاد في حالة من عدم اليقين، وقلق أمني دائم يعوق عودة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي شهدت تراجعاً كبيراً خلال الأزمات السابقة. فضلاً عن استمرار انكماش تدفقات الاستثمار الإقليمي الموجه لمشاريع ممر القرن، وبقاء قطاعات حيوية كالتعليم والصحة تحت وطأة الشلل مع تراجع المساعدات الدولية، مما يُدخل البلاد وخاصةً الأقاليم الشمالية في حلقة مفرغة من الفقر والركود[29].
على النقيض من المسارين السابقين، يبرز السيناريو الثالث (الوقف العاجل لإطلاق النار واستئناف مسار السلام) كمخرج اقتصادي لإنقاذ الاقتصاد الإثيوبي من الانهيار الشامل، وهو سيناريو يقوم على الوقف الفوري للعمليات القتالية داخليًا مع تيغراي وخارجيًا مع إريتريا.
سيؤدي هذا التحول الجذري إلى خفض ملموس في الإنفاق الدفاعي، وتوجيه الوفر المالي نحو إعادة إعمار البنية التحتية المدمرة في الشمال، واستئناف الأنشطة المعطلة. وبدعم من حزم التمويل والإصلاح الهيكلي التي تقودها المؤسسات المالية، سيساهم هذا المسار في كبح معدلات التضخم، واستقرار سعر الصرف، واستعادة ثقة المستثمرين[30].
خاتمة:
تُظهر التداعيات الاقتصادية لحرب تيغراي الأولى، وتلك الحالية والمتوقعة لتجدد تلك الحرب مرةً ثانية، أن الصراع يمثل العائق الأكبر أمام عمليات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي في إثيوبيا، حيث استنزفت الحرب الأولى الموارد العامة من خلال زيادة الإنفاق العسكري، وتراجع النمو وارتفاع معدلات التضخم، وارتفاع المديونية، وانهيار قيمة العملة بسبب تعطل عجلة الإنتاج، وتراجع الاستثمار، وهو ما تسبب في انهيار الخدمات الأساسية، مع موجات نزوح هائلة.
ومع تجدد الصراع، ذهبت محاولات التعافي أدراج الرياح، لتعود مؤشرات الاقتصاد الكلي إلى سيرتها الأولى المتراجعة.
هذه الفاتورة لا تقتصر على شلل الأنشطة الاقتصادية وفقدان الوظائف في إثيوبيا فقط، وإنما تضرب التكامل الإقليمي متمثلاً في ممر القرن الإفريقي وسلاسل الإمداد الإقليمية، وتقوض ثقة المستثمرين الدوليين والإقليميين.
………………………………
المراجع:
[1] Semhal M. Zenawi and Mehdi Labzaé, “The Ethiopian Economy, Nation-Building and the Tigray War: An Interview with Semhal M. Zenawi by Mehdi Labzaé,” Politique africaine, NO. 173 (2024): 164–165, 167, 169–170.
[2] Center for International Private Enterprise (CIPE), The Impact of the War in Northern Ethiopia on Micro, Small and Medium-Sized Enterprises (MSMEs) and Marginal Economic Actors (MEAs) (Addis Ababa: CIPE, December 2022).
[3] Semhal M. Zenawi and Mehdi Labzaé, Op.cit. 164–169.
[4] Ibid. pp.165–172.
[5] Ibid. pp.165, 166, 172.
[6] Center for International Private Enterprise (CIPE), Op.cit.
[7] Addis Standard, “Ethiopia’s Wars Devour More than $28 b in Economic Loss, Damages; $20 b needed for Reconstruction,” Addis Standard, accessed October 2026, https://addisstandard.com/news-ethiopias-wars-devour-more-than-28-b-in-economic-loss-damages-20-b-needed-for-reconstruction/.
[8] Daily News Egypt, “Ethiopia’s Tigray War: Social Sector Destruction Totals $10.86 Billion,” Daily News Egypt, accessed October 2026, https://africa.dailynewsegypt.com/ethiopia-tigray-war-damage-10-billion/.
[9] Center for International Private Enterprise (CIPE), Op.cit.
[10] International Crisis Group (ICG), “A Fragile Peace: Assessing the Aftermath of Ethiopia’s Northern Conflict,” Crisis Group Africa Report, No. 320 (2025): 18–32, https://www.crisisgroup.org.
[11] United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), “World Investment Report: Ethiopia Country Profiles,” UNCTAD Reports, accessed October 2026, https://unctad.org.
[12] The Global Economy, “Ethiopia Military Spending – Data, Chart,” The Global Economy Database (SIPRI Source), accessed October 2026, https://www.theglobaleconomy.com/Ethiopia/mil_spend/.
[13] Al Jazeera, “One year on, peace holds in Tigray, but Ethiopia still fractured,” Al Jazeera News, accessed October 2026, https://www.aljazeera.com/gallery/2023/11/2/photos-one-year-on-peace-holds-in-tigray-but-ethiopia-still-fractured.
[14] United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR), “Ethiopia Situation: Sudan Emergency Refugee Update and Regional Economic Impacts,” UNHCR Operational Reports, accessed October 2026, https://www.unhcr.org.
[15] International Crisis Group (ICG), Op.cit. pp.18–32.
[16] African Union (AU), “Agreement for Lasting Peace through a Permanent Cessation of Hostilities between the Government of the Federal Democratic Republic of Ethiopia and the Tigray Peoples’ Liberation Front (TPLF),” African Union Peace and Security Department, accessed October 2026, https://www.peaceau.org.
[17] International Monetary Fund (IMF), “The Federal Democratic Republic of Ethiopia: Request of an Arrangement Under the Extended Credit Facility-Press Release; Staff Report,” IMF Staff Country Reports, No. 24/253 (2024): 45–60, https://www.imf.org.
[18] Ibid. pp.45-60.
[19] The Global Economy, “Ethiopia Military Spending – Data, Chart. Op.cit.
[20] Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP), “The Tigray Region in the Grey Zone between War and Peace,” SWP Research Paper, No. 29 (2026): 1–15, https://www.swp-berlin.org.
[21] Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI) & Trading Economics, “Ethiopia Military Expenditure and Macroeconomic Indicators,” Trading Economics Database, accessed October 2026, https://tradingeconomics.com/ethiopia/military-expenditure.
[22] World Bank Group, “Ethiopia Economic Update: Private Sector Dynamics and Investment Climate,” World Bank Reports, accessed October 2026, https://www.worldbank.org.
[23] International Monetary Fund (IMF), “The Federal Democratic. Op.cit. pp.45–60.
[24] Omna Tigray, “Quarterly Situation Report I: March 2026,” Omna Tigray Research & Documentation, accessed October 2026, https://omnatigray.org.
[25] Intergovernmental Authority on Development (IGAD), Op.cit.
[26] World Bank Group, Op.cit.
[27] Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI) & Trading Economics, Op.cit.
[28] Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP), “The Tigray Region in the Grey Zone between War and Peace,” SWP Research Paper, No. 29 (2026). pp.1–15, https://www.swp-berlin.org.
[29] Omna Tigray, Op.cit.
[30] International Monetary Fund (IMF), Op.cit.











































