تتوافر بشكل متزايد الكثير من الفرص أمام القارة الإفريقية لتحقيق اختراقات اقتصادية وسياسية في المشهد الدولي، لكنّها تظل –باستمرار- فرصًا ناقصة؛ إما لارتباطها بمصالح متعارضة لشركاء إفريقيا الدوليين على المدى البعيد، أو لأسباب محلية متشابكة لا تجعل من التنمية واستدامتها خيارًا إستراتيجيًّا “وطنيًّا”، بل مجرد عملية تشبيك للشركات الأجنبية مع نظيرتها المحلية بمقتضى صفقات محددة لصالح هذه الأطراف، لتمثل عائداتها الفائضة للحكومات الإفريقية مجرد “عمولات” لا تَصُبّ بالضرورة لصالح تنمية مُقدّرات المواطن الإفريقي، وهي مسألة تُغري المستثمر الأجنبي (الخاص والحكومي) بمواصلة الاستفادة من إمكانات مأسسة نهب الموارد الإفريقية على المدى البعيد.
يتناول المقال الأول ازدهار صناعة السيارات الكهربائية الصينية؛ (حيث تنتج الصين قرابة ثلاثة أرباع إنتاج العالم منها بحسب تقديرات مختلفة)، وتأثيره الإيجابي في إفريقيا؛ حيث يُبشّر بشَراكات تصنيعية مُهمّة بين الصين وعدد من المستثمرين الأفارقة لتوطين الصناعة في القارة.
أما المقال الثاني فيتناول تجربة مهمة في الشراكة بين قطاعي الرعاية الصحية في إفريقيا وفي مجلس دول الخليج العربي.
ويتناول المقال الثالث مسألة ذات صلة؛ وهي التحولات الأخيرة في السياسة الأمريكية تجاه مصر وما يعنيه ذلك ضمنًا من تأثير كبير على ملفات إفريقية مهمة في السودان وفي منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر؛ بحيث يمكن معه القول: إن سياسة حافة الهاوية الأمريكية في الإقليم باتت تتآكل ويثبت يومًا بعد آخر خطورتها على مجمل الأوضاع في القارة الإفريقية.
ازدهار السيارات الكهربائية الصينية فرصة لا تُعوّض لإفريقيا؟([1])
يجب على الشركات الإفريقية الاستفادة من الوضع الراهن لخفض التكاليف وتحقيق وصول لتكنولوجيا مُجرَّبة؛ وفق خبراء. بينما تنظر الولايات المتحدة وبعض الحكومات الأوروبية لإنتاج الصين الضخم من السيارات الكهربائية وتكنولوجيا الطاقة الخضراء على أنها إنتاج مُفْرِط؛ فإن الشركات الإفريقية تعتبره فرصة لتأمين تكنولوجيا السيارات الكهربائية وتطوير الصناعة. فالصين هي الرائد العالمي في هذه الصناعة، وتصنّع نحو 75% من إنتاج العالم من السيارات الكهربائية، وتهيمن على سلسلة التوريد. ويُعزَى إنتاجها المرتفع إلى خفض تكاليف السيارات الكهربائية والبطاريات ومكوناتها، مما عزّز الوصول للتكنولوجيات التي كانت في الماضي بعيدةً عن الوصول للكثير من الأسواق الإفريقية.
كما تستثمر الشركات الصينية في مصانع التجميع وسلاسل توريد البطاريات في كثير من الدول الإفريقية بدلًا من الاكتفاء بتصدير السيارات كاملة الصنع. ويمثل ذلك، بالنسبة للشركات الإفريقية، فرصة لخفض التكاليف وتحقيق الوصول لتكنولوجيا مُجرَّبة؛ وفقًا لجاجان جوبتا Gagan Gupta (مؤسس ورئيس شركة سبيرو Spiro أكبر مصنع للسيارات الكهربائية في إفريقيا، ومنصة لتوفير البطاريات). وبحسب جوبتا فإن “ما يُتصوّر على أنه إنتاج فائض في الغرب، نراه (في إفريقيا) فرصة لا تُعوّض لملائمة التكلفة والوصول للتكنولوجيا”.
فإفريقيا لديها احتياطات هائلة من الكوبالت والليثيوم -المواد الخام الرئيسة في بطاريات السيارات الكهربائية-، لكنّ أغلب عملية التصنيع يتم في أماكن أخرى. وتنتج جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها نحو ثلثي إنتاج العالم من الكوبالت. كما يُصدَّر أغلب الليثيوم الذي تُنتجه زيمبابوي إلى الصين، والتي تهيمن بدورها على معالجة مثل هذه المواد الخام. وتصف الولايات المتحدة وبعض حلفائها الغربيون الإنتاج في الصين بما يرونه متجاوزًا للطلب المحلي “كإنتاج زائد”، ويحذرون من أن انخفاض تكلفة الصادرات الصينية يمكن أن تُؤثّر سلبًا على المُصنّعين في الغرب. وتُبقي الولايات المتحدة على رسوم جمركية بقيمة 100% على العربات الكهربائية الصينية، بينما يُطبّق الاتحاد الأوروبي رسومًا جمركية إضافية تصل إلى 35,3%.
وتجادل بكين بشأن ادعاء الإنتاج الزائد. وفي ورقة تقدير موقف منشورة في أغسطس الماضي، قالت وزارة التجارة الصينية: إنه ليس هناك تعريف مقبول عالميًّا للإنتاج الزائد أو المفرط. وقالت: إن الدعم والصادرات القوية وفوائض التجارة لا تثبت في حد ذاتها أن الإنتاج يفوق الطلب. وأرجعت الوزارة قوة الصين في إنتاج السيارات الكهربائية والبطاريات والتكنولوجيا الشمسية إلى الابتكار والاقتصادات الكبيرة. وقالت الورقة: إن أيّ خلل في التوازن يجب تصحيحه عبر المنافسة السوقية، وليس عبر الرسوم الجمركية أو القيود التجارية الأخرى.
من السعر إلى القيمة: حلول خليجية إفريقية تُعيد تشكيل أمن إمدادات قطاع الرعاية الصحية([2])
انتقلت مشتريات الرعاية الصحية من مهام مشتريات المكتب الخلفي إلى كونها رافعة إستراتيجية لتوسيع الاستخدام وصمود النظام والتكلفة. ويُمثّل هذا التحول مسألة مُلِحّة للغاية في إفريقيا؛ حيث يؤثر ضعف المشتريات مباشرةً على توفر الدواء، وجودة المُنتَج، والإنفاق، كما أنه مسألة مهمّة على نحو متزايد في دول مجلس الخليج العربي؛ حيث تنتقل النظم الصحية من مشتريات مدفوعة بالحجم إلى مشتريات مدفوعة بالقيمة والمحلية وتأمين الإمداد.
لماذا تُمثّل مشتريات الرعاية الصحية أهميةً الآن؟
لم تَعُد مشتريات الرعاية الصحية متعلّقة بالحصول على منتجات وخدمات بأقل سعر، بل إنها تُحدّد الآن مدى إمكانية تأمين النظم الصحية للأدوية والأمصال والتشخيصات والأجهزة الطبية والمستهلكات الأساسية بالجودة والسعر والتوقيت الملائم. إن فشل المشتريات يُترجَم مباشرةً إلى أذًى للمرضى ونفاد المنتجات أو توفّر منتجات دون المستوى المطلوب أو أدوية غير متوفّرة.
وفي إفريقيا تتطور مشتريات الرعاية الصحية وسط جهود جارية لتقوية صمود الإمداد، والقدرات المتوقعة، ونظم التشغيل، والوصول لمنتجات الرعاية الصحية الأساسية. ولا تزال حالة الاعتماد على الواردات وأبنية المشتركات المتشرذمة تُشكّل أولويات المشتريات في كثير من الأسواق الإفريقية. وتعمل نُظُم الصحة في القارة على الأغلب على نحو رجعي، ومشتريات في حالة الطوارئ المُلِحَّة، وبأسعار وحدات أكثر ارتفاعًا.
أما في مجلس دول الخليج العربي فإن الأجندة ارتبطت بشكل متزايد بتحوُّل الرعاية الصحية، وتعظيم التكلفة، والمحلية، والرعاية القائمة على القيمة، وأمن إمدادات إستراتيجي.
إن دولًا مثل السعودية والإمارات ليست مقيدة بالأساس بمسألة الوفرة؛ بل إنها تعمل على توسيع نفقات الصحة، وربط المشتريات بالمخرجات، وخفض الاعتماد على الواردات المكلفة. وفي كلا السياقين، فإن العامل الإستراتيجي واحد: نقل المشتريات من وظيفة الصفقات والارتباط بالسعر إلى مسألة مدفوعة بالقيمة وقدرة ذكية تدعم صمود النظام الصحي.
إقليمان، ونقاط بَدْء مختلفة، وتغيُّر أولويات المشتريات:
بالرغم من مستويات النضج وأبنية النظام المتمايزة؛ تُواجه إفريقيا ودول مجلس التعاون الخليجي خيارًا إستراتيجيًّا مشتركًا؛ يتمثل في: تغيير المشتريات من التوجيه بحسب الأسعار، والوظيفة الاستجابية إلى قدرة لديها صمود وقائمة على القيمة ومدفوعة بالذكاء.
وفيما يتعلق بفرصة الشراكة في المشتريات بين دول الخليج وإفريقيا، فإنه تجب معاملة عملية التصنيع المحلية والإقليمية على أنها أداة في سياسة المشتريات، وليست مجرد سياسة صناعية طموحة. ويمكن رَبْط رأس المال والمنصات اللوجيستية والنضج التنظيمي والقدرة الكبيرة على الشراء بالطلب الإفريقي، ومواقع التصنيع الإقليمي، وتمكين الوصول للسوق. ولا تتمثل الفرصة في توطين كل شيء، ولكن في وضع أولويات للأدوية الأساسية، والأمصال، وسُبُل التشخيص، والإنسولين، ومنتجات الأمراض المكلفة ماديًّا.
وقد يترتَّب على شراكة أقوى بين دول الخليج وإفريقيا في مجال المشتريات فوائد تتجاوز نطاق المعاملات الفردية أو الاستثمارات في مجال التصينع؛ فمن خلال ربط رؤوس أموال دول مجلس التعاون الخليجي وقوتها الشرائية وقدراتها اللوجستية وخبرتها التنظيمية، بالطلب المتزايد على خدمات الرعاية الصحية في إفريقيا، وإمكانات الأخيرة التصنيعية، وتكامل أسواقها الإقليمية، يمكن للمنطقتين الدخول في عملية بناء متماسك وأكثر تنسيقًا لإمدادات الرعاية الصحية.
وبالنسبة لنُظم الصحة الإفريقية، يمكن أن يُعزّز مثل هذا التعاون الوفرة وأولوية توفير الأمصال والأدوية والتشخيص والإمدادات الطبية فيما يُقلّل الانكشاف أمام اضطرابات الإمداد العالمية والمشتريات الطارئة؛ إذ يمكن لاتفاقات المشتريات بعيدة المدى والطلب المتراكم أن يزوّد المصنعين بقدر أكبر من اليقين في الاستثمار، ودعم الإنتاج المحلي والإقليمي المستدام. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي فإن مثل هذه الشراكة يمكن أن تنوّع شبكات التوريد وتُخفّض الاعتماد المُبالَغ فيه على عدد محدود من منافذ الإنتاج الدولية، ويخلق قدرة على الوصول لاستثمارات جديدة في الرعاية الصحية وفرص التصنيع.
أمريكا تقوم بخطوات جديدة مع ثاني أكبر اقتصاد في إفريقيا، وعين على الصين وروسيا([3])
لطالما كانت مصر نقطة أساسية للدبلوماسية والأمن الدوليين؛ بسبب تحكُّمها في قناة السويس، ونفوذها الإقليمي الكبير. مؤخرًا قامت الولايات المتحدة بجهود متجدّدة لتعميق علاقتها مع مصر، لكنّ قوى عالمية متنافسة مثل الصين وروسيا تُعمّق أيضًا صلاتها معها.
الولايات المتحدة تعمق لصلاتها الدبلوماسية والاقتصادية:
في نهاية أغسطس 2026 عقدت مصر والولايات المتحدة محادثات دبلوماسية رفيعة المستوى من أجل تعزيز شراكتهما الممتدة. والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بميشيل ج. ريجاس نائب وزير الخارجية الأمريكي للإدارة والموارد، من أجل مناقشة سُبل تعزيز صلاتهما السياسية والتجارية والاستثمارية. وأوردت الهيئة العامة للاستعلامات في القاهرة أن ممثلي البلدان أكَّدا على أن تحالفهما يظل “عمودًا رئيسًا في دعم الأمن والاستقرار في الإقليم”.
ومع استمرار تصاعد التوتر الإقليمي؛ ركّز الاجتماع بقوة على التوصل لسُبل لاستعادة الاستقرار. وأبرز “عبد العاطي” الحاجة إلى تسوية النزاعات سلميًّا، مؤكدًا على “أهمية منح الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية والحوار في مواجهة الأزمات”. وتأمل واشنطن عبر مثل هذه الاجتماعات بالحفاظ على تنسيق قويّ مع مصر للمساعدة في احتواء التهديدات الإقليمية (ومن بينها التهديدات في القرن الإفريقي).
مصر وشمال إفريقيا ساحة رئيسة للمنافسة العالمية:
يأتي هذا التقارب في العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة ومصر في وقتٍ باتت فيه شمال إفريقيا ساحة متزايدة الأهمية أمام مساعي النفوذ العالمي؛ حيث تُعمّق كلٌّ من الصين وروسيا علاقاتهما في المنطقة عبر قنوات اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية متنوّعة. ويبدو أن دول الإقليم تُنوّع شراكاتها بشكل متزايد، بدلاً من الانحياز حصرًا إلى قوة عالمية واحدة. وعلى سبيل المثال، عزّزت مصر علاقاتها العسكرية مع الصين؛ حيث تُجري الدولتان حاليًّا النسخة الثانية من مناورات “نسور الحضارة” Eagles of Civilisation الجوية المشتركة في مصر (قبيل زيارة مهمة للرئيس الصيني لمصر هي الأولى لرئيس صيني لمصر منذ عشرة أعوام، ولإحدى الدول الإفريقية منذ زيارته لجنوب إفريقيا قبل ثلاثة أعوام تقريبًا (جوهانسبرج، 2023، وخلال حضور قمة بريكس).
أما الجزائر فقد اتخذت مسارًا مختلفًا؛ إذ حافظت على علاقة دفاعية صلبة مع روسيا؛ وواصلت اقتناء معدات عسكرية روسية متطورة، بما في ذلك مقاتلة سو-34 إم الهجومية، مما عزّز مكانة موسكو كشريك دفاعي رئيسي في شمال إفريقيا. كما تعمل روسيا على توسيع وجودها العسكري في ليبيا. وقد كشف تحليل صور الأقمار الصناعية، الذي استشهد به مشروع “تيرلاين TearLine” التابع للوكالة الوطنية الأمريكية للاستخبارات الجغرافية المكانية U.S. National Geospatial-Intelligence Agency، عن أنشطة بناء وتجديد في ست قواعد جوية ليبية (في شرقي ليبيا وجنوبها) مرتبطة بوجود روسي معروف في إفريقيا.
وتشمل قائمة الأنشطة الروسية في ليبيا أعمالًا في حظائر الطائرات، وممرات الهبوط، والثكنات العسكرية، وغيرها من مرافق البنية التحتية، مما يشير إلى جهد أوسع لتعزيز الوجود العسكري الروسي طويل الأمد في المنطقة.
وإجمالًا، فإن كلًّا من الولايات المتحدة والصين وروسيا تعمل على تعزيز علاقاتها في المنطقة، بينما تسعى دول مثل مصر والمغرب والجزائر إلى إقامة شراكات مع قوى عالمية مختلفة انطلاقًا من مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية.
………………………………………….
[1] Why China’s EV boom is seen as an ‘unparalleled opportunity’ in Africa, South China Morning Post, August 22, 2026 https://www.scmp.com/news/china/diplomacy/article/3364799/why-chinas-ev-boom-seen-unparalleled-opportunity-africa
[2] Mark Dagher, From Price to Value: Africa- GCC healthcare procurement solutions to reshape supply security, World Health Expo Insights, August 26, 2026 https://www.worldhealthexpo.com/insights/healthcare-management/healthcare-procurement-africa-gcc-strategic-transformation
[3] U.S. makes fresh moves with Africa’s 2nd-largest economy as China and Russia deepen North African ties in different ways, Africa Business Insider, August 28, 2026 https://africa.businessinsider.com/local/lifestyle/us-and-china-make-fresh-moves-with-africas-2nd-largest-economy-but-in-very-different/b49t86h











































