بينما لم تستقر الأوضاع الأمنية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في ظل عدم وضع حدٍ للصراع المسلح في شرق البلاد، أعلن البرلمان، الخميس، قبول مشروع قانون يتعلق بتنظيم الاستفتاء الشعبي، الذي قدمه النائب عن الائتلاف الحاكم، بول غاسبار نغوندانكوي، وأحاله إلى لجنة الشؤون السياسية والإدارية والقانونية لدراسته، على أن تقدم اللجنة تقريرها خلال 10 أيام.
مقترح قانون الاستفتاء -حسب ما ذكره نغوندانكوي أستاذ القانون الدستوري- يتكون من 93 مادة موزعة على خمسة أبواب، ويهدف أساسًا إلى تحديد القواعد المتعلقة بتنظيم ثلاثة أنواع من الاستفتاءات المنصوص عليها صراحة في الدستور، وهي:
- الاستفتاء المتعلق بنقل العاصمة (كينشاسا) إلى مكان آخر داخل البلاد (المادة 2، الفقرة 3 من الدستور)
- الاستفتاء المتعلق بالتنازل عن جزء من الأراضي أو تبادلها أو ضمها (المادة 214 من الدستور)
- الاستفتاء المتعلق بتعديل الدستور (المواد 218 إلى 220 من الدستور)
ورغم ما يرتبط بالأنواع الثلاثة من تداعيات على الأمن القومي الكونغولي، إلا أن الجدل بين السلطة والمعارضة، تركز على جزئية قانون الاستفتاء المتعلق بتعديل الدستور، حيث رافقت النقاشات الأخيرة مخاوف بشأن إمكانية استخدام التعديل الدستوري كمدخل لإعادة تشكيل قواعد الحكم في البلاد.
وعلى الرغم من الطابع القانوني -ظاهريًا- لمشروع قانون الاستفتاء، فإن دلالاته السياسية تتجاوز حدود التنظيم الإجرائي، لتطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين النص الدستوري وآليات تأويله أو الالتفاف عليه، لاسيما في ظل وجود قيود صريحة، مثل تلك الواردة في المادة 220 من دستور عام 2006 (المعدّل في 2011)، التي تحظر تعديل عدد الولايات الرئاسية ومدتها.
ويتعزّز هذا الطرح بالنظر إلى تزامن تقديم المشروع مع سياق سياسي وأمني بالغ الحساسية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما أن الرئيس فيليكس تشيسيكيدي، الذي يتولى الحكم منذ عام 2019، وتنتهي ولايته الثانية في 2028، في ظل نص دستوري يحدد الرئاسة بولايتين فقط مدة كل منهما خمس سنوات، كان قد بدأ، عقب فترة وجيزة من إعادة انتخابه في عام 2023، التلميح إلى إمكانية مراجعة الإطار الدستوري.
وانطلاقًا من ذلك، يتبلور توتر واضح بين منطق “الإصلاح” الذي تتبناه الحكومة، ومنطق “الحماية الدستورية” الذي ترفعه قوى المعارضة، التي ترى في خطوة الائتلاف الحاكم مسارًا تدريجيًا قد يقود -وفق تقديرها- إلى ما تصفه بـ“انقلاب دستوري”؛ تمهيدًا لإتاحة المجال أمام بقاء الرئيس تشيسيكيدي في السلطة لولاية ثالثة.
الدستور كإطار تأسيسي
يعد الدستور الكونغولي 2006 ركيزة استقرار ونقطة تحوّل مفصلية في تاريخ البلاد التي ظلت لعقود تعاني من الاغتيالات والحروب الأهلية، إذ جاء تتويجًا لمسار سياسي انتقالي أعقب سنوات طويلة من النزاعات المسلحة المحلية والإقليمية، التي أضعفت الدولة وهددت وحدتها.
وقد صُمّم هذا الدستور ليكون إطارًا تأسيسيًا يعيد بناء الشرعية السياسية، ويؤسس لنظام حكم قائم على التعددية، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة.
وجاء إقرار دستور 2006 في سياق إعادة بناء الدولة بعد الحربين الكونغوليتين[1]، حيث سعت النخب السياسية، بدعم إقليمي ودولي، إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يضمن تقاسم السلطة ويحد من احتمالات العودة إلى الصراع.
وقد عكس الدستور هذا التوجه من خلال تضمينه آليات توازن مؤسسي، وضمانات دستورية للحقوق والحريات، إضافة إلى تبنّيه نظامًا سياسيًا يجمع بين الرئاسة والتمثيل البرلماني.
إرث كابيلا
تُشكّل تجربة الرئيس السابق جوزيف كابيلا عاملاً رئيسيًا في تشكيل ذاكرة المعارضة الكونغولية، حيث شهدت البلاد خلال فترة حكمه محاولات مباشرة وغير مباشرة لتمديد بقائه في السلطة بعد انتهاء ولايته الدستورية.
جاءت المحاولة الأولى بداية 2011، وهو العام الذي فاز فيها كابيلا بالانتخابات الرئاسية التي تنازع على نتائجها مع منافسه إتيان تشيسيكيدي [2] -والد الرئيس الحالي فيليكس- آنذاك شهدت جمهورية الكونغو الديمقراطية تعديلات دستورية شملت تعديل بعض مواد دستور 2006.
وتركزت هذه التعديلات بشكل أساسي على نظام الانتخابات الرئاسية، حيث جرى الانتقال من نظام الجولتين (الأغلبية المطلقة) إلى نظام الجولة الواحدة (الأغلبية البسيطة)، بما يعني فوز المرشح الحاصل على أعلى عدد من الأصوات في الجولة الأولى مباشرة.
وقد عززت هذه التعديلات من صلاحيات الرئيس ورسّخت نفوذ كابيلا، بما في ذلك منحه حق إقالة الحكام وحل المجالس الإقليمية في حال وقوع أزمات سياسية حادة، كما تضمنت خطوات لإعادة تنظيم التقسيم الإداري عبر زيادة عدد المقاطعات، إضافة إلى منح كل رئيس سابق عضوية مدى الحياة في مجلس الشيوخ (الغرفة العليا في البرلمان).
كما تمثلت محاولات التعديل الدستوري في تأجيل الانتخابات الرئاسية (من 2016 إلى 2018)، باستخدام أدوات قانونية وإجرائية لإطالة أمد حكمه، وقد أدّت هذه السياسات إلى احتجاجات واسعة، وضغوط دولية، وأزمة شرعية سياسية حادة لنظام كابيلا، مكنت الشعب الكونغولي لاحقًا من الانتقال السياسي عبر الانتخابات في 2018، حين أجبر كابيلا على عدم الترشح لولاية ثالثة.
ومع سيطرة تحالف كابيلا على نحو ثلثي مقاعد الجمعية الوطنية في الانتخابات التشريعية 2018، وتمثيل حزب سلفه تشيسيكيدي كقوة أقلية آنذاك، اضطر الأخير إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع تحالف كابيلا.
وقتها أتاح تحالف كابيلا/ تشيسيكيدي، للأول الاحتفاظ بنفوذ داخل مؤسسات الدولة، من خلال التأثير في قرارات الحكم الرئيسية، مقابل حصول الائتلاف على حق اختيار رئيس الوزراء وعدد من الحقائب الوزارية السيادية وكبار المناصب الحكومية، إضافة إلى التأثير في عمل الجمعية الوطنية.
وقد أثار هذا الترتيب السياسي -حينها- مزاعم بوجود “صفقة غير معلنة” بين الطرفين مقابل فوز تشيسيكيدي بالرئاسة، إلا أن هذا التفاهم لم يستمر طويلاً، إذ سرعان ما بدأت التوترات تتصاعد بين المعسكرين في إطار صراع على النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
ورغم أن الهدف المعلن من هذه التعديلات كان توفير مظلة سياسية وقانونية تضمن استقرار النظام، فإنها لم توفر حماية فعلية لكابيلا لاحقًا، في ظل تطورات قضائية، حيث صوّت البرلمان في مايو 2025 على رفع الحصانة عنه تمهيدًا لمحاكمته أمام القضاء العسكري.
ولاحقًا، أصدر القضاء العسكري حكمًا بالإعدام ضده بتهم تتعلق بـ”الخيانة العظمى”، بينها دعم حركة “23 مارس” المتمردة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو ما اعتبره كابيلا “تسييسًا للقضاء وتصفية للخصوم” من جانب نظام تشيسيكيدي.
قانون الاستفتاء وجدلية المادة 220
يمثّل قانون الاستفتاء نقطة ارتكاز في الجدل السياسي الراهن بالكونغو، إذ يتجاوز كونه إطارًا إجرائيًا إلى كونه أداة محتملة لإعادة تشكيل قواعد النظام السياسي، ويكتسب مشروع القانون دلالته من تزامنه مع توقيت أمني حساس تعيشه البلاد، واقترابه من مناطق تماس مع نصوص دستورية “محصّنة”، وعلى رأسها المادة 220.
وجاء تقديم مشروع قانون الاستفتاء للجمعية الوطنية في توقيت بالغ الحساسية، يرتبط بقرب انتهاء الولاية الثانية للرئيس تشيسيكيدي، ما يضع المبادرة ضمن سياق سياسي يتجاوز الإطار التشريعي البحت، ويعكس اتجاهًا لإعادة تشكيل قواعد المرحلة المقبلة.
كما ينتمي مقدّم المشروع إلى الأغلبية البرلمانية المنضوية تحت ائتلاف “الاتحاد المقدّس للأمة” الداعم للرئيس، وهو ما يمنح المقترح ثقلاً مؤسساتيًا داخل البرلمان، كما أن قبول طرحه في الجلسة العامة وإحالته إلى لجنة الشؤون السياسية والإدارية والقانونية يشير إلى وجود إرادة سياسية تدفع نحو مناقشته داخل المسار التشريعي.
وبحسب مقدّم مشروع قانون الاستفتاء، يهدف القانون إلى سد فراغ قانوني وتحديث التشريعات المتعلقة بقانون الاستفتاء بما يتماشى مع الدستور الحالي، موضحًا أن القوانين الحالية تعود إلى أكثر من 20 عامًا خلال المرحلة انتقالية، وأصبحت اليوم متجاوزة الزمن.
وتُعد المادة 220 من الدستور الكونغولي أحد أهم أعمدة النظام الدستوري، إذ تمثل الضمانة الأساسية لحماية المبادئ الجوهرية للدولة من أي تعديل قد يهدد توازنها أو طبيعتها الديمقراطية.
وتنص المادة على حظر تعديل عدد من المبادئ الأساسية، بما في ذلك: الشكل الجمهوري للدولة، ومبدأ الاقتراع العام، والطبيعة التمثيلية للنظام السياسي، وعدد ومدد الولايات الرئاسية، واستقلال السلطة القضائية، والتعددية السياسية والنقابية. كما تحظر أي تعديل من شأنه تقليص الحقوق والحريات، وتقليص صلاحيات الأقاليم والكيانات اللامركزية.
إصلاح أم انقلاب دستوري؟
يشكّل مشروع قانون الاستفتاء محور استقطاب يتصاعد بين السلطة والمعارضة، حيث يتقاطع فيه القانوني بالسياسي، ويتحوّل النص التشريعي إلى ساحة صراع حول مستقبل النظام الدستوري وحدود السلطة.
ويُظهر تحليل الخطابين الرسمي والمعارض اختلافًا عميقًا في تفسير وظيفة القانون ودلالاته، ما يعزز أزمة الثقة بين حكومة تشيسيكيدي والمعارضة الكونعولية، حول قانون الاستفتاء.
موقف السلطة
تقدّم حكومة تشيسيكيدي المشروع بوصفه خطوة إصلاحية تهدف إلى تحديث الترسانة القانونية المرتبطة بقانون الاستفتاء، والتي ما تزال -بحسب الرواية الرسمية- تعتمد على قانون يعود إلى مرحلة انتقالية مضى عليها أكثر من 20 عامًا، ولم يعد مواكبًا للتحولات السياسية والمؤسسية في جمهوية الكونغو الديمقراطية.
كما يقدم القانون الجديد كآلية لسدّ فراغ تشريعي وتنظيم ممارسة منصوص عليها دستوريًا، استنادًا إلى المادة 5 التي تقر الاستفتاء كأحد أشكال التعبير عن السيادة الشعبية.
موقف المعارضة
في مقابل المساعي الرسمية لتبديد الشكوك حول أهداف القانون، إلا أن المعارضة تتبنى قراءة مغايرة جذريًا، حيث تصف المشروع بأنه “خطوة إضافية نحو انقلاب دستوري مقنّع”.
ويرى معسكر المعارضة أن المشروع لا يهدف إلى تنظيم الاستفتاء بقدر ما يسعى إلى خلق مسار قانوني بديل يسمح بإعادة تشكيل النظام الدستوري خارج القيود الصريحة المعمول بها.
كما تبنى ائتلاف “لاموكا” بقيادة مارتن فايولو موقفًا مماثلاً، حيث شدد المتحدث باسمه الأمير إيبينجي على أن الأولويات الأساسية للبلاد تتمثل في معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة، بما في ذلك أزمة الخدمات الأساسية، وتفاقم البطالة، واستمرار التحديات الأمنية في عدد من المناطق.

خاتمة
إجمالاً، لا يبدو سؤال “استنساخ انقلاب كابيلا الدستوري” مجرد استعارة سياسية بقدر ما يعكس هاجسًا متجذرًا في الذاكرة السياسية الكونغولية، حيث لا يزال إرث التعديلات الدستورية في عهد جوزيف كابيلا حاضرًا بوصفه نموذجًا لتوسيع هامش المناورة على السلطة عبر أدوات قانونية تبدو إجرائية في ظاهرها.
ونتيجة لتجربة كابيلا، أصبحت المعارضة أكثر حساسية تجاه أي مبادرة قانونية قد تُفسَّر على أنها تمهيد لتمديد الحكم، وتنعكس هذه الذاكرة في التشكيك المسبق في نوايا السلطة، والربط التلقائي بين الإصلاح القانوني والتعديل الدستوري، ورفض أي تغييرات تمس قواعد التداول السلمي للسلطة في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
ومن هذا المنظور، يصبح مشروع قانون الاستفتاء الحالي اختبارًا حساسًا لحدود التشابه والاختلاف بين سياقين سياسيين ليس بينهما فاصل زمني، بل يجمعهما الجدل ذاته حول كيفية توظيف النص الدستوري في إعادة تشكيل قواعد السلطة والحكم.
غير أن الفارق الجوهري اليوم يكمن في مستوى الاستقطاب السياسي وتراجع منسوب الثقة بين السلطة والمعارضة، بما يجعل أي خطوة باتجاه تعديل الإطار الدستوري قابلة للتأويل كمسار نحو إعادة إنتاج نموذج الحكم ذاته، لا مجرد تطويره.
[1] دارت الحرب الأولى بين عامي 1996 و2003، وتداخلت فيها أطراف إقليمية ودولية عديدة، وكان أطرافها الرئيس موبوتو سيسي سيكو الذي حكم البلاد لأكثر من 30 عامًا، مقابل “تحالف القوى الديمقراطية لتحرير زائير” بقيادة لوران كابيلا (الرئيس التالي لموبوتو، ووالد الرئيس السابق جوزيف كابيلا) بدعم عسكري مباشر من رواندا وأوغندا، وكان سببها المباشر الصراع في شرق الكونغو مع تدفق اللاجئين الهوتو بعد الإبادة الجماعية في رواندا 1994، وحملات التطهير ضد التوتسي في الكونغو، وقد أسفرت عن سقوط نظام موبوتو، ودخول كابيلا إلى كينشاسا، وتغيير اسم الدولة من “زائير” إلى “جمهورية الكونغو الديمقراطية”.
أما حرب الكونغو الثانية بين 1998 و2003، فتعرف بـ”حرب إفريقيا العظمى” نظرًا لتعداد الأطراف فيها، ووقعت بسبب انقلاب رواندا وأوغندا على كابيلا الأب (الذي ساعداه في الوصول للحكم) بعد أن فشل في السيطرة على المتمردين المناهضين لهما في شرق الكونغو، بينما دعم حكومة كابيلا آنذاك أنجولا وزيمبابوي وناميبيا وتشاد، في حين دعمت روندا وأوغندا المتمردين هناك، قبل أن تنتهي رسميًا بتوقيع اتفاق بريتوريا الذي أقر أفضى إلى تشكيل حكومة انتقالية بعد اغتيال لوران كابيلا وتولي ابنه جوزيف الحكم.
[2] كان تشيسيكيدي (الأب) وزيرًا سابقًا في عهد الرئيس موبوتو سيسي سيكو، وقد ترك الحكومة عام 1980م عندما قرر الرئيس موبوتو إلغاء الانتخابات، فأصبح تشيسيكيدي وهو الرئيس السابق للحكومة بين عامي 1992 و1993م شخصية معارضة بارزة، كما قاطع انتخابات 2006م واتهم الحكومة وقتها بتزوير الانتخابات.











































