في نَصّ مدقق ومتماسك وتاريخي بامتياز يُقدّم البروفيسور حكيم آدي Hakim Adi كتابه المهم «الأفريقانية والشيوعية: الحركة الدولية الشيوعية وإفريقيا والشتات (1919-1939)»[1]، مستلهماً عنوان عمل كلاسيكي في الفكر الأفريقاني سبق أن وضعه جورج بادمور G. Padmore في العام 1956م وهو «أفريقانية أم شيوعية».
ولئن استندت سردية بادمور إلى تجربة شخصية مباشرة في تطور صلة الأفريقانية بالحركة الشيوعية الدولية، جعلت من الكتاب عملاً فريداً بالغ الأهمية لأي تناول لتاريخ إفريقيا الحديث حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية؛ فإن نص آدي استند إلى وثائق ونصوص أصيلة، وعرض لوجهات نظر تاريخية مؤثرة في فهمٍ أكبر لقضايا صلة الأفريقانية بالحركة الشيوعية في فترة ما بين الحربين العالميتين، وهي صلة لا تزال مؤثرة للغاية في قراءة المشهد الإفريقي الحالي بتناقضاته، وأسئلة من قبيل تحقق التحرر الوطني «الحقيقي»، والقدرة على تلبية تطلعات الغالبية العظمى من شعوب القارة في عدالة اجتماعية وتوزيع أكثر عدلاً للثروة والفرص بين المواطنين (ولا سيما العمال والفلاحين)، وهي مسائل كانت نقاط التقاء بين تطلعات الأفريقانية كحركة انعتاق شامل للأفارقة من ربقة الاستغلال والتمييز (بكافة مستوياته) والتهميش الدولي، والشيوعية كأيديولوجيا تملك– في رؤية نخب إفريقية واسعة في هذه المرحلة التكوينية للتحرر الوطني والاستقلال- القدرة على قيادة هذه التطلعات في عالم ما بين الحربين العالميتين.
كما ترد في الكتاب إشارات مهمة إلى جذور التأثر الإفريقي بالأفكار الشيوعية منذ اندلاع الثورة الروسية (1917م)، وتجليات هذا التأثر في مصر (على سبيل المثال، والتي شهدت سجالات مهمة حول الماركسية وأفكارها منذ نهاية القرن التاسع عشر) وجنوب إفريقيا التي شهدت تكوين الرابطة الاشتراكية الدولية International Socialist League في العام 1915م ثم الحزب الشيوعي الجنوب إفريقي في العام 1921م؛ وهي إشارات كاشفة عن جدية الأزمات المجتمعية والطبقية التي انتشرت في الدول الإفريقية، ومن ثَمّ تلمست نخب وقطاعات عاملة بها لحلول لهذه الأزمات في الأفكار الشيوعية بشكلٍ عام، ومن ثَمّ استدعاء رؤية إفريقية (أو أكثر أفريقانية) لتاريخ ارتباط القارة بشكلٍ عام بالشيوعية وتطوراتها في الفترة التي يدرسها العمل الحالي (1919-1939م)، وهي فترة مفصلية في تاريخ العالم وتطوراته بشكل أشمل.
الشيوعية والمسألة الزنجية: الحاضر في أسر التاريخ؟:
يأتي كتاب حكيم آدي في قسمين رئيسيّين؛ يتناول القسم الأول صعود الارتباط بين الأفريقانية والشيوعية في العالم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وذلك عبر خمسة فصول مهمة من جهة أن تناول هذا الارتباط يكشف عن جانب مهم للغاية من جوانب إعادة تشكيل حركات التحرر الوطني الإفريقية في النصف الأول من القرن العشرين، ألا وهو انفتاح قسم كبير من تلك الحركة على الأفكار الراديكالية ومشروعات التحرر القائمة على فكرة مواجهة نظم الاستغلال والرأسمالية العالمية باعتبارها جبهة موحدة متضافرة لقمع الأفارقة وتطلعاتهم، وهي أفكار لم تصمد كثيراً في مرحلة «القضاء على الاستعمار وتفكيكه» بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ونجاح قوى الاستعمار خلال الحرب الباردة في إرساء بُنى الاستعمار الجديد توطئةً للإسهام الملحوظ في فشل كثير من مشروعات الاستقلال وإعادة بناء الدولة في أرجاء القارة الإفريقية.
يحدد الفصل الأول مسألةً بالغة الأهمية، وتسهم بشكل دقيق للغاية ولا سيما في السياق الراهن في تدقيق الرؤية العربية لتاريخ القارة الإفريقية في هذه المرحلة المهمة، ألا وهي تطور مقاربة الحركة الشيوعية (الدولية) للمسألة الزنجية Negro Question خلال فترة ما عُرف بـ«الدوليات» الأولى والثانية والثالثة، وصعود الدعم الكبير للأفكار الثورية (المرتبطة بالحركة الشيوعية الدولية) وسط الأفارقة وأفارقة الشتات. ويتتبع الفصل مقاربة الكومنترن Comintern لهذه المسألة بعد العام 1919م، وصولاً إلى تكوين «اللجنة النقابية الدولية للعمال الزنوج» ITUCNW في العام 1928م.
ويتناول الفصل الثاني القرارات المهمة التي اتخذتها الكومنترن في مؤتمرها السادس في العام 1928م بخصوص المسألة الزنجية في الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا. وهو تناول مهم راهناً في عدة سياقات؛ منها فهم طبيعة العلاقات الأمريكية-الجنوب إفريقية وتعقيداتها الحالية، وفهم نموذج مهم لمقاربة الشتات الإفريقي لقضايا القارة وانتقاله– ربما- من التضامن البنيوي إلى اختلاق نوع من الوصاية على القارة ومستقبلها بفضل الاندماج الأكبر لجماعات الشتات في مؤسسات الحكم الأمريكية والغربية، وربما تبنّي رؤاها كما في حالة مساهمة قطاع مهم من الأمريكيين من أصول إفريقية في صياغة سياسات واشنطن الإفريقية الراهنة، كما في مثالي جنوب إفريقيا وكوبا.
وركز الفصل الثالث على تفاصيل المؤتمر الدولي الأول للعمال الزنوج المنعقد في مدينة هامبورج الألمانية في العام 1930م، والاستعدادات العالمية الكبيرة له، ونتائجه المهمة في دعم حركات العمال في إفريقيا (ولا سيما في غربي القارة وجنوبها، مما سيتبلور لاحقاً في شكل دعم شعبي كبير لحركات التحرر الوطنية بغض النظر عن تقلبات مواقف دولة ما بعد الاستقلال من العمال وقضاياهم). كما يُقدّم الفصل دراسة قيمة للغاية، تمثل بدورها نموذجاً ثرياً للدراسات التاريخية الإفريقية المكتوبة باللغة العربية، عن دورية «العامل الزنجي» The Negro Worker[2]، وإسهاماتها في نشر وعي واسع بقضايا العمال الزنوج ومطالبهم بحقوق أكبر في مواجهة الاستعمار وامتداداته المحلية.
ويتناول الفصلان الرابع والخامس أنشطة ما عُرفت بلجنة هامبورج التابعة للجنة النقابية الدولية للعمال الزنوج ITUCNW، والتي تم تكوينها عقب مؤتمر هامبورج 1930م، وقادها بدايةً جيمس فورد James Ford حتى العام 1931م، ثم جورج بادمور (1931-1933م)، ثم السورينامي أوتو هويسود Otto Huiswoud بعد إعادة تشكيلها في العام 1934م حتى حلها في العام 1937م.
وبطبيعة الحال، فإن هذه الفصول لا تكتفي بتقديم سردية تاريخية دقيقة للأحداث المهمة المتعلقة بتطور الصلة بين الأفريقانية والشيوعية، والأثر الكبير الذي تركته الأخيرة في الأولى، بل يعمد حكيم آدي إلى تتبع المواقف النقدية الأفريقانية «للشيوعية الدولية» وما يمكن ملاحظته من هامشية إفريقيا وقضاياها فيها، وطبيعة فهم النخب الإفريقية للشيوعية ومساراتها وسبل تطبيقها؛ وهي مسائل خلافية ستتضح ملامحها بشكلٍ أكثر وضوحاً لاحقاً في حالات انتشار التأثير الشيوعي/ السوفييتي في دول إفريقية مختلفة من الصومال إلى بنين مروراً بإثيوبيا ومالي وبوركينا فاسو وغيرها في عقود ما بعد الاستعمار وتبنّي بعضها نماذج متطرفة من النماذج الشيوعية مثل «الماركسية العلمية» في الصومال وبنين.
الشيوعية في إفريقيا: خمس ركائز وتاريخ واحد:
يُقدّم «الأفريقانية والشيوعية» في قسمه الثاني خمسة فصول، يُعنى كلٌّ منها بدراسة حالة تمثل كلٌّ منها ركيزة أساسية في فهم الصلة بين الأفريقانية والشيوعية في هذه الفترة المفصلية من تاريخ العالم أجمع وليس الدائرة الإفريقية فحسب؛ وتشكل الحالات الخمس معاً تاريخاً واحداً يمكن خلاله فهم الحالة الراهنة بشكلٍ أدق.
إذ يتناول الفصل السادس صعود الارتباط بين الأفريقانية والشيوعية في فرنسا- أبرز معاقل الاستعمار الأوروبي لإفريقيا- عبر تنظيمات منوعة، منها «اللجنة النقابية الدولية للعمال الزنوج» وعدد من المنظمات التابعة لها، وأخرى مستقلة لكنها تعتنق نفس الأفكار الثورية.
وجاءت ارتباطات الأفريقانية بالشيوعية، سواء في المقام الحالي أم في المراحل اللاحقة، في قلب مقاربة الكومنترن للمسألة الزنجية التي تم تطويرها من تحليل فلاديمير لينين للإمبريالية وأهمية نضالات التحرر في المستعمرات كجزء من النضال العالمي ضد الإمبريالية، وهو خطاب يقترب في دلالته من أفكار حركة عدم الانحياز ثم الجنوب العالمي ومحاولة موازنة الاضطراب الحالي في توازنات القوى الدولية من زاوية قيام تكتل دولي مناهض لديناميات الهيمنة (سواء الإمبريالية بشكل مطلق أم قوى النظام الدولي التي تسعى لمثل هذه الهيمنة لتأمين مكاسبها واستدامتها على حساب الدول والشعوب الأكثر فقراً أو أقل نمواً). وتأتي أهمية تناول حكيم آدي هنا لهذه المسألة أنها استكمالٌ لجهودٍ رائدة قام بها كلٌّ من جيمس شبجلر J. Spiegler وج. أيو لانجلي J. Ayo Langley، وركزت على العلاقة بين الحركات الشيوعية الدولية والعديد من المنظمات الأفريقانية التي ظهرت في فرنسا في فترة ما بين الحربين العالميتين، مما يعني مزيداً من التحليل الذي يوظف تراكماً معرفياً ملموساً.
وينتقل الفصل السابع إلى مناقشة نفس الارتباطات بين المنظمات الأفريقانية والحركة الشيوعية الدولية، لكن هذه المرة في بريطانيا المعقل الآخر للاستعمار الأوروبي– بعد فرنسا- في القارة الإفريقية وفي الفترة ذاتها (ما بين الحربين العالميتين). ويبدأ الفصل بمعلومات كاشفة عن نجاح الحزب الشيوعي البريطاني في تجنيد أعداد من الأفارقة في بريطانيا منذ عشرينيات القرن الماضي، ومن أبرزهم شخصيات صومالية فاعلة في الأوساط الإفريقية في مدن مثل كارديف. لكن اهتمام الحزب الشيوعي البريطاني الكبير بالأفارقة وقضاياهم لم يتضح بشكل محدد ومهم إلا في نهاية العشرينيات؛ حيث باتت للحزب علاقات بتنظيمات مماثلة في إفريقيا بعد أن كانت قاصرةً على الحزب الشيوعي بجنوب إفريقيا Communist Party of South Africa (CPSA). كما وسّع الحزب البريطاني صلاته بنقابات في غامبيا وعدة دول ناطقة بالإنجليزية في إفريقيا منذ نهاية العشرينيات. كما يركز الفصل على محاولات التوصل لحلول للمسألة الزنجية في بريطانيا، ولا سيما جهود هيئة مثل «جمعية رفاهية الزنوج» Negro Welfare Association.
وفي جهدٍ دؤوب للبروفيسور حكيم آدي، يسعى الفصل الثامن لربط هذه النضالات الأفريقانية-الشيوعية ببعد مهم، ألا وهو الشتات الإفريقي، ويناقش فيه أنشطة اللجنة الدولية للعمال الزنوج في الكاريبي. قبل أن يعود في الفصل التاسع إلى مناقشة أنشطة هذه اللجنة بالتفصيل في دول غرب إفريقيا التي كانت تشهد بدورها صعوداً متزايداً في أنشطة العمال وقضاياهم وتنظيماتهم النقابية المهمة، التي ستتصدر حركة النضال التحرري الوطني لعدد من دول الإقليم في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين.
أما الفصل العاشر والأخير، فإنه يتناول انتشار الشيوعية وأفكارها وتنظيماتها الدولية في الفترة محل الدراسة في جنوب إفريقيا. كما يتناول الفصل أنشطة الاتحاد الإفريقي للنقابات African Federation of Trade Unions وعدداً من النقابات العمالية المهمة التي قادت النضال ضد العنصرية والظلم الاجتماعي في جنوب إفريقيا في السنوات السابقة على مأسسة النظام العنصري عقب وصول الحزب الوطني (المتطهر) للحكم في العام 1948م وبدء مرحلة جديدة من تاريخ العنصرية في جنوب إفريقيا. وهو تناول مهم للغاية يمكن أن يكشف عن كثيرٍ من تعقيدات المشهد الحالي في جنوب إفريقيا، وتراجع شعبية حزب المؤتمر الوطني الإفريقي لصالح تيارات أكثر راديكالية وعنفاً (سياسياً) وقرباً من أفكار الحزب الشيوعي الحالي في جنوب إفريقيا.
ويختتم حكيم آدي الفصل بتناول مصير المسألة الزنجية في الفترة المذكورة، مع ملاحظة أن مجريات الحرب العالمية الثانية قد قادت إلى عواقب راديكالية للغاية في أغلب دول القارة، وفي السنوات الممهدة لاستقلالها؛ إما بترتيبات مع الاستعمار (ولا سيما في المستعمرات الفرنسية) أو بضغوط شعبية كبيرة.
ــــــــــــــــ
المراجع والهوامش:
[1] Adi, Hakim, Pan-Africanism and Communism: The Communist International, Africa and the Diaspora, 1919-1939, London, 2026.
[2] جريدة شيوعية أفريقانية لاقت ذيوعاً كبيراً في أرجاء العالم، وصدرت في الفترة (1928-1937م)، وغطت صفحاتها قضايا العمال الزنوج في إفريقيا والشتات.











































