د. نِهاد محمود
باحثة متخصصة في الشؤون الإفريقية
دكتوراه في العلوم السياسية- جامعة القاهرة
يمثل موضوع “إفريقيا والإعلام الرقمي” واحدًا من الموضوعات التي تستقطب اهتمامات الباحثين وصنّاع السياسات والمؤسسات الإعلامية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الأخبار بفعل الثورة الرقمية، وتنامي دور منصات التواصل الاجتماعي، والتطورات المتلاحقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقد شهدت بيئة الإعلام على المستوى الوطني والعالمي على حدٍّ سواء خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة فرضتها الثورة الرقمية، وتنامي دور منصات التواصل الاجتماعي، والتطورات المتلاحقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على طرق إنتاج الأخبار وتوزيعها واستهلاكها.
كما أعادت هذه التحولات تشكيل علاقة الجمهور (القارئ، المستمع، المشاهد) بالمؤسسات الإعلامية، وأثارت تساؤلات متزايدة حول مستويات الثقة في الأخبار، ومستقبل الصحافة المهنية، وقدرة وسائل الإعلام على التكيف مع بيئة إعلامية تتسم بتعدد المنصات وسرعة تداول المعلومات.
وفي هذا الإطار، يبرز الحديث عن تقرير الأخبار الرقمية الصادر عام 2026، بوصفه مدخلاً مهماً لفهم التحولات التي يتعرض لها المشهد الإعلامي (محلياً وعالمياً).
وانطلاقاً من ذلك، يسعى هذا المقال لتقديم قراءة لأبرز ما ورد في تقرير الأخبار الرقمية 2026، تبدأ باستعراض منهجيته وأبرز مرتكزاته، ثم تتناول أهم الاتجاهات والنتائج على المستوى العالمي، قبل أن تنتقل إلى قراءة تحليلية لثلاث حالات من دول إفريقيا جنوب الصحراء ركز عليها التقرير، هي كينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، على الترتيب.
يتيح اختيار دراسات الحالة الوقوف على أبرز ملامح المنظومة الإعلامية في هذه الدول (التقليدي والرقمي)، وأنماط استهلاك الأخبار، ومستويات الثقة في وسائل الإعلام، في سياقات إفريقية تتباين في خصائصها الجغرافية (إذ تعبّر كل منها عن إقليم مختلف في إفريقيا: شرقاً وغرباً وجنوباً) وكذلك في تجاربها السياسية، وصولاً إلى الساحة الإعلامية.
في هذا المقال:
أولاً: تقرير الأخبار الرقمية 2026: جهة الإصدار والمنهجية والبنية
يُعدّ تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 Digital News Report 2026 الإصدار الـ 15 من السلسلة التي يصدرها معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، ويُعدّ من أبرز التقارير الدولية المتخصصة في دراسة أنماط استهلاك الأخبار ووسائل الإعلام الرقمية حول العالم.
ويستند التقرير إلى نتائج استطلاع شمل ما يقرب من 100 ألف مشارك في 48 دولة، خاصة الدول ذات الاستخدام المرتفع نسبياً للإنترنت، نظراً لاعتماد التقرير على استطلاعات إلكترونية (شكل 1).

وبخصوص المنهجية، فقد اعتمد تقرير الأخبار الرقمية 2026 على مسح إلكتروني نفذته مؤسسة YouGov خلال الفترة من منتصف يناير حتى نهاية فبراير 2026م، بهدف رصد أنماط استهلاك الأخبار في 48 سوقاً إعلامية حول العالم (شكل 2).
واستندت الدراسة إلى عينات تمثيلية وُضعت وفق حصص ديموغرافية تشمل العمر والنوع والمنطقة الجغرافية، مع تطبيق معايير إضافية للتعليم والانتماء السياسي في عدد من الدول، ثم جرى وزن البيانات بما يتوافق مع الإحصائيات السكانية المعتمدة.
ويشير التقرير هنا إلى أن نتائج كل من كينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا والهند تمثل مستخدمي الإنترنت الناطقين بالإنجليزية، ولا تعكس بالضرورة التوزيع السكاني الوطني، كما يؤكد أن نتائج الدراسة تمثل بصورة أساسية السكان المتصلين بالإنترنت، مع ضرورة توخي الحذر عند إجراء المقارنات بين الدول التي تختلف في معدلات انتشار الإنترنت.
ويعتمد التقرير على بيانات السلوك المصرح به من قبل المشاركين، مع الإقرار بأن هذا النوع من الاستطلاعات يقيس تصورات الأفراد وآراءهم أكثر مما يعكس سلوكهم الفعلي، وهو ما يفرض بعض القيود المنهجية عند تفسير النتائج، ولا سيما فيما يتعلق بالفئات الأقل استخداماً للإنترنت أو المجموعات السكانية الصغيرة.

أما فيما يتعلق ببنية وهيكل التقرير، فيركز على 3 محاور رئيسة (شكل 3) تتمثل في: التحول المتسارع نحو المنصات الرقمية بوصفها البوابة الأساسية للوصول إلى الأخبار، وصعود الفيديو وصناع المحتوى والذكاء الاصطناعي في البيئة الإخبارية، إلى جانب تطورات مستويات الثقة في وسائل الإعلام والمؤسسات الإخبارية.

ثانياً: تقرير الأخبار الرقمية 2026: قراءة عالمية
تكشف نتائج تقرير الأخبار الرقمية 2026 عن تحولات لافتة في المشهد الإعلامي العابر للقارات، تعكس تأثير المتغيرات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة على علاقة الجمهور بالأخبار ووسائل الإعلام عموماً.
وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتآكل كثير من المسلمات التي حكمت البيئة السياسية والإعلامية لعقود، يرصد التقرير حالة متزايدة من القلق وعدم اليقين لدى الجمهور، انعكست بصورة واضحة على مستويات الثقة في الأخبار.
وقد انخفضت الثقة بشكل ملحوظ في 29 سوقاً إعلامية من أصل 48 شملتها الدراسة، لتسجل أدنى مستوياتها منذ أن بدأ معهد رويترز قياس هذا المؤشر، بعد فترة من الاستقرار النسبي.
ويرى التقرير أن هذا التراجع لا يعكس تغيراً عابراً، بل يكشف عن هشاشة متزايدة في البيئة المؤسسية للإعلام، نتيجة تفاعل عوامل سياسية واجتماعية وتكنولوجية أوسع.
إلى جانب التغيرات المتسارعة في أنماط استهلاك الأخبار التي أعادت تشكيل مسارات وصول الجمهور إلى المعلومات، وهو ما يفرض تحديات متزايدة أمام المؤسسات الإخبارية للحفاظ على مصداقيتها واستعادة ثقة جمهورها.
وفي سياق هذه التحولات، يؤكد التقرير أن المنصات الاجتماعية وشبكات الفيديو أصبحت المصدر الأول للحصول على الأخبار عالمياً، كما سيوضح الشكل التالي، متجاوزةً- لأول مرة- القنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية التابعة للمؤسسات الإخبارية.
كما يبرز تصاعد أهمية الفيديو الرقمي وصُنّاع المحتوى والمؤثرين باعتبارهم جزءاً رئيسياً من البيئة الإخبارية، حيث يعتمد نحو ربع الجمهور المشمول بالتقرير على هؤلاء للحصول على جانب من الأخبار.
ويشير التقرير إلى أن صُنّاع المحتوى الإخباري يحظون بأعلى مستويات الانتشار في دول الجنوب العالمي، ولا سيما في أسواق آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، التي تشكل معظم الأسواق العشرة الأولى من حيث الاعتماد عليهم.
وفي المقابل، يظل تأثيرهم أقل في أوروبا واليابان، ارتباطاً بانخفاض استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو كمصادر للأخبار في تلك المناطق.
ومع ذلك، تسجل بعض الدول الأوروبية التي تواجه تحديات في مجال حرية الصحافة، مثل المجر وصربيا، مستويات استخدام لصُنّاع المحتوى تقترب من المتوسط العالمي، بما يعكس دورهم المحتمل كأصوات مستقلة في البيئات التي تواجه فيها الصحافة التقليدية قيوداً مختلفة.

لكن على الرغم من ذلك؛ لا يرى التقرير أن تنامي الاعتماد على صُنّاع المحتوى الإخباري يأتي بالضرورة على حساب المؤسسات الإعلامية التقليدية، إذ تشير البيانات إلى أن معظم الجمهور الذي يتابع الأخبار عبر هؤلاء لا يستبدلهم بالمصادر التقليدية، وإنما يستخدمهم بصورة مكمّلة لعاداته الإخبارية القائمة.
ويعكس ذلك تحولاً في طبيعة العلاقة بين الجمهور ومصادر الأخبار، حيث أصبح التنوع في المنصات والأساليب الإخبارية عنصراً أساسياً في تشكيل التجربة الإعلامية المعاصرة.
الأمر الذي يدفع المؤسسات الصحفية إلى إعادة النظر في إستراتيجياتها الرقمية، والتركيز بصورة أكبر على بناء علاقة أكثر عمقاً مع جمهورها الأكثر ولاءً، بدلاً من الاكتفاء بالسعي وراء الانتشار عبر منصات التواصل الاجتماعي.
من ناحية أخرى، يشير التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل أحد أبرز التحولات التي ستعيد تشكيل مستقبل صناعة الأخبار، مع تزايد استخدام روبوتات المحادثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى المعلومات، وإن كان استخدامها في متابعة الأخبار لا يزال أقل مقارنةً باستخداماتها الأخرى.
ويخلص إلى أن مستقبل المؤسسات الإعلامية لن يتحدد بزيادة حجم المحتوى المنشور أو تكثيف التنبيهات الإخبارية، وإنما بقدرتها على إنتاج صحافة موثوقة تساعد الجمهور على فهم عالم يزداد تعقيداً، وتعزز الثقة المجتمعية في مواجهة انتشار المعلومات المضللة، مع الحفاظ على المهنية والاستقلالية في بيئة إعلامية تتسم بسرعة التغير وتزايد المنافسة.
ثالثاً: إفريقيا والإعلام الرقمي: قراءة في 3 حالات
تعكس الحالات الثلاث من إفريقيا جنوب الصحراء التي تناولها تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 ملامح مشتركة وأخرى متباينة في مسار التحول الرقمي.
فعلى الرغم من اختلاف السياقات السياسية والاقتصادية والإعلامية؛ اتفقت كينيا ونيجيريا في احتفاظهما بمستويات مرتفعة نسبياً من الثقة في الأخبار، في مقابل تراجع هذه الثقة في جنوب إفريقيا.
كما أظهرت الدول الثلاث استمرار هيمنة المنصات الرقمية بوصفها المصدر الرئيس للحصول على الأخبار، مع تراجع تدريجي في الاعتماد على وسائل الإعلام التقليدية، وإن بدرجات متفاوتة.
وتبرز في المقابل خصوصية كل حالة من حيث طبيعة التحديات التي تواجهها. ومن هذا المنطلق، يستعرض هذا المحور أبرز ملامح التحول الإعلامي في هذه البلدان الثلاث، استناداً إلى ما أورده تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026.
المشهد الإعلامي في كينيا: المنصات الرقمية وتحديات الاستقلال والاستدامة
يشهد المشهد الإعلامي في كينيا -الواقعة في شرق إفريقيا- تحولات عميقة؛ فبينما لا يزال الاهتمام العام بالأخبار مرتفعاً، فإن التوترات السياسية، والضغوط الاقتصادية، والتغيرات في ملكية المؤسسات الإعلامية، تعيد تشكيل طرق إنتاج الصحافة واستدامتها.
يثير ذلك تساؤلات حول استقلالية وسائل الإعلام، واستدامتها المالية، ومَن سيضطلع بدور مساءلة السلطة، كما يأتي ذلك في ظل واقع رقمي لا يزال في طور التوسع، إذ يبلغ عدد سكان البلاد نحو 58 مليون نسمة، بينما تصل نسبة انتشار الإنترنت إلى 35% فقط.
وعلى الرغم من ذلك؛ لا تزال الثقة في الأخبار مرتفعة نسبياً؛ إذ بلغت 68%- وفقاً للعينة التي اعتمد عليها التقرير[1]، وهو ما يشير إلى وجود مستوى قوي من الثقة في البيئة الإعلامية لدى العينة الناطقة باللغة الإنجليزية (شكل 5).

وتكشف مستويات الثقة في المشهد الإعلامي بكينيا عن صورة أكثر تعقيداً، حيث يميز الجمهور بين المؤسسات الإعلامية المختلفة، ويمنحون ثقة أكبر للمصادر الإخبارية المألوفة لديهم أو التي يعتمدون عليها بصورة متكررة.
وفي الوقت ذاته، يقرّ كثيرون بأنهم يتجنبون متابعة الأخبار أحياناً، وهو ما يعكس علاقة أكثر تعقيداً بالمعلومات، تجمع بين الاهتمام بها والإرهاق الناتج عن كثافتها. ولا تزال وسائل الإعلام التقليدية تؤدي دوراً مهماً، إلا أن مكانتها آخذة في التراجع تدريجياً.
في المقابل، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والوسائل الإلكترونية عموماً في صميم المنظومة الإعلامية؛ إذ يعتمد عليها 91% من مستخدمي الأخبار عام 2026م وفقاً لعينة تقرير الأخبار الرقمية المشار إليه سابقاً، مقارنةً بـ 90% عام 2020م.
وقد بات كثير من المستخدمين يصلون إلى الأخبار عبر المنشورات والمقاطع المصورة والمحتوى المعاد تداوله، بدلاً من التوجه مباشرة إلى المؤسسات الإخبارية أو المصادر المطبوعة، التي تراجعت نسبة استخدامها إلى 31% عام 2026م مقارنةً بـ 47% عام 2020م.
ورغم هذا التراجع؛ حافظ التلفزيون على مكانته كمصدر مهم للأخبار، إذ بلغت نسبة الاعتماد عليه 66% عام 2026م، مقابل 74% عام 2020م، كما يوضح (الشكل 6).

وتنسجم هذه التحولات مع المكانة المتنامية التي باتت تحظى بها كينيا عالمياً في مجال الإعلام الرقمي، ولا سيما مع صعود دور صنّاع المحتوى الرقميين؛ إذ يتجه عدد كبير من الجمهور إلى المؤثرين والناشطين والشخصيات الرقمية للحصول على الأخبار والتعليقات السياسية.
كما أصبح كل من «تيك توك» و«يوتيوب» من أبرز بوابات الوصول إلى الأخبار والشؤون الجارية، خاصةً لدى الفئات الشابة، مع انتشار المقاطع القصيرة، والمحتوى الساخر، والبث المباشر، والمقابلات المصممة لسرعة الانتشار وسهولة المشاركة.
ولا تمثل هذه الصيغ الجديدة بديلاً كاملاً عن الصحافة التقليدية، بقدر ما تعيد تشكيل أنماط استهلاك الأخبار وطرق فهم الجمهور لها.
وعلى الرغم من هذا الحضور الرقمي البارز؛ تتزايد الضغوط المالية على قطاع الإعلام الكيني، في ظل انتقال عائدات الإعلانات إلى المنصات الرقمية العالمية، وتراجع حصة المؤسسات الإعلامية المحلية من الإيرادات.
كما أسهم تأخر سداد مستحقات الإعلانات الحكومية، التي بلغت نحو 866 مليون شلن كيني، في زيادة القيود التشغيلية، ودفع بعض المؤسسات إلى خفض النفقات وتسريح العاملين.
وقد اكتسبت هذه الأزمة بُعداً سياسياً، إذ يرى بعض المراقبين أن استخدام الإعلانات الحكومية وتأخير مدفوعاتها قد يمثل أداة ضغط على وسائل الإعلام الناقدة للحكومة، بالتزامن مع توجه رسمي لتعزيز دور المؤثرين الرقميين في الترويج للسياسات والمبادرات الحكومية.
في الأخير، يشير التقرير إلى الذكاء الاصطناعي كونه يضيف بُعداً جديداً للتحولات الإعلامية، مع بدء المؤسسات في توظيفه في إنتاج المحتوى وتحليل الجمهور وتطوير آليات التوزيع، وسط استمرار تحديات تتعلق بالدقة والأخلاقيات والأمن الوظيفي، بما يعكس إعادة تشكيل أوسع لبنية الإعلام الكيني من حيث الملكية والتمويل والتكنولوجيا.
نيجيريا: تحولات سوق الإعلام بين الرقمنة وتحديات حرية الصحافة والذكاء الاصطناعي
تُعدّ نيجيريا -البلد الواقع في غرب إفريقيا- واحدة من أكبر وأكثر أسواق الإعلام حيوية في القارة الإفريقية، إذ يتشكل مشهدها الإعلامي بفعل جمهور رقمي واسع ونظامٍ متنامٍ لوسائل التواصل الاجتماعي.
ويبلغ عدد سكانها نحو 238 مليون نسمة، بينما تصل نسبة انتشار الإنترنت إلى 41%. ويتميز السوق الإعلامي النيجيري بالتنوع والتجزئة؛ حيث تستحوذ الإذاعة على العدد الأكبر من المؤسسات الإعلامية، تليها القنوات التلفزيونية، في حين تظل الصحف أقل عدداً لكنها محتفظة بتأثيرها.
ويعكس هذا المشهد بيئة هجينة تتعايش فيها وسائل الإعلام التقليدية مع المنصات الرقمية الناشئة؛ إذ تحافظ مؤسسات دولية مثل هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي BBC على حضور قوي، إلى جانب قنوات محلية مثل Channels Television، وصحف بارزة مثل The Punch وVanguard.
فضلاً عن صعود منصات رقمية موجهة للشباب، بما يعكس التحول المتزايد نحو استهلاك الأخبار عبر الهواتف والمنصات الاجتماعية.
ومع ذلك، لا تزال قضايا حرية الصحافة تمثل أحد أبرز التحديات في البيئة الإعلامية النيجيرية، رغم التحسن النسبي في ترتيب البلاد عالمياً وفق مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود عام 2026م، حيث انتقلت من المرتبة 122 إلى المرتبة 112.
وتستمر المخاوف بشأن التضييق على الصحفيين واستخدام تشريعات الجرائم الإلكترونية ضد العاملين في المجال الإعلامي، حيث تعرض عدد من الصحفيين للاحتجاز على خلفية اتهامات مرتبطة بالجرائم الإلكترونية، رغم الإصلاحات التي أُدخلت على قانون الجرائم الإلكترونية عام 2024م.
كما أثارت بعض الإجراءات على المستوى المحلي انتقادات واسعة، مثل إغلاق محطة Badeggi Radio بقرار من حاكم ولاية النيجر.
في حين لجأت منظمات حقوقية مثل مشروع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمساءلة SERAP إلى الطعن في استخدام قانون الجرائم الإلكترونية أمام محكمة العدل التابعة للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).
وفي السياق ذاته، تواجه المؤسسات الإعلامية في نيجيريا ضغوطاً اقتصادية متزايدة تهدد استدامة نموذجها التقليدي، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع عائدات الإعلانات والتحديات التنظيمية.
ورغم هذه التحديات؛ يشهد الإعلام الرقمي النيجيري توسعاً ملحوظاً، مع ظهور منصات إخبارية رقمية جديدة وزيادة تأثير صنّاع المحتوى والمؤثرين في تشكيل النقاشات العامة.
وتؤدي شبكات مثل فيسبوك (81%) ويوتيوب (78%) دوراً رئيسياً في الوصول إلى الأخبار، حيث أصبح المؤثرون يقومون بدور الوسطاء في نقل القصص وتفسيرها للجمهور.
كما ظهرت محاولات لإنشاء منصات نيجيرية بديلة، مثل منصة LekeeLekee التي تستهدف دعم صناع المحتوى وتحقيق قدر أكبر من السيادة الرقمية. وبالتوازي مع ذلك، بدأ الذكاء الاصطناعي يفرض حضوره داخل غرف الأخبار، إذ يساعد في النسخ والترجمة وتحسين سير العمل الصحفي.
ومع ذلك، لا تزال الأطر التنظيمية الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة قيد التطور، وسط مخاوف متزايدة من انتشار المحتوى المضلل والدعاية المُنتَجة بالذكاء الاصطناعي، خاصةً باللغات المحلية.
وفي ظل هذا التحول الرقمي المتسارع، حافظت وسائل الإعلام النيجيرية على مستويات مرتفعة نسبياً من ثقة الجمهور؛ إذ بلغت نسبة الثقة في الأخبار 68% (مقارنةً بنسبة 54% عام 2021م)، لتضع نيجيريا في المرتبة الأولى بالتساوي مع بعض الأسواق الأخرى ضمن الأسواق الـ48 التي شملها تقرير الأخبار الرقمية.
ورغم استمرار تأثير الضغوط السياسية والقيود التجارية على تصورات استقلالية الإعلام، تمكنت بعض المؤسسات الإخبارية من تعزيز ثقة الجمهور[2]، كما يوضح الشكل التالي:

وإلى جانب ارتفاع مستويات الثقة في الأخبار، تكشف بيانات تقرير الأخبار الرقمية عن استمرار هيمنة المنصات الرقمية على المشهد الإخباري في نيجيريا.
فقد حافظت المواقع والتطبيقات الإخبارية والمنصات الإلكترونية على موقعها بوصفها المصدر الأكثر استخداماً للأخبار، إذ بلغت نسبة الاعتماد عليها 94% عام 2026م، وهي النسبة نفسها المسجلة عام 2021م.
كما ارتفع الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة طفيفة من 78% عام 2021م إلى 79% عام 2026م، بما يعكس استمرار دورها في تداول الأخبار. وفي المقابل، تراجع الاعتماد على التلفزيون من 66% إلى 59% خلال الفترة نفسها.
بينما استقرت الصحافة المطبوعة عند 28% في عامي 2021 و2026م، رغم تسجيلها بعض التقلبات المحدودة بينهما. وتشير هذه الاتجاهات إلى أن التحول نحو المصادر الرقمية لم يقتصر على زيادة استخدامها، بل ترسخ باعتباره السمة الرئيسة لاستهلاك الأخبار في نيجيريا، كما في (الشكل 8).

الإعلام في جنوب إفريقيا: نحو إعادة تشكيل السوق الإخبارية
يشهد المشهد الإعلامي في دولة جنوب إفريقيا مرحلة إعادة تشكل متسارعة، في ظل استمرار تراجع المؤسسات الإعلامية التقليدية وصعود المنصات الرقمية وصناع المحتوى الإخباري.
فقد واصلت غرف الأخبار التقليدية تقليص أعداد العاملين وإغلاق بعض الإصدارات الورقية، ولا سيما بعد موجة الإغلاقات التي بدأتها مجموعة «ميديا24» منذ عام 2024م، وهو ما انعكس على حجم المؤسسات الصحفية وقدرتها على إنتاج المحتوى.
وفي المقابل، برزت منصات إخبارية رقمية جديدة يقودها صحفيون مستقلون، مستفيدة من التحول المتزايد للجمهور نحو المنصات الرقمية، بما يعكس تغيراً في أنماط استهلاك الأخبار واتساع المنافسة داخل السوق الإعلامية.
وفي محاولةٍ لتعزيز استدامة القطاع، شهد عام 2025م إطلاق حزمة دعم إعلامي بقيمة 688 مليون راند (العملة الرسمية لجنوب إفريقيا) من شركة جوجل، تنفيذاً لتوصيات لجنة المنافسة الخاصة بسوق الإعلام والمنصات الرقمية، إلى جانب فرض التزامات جديدة تتعلق بالشفافية والإعلانات الرقمية وإدارة المحتوى على عدد من المنصات الرقمية وشركات الذكاء الاصطناعي.
كما حصلت مشروعات إعلامية رقمية مستقلة على تمويل أولي لدعم تحولها الرقمي، بينما اتجهت المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى تنويع مصادر إيراداتها عبر الاشتراكات المؤسسية، في ظل تراجع جدوى نموذج التمويل القائم على الإعلانات وحدها.
وعلى الرغم من هذه الجهود، لا تزال وسائل الإعلام في البلاد تواجه تحديات متزايدة ترتبط بتراجع الثقة في الأخبار، وتصاعد حملات التضليل والتأثير الخارجي على البيئة الإعلامية، إلى جانب بعض الممارسات المهنية التي أثارت نقاشاً حول أخلاقيات العمل الصحفي.
وفي المقابل، تتوسع المؤسسات الإعلامية في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، سواء لتطوير عمليات التحرير أو دعم الإنتاج الرقمي، مع استمرار الاعتماد على المراجعة البشرية لضمان دقة المحتوى.
على صعيد آخر، يشير تقرير الأخبار الرقمية إلى أن مستويات الثقة في الأخبار بجنوب إفريقيا، قد شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، إذ سجلت نسبة الثقة 50% عام 2026م من العينة المختارة بالتقرير[3]، في حين سجلت نسبة مقاربة عام 2019م (49%)، كما يوضح (الشكل 9).
ويُعزى هذا التراجع، في جانب منه، إلى تنامي حملات التضليل والتأثيرات الخارجية على البيئة الإعلامية، فضلاً عن التحولات التي يشهدها سوق الأخبار مع صعود المنصات الرقمية وصناع المحتوى المستقلين.

وإلى جانب مستويات الثقة، تكشف أنماط الحصول على الأخبار عن استمرار هيمنة المنصات الرقمية على المشهد الإعلامي في جنوب إفريقيا.
فقد ظلت المواقع والتطبيقات الإخبارية المصدر الأكثر استخداماً، مع استقرار نسبة الاعتماد عليها عند مستويات مرتفعة بلغت 90% عام 2019م، مقابل 89% عام 2026م.
كما ارتفع الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة طفيفة من 72% إلى 74% خلال الفترة نفسها، بما يعكس تنامي دورها في الوصول إلى الأخبار. وفي المقابل، تراجع الاعتماد على التلفزيون من 68% عام 2019م إلى 56% عام 2026م.
بينما شهدت الصحافة المطبوعة أكبر انخفاض، إذ هبطت نسبة استخدامها من 40% إلى 17%. وتعكس هذه المؤشرات استمرار انتقال الجمهور نحو البيئة الرقمية، مع تراجع تدريجي لدور وسائل الإعلام التقليدية، كما في (الشكل 10).

خاتمة
في ضوء ما سبق، تكشف نتائج تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026م أن المشهد الإعلامي العالمي يمر بمرحلة إعادة تشكيل غير مسبوقة، مدفوعة بالتوسع في استخدام المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتغير أنماط استهلاك الأخبار، وتراجع النماذج الاقتصادية التقليدية للمؤسسات الإعلامية.
وفي الوقت نفسه، يواجه القطاع تحديات متزايدة تتمثل في انتشار المعلومات المضللة، وتراجع الثقة في الأخبار في عدد من الأسواق، واحتدام المنافسة بين المؤسسات الإعلامية التقليدية والفاعلين الرقميين الجدد.
وفي ظل هذه المتغيرات، باتت استدامة الصحافة وتعزيز الثقة في المحتوى الإخباري من أبرز القضايا المطروحة على أجندة الإعلام العالمي، بما يتطلب تطوير نماذج أكثر قدرة على التكيف مع البيئة الرقمية، مع الحفاظ على المعايير المهنية والاستقلالية التحريرية.
أما فيما يتعلق بالحالات الإفريقية المختارة (كينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا)، فتُبرز نتائج التقرير أن مسارات التحول الإعلامي الرقمي تأثرت بخصوصية السياقات الوطنية لكل دولة، رغم اشتراكها في عدد من الاتجاهات العامة.
فقد حافظت كل من كينيا ونيجيريا على مستويات مرتفعة نسبياً من الثقة في الأخبار، في حين شهدت جنوب إفريقيا تراجعاً ملحوظاً في هذه الثقة.
وفي المقابل، اتفقت الحالات الثلاث على استمرار تصاعد الاعتماد على المنصات الرقمية بوصفها المصدر الرئيس للحصول على الأخبار، بالتوازي مع تراجع الدور النسبي لوسائل الإعلام التقليدية، وإن بدرجات متفاوتة، بما يعكس استمرار إعادة تشكيل البيئة الإعلامية في هذه الدول تحت تأثير التحول الرقمي.
وأخيراً، ورغم الأهمية التحليلية التي يقدمها التقرير، فإن تغطيته لدول إفريقيا جنوب الصحراء تظل محدودة من الناحية المنهجية؛ إذ اقتصر على 3 دول فقط، وهو ما لا يكفي للإحاطة بالتنوع الكبير الذي تتسم به البيئات الإعلامية في المنطقة.
فاختلاف السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب التباين في مستويات الرقمنة، وانتشار الإنترنت، والبنية التحتية الرقمية، وأنماط إنتاج الأخبار واستهلاكها، يجعل من الصعب تكوين صورة دقيقة عن واقع الإعلام الرقمي في بقية دول إفريقيا جنوب الصحراء أو تعميم النتائج عليها.
ومن ثَمّ، فإن توسيع نطاق العينة في الإصدارات المقبلة، ليشمل عدداً أكبر من الدول داخل كل إقليم فرعي، من شأنه أن يعزز دقة المقارنات، ويُقدّم فهماً أكثر شمولاً وواقعية للتحولات التي يشهدها الإعلام الرقمي في المنطقة.
نرشح لك:
أزمة التغطية الإعلامية في مناطق النزاعات بالقارة السمراء والحلول الممكنة
فاعلية الخطاب الإعلامي في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها: غرب إفريقيا نموذجًا
شبكة ستارلينك في إفريقيا ومعادلة النفوذ الرقمي
السلطوية الرقمية في إفريقيا جنوب الصحراء: إعادة هندسة الطاعة عبر الفضاء الرقمي
التجارة الرقمية في إفريقيا بين الطموحات والتحديات: (القرن الإفريقي نموذجًا)
الهوامش:
[1] تعتمد هذه البيانات الواردة في التقرير، فيما يخص كينيا كما يوضح تقرير الأخبار الرقمية 2026، على استطلاع رأي إلكتروني شمل مستخدمي الأخبار عبر الإنترنت في البلاد، وكان معظم المشاركين من الناطقين باللغة الإنجليزية، وهم يمثلون شريحة فرعية من سوق إعلامي كيني أكثر تنوعاً.
كما اتسم أفراد العينة بكونهم أكثر ثراءً نسبياً، وأصغر سناً (18-50 عاماً فقط)، وذوي مستويات تعليمية رسمية أعلى، فضلاً عن ارتفاع احتمالية إقامتهم في المناطق الحضرية مقارنةً بإجمالي السكان الكينيين.
لذا، ينبغي التعامل مع النتائج باعتبارها تعكس اتجاهات هذه العينة من مستخدمي الأخبار الرقمية، وليس باعتبارها ممثلة لجميع سكان كينيا.
[2] تستند هذه البيانات- كما في كينيا- إلى مسحٍ شمل مستخدمي الأخبار عبر الإنترنت من الناطقين باللغة الإنجليزية في نيجيريا، وهم يمثلون جزءاً من سوق إعلامي أوسع.
ويتميز المشاركون في الاستطلاع عموماً بأنهم أكثر ثراءً، وأصغر سناً (تتراوح أعمارهم بين 18 و50 عاماً فقط)، ويمتلكون مستويات أعلى من التعليم الرسمي، كما أنهم أكثر احتمالاً للعيش في المدن مقارنةً بعموم السكان النيجيريين. لذلك، لا ينبغي اعتبار هذه النتائج ممثلة تمثيلًا شاملًا لكل مواطني نيجيريا.
[3] ترتكز هذه البيانات- كما في كينيا ونيجيريا- إلى مسح شمل مستخدمي الأخبار عبر الإنترنت الناطقين باللغة الإنجليزية في جنوب إفريقيا، وهم يمثلون شريحة مهمة ضمن سوق إعلامية أكبر وأكثر تنوعاً.
ويتميز المشاركون في الاستطلاع عموماً بارتفاع مستويات الدخل، وصغر السن، وارتفاع مستويات التعليم النظامي، كما أنهم أكثر ميلًا للإقامة في المناطق الحضرية مقارنةً بإجمالي سكان جنوب إفريقيا. لذلك، لا ينبغي اعتبار نتائج هذا المسح ممثلةً للمجتمع الجنوب إفريقي بأسره.
مصدر التقرير:
Jim Egan & Others, Digital News Report 2026, Reuters Institute, )Oxford: Oxford University, 2026), at:











































