تسعى غانا إلى تحويل الدعم الدولي المتزايد بشأن تعويضات العبودية إلى خطوات عملية ملموسة، ومع اختتام قمة استمرت ثلاثة أيام في العاصمة أكرا، الجمعة، من المقرر أن يعتمد القادة الأفارقة والكاريبيون إعلانًا يحدد الخطوات المقبلة في هذا الملف.
وتأتي القمة عقب اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس الماضي قرارًا “غير ملزم” تبناه الرئيس الغاني جون ماهاما، يدعو الدول التي شاركت في تجارة الرقيق إلى الانخراط في جهود رد المظالم وتقديم التعويضات.
واعترف القرار الأممي التاريخي بتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي باعتبارها “أخطر جريمة ضد الإنسانية”.
واختُتمت أعمال القمة بحفل أقيم في قلعة أوسو بالعاصمة الغانية أكرا، وهي حصن شيده الدنماركيون والنرويجيون في ستينيات القرن السابع عشر وكان يُستخدم لاحتجاز المستعبدين.
قد يهمك: مؤتمر أكرا وتجارة الرقيق.. 3 مسارات لتحقيق العدالة لإفريقيا والكاريبي
كما تزامنت مع إحياء ذكرى “جونتينث”، العطلة السنوية في الولايات المتحدة التي تخلد نهاية العبودية، في أول احتفال من نوعه يقام خارج الأراضي الأمريكية، وفق المنظمين.
وقال وزير الخارجية الغاني، صامويل أبلاكوا، للمشاركين: “لقد انتصرنا في معركة العبودية، وانتصرنا في معركة الاستعمار، وانتصرنا في معركة الفصل العنصري، ونحن واثقون من أننا سننتصر في معركة الظلم المتعلق بالتعويضات”.
وأضاف أن القرار، الذي أيدته 123 دولة عضو في الأمم المتحدة، منح الحملة “زخمًا غير مسبوق”.
تاريخ مشترك
وأعلن الرئيس جون ماهاما إنشاء ثلاث مجموعات عمل لبحث السبل العملية للمضي قدمًا، على أن تضم الأولى رؤساء الدول، بينما تختص الثانية بملف التعويضات ورد الممتلكات، وتتولى الثالثة الجوانب القانونية المتعلقة بالتعويضات.
وقال ماهاما: “السؤال المطروح أمامنا ليس ما إذا كان بالإمكان تغيير التاريخ، فهذا مستحيل، وإنما ما إذا كانت لدينا الشجاعة لمواجهته بصدق، والإرادة لتحويل الاعتراف إلى عمل ذي معنى”.
وأوضح وزير خارجية جمهورية الكونغو، كونستان سيرج بوندا، في تصريحات لإذاعة فرنسا الدولية، أن القمة تجمع ليس فقط الدول الإفريقية، بل أيضًا أحفاد المستعبدين في الأمريكتين.
وقال: “هذه القضية لا تخص إفريقيا وحدها، بل تخص إفريقيا والدول التي نُقل إليها إخواننا وأخواتنا قسراً قبل قرون”، مضيفًا أن التعليم والبحث التاريخي وترميم المواقع المرتبطة بتجارة الرقيق ستكون جميعها جزءاً من عملية التعويض.
وأشار إلى منطقة لوانغو على الساحل الكونغولي، التي شهدت ترحيل أعداد كبيرة من الكونغوليين خلال حقبة تجارة الرقيق، قائلاً: “لوانغو أحد المواقع المهمة التي يجب ترميمها لأنها جزء من تاريخنا المشترك”.

التعويضات “أكثر من مجرد شيك“
وفي رسالة مصورة إلى القمة، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن التعويضات يمكن أن تتخذ أشكالاً متعددة، مؤكدًا أن “التاريخ لا يمكن اختزاله في مجرد سجل حسابات”.
وأضاف أن العملية ينبغي أن تشمل مواجهة الحقائق التاريخية والعلمية من خلال التعليم والبحث العلمي، إلى جانب إعادة الأعمال الفنية التي نُهبت خلال الحقبة الاستعمارية.
وقال ماكرون: “لا يمكن أن تكون التعويضات مجرد شيك يُكتب لإنهاء القصة”.
كما أيد الرئيس الفرنسي الإلغاء الرمزي للمراسيم الملكية التي كانت تنظم نظام العبودية في المستعمرات الفرنسية السابقة، مشددًا على ضرورة معالجة قضية التعويضات مع التحذير من تقديم “وعود زائفة”.
من جانبه، اعتبر وزير خارجية الكونغو أن جهود فرنسا لإعادة القطع الأثرية الإفريقية تمثل بداية جيدة، مضيفًا: “من المهم أن نعمل جميعاً معًا؛ لأن هذه التعويضات لا يمكن أن تتحقق دون مساهمة وتعبئة الجميع”.
وأكد أن صدور إعلان قوي عن القمة سيكون إنجازاً مهماً، لكنه أشار إلى أن “أكبر التحديات ستكون في تنفيذه”.

ما بعد “رمزية” تعويضات العبودية
وقالت رئيسة وزراء باربادوس (إحدى دول الكاريبي)، ميا موتلي، إن العبودية سلبت إفريقيا ما هو أكثر من قوة العمل، مضيفة: “ما عبر المحيط الأطلسي لم يكن البشر فقط، بل أيضاً الأفكار والإنسانية والفنون والثقافة”.
وأضافت أن هذه الأفكار تعود اليوم في صورة مختلفة، قائلة: “ما عاد هو مستوى من الوعي سيشكل العالم خلال القرن الحادي والعشرين”.
في المقابل، رأى مشاركون آخرون في القمة أن مجرد الاعتراف بالظلم التاريخي لا يكفي.
وقال الأديب النيجيري الحائز على جائزة نوبل، وولي سوينكا، إن التعويضات “يجب أن تتجاوز الرمزية”.
وأضاف: “الأمر لا يتعلق بالاعتذار أو التعويض المالي فحسب، بل بإعادة الطابع الإنساني للذاكرة واستعادة القيم التي شوهتها قرون من نزع الإنسانية”.
نقلاً عن:











































