بقلم: فيليب جيرفيه-لامبوني Philippe Gervais-Lambony
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
يمثل العنف ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية والسياسية إثارة للقلق منذ نهاية نظام الفصل العنصري، فمنذ عام 2008م شهدت البلاد موجات متكررة من الاعتداءات على المهاجرين والأجانب، في سياق تفاقم الفقر والبطالة الجماعية وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة.
وتتهم تيارات قومية، تعززها شبكات التواصل الاجتماعي، الأجانب بالمسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة وتدهور الخدمات العامة، وهو خطاب يحظى أحيانًا بتأييد ضمني أو صريح من بعض الفاعلين السياسيين.
الأفكار العامة
- منذ 2008م، موجات عنف ضد المهاجرين، أكثر من 50 قتيلاً ونزوح 60 ألف شخص، مما يُشكل ضربة لصورة «أمة قوس قزح»، في ظل تفاقم الفقر والبطالة وضعف ثقة الجمهور.
- تيارات قومية، مدعومة بوسائل التواصل الاجتماعي، تتهم الأجانب بالتسبب في زيادة الجريمة وتدهور الخدمات، ويحصل الخطاب على دعم ضمني أو صريح من سياسيين.
- في أبريل 2026م، احتجاجات في كبرى المدن تطالب بترحيل الأجانب، وتُحمّل الأفارقة السود مسؤولية الأزمات.
- كيف تحول دستور 1996، نموذج الحماية والاحتواء، إلى ساحة عنف متكرر قائم على كراهية الأجانب؟
- موجات عنف متكررة بنمط موحد: استهداف تجار القرن الإفريقي بكيب تاون (2013)، أعمال عنف بديربان (2015)، تصريحات معادية للهجرة من عمدة جوهانسبرغ (2017)، استهداف نيجيريين وغانيين بديربان وجوتينغ (2019).
- ظهور حركة «دودولا» (سويتو، 2021) كمنظّمة قومية تدّعي مكافحة الجريمة وتدهور الخدمات؛ اسمها بلغة الزولو «دودولا»، ويعني «ادفع للخارج» أو «اطرد».
- تجاوز معدل البطالة 30%، ويُعزى تصاعد عداء الأجانب جزئياً إلى إخفاق حكومات ما بعد الفصل العنصري في الحد من الفقر وعدم المساواة واحتواء الجريمة.
- تعزيز مظاهر عدم الثقة في أجهزة إنفاذ القانون، مع اتهامات متكررة للشرطة بالفساد والعنف الممنهج ضد الأجانب، وتساهل تجاه مجموعات «اليقظة» وأحياناً عصابات مرتبطة بتجارة المخدرات.
تذكّرنا أغنية الجاز الجنوب إفريقي، للراحل هيو ماسيكيلا عام 1974م، «ستيميلا (قطار الفحم)» بمعاناة العمال الذين جُندوا قسراً في عهد نظام الفصل العنصري. يصوّر ماسيكيلا قطاراً يمرّ بمناطق ناميبيا ومالاوي وزامبيا وزيمبابوي وأنغولا وموزمبيق وليسوتو وبوتسوانا وسوازيلاند (إسواتيني)، محمّلاً بالشباب والرجال الأفارقة الذين أُجبروا على العمل بعقود في مناجم الذهب بجوهانسبرغ. تكريم ماسيكيلا للذين طُردوا من موطنهم يذكّر بأن الهجرة متجذرة بعمق في تاريخ جنوب إفريقيا.
ثمّة سؤال مؤلم يفرض نفسه: كيف انتهت الأمور في أبريل 2026م إلى خروج حشود في شوارع المدن الكبرى تطالب بطرد الأجانب، وتُحمّل مواطنيها الأفارقة السود الآخرين مسؤولية كل مشكلات البلاد؟ وكيف تحوّل بلد، كان دستور عام 1996م فيه نموذجاً للاحتواء وحماية حقوق اللاجئين، إلى مسرح لعنف متكرر قائم على كراهية الأجنبي؟
موجات العنف ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا
في مايو 2008م اندلعت موجة عنف غير مسبوقة ضد المهاجرين داخل جنوب إفريقيا، أسفرت عن أكثر من 50 قتيلاً، وأدت إلى نزوح نحو 60 ألف شخص، ومهّدت لاصطدام حاد بصورة «أمة قوس قزح». مشاهد الملاحقات والاعتداء على الأجانب داخل منازلهم وحرق أحياء بأكملها انتشرت في وسائل الإعلام العالمية، حتى اضطر الجيش للتدخل في بلدات وأحياء مدن كبرى لفرض الأمن.
تكرر نمط العنف ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا في مناسبات لاحقة، مع سمات متشابهة: في 2013م، استُهدِف تجّار من القرن الإفريقي في كيب تاون. وفي 2015م، تفجرت أعمال عنف في ديربان بعد دعوة علنية من ملك الزولو، وهو صوت تقليدي ذو نفوذ تاريخي استُخدم أحياناً سياسياً في عهد الفصل العنصري، للمطالبة بطرد «الأجانب». وفي 2017م، تزامنت تصريحات معارضة للهجرة، صادرة عن عمدة جوهانسبرغ، هيرمان ماشابا، مع موجة عنف جديدة. وفي 2019م، عادت أعمال عنف ممنهج استهدفت بشكل خاص نيجيريين وغانيين في ديربان وجوتينغ. في كل هذه الحالات، تظهر الهجمات كظاهرة حضرية تطال بالدرجة الأولى البلدات والمستوطنات غير الرسمية.
قد يهمك: 5 أسئلة لفهم موجة كراهية المهاجرين في جنوب إفريقيا
بات وصم المهاجرين السود طابعاً متكرراً في المشهد الديمقراطي الجنوب إفريقي. لا يمكن لأي من الأحزاب الرئيسية، بما في ذلك المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم منذ 1994م، الادعاء بالبراءة التامة، إذ إن الحزب نفسه شهد تحوّلاً في خطابه الانتخابي، وظهور مرشحين يستغلون خطاب كراهية الأجنبي، كما صاغت حكومات متعاقبة تشريعات هجرة أقرب إلى القيود والقمع منها إلى المثاليات الليبرالية التي سادت تسعينيات القرن الماضي، مما أعطى شرعية فعلية لسياسات واعتقادات نابعة من رفض المهاجرين.
تتلاقى هذه الديناميكيات الآن مع السياق الانتخابي المحلي، إذ يقترن قرب الانتخابات البلدية المقررة في نوفمبر 2026م بتصاعد الاحتجاجات الراهنة. لكن المشهد الحالي يحمل خصائص جديدة: الحركة المناهضة للأجانب تظهر في هيئة «حركات شعبية» تبدو شرعية، ويقودها بارزون من عالم الإعلام والمؤثرين الرقميين، ما يمنح صوتها صدى وانتشاراً واسعين. وتلعب شبكات التواصل الاجتماعي دور المحرك والرافعة الأساسية في تعبئة التوترات ومأسسة خطاب العداء ضد المهاجرين.
الوجوه الجديدة للكراهية
ظهرت في عام 2021م في سويتو حركة دودولا (l’opération Dudula)، وهي كلمة بلغة الزولو تعني حرفياً «ادفع للخارج» أو «اطرد»، وهي منظمة قومية تدّعي محاربة الجريمة وتردّي الخدمات العامة. اعتمدت وسائل عملها على ممارسات حظيت بتغطية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، ومنها: منع المهاجرين من دخول المدارس والخدمات الصحية، وشن هجمات عنيفة على مقرات شركات متهمة بتوظيف أجانب. زعمت زانديل دابولا، رئيسة الحركة (36 عاماً)، أمام الصحافة، أن «معظم المشكلات التي نواجهها ناتجة عن تدفّق الرعايا الأجانب. بلدنا في حالة فوضى!».
على نحوٍ موازٍ، قادت جاسينتا نغوبيسي زوما، المولودة في كواماشو، والتي عرفتها وسائل الإعلام سابقاً كمقدمة إذاعية (39 عاماً)، تجمُّع «المسيرة والمسيرة» (March and March) الذي ينظم الاحتجاجات الراهنة. تأسس هذا التجمع في ديربان عام 2025م، ويطالب بترحيل المهاجرين غير الشرعيين، وينتقد ما يصفه بـ«تقاعس» الدولة في مواجهة الجريمة والاتجار بالبشر. يتركز خطاب الحركة عملياً ضد مهاجرين من نيجيريا وغانا، ما أثار احتجاجات رسمية من حكومتي هذين البلدين؛ ورغم ذلك تُصرّ الحركة على أنها لا تستهدف «الأجانب القانونيين».
للمزيد: حركة مناهضة للمهاجرين تمهل حكومة جنوب إفريقيا حتى 30 يونيو
في أوائل أبريل 2026م، نظّم تجمع March and March احتجاجات عنيفة في مدينة إيست لندن (مدينة كوغومبو في مقاطعة كيب الشرقية) احتجاجاً على ما وصفه المتظاهرون بتتويج مزعوم لملك من الإيغبو (جماعة عرقية من نيجيريا) في المنطقة. وفي نهاية الشهر خرجت مسيرات مماثلة في جوهانسبرغ، وحظيت بتأييد سياسي من شخصيات مثل هيرمان ماشابا، رئيس بلدية سابق ومرشح في الانتخابات المحلية المقبلة عن حزب العمل ActionSA.
تعمد هذه الحركات إلى تضخيم أرقام غير مؤكدة لإثارة شعور بالغزو تجاه ما تسميه- بلغة الزولو- «أماكويريكويري» (تعبير مهين يترجم تقريباً إلى «البرابرة»). والواقع أن عدد المهاجرين في جنوب إفريقيا يُقدّر بين ثلاثة وأربعة ملايين من إجمالي نحو 63 مليون نسمة؛ وهي نسبة قريبة من نسبة الأجانب في دول أخرى حول العالم.
التحوّل الأهم منذ 1994م هو تنوع مصادر الهجرة في جنوب إفريقيا؛ فبينما لا يزال حوالي 70% من المهاجرين قادمين من دول جنوب القارة، وصلت في السنوات الأخيرة موجات من غرب إفريقيا والقرن الإفريقي. يوجد كثير من هؤلاء الوافدين في قطاع التجارة غير الرسمية، ما يجعلهم أهدافاً مرئية وسهلة الاستهداف، إلا أن بينهم أيضاً عمّالاً مهرة وأطباء ومهندسين ومعلمين، يحتاج إليهم الاقتصاد الجنوب إفريقي. وعلى الرغم من ازدياد أعدادهم؛ تظل نسبة الأجانب من إجمالي السكان محدودة نسبياً.
الاستياء الناجم عن الاحباط النسبي
يُشار في العادة إلى فشل حكومات ما بعد الفصل العنصري في مواجهة الفقر وعدم المساواة واحتواء الجريمة بوصفه أحد العوامل الأساسية وراء تصاعد العداء ضد الأجانب. اليوم تجاوز معدل البطالة في جنوب إفريقيا 30%، وهو أعلى بكثير في المناطق الفقيرة، ويعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر بينما يتزايد ثراء طبقة النخبة. تخلق هذه الفوارق الاقتصادية ما يُعرف بـ«الحرمان النسبي»، وهو شعور بالإحباط ينبع من توقعات غير محققة، يتركز جغرافياً في البلدات والمستوطنات غير الرسمية؛ أي الأماكن نفسها التي قُيّد فيها السود ظلماً في عهد الفصل العنصري.
في عهد جاكوب زوما (2009–2018م) تفاقمت مظاهر عدم المساواة وارتفعت مستويات الفساد عبر مؤسسات الدولة، ولم تسلم وزارة الداخلية من ذلك، ففي فبراير 2026م أُجري تحقيق بأمر من الرئيس رامافوزا، كشف عن قبول بعض المسؤولين رشاوى مقابل منح التأشيرات. في الوقت نفسه، تدهورت الخدمات الأساسية ومعيشة المواطنين، تمثل ذلك في انقطاعات مستمرة للمياه والكهرباء، بنية تحتية مهترئة، وخدمات عامة متعثرة، إلى جانب جرائم متوطنة تؤثر في أمان الحياة اليومية.
اقرأ أيضًا: أحداث كراهية الأجانب تهدد مكانة جنوب إفريقيا كوجهة سياحية رائدة
تزايدت مظاهر انعدام الثقة في أجهزة إنفاذ القانون، حيث تتهم تقارير عديدة الشرطة بالفساد وبممارسات عنيفة تستهدف الأجانب بشكل ممنهج، في حين يظهر تساهل واضح إزاء مجموعات «اليقظة» (مجموعات الحماية الذاتية غير القانونية) وأحياناً عصابات إجرامية مرتبطة بتجارة المخدرات. هذا الانقسام في دور أجهزة الأمن يفاقم الشعور بعدم العدالة، ويُضعف مصداقية الدولة لدى المواطنين والمقيمين على حدٍّ سواء.
كما يساهم تصاعد التعبئة على أساس الهويات في تفكك النسيج الاجتماعي، فقد قام الفصل العنصري الممنهج في جنوب إفريقيا على أساس الفصل الإثني إلى جانب الفصل العرقي، وتمثل ذلك الفصل المزدوج في سياسة «البانتوستانات» التي أعادت تقسيم السكان السود لتسهيل السيطرة عليهم؛ وما زالت هذه الآثار تُخزَّن في الجغرافيا الاجتماعية للبلاد.
وقد استُغلت الانتماءات الإثنية سياسياً مرات عدة، مثال ذلك: استخدام الرئيس السابق جاكوب زوما لهويته الزولوية لتعزيز قاعدة دعمه، وظهر هذا جلياً أثناء محاكمته عندما ارتدى أنصاره قمصاناً تحمل شعارات زولوية.
لا تُفاجئنا إذن ولادة حركات مثل «المسيرة والمسيرة» (March and March) في ديربان، المقاطعة التي يُشكل فيها الزولو غالبية ساحقة؛ فالمواكب غالباً ما تقودها عناصر ترتدي رموزاً تقليدية تعزّز البعد الإثني للتعبئة. هذا المزج بين إثنية مرئية وخطاب قومي شعبي يساهم في صعود تيارات قومية وشعبوية تُضخّم الخطاب المعادي للأجانب.
على مستوى الأثر العام، تتسم أشكال العنف ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا، المرتبطة بتفاقم عدم المساواة وتراجع الشعور بالانتماء بكونها أكثر حدةً في الأحياء الحضرية والهامشية حيث تتركز الضغوط الاقتصادية. لكن المحرّك الحقيقي للعداء ليس مجرد ضغوط اقتصادية؛ بل جهات فاعلة سياسية واجتماعية تستثمر هذه المشاعر لمصالحها. في ظل تآكل الثقة بالمؤسسات، المتزايد بفعل اتهامات فساد وصلت إلى مستويات رئاسية وتهديدات بإجراءات عزْل محتملة في 2026م، ومع تراجع المشاركة السياسية، تواجه الديمقراطية في جنوب إفريقيا مخاوف جدية على استقرارها وجودتها.

ــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال، متاح على:
أحدث المقالات:
- موزمبيق تعلن عن مقتل خمسة من مواطنيها في هجمات بجنوب إفريقيا
- مدغشقر: ملاحقة أربعة قضاة بالمحكمة الدستورية بتهمة زعزعة استقرار النظام
- الرئيس الغاني: مشروع قانون تجريم الشذوذ الجنسي سيخضع للتدقيق
- الولايات المتحدة تفرض عقوبات على قادة بسبب القتال في شرق الكونغو
- فهم ديناميكيات العنف ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا










































