المقدمة:
تكرر اسم «تركيا» خلال شهر يوليو 2026م عبر خبراء وكُتّاب إسرائيليين، عكسوا في مقالاتهم حالةً من الترقب المشوب بالامتعاض والحذر، جراء الخطوات التي تباشرها أنقرة داخل القارة الإفريقية، وهي الساحة ذاتها التي تسعى إسرائيل للسيطرة على مقدراتها عبر مشروعات واتفاقيات، ربما كان أبرزها الاتفاق الموقع أخيراً مع إقليم أرض الصومال.
وتوحي المقالات التي سلطت الضوء على الوجود التركي في إفريقيا بأن الحديث يجري عن خطوات إستراتيجية عميقة وسياسات مدروسة وضعتها أنقرة للتعاطي مع الملف الإفريقي، مع امتلاك الأدوات والآليات لتطبيقها وتحويلها إلى وجود راسخ وقوي ومشروعات إستراتيجية ضخمة، على خلاف تل أبيب التي يبدو أنها لا تمتلك الأدوات ذاتها، وهو ما ظهر جلياً على لسان أحد الكُتّاب، كما سيرد في هذا العرض.
المفارقة أنه خلال إعداد هذا الملف، لوحظ أن كاتبين إسرائيليين اثنين استندا إلى معلومات متطابقة تماماً لعرض وجهتي نظريهما بشأن «الخطر التركي» في إفريقيا وكونه تحدياً لإسرائيل، فخرج المقالان على قَدرٍ من التشابه فيما يتعلق بالمواد الخام المستخدمة لتدعيمهما، إلا أن أحدهما تعمق أكثر وقدّم توصيات لصانع القرار الإسرائيلي بشأن كيفية التعاطي مع ملف النفوذ التركي في إفريقيا.
ومن بين الأمور المتشابهات ما يظهر جلياً بشأن توصيف الموقف، والذي ضخّم الصورة بشدة، عبر مصطلحات مثل «العثمانية الجديدة»، و«التوسع التركي»، وكل ذلك ربما جاء ضمن محاولة من هؤلاء الكُتّاب لجذب أنظار صانع القرار الإسرائيلي نحو هذا الملف.
ولم تكن تركيا وحدها هي التي حظيت بالاهتمام خلال يوليو 2026م، فقد لامس أحد المقالات ملفاً في غاية الحساسية، يتعلق بالشباب الإفريقي الذي يواجه ظروفاً قاسية في بلاده باحثاً عن فرصة للعمل أو الدراسة في الخارج، وشرحت كيفية تحول آلاف الشبان الأفارقة إلى ضحايا يُزج بهم في الأزمة الروسية-الأوكرانية، ويلقون إلى ساحات القتال دون الحصول حتى على تدريبات عسكرية.
والتركيز هنا على دولٍ مثل بوتسوانا ونيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا، ليتضح أن الحديث يجري عن شبكات معقدة تعمد إلى تجنيد الشباب الأفارقة، مستغلةً حالة الفساد أو الفقر والعوز الذي يعاني منه هؤلاء الشبان، تحت غطاء مراكز روسية، تقدّم نفسها على خلاف ما تستهدف- وكل ذلك على عهدة كاتب المقال الإسرائيلي.
وفي المقال الأول بصحيفة «معاريف»، والمنشور بتاريخ 22 يوليو 2026م، يركز الخبير في العلوم السياسية بجامعة تل أبيب، يفغيني كلاوبر، على سرد المأساة التي يتعرض لها مواطنون أفارقة وقعوا ضحية لعقود روسية وهمية سواء للعمل أو الدراسة، وبعد وصولهم إلى موسكو تُصادَر جوازات سفرهم ويُزج بهم إلى جبهات القتال المشتعلة مع أوكرانيا، دون تأهيل عسكري، ليتحولوا إلى مجرد وقود بشري ودروع حية تُستهلك بلا رحمة في ما وصفها «مفرمة اللحم» الروسية، معتبراً أن هذه الممارسات الروسية الممنهجة تعكس أزمة الكرملين العميقة، وتكشف بوضوح عن مدى استهانة النظام الروسي بأرواح الأبرياء واستغلاله ظروفهم الاقتصادية القاسية.
وفي المقال الثاني، والمنشور بتاريخ 16 يوليو 2026م بصحيفة «ماكور ريشون» العبرية، يسلط الكاتب دافيد زيفولوني، الضوء على ما أسماها «خطة التوسع الكبرى لتركيا في إفريقيا» مستغلةً تراجع النفوذ الغربي وحالة عدم الاستقرار، ويحذر حكومة بلاده من واقع جديد قد تفرضه أنقرة سيصعب تغييره بعد ذلك، مشيراً إلى أن أنقرة تعزز وجودها العسكري والاقتصادي والدبلوماسي من البحر الأحمر إلى شرق البحر المتوسط لتغيير موازين القوى الإقليمية، وأن هذا التمدد يمثل تحدياً للمصالح الإسرائيلية، خصوصاً في منطقة القرن الإفريقي.
وفي المقال الثالث بصحيفة «يديعوت أحرونوت»، والمنشور بتاريخ 13 يوليو 2026م، يحذر الكاتب روعي بنياميني، وهو مسؤول سابق بهيئة الأمن القومي، مما أسماه خطورة التمدد التركي المتسارع في إفريقيا، ويزعم أن هذا التمدد قائم على رؤية الرئيس التركي التي أطلق عليها «العثمانية الجديدة». ويعتقد بنياميني أن هذا التمدد يُشكّل عملية «تطويق جيوسياسي» تهدد المصالح الإسرائيلية، محذراً حكومة بلاده من أن تل أبيب تفتقر حالياً إلى الحضور والأدوات والموارد الكافية لصد هذا النفوذ المتعاظم داخل الاتحاد الإفريقي. كما وجه تحذيراً إلى صناع القرار الإسرائيليين بأن عدم اتخاذ قرار حكومي عاجل لتخصيص ميزانيات حقيقية، وبناء جبهة موازنة بالتعاون مع شركاء «اتفاقيات إبراهيم»، سيجعل إسرائيل عاجزةً تماماً عن مواجهة هذا المحور التركي النشط.
هبطوا في موسكو، صودرت جوازات سفرهم، وأرسلوا للموت: تلك هي «مفرمة اللحم» السرية لبوتين[1]:
يستهل يفغيني كلاوبر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة تل أبيب، مقالته بصحيفة «معاريف» العبرية، والمنشورة بتاريخ 22 يوليو 2026م، باقتباس من وكالة «بلومبيرغ»، حول الازدياد الحاد في تجنيد مواطنين من جمهورية بوتسوانا في الجيش الروسي؛ بهدف إرسالهم للقتال في أوكرانيا، وينقل أن شبكات التجنيد الروسية المتطورة تستخدم أساليب تضليل واحتيال واسعة النطاق لاستدراج مواطني بوتسوانا، فبعد وصولهم إلى الأراضي الروسية، يُرسل هؤلاء الشباب الأبرياء القادمين من إفريقيا، دون علمهم، إلى جبهة القتال الأوكرانية.
وزارة خارجية بوتسوانا كانت قد عمَّمت تحذيراً رسمياً شديد اللهجة لمواطنيها، ونبَّهت إلى أن عدد الشباب المحليين الذين يُغرّر بهم لتوقيع هذه العقود قد ازداد مؤخراً، وأن هذه الظاهرة تتوسع بمعدل ينذر بالخطر. في المقابل، حذرت وزارة خارجية جنوب إفريقيا مواطنيها من قبول عروض العمل الخطيرة من روسيا دون التحقق من حقيقتها.
الكاتب الإسرائيلي أوضح أن موسكو دأبت على تجنيد مقاتلين أجانب من الدول النامية منذ بداية الحرب مع أوكرانيا في عام 2022م، واستقطبت الشباب من بوتسوانا ودول أخرى عن طريق وعود بظروف معيشية جيدة ورواتب مرتفعة وجنسية روسية.
ويرصد الكاتب تقارير عن عمليات احتيال وإكراه وإخفاء تام للشروط المستقبلية التي يوقعها هؤلاء الشباب في عقودهم، وينقل عن تقارير أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، أنه قبل عامين وعدت موسكو كل مرتزق براتب قدره 2200 دولار شهرياً، بيد أن الحقيقة هي أنهم يُرسلون إلى ساحة المعركة في أوكرانيا كوقود للمدافع.
– «البيوت الروسية» في إفريقيا كأداة احتيال:
بحسب الكاتب تستخدم موسكو شبكتها من المراكز الثقافية في القارة الإفريقية، والمعروفة باسم «البيوت الروسية في إفريقيا»، كغطاء لأنشطة أمنية وسرية واسعة النطاق. وتُدار هذه المؤسسات مباشرةً من قِبل الكرملين، وتُستخدم كأداة لنشر الدعاية، مشيراً إلى أن تلك المراكز في الواقع، تُستخدم للتلقين الأيديولوجي وكمنصة للتجنيد السري للشباب المحلي في صفوف الجيش الروسي.
وشرَح آلية الاحتيال من وجهة نظره، وقال إنها تعتمد على استدراج الشباب للسفر خارج حدود البلاد باستخدام معلومات مضللة ووعود كاذبة، وأن هذه الوعود تتضمن عروض عمل مدنية مغرية، ومنحاً دراسية للدراسات الأكاديمية، وتدريباً مهنياً مرموقاً في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب في الأكاديميات العسكرية، مذكراً بأن التقارير التي تفيد بأن روسيا تنشر مرتزقة أفارقة على الجبهة الأوكرانية ليست بجديدة، ولكن تبين أن العديد منهم جُندوا بطرق احتيالية، ما تسبب في اعتقال وكلاء تجنيد محليين في دول إفريقية.
– الحالة الكينية:
وفي كينيا، يذكر كلاوبر أن السلطات كشفت عن استدراج ما لا يقل عن ألف مواطن محلي إلى شبكات التجنيد هذه، وأنه في وقت سابق من هذا العام، نشرت منظمة «كل الأنظار على فاغنر» أسماء أكثر من 1400 مواطن إفريقي، زعمت أن الكرملين جندهم بين يناير 2023م وسبتمبر 2025م للقتال في أوكرانيا، وبيَّن أن أكثر من 300 منهم قُتلوا، مشيراً إلى أن روسيا تُعزز نفوذها بنشاط في الدول الإفريقية، عبر شبكات دعائية مثل وكالة الأنباء الروسية الحكومية «تاس» ووكالة الأنباء الحكومية «آر تي»، على حد زعمه.
أما عن مصير هؤلاء الشباب، فيذكر الكاتب أنهم يُحرَمون فور وصولهم إلى مواقع القتال على خط المواجهة من جميع حقوقهم، ويُجبرون على توقيع عقود عمل مع وزارة الدفاع الروسية، وبعد ذلك مباشرة، يُرسلون إلى الحرب في أوكرانيا، حيث يُزج بهم في القتال مباشرةً، دون أن يتلقوا أي تدريب عسكري.
وقد قدّم رئيس البرلمان الكيني، كيماني إيتشونغواه، التقرير الرسمي الأسبوع الماضي (مراعاة تاريخ النشر)، وكشف النقاب عن شبكة احتيال، وأوضح أن دبلوماسيين روس متورطون فيها، متهماً موظفي السفارة الروسية مباشرةً بالتعاون مع وكالات توظيف غير قانونية، بهدف خداع الشباب الكينيين ووعدهم بوظائف مرموقة في روسيا.
ويستشهد الكاتب بزعيم سياسي كيني، طرح رواية مفادها أن مسؤولي السفارة الروسية زودوا المجندين بتأشيرات سياحية عادية لتنفيذ المؤامرة، فيما نفت السفارة الروسية في نيروبي هذه الادعاءات، على نحوٍ دبلوماسي روسي معتاد، وأصدرت بياناً أكدت فيه أنها لم تصدر تأشيرات لأي شخص ينوي السفر إلى روسيا للقتال في أوكرانيا. كما أضافت المتحدثة باسم السفارة أن الاتحاد الروسي لا يمنع مواطني الدول الأجنبية من التطوع في القوات المسلحة- من جانبه.
إلا أن رئيس البرلمان الكيني أبلغ أعضاء البرلمان أن تقرير جهاز المخابرات الوطنية أظهر وجود 89 كينيّاً على الجبهة، و39 منهم في المستشفى، بينما لا يزال 28 في عداد المفقودين، في حين عاد آخرون إلى ديارهم، مع تأكيد وفاة كيني واحد.
عشرات العائلات في كينيا ناشدت السلطات لإعادة أقاربهم المحاصرين في روسيا، بينما أفادت تقارير منها تقرير لوكالة «أسوشيتد برس» أن بعض المواطنين أُجبروا على المشاركة الفعالة في القتال على الجبهة، بينما أُسر آخرون ويُعتبرون الآن أسرى حرب في أوكرانيا.
– الصورة الأشمل:
في المقابل، كشفت حكومة بوتسوانا عن تلقيها سيلاً من نداءات الاستغاثة المفجعة من عائلات مواطنيها العالقين في أتون القتال. وفي هذه الاستغاثات يصف الشباب، الذين يجدون أنفسهم وسط المعارك، واقعاً قاسياً يهدد حياتهم، ويعربون بيأس عن عجزهم التام عن التخلص من عقودهم العسكرية المجحفة أو الفرار من هذا الجحيم.
من وجهة نظر الكاتب الإسرائيلي، فإن هذه الظاهرة في بوتسوانا وكينيا تُعدّ جزءاً من توجه أوسع للوجود الروسي في إفريقيا، والذي لا يقتصر على تأمين المنشآت الخاصة فحسب، بل يهدف أيضاً إلى تجنيد أفراد أجانب لمنع المزيد من التجنيد الجماعي غير المرغوب فيه للمواطنين الروس.
فعلى سبيل المثال، ألقت السلطات في جنوب إفريقيا القبض على خمسة مشتبه بهم في تجنيد مرتزقة للجيش الروسي. وفي نوفمبر 2025م، أفادت وكالة «بلومبيرغ» أن دودوزيلي زوما-سامبودلا، ابنة الرئيس الجنوب إفريقي السابق جاكوب زوما، كانت متورطة في هذه العملية. بحسب الوكالة، أقنعت عشرين رجلاً بريئاً بالسفر إلى روسيا لتلقي تدريب مهني ليصبحوا حراساً شخصيين في المستقبل، ثم للعمل لاحقاً في القوة الخاصة التابعة لحزب والدها. وقد أدى ذلك إلى اضطرابات سياسية في جنوب إفريقيا.
وتابع أن دودوزيلي أُجبرت على الاستقالة من البرلمان وسط التحقيق الجاري من قِبل الشرطة، ولا تزال مشتبهاً بها في التورط في عملية احتيال وتجنيد مواطنين محليين أبرياء أُرسلوا لدعم المجهود الحربي الروسي في أوكرانيا. وحتى الآن، باءت جميع الجهود لإعادة المواطنين الأفارقة من أوكرانيا بالفشل رغم تدخل مكتب الرئيس سيريل رامافوزا.
ويستغرب الكاتب أن دودوزيلي لم تستدرج فقط مجموعة من حوالي 17 إلى 18 شاباً جنوب إفريقي بل أيضاً أفراداً من عائلتها للسفر إلى روسيا من أجل «التدريب»، ويذكر أن التشريعات الجنوب إفريقية صارمة للغاية فيما يتعلق بمشاركة المواطنين في الحروب الخارجية، وأن قانون المساعدة العسكرية الخارجية يحظر المشاركة حظراً تاماً. لهذا السبب، تتجاوز القضية الحالية نطاق الاحتيال والاتجار بالبشر، وتُعتبر جريمة أمنية من الدرجة الأولى، مما أدى إلى فضيحة سياسية وإحراج دولي خطير للحكومة المحلية.
– نيجيريا ضمن القائمة:
السلطات في نيجيريا اكتشفت أن مواطنين نيجيريين وقعوا ضحية لعمليات احتيال متطورة وشبكات تجنيد لصالح روسيا، وانضمت نيجيريا إلى قائمة الدول الإفريقية التي حذرت مواطنيها من احتمال التورط في نزاعات مسلحة دولية.
جاء ذلك عقب تقارير تفيد بأن مواطنين نيجيريين وقعوا ضحايا للاحتيال وتم تجنيدهم في المجهود الحربي الروسي في أوكرانيا. وفي بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية النيجيرية، أعربت الحكومة عن «قلقها البالغ إزاء تزايد حالات تجنيد مواطنين نيجيريين بشكل غير قانوني للمشاركة في نزاعات مسلحة في الخارج»، لكن بسبب الحذر الدبلوماسي، امتنعت أبوجا عن تسمية روسيا صراحةً كمصدر للمشكلة.
ويعتقد الكاتب أن شبكة التجنيد نالت دعماً من البعثات الدبلوماسية الروسية في نيجيريا، وحرصت السلطات الروسية على إصدار التأشيرات اللازمة للمجندين، وأُغلقت الشبكة نهائياً بمجرد وصولهم إلى الأراضي الروسية. وهناك صادرت السلطات جوازات سفر الشبان النيجيريين الأبرياء، وأجبرتهم، تحت التهديد، على توقيع عقود عسكرية باللغة الروسية، دون منحهم القدرة على القراءة أو الفهم. وكما حدث في بوتسوانا وكينيا، تبين أن هذه العقود هي عقود خدمة عسكرية في الجيش الروسي.
– آلاف القتلى الأجانب:
ويشير الكاتب إلى تقديرات أوكرانية تزعم أن الجيش الروسي يفقد نحو ألف قتيل وجريح يومياً، مما يخلق طلباً مستمراً وواسع النطاق على مجندين جدد، وأن معظم مقاتلي موسكو ما زالوا من الفئات الأقل حظاً في المجتمع، لذلك يتخوف الكرملين من التجنيد الإجباري العام، إذ سيرفضه أبناء الطبقة المتوسطة في المدن الكبرى.
وقد كشف مسح شامل لأكثر من عشرة آلاف سجين روسي محتجزين لدى أوكرانيا أن 7% منهم مرتزقة أجانب، ينتمون إلى أربعين دولة مختلفة. وتشير البيانات التي جُمعت في كييف أواخر العام الماضي إلى أن روسيا جنَّدت نحو 18 ألف مواطن أجنبي من 128 دولة، قُتل منهم حوالي 3300 منذ بدء النزاع.
وتُظهر لقطات الطائرات المسيّرة ولقطات من الجبهة أدلة مرئية على هذه الظاهرة، حيث يظهر مقاتلون من أصول إفريقية بشكل متزايد، ووفق رواية الكاتب الإسرائيلي، تعمل «البيوت الروسية» رسمياً في مصر، والمغرب، وتونس، وزامبيا، وجمهورية الكونغو، وتنزانيا، وإثيوبيا، وجنوب إفريقيا، وفي الوقت نفسه، يُوسّع الكرملين بشكل ملحوظ شبكة البيوت الثقافية التي تؤدي في الواقع دور مراكز التجنيد. ويقول إن هذه المراكز لا تُسجّل رسمياً كمؤسسات حكومية، إلا أنها تعمل تحت اسم «البيت الروسي» في بوركينا فاسو، ومالي، وغينيا، وغانا، وساحل العاج، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وتشاد، وغينيا الاستوائية، وسيراليون، والصومال، ومدغشقر، وناميبيا.
ليست سوريا فقط: إليكم خطة التوسع الكبرى لتركيا[2]:
بينما ينصب الاهتمام الدولي على حروب الشرق الأوسط، يحذر الكاتب الإسرائيلي دافيد زيفولوني عبر مقالته المنشورة بصحيفة «ماكور ريشون» العبرية بتاريخ 16 يوليو 2026م، حكومة بلاده من أن أنقرة تعمل بثبات على بناء بنية تحتية قوية تهدف إلى تغيير موازين القوى في إفريقيا، ويزعم أن الإستراتيجية التي يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان لم تعد تقتصر على شرق المتوسط وسوريا، بل تمتد لتشمل القرن الإفريقي ومنطقة الساحل وشمال القارة، وأن أنقرة تسعى من خلال مزيج من الوجود العسكري والاستثمارات الاقتصادية والمبادرات الدبلوماسية، إلى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية ذات نفوذ عالمي متزايد.
ويروي الكاتب أنه على مدى العقدين الماضيين، حوّلت السياسة الخارجية التركية تدريجياً تركيزها نحو إفريقيا، ويقول إن هذا التحوّل بدأ في عام 2005م، الذي أعلنته أنقرة «عام إفريقيا»، ليتبع الإعلان جهود دبلوماسية مكثفة، مثل زيادة عدد سفارات أنقرة في القارة، وتوسيع الخطوط الجوية التركية، وتعزيز العلاقات مع الاتحاد الإفريقي، لتُمنح تركيا صفة الشريك الإستراتيجي للاتحاد.
– الصومال كركيزة لتنفيذ سياسات أنقرة:
وذهب الكاتب إلى أن عام 2011م شكّل نقطة تحول حاسمة، حين زار أردوغان مقديشو خلال إحدى أصعب فترات تاريخ الصومال، ومنذ ذلك الحين، تعمّق النفوذ التركي في البلاد تدريجياً، حتى بات الصومال الساحة المركزية لتنفيذ سياسة أنقرة الإفريقية. واليوم، يشير الكاتب، إلى أن تركيا تدير أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في العاصمة، وتُدرّب آلاف الجنود المحليين، وتشارك في عمليات ضد التنظيمات الجهادية، وتستثمر في البنية التحتية المدنية والموانئ والمطارات ومصادر الطاقة.
يقع الصومال عند نقطة حيوية على طول طرق التجارة التي تربط البحر الأحمر وخليج عدن بالمحيط الهندي، ومن ثَمّ يمنح الوجود المستقر لتركيا في المنطقة موطئ قدم في أحد أهم ممرات الشحن للتجارة العالمية، تحديداً في وقتٍ يتزعزع فيه أمن الملاحة البحرية جراء هجمات الحوثيين في اليمن وعدم الاستقرار الإقليمي. مع ذلك، لا يمثل البُعد الجغرافي سوى جزء من الصورة، إذ يعتمد الوجود التركي على أداتين متكاملتين- والرواية على لسان الكاتب الإسرائيلي.
– تراجع النفوذ الغربي بالقارة:
تتمثل الأداة الأولى في «القوة الصلبة» مثل القواعد العسكرية، والتعاون الأمني، وبيع الأسلحة، والصادرات المتزايدة من طائرات بيرقدار المسيّرة، التي أصبحت من أبرز رموز الصناعة الدفاعية التركية. وإلى جانب ذلك، تمارس أنقرة أيضا «القوة الناعمة»، من خلال تمويل المدارس والمساجد، ودعم البرامج الثقافية، والأنشطة الإنسانية، وتوسيع خطوطها الجوية، وبهذه الطريقة، تُرسّخ علاقات سياسية واجتماعية طويلة الأمد، تهدف أيضاً إلى الصمود في وجه الأزمات والتحديات المستقبلية.
وبحسب الكاتب، تستفيد هذه الإستراتيجية أيضاً من تراجع النفوذ الفرنسي في العديد من الدول الإفريقية، وتقلص الوجود الأمريكي في القارة مقارنةً بالماضي. ويشغل الفراغ الذي خلفته القوى الغربية لاعبون جدد، من بينهم تركيا، التي تسعى إلى تقديم نفسها كشريك لا يرتبط بأنماط العمل الاستعمارية التقليدية، لافتاً إلى أنه من وجهة نظر إسرائيل، يكتسب هذا التوجه أهمية متزايدة، لما له من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية وإستراتيجية.
– صدام متوقع أم رؤى متباينة؟:
ونوّه الكاتب إلى أن تل أبيب سعت في السنوات الأخيرة إلى تعزيز علاقاتها مع العديد من الدول الإفريقية، مستفيدةً من تفوقها التكنولوجي في مجالات الزراعة وإدارة الموارد المائية والصحة والابتكار، إلا أن التوسع التركي قد يُغيّر موازين القوى الدبلوماسية في القارة، التي تلعب دوراً مهماً في التصويت والصراعات على النفوذ في الساحة الدولية. ويُولي العالم اهتماماً خاصاً لمنطقة القرن الإفريقي، حيث تتقاطع مصالح إسرائيل وتركيا ودول الخليج والقوى الكبرى.
في هذا السياق، يُذكّر الكاتب بأهمية العلاقات التي تُقيمها إسرائيل مع إقليم أرض الصومال، الذي ينظر إليه العديد من المحللين كشريك إستراتيجي محتمل لتعزيز أمن البحر الأحمر وكبح جماح تهديدات الحوثيين والمنظمات الجهادية العاملة في المنطقة. مع ذلك، من المهم التأكيد على أن التنافس بين تل أبيب وأنقرة لا يُتوقع أن يتطور إلى مواجهة مباشرة، بل إنه يعكس رؤيتين مختلفتين للمنطقة والدور الذي تسعى كل دولة إلى لعبه في القارة الإفريقية.
ومع ذلك، ما زال الكاتب يصف الوجود التركي بالتحدي الذي يواجه إسرائيل، ويفسر ذلك بأنه يتمثل في تحويل تفوقها التكنولوجي وشبكة علاقاتها التي بنتها، جزئياً نتيجةً لاتفاقيات إبراهيم، إلى وجود أكثر أهميةً واستقراراً وديمومةً في إفريقيا.
أما بالنسبة لأردوغان، فيرى الكاتب أن القارة الإفريقية تُعدّ إحدى الركائز التي يسعى من خلالها إلى تعزيز مكانة تركيا الدولية، في ظل التغيرات العميقة التي يشهدها ميزان القوى العالمي. وفي الوقت نفسه، تُسرّع تركيا من وتيرة ترسيخ وجودها في سوريا، مستفيدةً من تركيز إسرائيل حالياً على ساحات إقليمية أخرى.
رؤية أردوغان «العثمانية الجديدة» تتجسد في إفريقيا[3]:
مقالة أخرى حملت تاريخ 13 يوليو 2026م، بصحيفة «يديعوت أحرونوت»، للكاتب الإسرائيلي روعي بنياميني، تحمل السردية ذاتها، وتتطابق معها في بعض الفقرات، ففي المقدمة استهل بنياميني مقالته حول ما أسماها «الرؤية العثمانية الجديدة للرئيس التركي»، بحديث عن قيام أنقرة بهدوء وبعزيمة ببناء محور نفوذ إستراتيجي في إفريقيا، من خلال الصفقات الأمنية، ونشر البنية التحتية، وتأسيس القواعد العسكرية، وتعميق أدوات النفوذ الديني والثقافي، وكلها أدوات تجسد رؤية الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، «العثمانية الجديدة» على أرض الواقع في القارة السمراء- وفق وصف الكاتب.
ووضع الكاتب الملف المشار إليه في إطار واقع جيوسياسي جديد يشهد توسع تركيا وحضورها الصاعد، ورأى أنه يفرض على إسرائيل تغيير طريقة تفكيرها وحتمية تبنيها حلولاً أكثر إبداعاً.
الكاتب انطلق من قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي استضافها أردوغان الأسبوع الماضي (مراعاة تاريخ النشر) ليسجلها كنقطة تضاف لرصيد أردوغان وكإنجاز رمزي وتوعوي آخر في إطار جهود تركيا لترسيخ مكانتها كلاعب إقليمي ودولي بارز، ولا سيما مع اتباع أردوغان نهجاً تقاربياً تجاه بقية دول حلف الأطلسي، مقدماً تركيا كلاعب رئيسي وأصل إستراتيجي للمصالح الغربية، وحظي بالثناء من صديقه المقرب الرئيس ترامب والأمين العام لحلف الناتو، مارك روته.
ولم يغفل أن الرئيس التركي لم يدخر انتقاداً لإسرائيل خلال القمة، وكيف أنه حدد المعارضة الإسرائيلية (واليونانية) لشراء مقاتلات الـ (F-35)، ووصفها بأنها معارضة غير مقبولة. كما كرر طرح «حل الدولتين» باعتباره المفتاح الوحيد للسلام، داعياً الأطراف إلى العمل على تهدئة الأوضاع في غزة ولبنان، فيما كان وزير الخارجية التركي قد أطلق تصريحاً حاداً قبل أيام قليلة من المؤتمر، قال فيه إن «إسرائيل أصبحت عبئاً لم تعد البشرية قادرة على تحمله».
وعاب الكاتب على قادة الناتو، عدم انتقاد التصريحات التركية من منطلق رغبته في اتباع نهج تصالحي مع تركيا لاعتبارات إستراتيجية، وذهب إلى أن خطوات إسرائيل وتدهور علاقاتها مع المجتمع الدولي تصبّ مباشرةً في مصلحة أنقرة.
– مآلات الدعم الاقتصادي والبنيوي التركي للصومال:
وتقود هذه المقدمة إلى إفريقيا، فالرئيس التركي- كما يرى الكاتب الإسرائيلي- لديه «رؤية عثمانية جديدة» تضرب بجذورها أيضاً في القارة الإفريقية، بشكلٍ يمثل تحدياً لإسرائيل.
وذهب إلى أن إفريقيا شكلت أرضاً خصبة لتحقيق رؤية أردوغان، ولا سيما في مناطق القرن الإفريقي، وشمال إفريقيا (ليبيا)، وحزام الساحل، متطرقاً أيضاً- على غرار المقالة السابقة- لـ«عام إفريقيا» 2005م الذي أعلنته الحكومة التركية وقتها، مروراً بمحطات بارزة أخرى، منها إعلان الاتحاد الإفريقي لتركيا كـ«شريك إستراتيجي»، وعقد قمم مشتركة، وزيارات مكثفة جعلت أردوغان يتبوأ صدارة القادة الأجانب الأكثر زيارة للقارة، كما لم يتجاهل زيارة أردوغان لمقديشو في عام 2011م لتضع حجر الأساس لتدخل تركي واسع، نما منذ ذلك الحين إلى أبعاد ضخمة في المجالات الإنسانية والاقتصادية والعسكرية، ومن ثَمّ امتلكت تركيا أصلاً إستراتيجياً حيوياً، وركيزةً أساسية لإبراز قوتها، وتوسيع نفوذها الاقتصادي، وترسيخ وجودها العسكري في القرن الإفريقي وعند الممرات الملاحية الحيوية في البحر الأحمر وخليج عدن.
وشرح الكاتب، من وجهة نظره، مآلات الدعم الاقتصادي والبنيوي الذي قدمته تركيا للصومال، منها تعميق ارتهان الأخيرة بها، وسمح للأتراك بتحويل الدولة إلى حقل تجارب، وتمكنت تركيا من امتلاك أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في مقديشو، كما يقدّم الجيش التركي مساعدة عسكرية وجوية مباشرة في الحرب المحلية ضد الإرهاب المتصاعد.
يأتي ذلك إلى جانب الاستثمار العميق في الموارد الطبيعية، والذي يشمل اتفاقيات حصرية للتنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل الصومالية، كما أفادت تقارير مؤخراً بأن تركيا تعمل على إنشاء قاعدة فضائية ومنشأة لتجارب الصواريخ الباليستية على شواطئ المحيط الهندي، في مدينة «ورشيخ» الصومالية، بتكلفة تُقدّر بنحو 350 مليون دولار.
من منظور واسع، يزعم الكاتب أن التمدد في إفريقيا يمثل هدفاً إستراتيجياً لأردوغان لترسيخ مكانة بلاده كقوة إقليمية، وأن هذا الحضور، الذي يتزايد بالتزامن مع انسحاب القوى التقليدية مثل فرنسا والولايات المتحدة، يتيح لتركيا موطئ قدم سياسي قد يتحدى إسرائيل، خاصةً في ظل سياسة التكتلات داخل القارة ومكانة تركيا المرموقة في الاتحاد الإفريقي.
– إسرائيل وسبل موازنة النفوذ التركي في إفريقيا:
ورغم أن إسرائيل تحتفظ بعلاقات مثمرة مع دول إفريقية؛ فإنها تفتقر حالياً للحضور والأدوات والموارد اللازمة لمواجهة عملية الالتفاف التركية هذه، بينما تبرز نقطة الاحتكاك الأوضح حالياً بين إسرائيل وتركيا في القرن الإفريقي، على خلفية توثيق إسرائيل لعلاقاتها مع إقليم أرض الصومال (صوماليلاند). وأوضح الكاتب أن أنقرة تنظر لهذه الخطوة على أنها تقويض للمصالح التركية في عقر دارها، مما استدعى رداً غاضباً؛ حيث سارعت تركيا إلى تشكيل جبهة دبلوماسية مع مصر وجيبوتي والصومال، بل وعمقت حضورها هناك.
ويتمسك الكاتب بفرضية أنه على الرغم من محاولات بعض الأطراف تأطير الخطوة الإسرائيلية تجاه أرض الصومال باعتبارها إجراءً سياسياً هامشياً، إلا أنها تمثل قراراً ذا أهمية جيواستراتيجية بالغة، وضرورية لتعزيز القبضة الإسرائيلية في منطقة البحر الأحمر، ولا سيما في مواجهة التهديد الأمني المباشر الذي يشكله الحوثيون والتنظيمات الإسلامية المتطرفة.
ويقدّم الكاتب سلسلة من التوصيات لحكومة بلاده لمجابهة النفوذ التركي، ومن ذلك حتمية استغلال الإمكانات الإستراتيجية والسياسية والأمنية والاقتصادية الكامنة في القرن الإفريقي وبقية أنحاء القارة، من خلال صياغة مفهوم إستراتيجي شامل، يشكل ثقلاً موازناً لمحور النفوذ التركي الذي يعمل بروح «الإخوان المسلمين»- على حد تعبيره.
كما دعا حكومة بلاده إلى التأكيد على دور إسرائيل كعنصر استقرار، والقيام بذلك بتنسيق وثيق مع شركائها في «اتفاقيات إبراهيم»– وعلى رأسهم الإمارات العربية المتحدة والمغرب، اللتان تمتلكان بالفعل أدوات نفوذ هائلة في القارة.
ويعوّل الكاتب على ما قال إنها نظرة إيجابية تجاه إسرائيل من قِبل العديد من الدول الإفريقية، كلاعب إيجابي يتعامل بـ«ندية وتواضع»، وأنه يمكن تعلم الكثير من تجربتها الثرية في مجالات التكنولوجيا والمياه والزراعة والصحة، داعياً لتحويل هذه الميزة الإنسانية والتكنولوجية إلى موطئ قدم فعّال، إلا أن الأمر ما زال يتطلب قراراً حكومياً على المستوى الوطني، إلى جانب تخصيص الموارد التي من شأنها إحداث تغيير حقيقي على الأرض.
ويختم الكاتب بالتشديد على ضرورة توثيق العلاقات الثنائية مع الدول المحورية في القارة، إلى جانب تطوير مشاريع مشتركة مع شركاء إسرائيل في الخليج وفي المغرب، ما من شأنه أن يدفع بصلب المصلحة الإستراتيجية المشتركة، مع تقديم الوجه الإيجابي والمبادر لإسرائيل في العالم. كما دعا إلى الدق على وتر قضايا إفريقية ملحة مثل: مواجهة تحديات الإرهاب، والفقر، وأزمة المناخ، وعدم الاستقرار السياسي في القارة، وتقديم الابتكارات الإسرائيلية كبديل نوعي ومنافس لجهود تركيا نحو مد نفوذها بالقارة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
[1] يفغيني كلاوبر، «هبطوا في موسكو، صودرت جوازات السفر، وأرسلوا للموت: تلك «مفرمة اللحم» السرية لبوتين»، صحيفة معاريف (الأراضي المحتلة)، 22 يوليو 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.maariv.co.il/news/world/article-1347152
[2] دافيد زيفولوني، «ليست سوريا فحسب: إليكم خطة التوسع الكبرى لتركيا»، صحيفة ماكور ريشون (الأراضي المحتلة)، 16 يوليو 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.makorrishon.co.il/news/middleeast/article/351711
[3] روعي بنياميني، «رؤية أردوغان العثمانية الجديدة تتجسد في إفريقيا» صحيفة يديعوت أحرونوت (القدس المحتلة)، 13 يوليو 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.ynet.co.il/news/article/r1veeofvgx#google_vignette











































