حذَّرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان من أن إجراء الانتخابات الوطنية المرتقبة في البلاد دون توافر الضمانات السياسية والأمنية وحقوق الإنسان الأساسية، إلى جانب غياب حوار سياسي حقيقي وشامل، قد يؤدي إلى تجدد الصراع وارتفاع مخاطر ارتكاب الجرائم.
وكانت جوبا قد أعلنت في يونيو الماضي عزمها على تنظيم انتخابات في ديسمبر من العام الجاري، وذلك في انتخابات من المفترض أن تكون الأولى من نوعها بعد نحو 15 عامًا على استقلال جنوب السودان عن الخرطوم.
وقالت اللجنة، اليوم الخميس، في تقرير استشاري جديد بعنوان “على شفا الهاوية: منع الجرائم الفظيعة وحماية المرحلة الانتقالية في جنوب السودان” إن البلاد تتجه إلى أول انتخابات وطنية منذ استقلالها، بينما لا تزال الضمانات المطلوبة لإجراء اقتراع سلمي وذي مصداقية يقود إلى تحول ديمقراطي غائبة إلى حد كبير.
وأكدت اللجنة أن مخاوفها لا تتعلق بمبدأ إجراء الانتخابات، بل بمدى قدرة مواطني جنوب السودان على ممارسة حقهم في التصويت بحرية وأمان ودون خوف، وبما يساهم في ترسيخ التحول الديمقراطي بدلاً من تعميق الانقسامات القائمة.
وأشارت إلى أن عدة عوامل تنذر بارتكاب جرائم فظيعة تتجمع في الوقت نفسه، مع استئناف القتال في مناطق عدة، وتراجع السياسة الشاملة، وضعف المساحة المدنية والضمانات الدستورية، واستمرار غياب آليات المساءلة، واستبعاد قطاعات واسعة من السكان عن المشاركة السياسية الفعلية.
جدول المحتويات
مخاطر تتجاوز صناديق الاقتراع
وبحسب اللجنة، فإن إجراء الانتخابات دون استراتيجية لترسيخ الديمقراطية ومنع الانقسامات الوطنية قد يحول العملية الانتخابية إلى عامل لتأجيج الصراع بدلًا من أن تكون وسيلة سلمية لحل الخلافات السياسية.
وقالت رئيسة اللجنة، ياسمين سوكا، إن شعب جنوب السودان انتظر 15 عامًا للإدلاء بأصواته الأولى كمواطنين في دولة مستقلة، مؤكدة أن من حقه اختيار حكومته عبر انتخابات حرة وسلمية وديمقراطية.
وأضافت أن المواطنين يستحقون انتخابات تمنحهم صوتًا، وليس انتخابات تعرض حياتهم للخطر، محذرة من أن الديمقراطية السلمية لا يمكن أن تُبنى على أساس من الصراع المسلح والخوف والإقصاء.
وترى اللجنة أن الضمانات التي صُممت لمنع عودة البلاد إلى الحرب يجري تفكيكها بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات، في وقت تتزايد فيه عوامل الخطر المرتبطة بالعنف السياسي والإقصاء.
عودة السلاح وتراجع الضمانات
وبالاستناد إلى إطار الأمم المتحدة لتحليل الجرائم الفظيعة، خلصت اللجنة إلى أن عوامل الخطر لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما يعزز بعضها بعضًا، مشيرة إلى تجاور الصراع المسلح المتجدد مع ضعف المؤسسات وترسخ الإفلات من العقاب والحكم الإقصائي والفساد وتقلص المجال المدني والخطاب التحريضي.
في المقابل، تراجعت أو توقفت الآليات القادرة على الحد من هذه المخاطر، ومن بينها مراقبة وقف إطلاق النار، ومؤسسات العدالة المستقلة، والحوار السياسي الشامل.
وقال مفوض اللجنة، بارني أفاكو، إن جنوب السودان لا يزال في مرحلة انتقالية يفترض أن تضع حدًا لدورات العنف والقمع، محذرًا من السماح للانتخابات بأن تتحول إلى “ساحة معركة عنيفة أخرى”.
وأضاف أن اتفاق السلام كان يهدف إلى إخراج السلاح من المنافسة السياسية وبناء أنظمة تضمن استقرار البلاد وازدهارها، لكن الأسلحة تعود في وقت تختفي فيه ضمانات المنافسة السياسية السلمية.
اتفاق السلام أمام اختبار التنفيذ
وبموجب الاتفاق المنقح لتسوية النزاع في جنوب السودان، كان من المفترض أن يشكل إصلاح القطاع الأمني والمساءلة والإصلاح الدستوري الأساس لإجراء انتخابات ذات مصداقية.
لكن اللجنة قالت إن التسلسل المتفق عليه في الاتفاق لم يُنفذ، مشيرة إلى أن أحدث تقييم حكومي يظهر أن “46.4% من أحكام الاتفاق لا تزال معلقة”، في حين لم تكتمل عملية توحيد القوات الوطنية واستؤنف القتال في أجزاء من البلاد.
وحذرت من أن المضي قدمًا في الانتخابات دون معالجة هذه النواقص قد يؤدي إلى نتيجة تفتقر إلى الشروط اللازمة للمنافسة السلمية والمشاركة السياسية الفعلية وثقة المواطنين.
وأكد مفوض اللجنة كارلوس كاستريسانا فرنانديز أن الانتخابات لا تصبح ذات مصداقية لمجرد إجرائها في الموعد المحدد، وإنما عندما يتمكن المواطنون من التصويت دون خوف، ويستطيع المنافسون السياسيون المشاركة بحرية، وتتمكن المحاكم من الفصل في النزاعات بصورة مستقلة.

8 شروط لانتخابات سلمية في جنوب السودان
حددت اللجنة مجموعة من الشروط الأساسية التي تراها ضرورية لإجراء انتخابات ذات مصداقية وخالية من العنف، في مقدمتها وقف حقيقي للأعمال العدائية يخضع للمراقبة، وتوحيد قوات الأمن الوطنية تحت قيادة غير حزبية، واستعادة المجالين المدني والسياسي.
كما تشمل الشروط وجود مؤسسات انتخابية مستقلة، وآليات فعالة ومحايدة لحل النزاعات الانتخابية، وضمان مشاركة النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة والنازحين واللاجئين.
ودعت اللجنة كذلك إلى اتخاذ إجراءات لمنع خطاب الكراهية والتحريض والتصدي لهما، وضمان مشاركة سياسية متساوية لجميع الأطراف، باعتبار أن هذه الضمانات تمثل الأساس الذي يسمح بتحويل الانتخابات إلى عملية ديمقراطية سلمية.
وأقرت اللجنة في الوقت نفسه بحجم الإحباط الذي يشعر به مواطنو جنوب السودان بعد سنوات من المرحلة الانتقالية السياسية الممتدة وانعدام الأمن والصعوبات الاقتصادية، معتبرة أن الانتخابات تمثل بالنسبة إلى كثيرين فرصة مشروعة للمساهمة بصورة سلمية في رسم مستقبل البلاد السياسي.
دعوة إلى حوار سياسي شامل
ودعت اللجنة الحكومة وجميع الأطراف الموقعة على اتفاق السلام إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية، واستعادة الترتيبات الأمنية الانتقالية، ووقف حشد الجهات المسلحة، وإعادة عقد حوار سياسي شامل بصورة عاجلة.
وطالبت بأن يشمل الحوار فصيل الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة بقيادة الدكتور رياك مشار، والجماعات الرافضة للاتفاق، والمجتمع المدني، وممثلي النساء والشباب.
كما دعت إلى الإفراج عن قادة المعارضة المحتجزين، بمن فيهم مشار، ما لم تتم إحالتهم سريعًا إلى محكمة مستقلة ومحايدة، في إجراءات تتوافق بالكامل مع معايير حقوق الإنسان الدولية وضمانات المحاكمة العادلة.
وأكدت اللجنة أن وجود عملية سياسية شاملة قائمة على التوافق يمثل شرطًا أساسيًا لاستعادة الضمانات اللازمة لتحقيق انتقال سلمي وديمقراطي، مشددة على مسؤولية القيادة والمؤسسات في توفير بيئة آمنة لممارسة المواطنين حقوقهم السياسية.
تحرك دولي لمنع تجدد الحرب
حثت اللجنة الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيجاد» والأمم المتحدة والشركاء الدوليين على تكثيف الدبلوماسية الوقائية المنسقة، ودعم العودة إلى مرحلة انتقالية شاملة قائمة على التوافق.
وقالت إن المسار الحالي ليس حتميًا، ولا تزال هناك فرصة لاستعادة الضمانات الضرورية حتى تصبح الانتخابات خطوة نحو الانتقال الديمقراطي بدلًا من أن تتحول إلى شرارة لصراع جديد، لكن ذلك يتطلب عودة فورية إلى الحوار السياسي الشامل وبناء التوافق وتنفيذ اتفاق السلام.
وحذرت اللجنة من أن نافذة منع العودة إلى مستوى الفظائع والنزوح الذي عانى منه جنوب السودان بين عامي 2013 و2018 تضيق، لكنها لم تُغلق بالكامل بعد.
وأكدت أن جنوب السودان لا يفتقر إلى اتفاقات السلام أو الأطر أو خرائط الطريق، وإنما يواجه أزمة في تنفيذها وفي مساءلة من يختارون السلطة على حساب حماية السكان، معتبرة أن التحرك العاجل لا يزال قادرًا على تغيير المسار قبل أن تتحول الانتخابات إلى مصدر جديد للعنف.










































