لطالما اتسمت العلاقات الدبلوماسية الإفريقية مع قادة العالم بالانتظار حتى تُوجّه إليها دعوةٌ للمشاركة قبل المبادرة. ولكن في ظل الديناميكيات العالمية الجديدة، يتطلب تبنّي نهج يضع إفريقيا في المقام الأول أخذَ زمام المبادرة في صياغة شروط التعامل مع الشركاء الخارجيين في علاقاتها الدبلوماسية.
وقد رفعت القارة سابقاً عبارة «إفريقيا للأفارقة» بوصفه شعاراً تأسيسياً في تاريخ الوحدة الإفريقية، والتزاماً أيديولوجياً طويل الأمد بحق تقرير المصير والسيادة السياسية والاستقلال الثقافي لشعوب القارة. وظهر مؤخراً شعارٌ جديد بدأ يتبلور، وهو «إفريقيا أولاً»، يعبّر عن الاستقلال الثاني، وهو الاستقلال الاقتصادي، وكسر قيود التبعية، ويرتبط بالخطابات الاقتصادية القومية أو الحمائية الحديثة.
بدأ هذا الشعار يبرز للعلن في المستويات الرسمية، وإن لم يُمثل إستراتيجيةً رسمية معلنة ومستقلة كصك أو ميثاق، وإنْ بدا بين سطور الأجندة القارية 2063. ويأتي ذلك بين طيات شعور بتكالب جديد على القارة، غيرت فيه القوى العالمية المختلفة إستراتيجياتها في التعامل مع دول القارة، ليس رغبةً منها في ذلك، ولكن في مقابل إستراتيجيات يتبناها منافسوها، سواءٌ قوى البريكس الكبرى، أو أوروبا من جهة، والولايات المتحدة من جهةٍ ثالثة. حيث يواجه النظام الدولي تحدياتٍ جمة نتيجة التوترات بين الدول التي استفادت تاريخياً من الليبرالية السياسية والتجارة العالمية واقتصاد السوق الحر (الغرب أو الشمال العالمي) من جهة، وقوى الجنوب العالمي الصاعدة، ولا سيما مجموعة البريكس+، من جهةٍ أخرى.
نشطت دول القارة في السنوات الأخيرة، في اتخاذ بعض الخطوات التي تُبرز مساعي استقلالها السياسي والاقتصادي والمعلوماتي. تلك الخطوات يمكننا عند جمعها أن نرى فيها تبلوراً لمبدأ «إفريقيا أولاً»، غير أن هناك عدداً من المعوقات التي تؤخر بروز هذا الاستقلال بشكلٍ واضح.
وهذا ما يتناوله المقال من خلال النقاط الآتية:
أولاً: التطور التاريخي لمبدأ «إفريقيا أولاً» وتغير الغرض منه.
ثانياً: خطوات فعّالة.. ملامح ما تحقق من هذا التوجه.
ثالثاً: المعوقات: آفة التشرذم.. تفتت النخب.
أولاً: التطور التاريخي لمبدأ «إفريقيا أولاً» وتغير الغرض منه:
يشير العديد من المؤرخين إلى أن المقولة الشهيرة «إفريقيا للأفارقة» منسوبة تاريخياً إلى الملك النوميدي ماسينيسا (238-148 قبل الميلاد)، وهي كانت في الأصل دعوة لتحرير أراضي الأمازيغ من القوى الأجنبية، وتحديداً قرطاج وروما[1]. ومن ثَمّ، كان الشعار تعبيراً عن السيادة، وأن الأَرض ملك لسكانها الأصليين لا للمحتلين.
وفي خريف عام ٢٠١٢م، شرعت اللجنة الاقتصادية لإفريقيا في سلسلة من المشاورات والمناقشات لدراسة الديناميكيات المتغيرة على المستويين العالمي والإقليمي، والتي كانت نقطة انطلاق اللجنة لإعادة تقييم نفسها وأنشطتها استجابةً للاحتياجات والمتطلبات الناشئة لدولها الأعضاء. تركزت تلك النقاشات حول توجهات إصلاح اللجنة الاقتصادية لإفريقيا، وضمت أطياف المجتمعات كافةً والمنظمات الشريكة، بما فيها مفوضية الاتحاد الإفريقي وبنك التنمية الإفريقي، بالإضافة إلى الشركاء الثنائيين. وكان المبدأ الأساسي الذي وجّه هذه المشاورات هو ضرورة أن تضع اللجنة أجندة تحويلية لإفريقيا تضع «إفريقيا أولاً». من خلال تحليل دقيق لعناصر «اللحظة الإفريقية»، تم تحديد أولويات التنمية التحويلية للدول الأعضاء. وقد أدى ذلك إلى المرحلة التالية من الإصلاح، والتي تضمنت مراجعة داخلية شاملة لبرنامج العمل بهدف بناء توافق في الآراء حول كيفية قيام اللجنة الاقتصادية لإفريقيا بإعادة هيكلة نفسها، وإعادة ضبط برنامجها، وترسيخ مكانتها إستراتيجياً كمركز فكري مرجعي في قضايا سياسات التنمية الإفريقية[2].
وبتتبع الجديد في تطوير تلك السياسة، التي تحولت إلى شعار نظري في كثير من المواقف، أُعيد توظيف خطاب «إفريقيا أولاً» لمعالجة التشرذم الاقتصادي في القارة، وهو ما أكده الأمين العام لاتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية بأن تبنّي هذا الشعار ضروري لنجاح السوق الإفريقية المشتركة، بحيث يركز هذا التصور على الآتي[3]:
▪ التكامل الاقتصادي: الابتعاد عن النموذج التاريخي لتصدير المواد الخام، والعمل عوضاً عن ذلك على تعزيز التجارة البينية، والتي بلغت 220 مليار دولار عام 2023م.
▪ السيادة المالية: تطبيق أنظمة مثل نظام الدفع والتسوية الإفريقي PAPSS، الذي يتيح إجراء المعاملات بالعملة المحلية، مما يوفر نحو 7% من رسوم المعاملات.
▪ التمكين المؤسسي: تعزيز المؤسسات المالية الإفريقية مثل (أفريكسيمبانك)، لتوفير رأس المال اللازم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، لكي تزدهر دون الاعتماد على المساعدات الخارجية أو الهياكل المصرفية الخارجية.
ويتمثل أحد الجوانب الحاسمة لإعطاء الأولوية لإفريقيا في رسم مسارٍ أكثر استدامة نحو السيادة الاقتصادية، والحد من اعتماد القارة المفرط على المساعدات الخارجية التي غالباً ما تكون مشروطة، مما يحدّ من قدرة إفريقيا على تنفيذ سياسات تنموية مستقلة ومستدامة. ففي نهاية المطاف، مَن يدفع الثمن يحدد الشروط. ويجب على الدول الإفريقية إعطاء الأولوية لتطوير آليات تمويل داخلية قوية، بما في ذلك تعزيز الأنظمة الضريبية المحلية، وتشجيع التصنيع، والاستفادة من الشراكات بين القطاعين العام والخاص. كما يجب عليهم الانخراط في إصلاحات اقتصادية تضمن استدامة الإنفاق على البرامج التنموية.
وخلص تقرير معهد توني بلير للتغيير العالمي، الذي حلل تفاعل إفريقيا مع إدارة ترامب والتحولات في العلاقات الأمريكية الإفريقية. الذي يحمل عنوان «إفريقيا أولاً: رؤية جديدة لنمو إفريقيا وانخراط الولايات المتحدة»، استكشف التقرير تنامي المنافسة الأمريكية الصينية في إفريقيا وتداعياتها على المشهد الاقتصادي والدبلوماسي للقارة. ودعا إلى تبنّي نهج «إفريقيا أولاً»، مؤكداً على الاعتماد على الذات والتكامل الإقليمي والشراكات الإستراتيجية، ومحدداً خمسة مجالات رئيسية لتنمية إفريقيا:
▪ إعطاء الأولوية للتجارة البينية الإفريقية: من خلال التطبيق الكامل لمنطقة التجارة الحرة.
▪ تحديث شبكات التجارة: عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والخدمات اللوجستية.
▪ ضمان سيادة البيانات: من خلال تعزيز الاقتصاد الرقمي الإفريقي.
▪ بناء سلاسل قيمة محلية: لتجاوز صادرات المواد الخام ودفع عجلة التصنيع.
▪ الاستثمار في تنمية القوى العاملة: لتزويد الشباب الإفريقي بمهارات في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتقنيات الناشئة.
ويشير التقرير إلى أنه في حين تملك الولايات المتحدة فرصةً لدعم اكتفاء إفريقيا الذاتي؛ فإن المسؤولية تقع على عاتق القادة الإفريقيين لضمان توافق الشراكات مع رؤية إفريقيا طويلة الأجل للتقدم والاستقرار والمرونة الاقتصادية. من خلال تسخير طاقاتها الشبابية ومواردها الطبيعية، تستطيع إفريقيا تعزيز نفوذها العالمي وإعادة صياغة مسارها التنموي وفقاً لشروطها الخاصة[4].
ولكن يبدو أن تلك السياسة خرج الحديث عنها من داخل الكواليس إلى أروقة المؤتمرات الدولية، حيث ذُكرت مرتين؛ أولاهما على لسان الرئيس النيجيري «بولا أحمد تينوبو» في منتدى الرؤساء التنفيذيين الأفارقة، في العاصمة الرواندية كيغالي، للدفاع بقوة عن القومية الاقتصادية والتكامل الإقليمي والتصنيع الإفريقي. ويؤكد أن القارة لم تعد قادرةً على تحمّل تبعات كونها مُصدِّرة للمواد الخام، بينما تعتمد على قوى أجنبية في مجالات التكرير والتصنيع والتمويل. خلال جلسة نقاش رئاسية، إلى جانب الرئيس الغابوني «بريس كلوتير أوليغي نغويما»، أكد تينوبو مراراً وتكراراً فكرةً محورية واحدة: يجب على إفريقيا التوقف عن الاعتماد على مصادر خارجية لبناء مستقبلها. قال تينوبو: إن احتياطيات إفريقيا الهائلة من النفط والغاز والمعادن الحيوية يجب أن تُستخدم كأدوات للتحول الصناعي بدلاً من أن تكون مصادر للتبعية الدائمة. واستشهد تينوبو بمصفاة مجموعة دانغوت كأوضح مثال على ما يمكن أن تبدو عليه عملية التصنيع بقيادة إفريقية. وقدّم الزعيم النيجيري نفسه كمدافع قوي عن مبدأ «إفريقيا أولاً»، مستنداً إلى نهجه الاقتصادي الراسخ «نيجيريا أولاً»[5].
والمناسبة الثانية؛ هي تأييد رئيس بوتسوانا «دوماً بوكو» لإقامة شراكات متكافئة بين إفريقيا والقوى الاقتصادية العالمية، وذلك عقب القمة الفرنسية الأخيرة في نيروبي- كينيا، لتعزيز التعاون الاقتصادي. وفي مقابلة حديثة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، ذكر ضرورة أن تنخرط القارة مع أي دولة من خلال طرح مطالبها الخاصة. ويتضمن إعلان قمة نيروبي، الذي صدر في ختام القمة، عشر نقاط تُعزز مصالح إفريقيا. وتشمل هذه الإجراءات تطوير الزراعة المستدامة وذات القيمة المضافة، وبناء أنظمة صحية مرنة، ودعم النمو من خلال التصنيع الأخضر والتحول في مجال الطاقة، وإطلاق العنان للاقتصاد الأزرق، وتسخير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، من بين أمور أخرى. ويقول رئيس بوتسوانا: إن «القادة السابقين في القارة الإفريقية أبرموا في الماضي صفقات لم تكن في صالح بلدانهم ولا القارة». وفي معرض تعليقه على اهتمام إفريقيا بالشراكات والصفقات الاقتصادية التي تعود بالنفع على القارة، أوضح ذلك من خلال ضرب مثال بصفقة بلاده مع شركة أورانو الفرنسية، داعياً المستثمرين الأجانب إلى القدوم إلى إفريقيا، ولكن وفقاً لشروط القارة[6].
وحينما استضافت القارة قمة مجموعة العشرين لأول مرّة عام 2025م في جنوب إفريقيا، كان هناك إعلان صريح بإصلاح مجلس الأمن بشكل بارز؛ حيث دعا القادة إلى هيئة أوسع وأكثر تمثيلاً تُعطي صوتاً أكبر للمناطق الأقل تمثيلاً، بما في ذلك إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. كما رحَّب الإعلان بإنشاء الكرسي الخامس والعشرين في المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي لتعزيز صوت وتمثيل بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. وأكد القادة على ضرورة تعزيز تمثيل الدول النامية وصوتها في صنع القرار داخل بنوك التنمية متعددة الأطراف، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي[7].
ثانياً: خطوات فعّالة.. ملامح ما تحقق من هذا التوجه:
ظهر التضارب بين المبدأين «أمريكا أولاً، إفريقيا أخيراً» في اتفاقيات ترامب الصحية، حيث يشير التوزيع الجغرافي لاتفاقيات المساعدات الصحية الثنائية، التي اقترحتها إدارة ترامب على الدول الإفريقية، إلى أن المساعدات الصحية الأمريكية للقارة باتت مرتبطةً بشكل متزايد بالوصول إلى الموارد المعدنية والتنافس الجيوسياسي الأوسع. فمن بين 32 اتفاقية ثنائية مع دول نامية تعتمد بشكل كبير على المساعدات الصحية حتى 6 مايو 2026م. كانت 22 اتفاقية موثقة في إفريقيا جنوب الصحراء. وقد أُبرمت هذه الاتفاقيات في إطار إستراتيجية الولايات المتحدة للمساعدات الصحية الدولية، «إستراتيجية أمريكا أولاً للصحة العالمية» AfGHS. وتُمثل هذه الاتفاقيات مجتمعةً التزامات لا تقل عن 20 مليار دولار للفترة 2026-2030م، حيث تموّل الولايات المتحدة حوالي 63% منها، بينما تموّل الدول الشريكة 37%. وبعيداً عن البُعد المالي، تتمتع معظم دول الجنوب العالمي الـ32 التي وقّعت اتفاقيات مع واشنطن بثروات طبيعية هائلة، بما في ذلك موزمبيق ونيجيريا وأنغولا ورواندا والكاميرون وبوتسوانا وساحل العاج. في حين أن أحد أهداف واشنطن الأوسع نطاقاً هو مواجهة النفوذ الصيني[8]. ويأتي ذلك بعد تجميد عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID.
بعد تعليق إدارة ترامب للمساعدات، التزمت نيجيريا بتقديم 4.8 مليارات نايرا للتخفيف من آثار هذه الخطوة، في محاولةٍ لتحقيق الاكتفاء الذاتي، إلا أن هذا التحرك النيجيري لا يزال يعكس موقفاً رد فعلي أكثر من كونه موقفاً استباقياً.
كما أن سياسات الإعفاء من التأشيرة التي انتهجتها رواندا وكينيا، ومؤخراً غانا، تُعدّ خطوةً واعدة نحو تعزيز التكامل الإقليمي والتعاون الاقتصادي. ومع انضمام المزيد من البلدان إلى هذه السياسات، يُمكن للقارة أن تفتح آفاقاً جديدة للاستقلال الاقتصادي، وأن تُقلل من تعرضها للصدمات الخارجية. ويكتسب هذا التوجه أهميةً إضافية في الوقت الذي خضعت فيه 21 دولة حول العالم لتحذير «عدم السفر» الأمريكي من المستوى الرابع، تقع تسع دول منها في إفريقيا[9]. وكان هناك تحرك استباقي حدث في غرب إفريقيا، فعلى الرغم من انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو، فقد اتخذت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) قراراً يقضي باستمرار منح الدول الأعضاء حق حرية تنقل مواطنيها داخل المنطقة[10].
وفيما يتعلق بالتكامل؛ قد يُتيح الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية (الذي يُشكّل نحو 65% من الإمدادات العالمية)، إلى جانب النحاس في زامبيا المستخدم في تصنيع الكاثودات الأولية، فرصاً قيّمة للتوسع على المستوى الإقليمي. قد تُوفّر مبادرة البطاريات بين الكونغو الديمقراطية وزامبيا أساساً لإطار مؤسسي تعاوني. وما قد يتطلبه الأمر هو إطار تنظيمي مشترك، ولوجستيات ممرات، وهيكل تعريفات جمركية يضع المدخلات والمخرجات الأولية في صميم التحرير، والاستثمار المشترك في المهارات والبنية التحتية عالية الجودة. هذه الأداة الإقليمية قد يصعب على السياسات الصناعية الفردية محاكاتها؛ ومع ذلك، فإن التعاون الإقليمي يُبرز التحديات والفرص المتاحة[11].
كما تم إطلاق مجلسَ إفريقيا للذكاء الاصطناعي رسمياً خلال الاجتماع العشرين للجنة التوجيهية لتحالف إفريقيا الذكية، مما يُمثل خطوةً حاسمة في رحلة التحول الرقمي في إفريقيا. وتم الكشف عنه رسمياً في القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في إفريقيا، في رواندا، بالشراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي، في أبريل 2025م[12].
كما تم إطلاق نظام الدفع والتسوية الإفريقي PAPSS، عام 2022م، لشركات التجارة عبر الحدود الإفريقية باستخدام العملات المحلية بدلاً من الدولار. وإلى جانب منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، يمكن للنظام إحداث نقلة نوعية في التجارة البينية، التي لا تُمثل حاليّاً سوى 17% من تجارة القارة.
وفي هذا السياق، اقترح بنك التنمية الإفريقي إنشاء نظام جديد للعملة على غرار «المعيار الذهبي»، يكون مدعوماً بمعادن أساسية مثل الكوبالت والنحاس والليثيوم والمنغنيز، وبعض «المعادن الأرضية النادرة» التي تُعدّ مفتاحاً للتحول العالمي في مجال الطاقة والمركبات الكهربائية[13].
وقد اعتمد الاتحاد الإفريقي إستراتيجية فضائية في عام 2016م، ووافق على النظام الأساسي الذي تقوم عليه الوكالة في عام 2018م. وفي عام 2019م، تم إعلان مصر الدولة المضيفة، وتم إنشاء المنظمة في يناير 2023م بموجب اتفاقية بين مصر والاتحاد الإفريقي. وتم افتتاحها رسمياً في 20 أبريل 2025م، في مقرها الدائم الكائن في مدينة الفضاء المصرية بالقاهرة.
والوكالة مكلفة بتنفيذ إستراتيجية الفضاء القارية كجزء من أجندة 2063، التي تهدف إلى بناء قارة متقدمة ومزدهرة. ساعيةً إلى تطوير القدرات الفضائية للدول الإفريقية وتمكينها من الاستفادة من تكنولوجيا الأقمار الصناعية في مجالات مختلفة، مثل مراقبة الأرض، والاتصالات، والملاحة، وإدارة الكوارث، والزراعة، والموارد الطبيعية، والتعليم، والصحة[14].
كما وقّع البنك المركزي المصري والبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد في نهاية شهر ديسمبر 2025م مذكرة تفاهم لإنشاء بنك الذهب الإفريقي. بهدف تنظيم سلاسل قيمة الذهب، وتعزيز احتياطيات البنك المركزي، وتقليل اعتماد إفريقيا على مراكز التكرير والتجارة الأجنبية[15].
وفي الرابع عشر من فبراير 2026م، أطلق رؤساء الدول والحكومات الإفريقية رسمياً صندوق تمويل البنية التحتية في إفريقيا، وهو منصة منسقة بقيادة إفريقية، تهدف إلى تسريع إعداد وتيسير تمويل مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود ذات الأولوية، بما يتماشى مع أجندة 2063[16].
ثالثاً: المعوقات: آفة التشرذم.. تفتت النخب:
يقول أوفيجوي إيجويغو، محلل السياسات في مؤسسة «إعادة تصور التنمية»، إن أحد أكبر العقبات التاريخية التي واجهتها إفريقيا هو «تفتت النخب» داخل البلدان وفيما بينها، الأمر الذي قوّض مراراً وتكراراً الجهود المبذولة لتحويل ثروات الموارد الطبيعية إلى نفوذ جيواقتصادي. لكنه يرى أن السنوات الأخيرة شهدت محاولات لبناء تنسيق قاري أقوى من خلال مبادرات مثل «ملتقى النهضة الإفريقية»، الذي شارك في تأسيسه أليكو دانغوت وبول كاغامي، بالإضافة إلى «رؤية الاتحاد الإفريقي للتعدين».
ويقول: «تعمل القارة على بناء شبكات النخب والركائز المؤسسية للتغلب على تحدي التشرذم». ويضيف أن تزايد خيبة الأمل من العولمة وصعود عالم متعدد الأقطاب يُعيد إحياء النزعة الإقليمية في إفريقيا، حيث تُدرك الحكومات بشكل متزايد أن مستقبلها الاقتصادي والأمني مرتبط بالدول المجاورة.
ويرى الخبير الاقتصادي السياسي الجنوب إفريقي، فوملاني ماجوزي، أن هذه الحاجة الملحة مدفوعة أيضاً بتزايد حدة المنافسة العالمية على الموارد الإستراتيجية. ويحذّر من أن القوى الخارجية تُفضل بشكل متزايد الاتفاقيات الثنائية مع الدول الإفريقية الغنية بالموارد على الأطر القارية الأوسع، وهو اتجاه يُهدد بإضعاف جهود المفاوضة الجماعية، مثل منطقة التجارة الحرة. يقول ماجوزي: «اعتباراً من عام 2026م، هناك خطر من أن تصبح إفريقيا مجموعة من «الأسواق التابعة»، حيث يتم تحديد المنافسة على المعادن الحيوية والبنية التحتية الرقمية من خلال الاحتياجات الإستراتيجية للشمال العالمي والشرق بدلاً من أجندة تنمية إفريقية موحدة»[17].
في عالم اليوم المنقسم، تسعى القوى الكبرى والمتوسطة في كلٍّ من الشمال والجنوب العالمي إلى استمالة إفريقيا، ويتجلى ذلك في كثرة القمم والتعهدات باستثمارات بمليارات الدولارات (والتي قد تتحقق أو لا). وقد عُقد أكثر من اثنتي عشرة قمة إفريقية مع شركاء خارجيين، كان آخرها مع الصين وإندونيسيا.
وشهد منتدى بكين للتعاون الصيني الإفريقي في سبتمبر 2024م تعهد الرئيس الصيني شي جين بينغ بتقديم دعم مالي للقارة بقيمة 50 مليار دولار على مدى السنوات الثلاث المقبلة. يأتي هذا في أعقاب تعهد الولايات المتحدة بتخصيص 55 مليار على مدى ثلاث سنوات لأولويات مشتركة ودعماً لأجندة الاتحاد الإفريقي 2063، والذي أُعلن عنه في قمة قادة الولايات المتحدة وإفريقيا عام 2022م في واشنطن العاصمة. والتزام اليابان بتعبئة 30 مليار دولار في المؤتمر الدولي للتنمية الإفريقية (تيكاد) عام 2022م في تونس، والقمة الوزارية في طوكيو في أغسطس 2024م. وقد اقترحت القمة الروسية الإفريقية، في يوليو 2023م، مجموعة من الترتيبات التعاونية والاستشارية، وقدّمت حبوباً مجانية لبوركينا فاسو ومالي وإريتريا وجمهورية إفريقيا الوسطى وزيمبابوي. ولعل الأهم من ذلك، بالنظر إلى التاريخ المشترك وأهمية التجارة، هو علاقة إفريقيا بالاتحاد الأوروبي. وقد عُقدت آخر قمة بين الاتحاد الأوروبي وإفريقيا في بروكسل في فبراير 2022م، حيث تم الاتفاق على رؤية مشتركة لشراكة متجددة، تتضمن حزمة استثمارية إفريقية أوروبية بقيمة 150 مليار يورو[18].
شكّلت القمة الإيطالية الإفريقية الثانية، التي عُقدت في فبراير 2026م في أديس أبابا، المرّة الأولى التي يُعقد فيها هذا الحدث على أرض إفريقية. وقد ترأس القمة كلٌّ من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وشكّلت القمة مراجعةً تشغيليةً حاسمةً لخطة ماتي الإيطالية البالغة قيمتها 5.5 مليارات يورو[19].
وفي الفترة من 11 إلى 12 مايو 2026م، استضافت نيروبي قمة «إفريقيا إلى الأمام» (أحدث نسخة من قمة فرنسا-إفريقيا) التي تنظمها فرنسا وكينيا، بهدف رئيسي هو تعزيز الشراكات بين الدول الإفريقية وفرنسا في مجالات الابتكار والنمو وتمويل التنمية[20]. وقد مثّلت هذه القمة تحولاً هيكلياً في العلاقات، حيث انتقلت من الروابط الاستعمارية السابقة إلى شراكات متوازنة قائمة على الاستثمار. ومن أبرز نتائجها التزامات عامة وخاصة بقيمة 23 مليار يورو في مجالات الذكاء الاصطناعي والصحة والزراعة والبنية التحتية[21].
وهذه القمم على سبيل المثال لا الحصر، ونظرياً، تمنح إفريقيا خيارات أوسع للتفاوض والاختيار من خلال وجود المزيد من الشركاء، مما يزيد من قدرتها التفاوضية واستقلاليتها في صنع القرار ومرونتها الإستراتيجية في العلاقات الدولية. مع ذلك، لا يوجد دليل يُذكر على أن هذه الجهود قد خففت من التدخل في شؤون إفريقيا.
وللتغلب على ذلك؛ يمكن للاتحاد الإفريقي تفعيل مواقفه الإفريقية المشتركة، مثل توافق آراء إيزولويني وإعلان سرت. تُحدد هذه المواقف موقف إفريقيا من إصلاح الأمم المتحدة، بما في ذلك إصلاح مجلس الأمن، والمطالبة بتمثيل دائم مع حق النقض، وزيادة المقاعد غير الدائمة، واختيار الممثلين الأفارقة بقيادة الاتحاد الإفريقي. تُجسد هذه الوثائق التزام إفريقيا بالتعددية، مع سعيها لمعالجة المظالم التاريخية، وضمان تمثيل شامل ومشاركة فعّالة في هياكل الحوكمة العالمية.
مع ذلك، ونظراً لتنوع إفريقيا وتعقيداتها، فإن المواقف الإفريقية المشتركة نادرة. غالباً ما تكون صياغة هذه السياسات عملية مكلفة وشاقة، وإذا ما تم تحديدها فإنها تُضفي جموداً على الإصلاح. وقد تُشتت الانتباه أيضاً عن أولويات السلام والتنمية الداخلية الملحة في إفريقيا. بدلاً من السعي وراء مواقف وإجراءات على مستوى القارة، تُعدّ الإستراتيجية الداخلية- التي تُعطي الأولوية للتنمية والسلام الداخليين- هي الوسيلة الأكثر فعالية لتعزيز دور إفريقيا الجيوسياسي، إلى جانب انخراط إستراتيجي أوسع مع الشركاء الرئيسيين. يجب على القارة التركيز على تقوية مؤسساتها، وحل النزاعات الداخلية، وبناء المرونة الاقتصادية قبل تخصيص موارد كبيرة لقضايا دولية أوسع لا تُمثّل مصالحها فيها خطراً[22].
ختاماً:
بينما كانت عبارة «إفريقيا للأفارقة» التاريخية دعوة نضالية لإنهاء الاستعمار؛ فإن مبدأ «إفريقيا أولاً» الحديثة هي ضرورة اقتصادية تسعى إلى التغلب على الوعي الزائف بالتبعية، من خلال تعزيز الاعتقاد بأن المؤسسات الإفريقية تمتلك القدرة على الابتكار والتنمية. ويعكس هذا التحول حركةً أوسع لاستعادة قدرة القارة على التأثير، مما يضمن إعادة استثمار الثروة المتولدة بداخلها في شبابها وبنيتها التحتية، وبالتالي تأمين مستقبل تحدده الحلول التي يقودها الأفارقة دون إملاءات خارجية. ومن شأن هذا النهج أن يُعطي الأولوية لاستقرار إفريقيا وتنميتها، بحيث يكون استباقياً لا ردّ فعل في دبلوماسية إفريقيا ومشاركتها العالمية. وهو نهجٌ تسعى فيه إفريقيا إلى تحقيق سيادتها الاقتصادية، وتُمارس نفوذها بفعالية في السياسات العالمية.
……………………………………
المراجع والهوامش:
[1] محمد بودهان، المعنى الجديد لشعار: إفريقيا للأفارقة. 9/2/2022. متاح على الرابط:
https://akalpress.com/7650-l-afrique-aux-africains /
[2] uneca, Putting Africa First. at: https://archive.uneca.org/publications/putting-africa-first
[3] الصباح نيوز، أمين عام منطقة «زليكاف»: إفريقيا تحتاج إلى تبني شعار «إفريقيا أولاً». 6/9/2025. متاح على الرابط:
[4] Norman Smit, Ronald Osumba authors report on ‘Africa First’ approach to US administration.at: https://alinstitute.org/news/ronald-osumba-co-authors-report-on-africas-approach-to-the-trump-administration
[5] Sheriff Bojang Jnr, Tinubu pushes ‘Africa First’ as the continent fights to keep more of its own wealth. at: https://www.theafricareport.com/418770/tinubu-pushes-africa-first-as-the-continent-fights-to-keep-more-of-its-own-wealth/
[6] Jean-Pierre A., Botswana’s Boko Pushes Africa-First Strategy in France Trade Talks.16/5/2026. at: https://panafricanvisions.com/2026/05/botswanas-boko-pushes-africa-first-strategy-in-france-trade-talks/
[7] مجدي محمد محمود، قراءة تحليلية للقمة الأولى لمجموعة العشرين في إفريقيا: جوهانسبرج 2025م، قراءات إفريقية. 25/11/2025. متاح على الرابط: https://qiraatafrican.com/33899
[8] Walid Kéfi, “America First, Africa Last”: Analysis Links Trump’s Health Agreements in Africa to Strategic Interests.13/5/2026. at: https://www.ecofinagency.com/news/1305-55521-america-first-africa-last-analysis-links-trump-s-health-agreements-in-africa-to-strategic-interests
[9] https://africa.businessinsider.com/local/lifestyle/9-african-countries-remain-under-the-us-do-not-travel-warning-in-may-2026-update/wev9xx9
[10] Ademola Oshodi, what would an ‘Africa First’ policy look like?.24/2/2026.at: https://blogs.lse.ac.uk/africaatlse/2025/02/24/what-would-an-africa-first-policy-look-like/
[11] World Bank. 2026. Making Industrial Policy Work in Africa. Africa Economic Update (April 2026). World Bank, Washington, DC. doi: 10.1596/978-1-4648-2333-6. License: Creative Commons Attribution CC BY 3.0 IGO
[12] مجدي محمد محمود، مجلس إفريقيا للذكاء الاصطناعي.. خطوة على الطريق الصحيح، قراءات إفريقية، 7/6/2025. متاح على الرباط: https://qiraatafrican.com/34269
[13] ـــــــــــــــــــــــــــــــــ، أنظمة الدفع والتسوية والاستدانة في إفريقيا جنوب الصحراء: بين الواقع والمأمول، قراءات إفريقية. 19/10/2025. متاح على الرابط: https://qiraatafrican.com/32765
[14] Samantha Mathewson, African Space Agency celebrates official inauguration, joining global push for space innovation. April 23, 2025. at: https://www.space.com/space-exploration/african-space-agency-celebrates-official-inauguration-joining-global-push-for-space-innovation
[15] ـــــــــــــــــــــــــــــــــ ، بنك الذهب الإفريقي والبحث عن السيادة النقدية للقارة الإفريقية، قراءات إفريقية. 5/1/2026. متاح على الرابط: https://qiraatafrican.com/35055
[16] مجدي محمد محمود، الصندوق الإفريقي لتمويل البنية التحتية.. خطوة هامة نحو تعزيز البنية المالية في القارة، قراءات إفريقية. 26/2/2026. متاح على الرابط: https://qiraatafrican.com/36450
[17] Sheriff Bojang Jnr, Op.cit.
[18] Jakkie Cilliers and Mehari Taddele Maru, Home front first: Africa’s foreign policy must serve domestic priorities.6/11/2024. at: https://futures.issafrica.org/blog/2024/Home-front-first-Africas-foreign-policy-must-serve-domestic-priorities
[19] Filippo Simonelli, The Mattei Plan after the Addis Ababa Italy-Africa Summit.16/2/2026. at: https://www.iai.it/en/publications/c05/mattei-plan-after-addis-ababa-italy-africa-summit
[20] diplomatie, Africa Forward: a Summit to step up partnerships between African countries and France.at: https://gn.diplomatie.gouv.fr/en/africa-forward-summit-step-partnerships-between-african-countries-and-france
[21] https://africanmediaagency.com/africa-forward-summit-concludes-in-new-era-of-africa-france-partnership/
[22] Jakkie Cilliers and Mehari Taddele Maru, Op.cit.











































